السهم الجنيد ينازل دلوت في دورة شهداء معركة الكرامة بمدينة رفاعة    إطلاق سراح آخر ضباط متّهمين بالتخطيط لانقلاب عسكري في السودان    وفاة رئيس نادي الهلال السوداني الأسبق    الوفد الإداري لنادي الصفا الأبيض يحل أزمة سكن البعثة بمدني    شاهد بالصور والفيديو.. "جرتق" العروسين (سعد وكادي) يشعل مواقع التواصل السودانية والعروس تكتب لعريسها: (انتو م فاهمين عمق الحب ال بحبه لهذا الرجل)    شاهد بالصور والفيديو.. "جرتق" العروسين (سعد وكادي) يشعل مواقع التواصل السودانية والعروس تكتب لعريسها: (انتو م فاهمين عمق الحب ال بحبه لهذا الرجل)    شاهد بالفيديو.. حظيت بأموال طائلة من النقطة.. الفنانة فهيمة عبد الله تغني بمزاج "رايق" بمشاركة طليقها أحمد الصديق بعد عودته للعزف معها ضمن فرقتها الموسيقية وساخرون: (شيرين وحسام حبيب فرع السودان)    شاهد بالفيديو.. ياسر العطا يهاجم قيادات الحرية والتغيير خلال مخطابته جمع غفير من الحاضرين: (قحاتة يا سجم الرماد) وأحد الحضور يخصص خالد سلك والعطا يرد عليه: (كلهم سجم رماد)    شاهد بالفيديو.. شاب سوداني يهاجم لاعبي صقور الجديان بعد فوزهم على لبنان: (في زول عاقل بغلب منتخب لبنان؟ هم أساس البطولة ودائماً بتقدوا الشغل ومافي حل غير بعد دا غير تجيبوا الكأس)    شاهد بالصور والفيديو.. مسيرات هادرة تسير معهم.. البرهان وأفورقي يتجولان وسط المواطنين بشوارع بورتسودان    ولماذا لا يحقق الهلال المفاجأة أمام لولوبو؟    الرئيس الإريتري يستقبل رئيس مجلس الوزراء    الهلال السوداني يحفزّ لاعبيه قبل التحديّ الخطير    كامل إدريس يلتقي المبعوث الأممي للسودان    عاجل.. الجيش يستهدف كاودا وخسائر فادحة للحلو    العطش يضرب القسم الشمالي، والمزارعون يتجهون للاعتصام    ليفربول ينتظر ردا حاسما من "فيفا" قبل اتخاذ قرار مهم بشأن محمد صلاح    مقص جراحي داخل بطن مريض في البشير.. ولجنة تحقيق لكشف الملابسات    إخطار جديد للميليشيا ومهلة لأسبوع واحد..ماذا هناك؟    في الشتاء.. 4 أنواع من الفاكهة يجب ألا تستغني عنها    بيان لدرع السودان بشأن أحداث ود مدني    إحباط تهريب أكثر من (18) كيلوجرامًا من الذهب في عملية نوعية    مقترح برلماني بريطاني: توفير مسار آمن لدخول السودانيين إلى بريطانيا بسهولة    ترامب: أي وثيقة وقعها "النعسان المتعجرف" بايدن باستخدام القلم الآلي ملغاة ولن يكون لها أي أثر    الرئيس الأمريكي يعلن وقف الهجرة بشكل دائم من كل دول "العالم الثالث"    عقوبات قاسية على نادي الهلال السوداني    الشرطة في السودان تعلن عن إحباط المحاولة الخطيرة    الميليشيا ترتكب خطوة خطيرة جديدة    إحباط تهريب أكثر من (18) كيلوجرامًا من الذهب في عملية نوعية    مخاوف من تأثر أسواق دارفور بقرار منع حظر خروج السلع من الشمالية    بالصورة.. مذيعة سودانية كانت تقيم في لبنان: (أعتقد والله اعلم إن أنا اكتر انسان اتسأل حشجع مين باعتبار اني جاسوسة مدسوسة على الاتنين) والجمهور يسخر: (هاردلك يا نانسي عجرم)    وصول 260 ألف جوال من الأسمدة لزراعة محاصيل العروة الشتوية بالجزيرة    رباعية من أيندهوفن في ملعب أنفيلد