اول اضراب للسلطة القضائية في تاريخ السودان .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    النيابة العامة تنفي شائعة عدم مقابلة اسر المعتقلين    السفارة السودانية بالقاهرة تستقبل بقية العالقين بمصر    جيران وزير الدفاع الراحل يحتجون على اقامة سرادق العزاء دون اعتبار لوباء كورونا    مطابع عملة حسب الطلب .. بقلم: د. كمال الشريف    الأصل اللغوي لكلمة (مُسْدار) في الشعر الشعبي .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    من الفاعل؟! .. بقلم: أبوبكر يوسف ابراهيم    المسرح موطنا لأيامي الجميلة: (بمناسبة اليوم العالمي للمسرح) .. بقلم: عبدالرحمن نجدي    السماح للطلاب العائدين من الصين بالدخول دون الحاجة لحجر اخر    السودان: لم نسجل أي إصابات جديدة بكورونا في البلاد    محاكمة شاب بسرقة ملبوسات من سوق    سوداكال يفاجئ شداد بشكوي للفيفا    مدرب المريخ يحتفل بعيد ميلاده ال(34)    الدفاع يوقف تنفيذ حكم الإعدام لخمسة مدانين من أبناء الفادنية    الكاف يهدد القمة السودانية بعدم المشاركة افريقيا العام القادم    اغلاق وزارة العدل للتعقيم بعد الاشتباه في حالة    كورونا ليست أختك فى الرضاعة!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    الكشف عن نتيجة تشريح جثة وزير الدفاع جمال عمر    الصحة : لم تسجل اي حالات جديدة بالبلاد    روحاني: سنتخذ إجراءات أكثر تشددا ضد حركة المواطنين للحد من تفشي فيروس "كورونا"    ترامب: سننتصر على فيروس كورونا وآمل أن يتم ذلك قبل عيد القيامة    النطق بالحكم في قضية متهم بقتل شاب بسبب تبرعات مسجد    نيابة اسطنبول تصدر لائحة اتهام بحق 20 سعوديا في قضية مقتل خاشقجي    ليبيا: المصاب الأول بالفيروس التاجي تجاوز مرحلة الخطر    تأجيل صرف معاش مارس    شعبة المخابز تطالب برفع الدعم عن دقيق الخبز    عناية الريِّس البُرهان من غير رأفة!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    الغرفة: حظر سفر البصات أحدث ربكة وسيتسبب في خسائر فادحة    ابرز عناوين الصحف السياسيه المحلية الصادرة اليوم الاربعاء 25 مارس 2020م    حفر لغوي مقارن في كلمة حُبّ amour الفرنسية .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    الموت في شوارع نيويورك..! .. بقلم: عثمان محمد حسن    من وحي لقاء البرهان ونتنياهو: أين الفلسطينيون؟ .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد    أمير تاج السر:أيام العزلة    "كرونا كبست" !! .. بقلم: عمر عبدالله محمدعلي    بوادر حرب الشرق الأوسط وقيام النظام العالمي الجديد أثر صدمة فيروس كورونا .. بقلم: يوسف نبيل فوزي    شذرات مضيئة وكثير منقصات .. بقلم: عواطف عبداللطيف    كده (over) .. بقلم: كمال الهِدي    الأَلْوَانُ وَالتَّشْكِيْلُ فِي التَّنّزِيْلِ وَأَحَادِيْثِ النَّاسِ وَالمَوَاوِيْلِ .. بقلم: فَيْصَلْ بَسَمَةْ    عندما لا يدوم نعيم .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة    نهاية كورونا .. بقلم: د عبد الحكم عبد الهادي أحمد    د.يوسف الكودة :حتى الصلاح والتدين صار (رجلاً )    مقتل 18 تاجراً سودانياً رمياً بالرصاص بدولة افريقيا الوسطى    حكاية .. بقلم: حسن عباس    والي الخرطوم : تنوع السودان عامل لنهضة البلاد    محمد محمد خير :غابت مفردات الأدب الندية والاستشهادات بالكندي وصعد (البل والردم وزط)    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الصين تُحارب الحرية في السودان .. بقلم: دلال البزري