تعمق معاناة ليفربول    إبراهيم شقلاوي يكتب: الكهرباء وفرص العودة إلى الخرطوم    شاهد بالفيديو.. التيكتوكر المثيرة للجدل سماح عبد الله تسخر من الناشطة رانيا الخضر والمذيعة تغريد الخواض: (أعمارهن فوق الخمسين وأطالبهن بالحشمة بعد هذا العمر)    شاهد بالصورة والفيديو.. بثوب فخم ورقصات مثيرة.. السلطانة تشعل حفل غنائي بالقاهرة على أنغام "منايا ليك ما وقف" والجمهور يتغزل: (كل ما نقول نتوب هدى عربي تغير التوب)    مصر.. تحذيرات بعد إعلان ترامب حول الإخوان المسلمين    شاهد.. بعبارة "كم شدة كشفت معادن أهلها" صورة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تزين شوارع العاصمة السودانية الخرطوم    لماذا يصعب الإقلاع عن التدخين؟    "نفير الأغاني".. رهان على الفن من أجل السلام    لجنة عودة المواطنين للعاصمة تتفقد أعمال تأهيل محطات المياه والكهرباء بمحلية الخرطوم    لماذا لا ينبغي التعويل على تصريحات ترامب    ادارة مكافحة المخدرات ولاية النيل الابيض تضع حدا لنشاط شبكة إجرامية متخصصة في الإتجار وتهريب الحبوب المخدرة    الشتاء واكتئاب حواء الموسمي    عثمان ميرغني يكتب: تصريحات ترامب المفاجئة ..    شاهد.. صور ولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان مع علم السودان تتصدر "الترند" على مواقع التواصل والتعليقات تنفجر بالشكر والثناء مع هاشتاق (السودان بقلب بن سلمان)    الطيب صالح ناهض استعلاء السلطة عبر "الكتابة السوداء"    الطاهر ساتي يكتب: مناخ الجرائم ..!!    الطاهر ساتي يكتب: أو للتواطؤ ..!!    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    ما الحكم الشرعى فى زوجة قالت لزوجها: "من اليوم أنا حرام عليك"؟    مخبأة في باطن الأرض..حادثة غريبة في الخرطوم    حسين خوجلي: (إن أردت أن تنظر لرجل من أهل النار فأنظر لعبد الرحيم دقلو)    حسين خوجلي يكتب: عبد الرجيم دقلو.. إن أردت أن تنظر لرجل من أهل النار!!    وزير الصحة يوجه بتفعيل غرفة طوارئ دارفور بصورة عاجلة    تركيا.. اكتشاف خبز عمره 1300 عام منقوش عليه صورة يسوع وهو يزرع الحبوب    (مبروك النجاح لرونق كريمة الاعلامي الراحل دأود)    المباحث الجنائية المركزية بولاية نهر النيل تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في تزوير الأختام والمستندات الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجيوش والثورات العربية.. السودان والجزائر نموذجين .. بقلم: عصام شعبان
نشر في سودانيل يوم 08 - 06 - 2019

أحدثت العلاقات المتداخلة، بين الحركة الوطنية والجيوش في البلاد العربية، خلال نهايات القرن التاسع عشر، ودور نظم دولة الاستقلال خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، تشوّشا في الرؤية، فيما يخص موقف الجيوش من الثورات والانتفاضات العربية التي اندلعت منذ 2010. تباينت المواقف، انطلاقا من التعميم في القياس، أو خصوصية التجربة، لتحديد موقف فكري وسياسي من أدوار الجيوش حديثا، وعلاقتها بالمجتمع والدولة والسياسة، وعاد هذا الموضوع مرتكزا للنقاش خلال الثورات العربية، وتجدّد مع انتفاضتي الشعب السوداني.