نشر في سودانيل يوم 13 - 06 - 2019


مصادفة تاريخية أم ميعاد منطقي؟
"الربيع الصيني" الباكر، في ساحة تيانانمين وسط بكين، منذ ثلاثين سنة، في الرابع من يونيو/ حزيران عام 1989: كانت رصاصات الحزب الشيوعي الصيني الحاكم تُطلق على متظاهرين سلميين، يطالبون بالتحديث "الخامس"، أي بالحرية. بعد التحديثات الأربعة: الزراعة، الصناعة، العلوم والتكنولوجيا، والعسكر. ما الذي خطَر على بال الشباب الصيني وقتها، ليطالبوا بالحرية؟ قصة بسيطة: انفتاح بلدهم على الولايات المتحدة، و"تطبيع" العلاقات معها. بما سمح بتسرّب الأفكار الديمقراطية الهدّامة. ثم وبناء آمالٍ، لدى الشبيبة الصينية خصوصاً، بأن بلدهم ممكن أن يصبح فيه رؤساء منتخَبون، وحريات وإلى ما هنالك، بعد عقودٍ من الجنون الدموي، "الشعبي"، باسم "الثورة الثقافية"، وفشلها الذريع، وضحاياها بالملايين. حضور الشباب إلى ساحة تيانانمين للمشاركة بتظاهرة الديمقراطية هذه كان تتويجاً لأشهر من التظاهرات والإعتصامات والكتابات المبْتلية بأحلام الحرية؛ وقد تمكّن "الشيطان الأميركي" أن يزيِّنها لهم، بصفتها الطريقة الأكثر ملاءمة لهم، لا طريقة الحزب الشيوعي الصيني، الاستبدادية. والاعتقاد الذي أطلق وثْبتهم: الانفتاح الاقتصادي على السوق الرأسمالية لا بد له أن يقترن بالحرية، كما هو حاصلٌ في الأنظمة الرأسمالية العريقة. ولكن لا. المتظاهرون في الساحة قُتلوا وفُرِقوا ولوحقوا، وأُلبست روايتهم صمتاً من حديد.
الآن، تتعرّض الانتفاضة الشعبية السودانية للمصير نفسه. نساءٌ، رجال، شباب، شيوخ، من غالبية الفئات الاجتماعية السودانية، يطلقون هذه الانتفاضة منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي ضد حكم عسكري مليشياوي، ارتكب الفظائع على أنواعها. بتظاهراتٍ سلميةٍ واعتصاماتٍ وأهازيج وشعارات مبتكرة، ووجوه نسائية ناصعة، ومهرجانات، تجمع كل يوم أكثر فأكثر من الناس. وساحتها، بالقرب من مقر الحاكم العسكري، تحولت إلى مدرسةٍ في تاريخ السودان وتاريخ عمر البشير وجرائمه. ولكثرة حيويتها، صارت مركز الجذب، وسمّاها السودانيون "القيادة"، حيث تمكث الوجوه الحيّة للانتفاضة، وتقرّر أحيانا، وتتابع، وتفاوض.. تمكّنت الانتفاضة من إسقاط عمر البشير، مجرم الحرب الملاحَق دوليا. وتوقفت عند هذه النقطة. فالعسكر الذين تصدّروا المشهد، بعد إقالته، يلعبون باللغة وبالتحالفات الإقليمية. السعودية، الإمارات، مصر، هبّوا لمساعدتهم على إفشال الانتفاضة. بلا أي جدوى. إذ إنها تزداد كثافة وحضوراً على المسرح السوداني، فكان لا بد من الردّ، فهجوم المليشيات الرسمية وغير الرسمية على المعتصمين، بالآلاف، إطلاق الرصاص عليهم، وإشغال الحرائق في تلك الساحة، ورمي جثثٍ في النيل، ونزع الثياب الداخلية للنساء المعتصمات، وعرضها على أحبال الغسيل... كل هذا حصل في الثالث من يونيو/ حزيران، أي بعد ثلاثين سنة بالتمام والكمال، مع فرق يوم واحد، على مذبحة الصينية في ساحة تيانانمين.. عدد القتلى الصينيين في هذه الساحة بلغ الألفين. أما عدد القتلى السودانيين في ساحة "القيادة"، فيزيد كل يوم عن الآخر، وما حجْب الإعلام عن هذه الساحة سوى تشجيع على التخمين بأن عدد الشهداء السودانيين قد يتجاوز العدد الصيني.