هناك منهج وزوايا في تحليل علاقات المؤسسات العسكرية بالانتفاضتين، تعتمدان على تجربة ومنهج تاريخي، مع تأثيرات عاطفية، ومواقف لحظية ترتبط بتدخل الجيوش في الانتفاضة لحظة انتصارها، وربما ما بدا أنها تنتصر لحركة الجماهير ضد المستبد. يقع التحليل المشوب بالأمل أحيانا أو خصوصية تجربة ما في مأزق، حيث لا يأخذ في الاعتبار منهج التحليل الطبقي والمصالح الاجتماعية ودوائر التأثير الأخرى التي تحدّد أدوار المؤسسات الصلبة من الحركات الجماهيرية، بما فيها الانتفاضات والثورات.
ويتمثّل مأزق استدعاء التاريخي أنه يتناسى التغيرات التي تطرأ على مكونات مؤسسات الدولة (الجيش والأجهزة الأمنية والبيرقراطية) وأدوارها، وعلاقتها بالسلطة الحاكمة، وبالقطاعات الشعبية، وكذلك موقفها من قضايا التغيير السياسي والاقتصادي، وعلاقة ذلك بمصالحها وارتباطاتها الاقتصادية والسياسية، وعلاقتها الإقليمية والدولية. وتنتج من حالة استدعاء التاريخ وإسقاطه على انتفاضتي الشعبين، الجزائري والسوداني، مشكلات عديدة، لا يساهم القياس هنا في تقديم رؤية موضوعية، كما أن تداخل العاطفة والحالة والمواقف اللحظية للانتفاضة لتحديد موقف القوى السياسية والنخب من دور الجيش سياسيا مضلل.
وقد حظيت الجيوش العربية بمكانة متميزة، وقبول شعبي، ارتبط بأدوار وطنية تاريخية، مقاومة المحتل، وبناء الدولة وتنظيمها، ونصرة الطبقات الشعبية عبر جهاز الدولة، فتكوّن لدى الشعوب منظور أن جهاز الدولة ليس جهازا للقهر فقط، كما تنطلق المقولات الماركسية. واختلطت في هذه الأدوار، لدى قطاعات شعبية ولدى جنرالات الجيوش، الرواسب الثقافية بالتجربة التاريخية، تمثلت حديثا في خطابات عاطفية عن انحياز الجيش للشعب والثورة، وحمايته لهما، بجانب عبارات تقف على النقيض تهدّد بالفوضى والاحتراب وتدمير الدول والمؤامرات الخارجية والداخلية وغيرها.
وبحكم أن تكوينات الجيش، وخصوصا الجنود والقيادات الوسيطة، أكثر تأثرا بالأفكار الإصلاحية ودعاوي التغيير، ويملكون أدوات القوة لفرضها، خصوصا مع امتزاج آمال التغير الاجتماعي مع مقاومة قوى الاحتلال، لعبت الجيوش دورا مؤثرا في السياسة وبناء جهاز الدولة في عدة دول عربية.
وقد استمرت تجارب "دولة الاستقلال" في نجاحات وإخفاقات، لتبدأ مرحلة جديدة في السبعينيات، تبني فيها الجيوش سلطتها الجديدة، وترتيب أوضاعها، التحكّم في الدولة وعسكرتها، خفوت الخطاب القومي والعروبي، وتراجع الدور الاجتماعي للدولة، وبداية الانسحاب من أدوارها اقتصاديا واجتماعيا، وتعمّق أدوارها في الضبط عبر استخدام أجهزة الأمن. صحيح أن بعضها حاول إيجاد تعدّدية حزبية، بعد نموذج الحزب الواحد (تجربتا مصر وتونس نموذجا)، لكن ذلك لم يؤدِّ إلى ديمقراطية تعدّدية أو مساحات لتمثيل مصالح الطبقات عبر المنابر السياسية، وفرضت علاقات الزبونية بين السلطة وأصحاب المصالح الاقتصادية، وخصوصا كبار الرأسماليين.
على مشارف التسعينيات، أصبحت سلطة الرؤساء في الزي المدني، أبناء الجيوش وأجهزة الأمن، تمثيلا للطبقات المتنفذة. وأصبح مشهد تحالف السلطة والرأسمال المحلي والعالمي شديد الوضوح، وأصبح جهاز الدولة أداةً للثراء، والسيطرة على أجهزة الأمن ضمانا للحماية واستمرار النظم. ماتت دولة الاستقلال التاريخية، لا شرعية لها، ودورها الوظيفي مات إكلنيكيا، فلا دور اجتماعيا للدولة التي تمثلها، ولا حريات سياسية، ولا نموذجا للتداول السياسي، أو حتى تجديد الدماء في بنية السلطة.
حراكات وجيوش
مع اندلاع الانتفاضات العربية خلال 2010- 2011، سقطت النظم سريعا نتاج حركة الجماهير المندفعة. اختمرت هذه الحركة ونضجت، بعدما تصاعدت حدتها، وعبرت عن أزمات اجتماعية وسياسية متراكمة، منها انتفاضات الخبز في مصر وتونس والسودان والجزائر (1977،1984،1985، 1988) وانتفاضات عربية أخرى أقل (يمكن مراجعة كراسة الانتفاضة لسلامة كيلة)، غالبا ما كان يدخل فيها الجيش أداة ضبط، وإرجاع الانتفاضة إلى الشوارع الجانبية، ليأخذ النظام أنفاسه، ويستعد للحكم مرة أخرى. يمكن أيضا تأمل موقف الجيش الجزائري في العام 1991، والعشرية السوداء بعد ذلك، أو ما شهدها السودان من انقلاباتٍ متعدّدة منها، الانقلاب الذي جاء بالرئيس عمر البشير عام 1989.
تولدت الثورات المضادة مع أولى جولات الحراك الشعبي، تبدأ دوائر السلطة في ترتيب أوراقها، بما تملكه من أدوات سيطرة يقع في قلبها قادة أدوات القمع (الأجهزة الأمنية) وجماعات المصالح الاقتصادية، وما يمثلهم من شكل سياسي (الحزب الحاكم) وأجهزة دعاية. تختار هذه المجموعات أمام الحراك تقديم تنازلاتٍ من أجل إعادة تدوير النظام وإنتاجه، لكي تحافظ على ما راكمته من مصالح اقتصادية، وأوضاع اجتماعية، وسلطة سياسية مهيمنة، وعلاقات دولية وإقليمية، خصوصا بعد تفتت النهج العروبي الوحدوي، وصعود الأحلاف والتكتلات الإقليمية المرتبطة بقوى عالمية.
تقع الجيوش هنا في معضلة بوصفها تحمي الاستقرار والأمن، في إطار نظم استبدادية، أغلبها استند إليها للقيام بهذا الدور، يصبح بجانب عقيدتها الوطنية المتمثلة في الدفاع عن الوطن، الدفاع عن نظام حاكم مستبد، أصبحت جزءا منه، بحكم ترابط المصالح وتدجين قيادتها، واتفاقات داخل النظام.
في حالة انتفاضات الشعوب، وبدء مؤشّرات تفكّك النظام، تعود الجيوش إلى مهمتها في حفظ النظام وجهاز الدولة. تتقدم خطوة إلى الأمام، وتأخذ دورها في تحقيق تغيير يرضي الحراك الجماهيري، ويسمح لها أيضا باستعادة دورها، وترتيب الأوضاع مستقبلا، بل والوثوب إلى الحكم بشكل مباشر. تكون الانتفاضة الشعبية طريقا لذلك. يضع قادة الجيش أنفسهم حكاما لمرحلة انتقالية قد تطول، متعلّلين بحفظ النظام، وحماية الدولة والوطن، يهيمنون إن استطاعوا، ويشرّعون ويكتبون الدساتير ويصدرون القوانين، وتظهر الجيوش نفسها مدفوعة إلى هذا الدور الضروري لحفظ الدولة، وأيضا حفظ مصالحها وامتيازاتها.