ما علاقة الحدث الصيني القديم بالحدث السوداني الجديد؟ أن الصين، بعد ضربة ساحة تيانانمين، صارت أول دولة اقتصادية في العالم، ومرشّحة أن تكون، بعد الانكفاء الأميركي، أو في أثنائه، إلى أقوى دولة؛ أن تأخذ مكان الإمبريالية الأميركية، وتقود هي بنفسها هذا العالم. فيما دولة السودان، لا تكفيها الثلاثة مليارات دولار، هدية الإمارات والسعودية، ل"تنهض من بؤسها" الاقتصادي وتبعيتها السياسية لهؤلاء الشرطيين الإقليميين الثلاثة. وليكون "الاستقرار" مصيرها؛ أي ضرب الانتفاضة من أساسها، منعاً لمراودة السودانيين حلم آخر بالحرية.
الحد الأدنى المطلوب حفاظاً على بعض مياه الوجه كان مشروع إدانة صارمة، صادرا عن مجلس الأمن، اقترحته الدول الأوروبية والولايات المتحدة. حفاظاً على تراث الحريات، وإنْ بالكلام والبلاغة الفضفاضة. مجرد موقف "مبدئي"، مشروع متواضع، ولكن أيضاً محمول بمعانٍ ورموز.. هذا المشروع أحبطته الصين، رافعة شعاراتٍ عبثية مثل "الاستقرار" و"عدم التدخل". فالأمم المتحدة، بعد قرارات دونالد ترامب بتركها لمصيرها، أوجدت فراغاً، لم يكن مرشّحاً لملئه إلا الصين: القوية المستقرة الغنية. وبتأييد تلقائي من كوبا وروسيا، صار بوسعها أن تفرض مفهومها الخاص للحرية. حق التصويت والتعبير والتظاهر لا أساس له في شرعتها. فقط وحده حق بأن لا تجوع، أن تتنقل بواسطة القطار السريع، أن يكون بوسعك تتعلُّم الكتابة.. ديمقراطية شعبوية، على طريقة القذافي الخضراء، من دون عشوائيته. ومن المداولات الملموسة في أروقة الأمم المتحدة، ما يرْشح من التنين الصيني، أنه عازم على فرض تصوّره للنظام السياسي الأفضل على العالم؛ أي نظامه، بحزبه الشيوعي الحاكم، وباقتصاده الرأسمالي المنْفلت من عقاله، والمزدهر، حتى الآن.. ونحن هنا ما زلنا في بداية طريقه نحو "هيمنة فكرية"، مصحوبة الآن بتفوق اقتصادي، لن يلبث أن يتحوّل إلى عسكري – سياسي، وهلمّ جرّا..
كنا نعاير الإمبريالية والاستعمار الغربيَين بأنهما لا يبحثان إلا عن مصالحهما، وأنهما يريدان التحكُّم بمصائرنا، واستغلالنا، وأنهم ذبحوا شعوباً وأفنوها؛ وأنهم عندما يتكلمون عن "ديمقراطيتنا"، يتخابثون، يتلاعبون، متذرعين بها ليزيدوا من تدخلاتهم في شؤوننا.. إلخ. ولكن الغرب هذا كان متمرِّساً على الديمقراطية في أرضه. عنده كل مستلزماتها، وإن كانت ناقصة. أما الإمبريالية الصينية التي تطلّ برأسها علينا، فلم تعرف عهداً ديمقراطياً واحداً خلال تاريخها الطويل، الممْتد على خمسة آلاف سنة. وهي كما تبدو في هذه الطلاّت، استغلالية، حريصة على ما تسميه "استثماراتها" في الخارج، تدخلية، صريحة بعدائها للديمقراطية، بعدائها للثقافة الغربية. وصريحةٌ أيضاً بتبنيها الجزء الأسوأ من هذه الثقافة، أي الرأسمالية المتوحشة، المضبوطة بيد الحزب الشيوعي الحديدية. سوف نترّحم على الإمبريالية والاستعمار الغربيَين، عندما تكشِّر عن أنيابها كلها، وتأكل من لحمنا الحيّ الباقي.
نقلا عن العربي الجديد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.