عادت إلى النقاش علاقة الجيوش بالسياسة، مع اندلاع الانتفاضات العربية، ومسألة تحديد موقف فكري وسياسي بشأن العلاقات المدنية العسكرية. ارتبط ذلك بتاريخ المنطقة التي ارتبطت فيه أغلب أنظمة دولة الاستقلال بالجيوش، ولكن أغلب النقاش يطرح بشأن "العلاقات المدنية العسكرية"، في ظاهرة توحي بانفصال الجيوش عن الدولة والشعب، والاعتراف بذلك ضمنيا، لا نقده من أجل نموذج يطو!ر المنطقة والمجال العام والبيئة السياسية. وتجب إعادة النظر بتسليم بعض الباحثين والسياسيين بهذه العلاقة، وبأن الجيوش تمثل لاعبا سياسيا، وربما دولة داخل الدولة، ليس على مستوى التحليل فحسب، ولكن على مستوى الرؤية وإعادة الأمور إلى نصابها، بأن تكون المهمة الأساسية للجيوش، والمرتبطة بالعقيدة الوطنية والقتالية، حماية الحدود وأمن البلاد، وليس تدخل الجيوش بوصفها طرفا في المعادلة السياسية. وهذا النقد ضروري لاستعادة أدوار الجيوش وعقيدتها الوطنية، وحمايتها من الانقسام والتشرذم أو التطيف والجهوية. كما شهدنا ذلك في تجارب عربية، التصقت فيها الجيوش بحكامها. وعلى من انتمى لجهاز الدولة إن أراد خوض المعترك السياسي أن يمارس ذلك منفصلا عن موقعه في مؤسسات الدولة، وهذه أبسط القواعد إن أردنا إصلاحا حقيقيا في الوطن العربي.
يعدّ الجيش السوداني الأكثر انقلابا عربيا، ففي كل مراحل الحراك السوداني، منذ الاستقلال في العام 1956. ينقلب أو ينتهز ضعف النظام وارتباكه وأزماته، حين تندلع انتفاضة، ليسطو عليها بقادة جدد بدلا من القائمين، ليجدد النظام نفسه بسلطة جديدة، أو يتقاسمها إذا استشعر قوة الحراك وانفصال قواعده من صفوف الجنود والضباط الصغار عن قياداته الطامعة في السلطة، والمختلفة طبقيا واجتماعيا عن قواعد الجيش التي غالبا ما تنتمي اجتماعيا إلى المحتجين بشبكاتٍ عائليةٍ ومناطقية، وتشاركهم الظروف المعيشية، وهو ما تحقّق في السودان نفسه خلال اعتصام القيادة العامة. استشعرت قيادة الجيش عدم قدرتها على التحكّم الكامل في قواعدها. كانت احتمالات توسع الانتفاضة ستقسم صفوفها، خصوصا في المواجهات العنيفة ضد الاعتصام خلال الأسبوع الأول من إبريل/ نيسان، والذي ظهر فيه تعاطف كثيرين من جنود الجيش وضباطه مع الانتفاضة، وحمايتهم للمعتصمين، ما ساهم في تغير موقف الجيش ولهجته.
اختار الجيش إزاحة البشير، والقبض على وزراء في حكومته وقيادات حزبه، المؤتمر الوطني، إلا أنه أعلن فترة انتقالية مدة عامين. وحين رفضت قوى الحراك ذلك، ورفعت شعار "تسقط تاني" إلحاقا بشعار "تسقط_بس" ضد البشير، اختار الجيش التفاوض والمناورة مع قوى الحراك. وما زال المجلس العسكري السوداني رافضا الاستجابة لمطالب قوى التغيير والحرية، في انتقال السلطة إلى حكومة مدنية، يتولى فيها الجيش مهام الأمن والدفاع. وهو يحاول تقسيم صفوف قوى الثورة، متسلحا بخبراتٍ سابقة، وربما باستشارات إقليمية تحاول تكرار المشهد المصري، مستخدما أساليب، منها إغراء قوى سياسية إصلاحية بمواقع سياسية مستقبلا مقابل استمالتها، أو الخلط ما بين قوى الثورة وقوى سياسية وحزبية كانت حليفة للسلطة، لتشويش المشهد وإظهار الجيش أنه يتحاور مع الجميع، فيصبح الحوار ملهاة، بالإضافة إلى محاولات اللعب على وتر تقسيم قوى الثورة ما بين النخب والشباب، وتشويه قوى الحرية والتغيير والقوى الراديكالية وتجمع المهنيين، واعتبارهم ضد الدين، دعاة فوضى وشذاذ آفاق، كما كان يسميهم نظام البشير في انتفاضة 2013.
يقابل الحراك هذه التحديات بصمود رغم ضخامتها، سيما بعد مجزرة فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم، وسقط فيها 108 قتلى. وأغلب الظن أنه سيحاول تجاوزها. وليس أمام الجيش السوداني سوى إعادة تموضعه في خريطة السلطة ومكوناتها، في مواجهة شعبٍ مثقفٍ ذي خبرة، وتجارب سياسية هي الأعمق في الحراك السياسي في الوطن العربي. ولذلك ليس من السهل أن يسطو الجيش على السلطة، من دون تفتيت قوى الاحتجاج أو هزيمتها، الأمر الذي يتضح أنه صعب، بحكم صلابة قوى الحراك، وقدرتها على المقاومة، بقدر المأساة التي خلفها نظام البشير.
ويعد موقف المؤسسة العسكرية من مستقبل الحكم فيما بعد الانتفاضة في السودان والجزائر الإشكالية الأساسية للحراك، وهي إشكاليات قديمة جديدة، ارتبطت بتاريخ المؤسسة وعلاقتها بالسياسة، وهو ما ذهب إلى جانب منه أنور عبد الملك في توصيفه حالة التطور المأزوم، أو ما طرحه عزمي بشارة في كتابه "الجيش والسياسة" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، وخصوصا فيما يتعلق بعسكرة المجتمع، وتأسيس أنظمة سلطوية مستندة إلى قوة صلبة في يد النظام، وإمكانية تدخل هذه القوة بشكل مستمر، وإعاقة تطور المجتمع.
وليست الحركات والانتفاضات الجماهيرية اليوم صورة من الماضي، كما أن القوة الأمنية والمؤسسة العسكرية اليوم ليست أيضا هي نفسها جيوشا تواجه قوى الاستعمار. ولذلك لا يجب أن نسحب الماضي على الحاضر. أصبحت المؤسسات العسكرية اليوم، إلى جانب مهامها الدفاعية، أداة ضبط داخلي بشكل أكبر، وفى الانتفاضتين، السودانية والجزائرية، (مع تقدير خصوصية كل تجربة)، تسعى لاستكمال أدورها السياسية، والحركات الجماهيرية تعي ذلك. وهي، على الرغم من عدم امتلاكها أطرا تنظيمية حزبية جماهيرية، تمتلك أدوات اتصال وتفاعل، وتتعلم الجماهير بشكل متسارع، وتشكل فئاتٍ كالتجمعات النقابية، وحركات الاحتجاج الشبابي، والفئات المفقرة، القلب الصلب للاحتجاج الساعي إلى تغير النمط السياسي ودمقرطته، وتغير بنية الاقتصاد، بما يحد من توسع الفساد والنهب، ويسمح لتلك الفئات بالعيش الكريم. وهذا الحراك ذاته هو ما يصحّح، في بعض الأحيان، خطوات القوى السياسية، الأمر الذي شهدناه في الحراكين، السوداني والجزائري. وهو نتاج حراك سابق، وإن كان في السودان كان أكثر بروزا وصوتا، بينما اقتصر في الجزائر على حركة رشاد وأنشطة معارضة ذات بعد ثقافي، كالأغاني، ومجموعات المدونين وبعض الاحتجاجات النقابية.
تدرك النظم أن زمن الهيمنة المطلقة لم يعد قائما، وحتى التي تسعى إلى الهيمنة الكاملة تخشى شبح الانتفاضة. ولذلك تكرس أدوات القمع الصلبة والناعمة. الزمن تغير، ولم تعد عوامل امتلاك القوة بالسلاح وحسب. هناك وسائل الاتصال والبث وتشكيل الوعي والقدرة على الحشد، ومراقبة العالم ما يجري. لم تعد هناك إمكانات لاستيعاب الكتل الشبابية، أو التحكم فيها، وقدرة المفقرين على الفعل، حتى لو معطلين، أصبحت أكبر، وهم وقود الحراك في انطلاقته حين يبدأ، وفي صموده حين يستمر.
إشكاليات بناء نظم جديدة
انطلقت انتفاضة الجزائر من إحساسٍ عام بالمهانة، نظام يحكم خلف رئيس قعيد منذ 2013، اختار أن يترشح لولاية خامسة، بينما سقطت عنه رمزية المجاهد في صفوف جيش التحرير الوطني الجزائري، وصورته مناورا سياسيا في الستينيات. شهدت الجزائر مظاهرات احتجاجية خلال فترة ترشحه الثالثة، في إبريل/ نيسان 2009، بعد تعديل الدستور لتمديد حكمه. دعم الجيش فترات حكم بوتفليقة، بل بالأساس تم استدعاؤه للرئاسة من الخارج، في 1999، ومرشحا وحيدا مدعوما من الجيش.
لم يكن الجيش الجزائري مرحبا بالحراك المعارض لترشح بوتفليقة للعهدة الخامسة. وسبق أن عبر رئيس أركان الجيش، أحمد قايد صالح، عن ذلك، قبل أن يغير تصريحاته، إلا أن الصراع في بنية مؤسسات السلطة ومكوناتها، سهّل أن يستجيب النظام (وخصوصا الجيش) لمطالب الانتفاضة وتنحية بوتفليقة. ومثلت الانتفاضة فرصةً للتخلص من بعض رموز السلطة، لتجدّد دماءها، لكن ذلك ليس معناه قبول قيادة الجيش مطالب الحراك و بناء نظام جديد، ورحيل أعمدة نظام بوتفليقة ومحاسبتهم. يبدو أن الجنرالات يريدون إعادة ترميم النظام بعد تفسخه، وبعد بروز صراعات بين مكوناته، كانت محل نقاش داخل المجتمع. وفي هذا السياق، تتهم قوى سياسية الجيش باستخدام القضاء، لإبعاد جزءٍ من مكونات النظام تحت بند مكافحة الفساد، بدا ذلك في تحقيقات مع بعض رجال نظام بوتفليقة، لكنها امتدت إلى سياسيين آخرين، وربما تستخدم لتصفية الحسابات.
في الوقت ذاته، ما زال الحراك يرفع مطالبه بتنحية رموز نظام بوتفليقة، وفيمن بينهم الرئيس المؤقت، عبد القادر بن صالح، ورئيس الوزراء نور الدين بدوي، إلى جانب المطالبة بنظام جديد، مبنيٍّ على قواعد ديمقراطية، يتم الاتفاق عليها خلال فترة انتقالية، بينما تريد قيادة الجيش إجراء انتخابات رئاسية بداية يوليو/ تموز 2019 على القواعد نفسها والدستور القديم، وبالتشريعات نفسها، الأمر الذي ربما يشير إلى سهولة إنتاج النظام مرة أخرى، غير أن ذلك لم يعد ممكنا، بعد الإعلان عن تعذر تنظيم الانتخابات الرئاسية في هذا الموعد.
في السودان هناك حوار متعثر بين قيادة الجيش وقوى الحرية والتغيير، سيما بعد مجزرة فض الاعتصام، وفترة انتقالية طويلة، تريد المعارضة أن تكون بيديها، بينما تطرح قيادة الجيش مسألة إجراء انتخابات خلال تسعة أشهر. وفي البلدين، الجزائر والسودان، تستخدم قيادتا الجيشين لغة عاطفية، وتهاجمان من يختلف معهما، بينما تصر قوى الحراك على مطالبها وتواجه مخاطر التفتيت والانقسام والإجهاد والتدخل الخارجي.
ليست هذه السطور في محل إصدار أحكام مسبقة على مستقبل الانتفاضتين، ودور مؤسسة الجيش، لكن الخبرات السابقة، وفي ضوء المعطيات الحالية، تأخذ كل سلطة جديدة ملامح من السلطة القديمة، كما أن مكونات السلطة التي رحل رموزها ستُجهّز بدائلها للمشاركة في المشهد السياسي، مستقبلا، أو الحفاظ بقدر الممكن على قواعد إدارة للحكم، بما يحافظ على أوضاعها ومصالح قادتها. ولذلك مهم أن تطرح قوى الحراك بدائلها السياسية، وبرنامجا اقتصاديا عاجلا، وآخر طويل الأجل، يحافظ على انتماء أوسع كتلة شعبية ممكنة للثورة، والالتفاف حول رموزها وقواها، فليست المشكلة في رؤوس الأنظمة السياسية في السودان أو الجزائر وحسب، ولكن ما أنتجه هذا النمط السياسي والاقتصادي من مشكلات.
////////////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.