هل فقدت الشخصية السودانية عذريتها ولم تعد بكرا ؟! .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    مع لجان المقاومة (2) "مليونية العدالة والتشريع" .. بقلم: محمد عتيق    تداعيات الصور المقلوبة على مستقبل السودان .. بقلم: حسن ابوزينب عمر    العَمْرَةْ، النَّفْضَةْ وتغيير المكنة أو قَلْبَهَا جاز .. بقلم: فيصل بسمة    تحرير الوقود من مافيا الوقود قبل الحديث عن تحرير أسعار الوقود .. بقلم: الهادي هباني    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    المريخ يتصدر بعد تعثر الهلال.. والأبيض والأمل يضمنان الكونفيدرالية    شخصيات في الذاكرة: البروفيسور أودو شتاينباخ .. بقلم: د. حامد فضل الله /برلين    عن القصائد المُنفرجة والمُنبهجة بمناسبة المولد النبوي الشريف .. بقلم: د. خالد محمد فرح    ضيق الايدولوجيا وسعة البدائل .. بقلم: د. هشام مكي حنفي    من كره لقاء الشارع كره الشارع بقاءه في منصبه!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    الهلال يتعثر أمام هلال الأبيض والمريخ يكتسح الأمل عطبرة ويلحق به على صدارة الدوري الممتاز    مؤشرات بداية عصر ظهور الإرادة الشعبية العربية .. بقلم: د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    ظلموك يا حمدوك ... وما عرفوا يقدروك! .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    التحالف باليمن: وصول 15 أسيرًا سعوديًا و4 سودانيين آخرين إلى الرياض    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    تقرير البيئة نحو اقتصاد أخضر مكسى بلون السندس تزفه أنغام السلام للأمام .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    هيئة مياه الخرطوم تكشف عن تدابير لمعالجة ضائقة المياه    الحمي النزفية في الشمالية.. بقلم: د. زهير عامر محمد    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





عند نهاية التاريخ، تظل الديموقراطية قياما
نشر في السوداني يوم 28 - 06 - 2014


ترجمة وتلخيص: محمد الصائم
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
يتذكر فرانسيس فوكوياما مقالته "نهاية التاريخ؟" في مجلة "ناشيونال إنتريست" في ربيع 1989. وبعد شهور معدودات حطم سور برلين (نوفمبر)، وانطلقت مظاهرات الصينيين في تيانانمين متزامنة مع موجة الديمقراطية في شرق أورربا وأميركا اللاتنينية وأفريقيا جنوب الصحراء. وحاجج الكاتب في تلك المقالة بأن التاريخ في فلسفته العامة يخالف ما تخيله اليساريون والماركسيون من أنه يؤدي للشيوعية. على العكس افترض فوكوياما أن التاريخ يتصاعد ناحية الحرية والحكومات المنتخبة وحقوق الأفراد ونظام حرية الحركة لرأس المال والعمال تحت مراقبة متواضعة من الدولة.
يبدأ فوكوياما مقالته بتقرير الأوضاع كما هي الآن في 2014. روسيا تحت نظام انتخابي متسلط يحركه البترودولار لاضطهاد جيرانها. رغم بقائها تسلطية، يجيء اقتصاد الصين ثانيا في العالم مع طموحات توسعية في بحر الصين الجنوبي والشرقي. ورجعت التهديدات القديمة للاستقرار العالمي على طرفي أوروبا وآسيا. المشكلة هذه الأيام أنه مع تقدم الأنظمة التسلطية هناك تراجع للديموقراطيات. انقلاب في تايلاند وفساد الحزبين في بنغلاديش وممارسات تسلطية في ديموقراطيات تركيا وسريلانكا ونيكاراغوا، وفساد يحاصر رومانيا وبلغاريا أعضاء الاتحاد الأوروبي الجدد. وتتعرض الديموقراطيات المتقدمة في أميركا والاتحاد الأوروبي لأزمة مالية حادة مع نمو ضعيف وعطالة مرتفعة. وحتى عند تحسن الاقتصاد في أميركا لا توزع الفوائد بعدالة، ولا يبدو النظام الحزبي حاد الاستقطاب مثالا جاذبا للمتطلعين للديموقراطية. يتساءل فوكوياما هل أثبتت الأيام خطأ مقولته عن نهاية التاريخ أم أنها تحتاج للمراجعة؟ يصر أن فكرته تبقى صائبة، لكنه يبدي تفهما لأشياء عديدة عن التطور السياسي كانت أقل وضوحا لديه في 1989. ويؤكد أن ديمومة النظام السياسي هي المقياس وليست الأحداث العابرة لعقد واحد من الزمان.
ويبدأ الكاتب بالنظر في تغيرات الأنظمة السياسية والاقتصادية لجيلين للوراء. لقد تضاعف الانتاج في الاقتصاد العالمي أربع مرات منذ السبعينيات وحتى أزمة 2008. لقد شهدت كل قارات العالم ازدهارا اقتصاديا بسبب حرية التجارة والاستثمار، بما في ذلك الصين وفيتنام الشيوعيتين حيث تسود قوانين السوق والمنافسة. من 35 ديمقراطية منتخبة عام 1974 تمثل 30% من الأقطار، قفز الرقم ل120 قطرا تمثل أكثر من 60% من كل الدول. ظهر في 1989 ما أسماه صمويل هنتينغتون "الموجة الثالثة" من الديموقراطية التي قبل 15 عاما بدأت من جنوب أوروبا ثم أميركا اللاتينية، ثم شملت افريقيا جنوب الصحراء وآسيا. وترافق ذلك مع نظام اقتصادي عالمي قائم على حرية السوق. دائما ما تعتمد الديموقراطية على طبقة وسطى واسعة، وقد شهد الجيل الأخير ظهور الشعوب المزدهرة صاحبة الأملاك، وهي أكثر مطالبة بحكومات يمكن مساءلتها من دافعي الضرائب. وفي الجانب الآخر تبقى أكثر الحصون تسلطا هي دول الثراء النفطي مثل روسيا وفينيزويلا وأنظمة الخليج (العربي) حيث "لعنة الموارد" عندما تهبط الثروة بلا دور للشعوب. لكن رغم ذلك يلاحظ د. دياموند ظهور تباطؤ ديموقراطي (على وزن تباطؤ اقتصادي) منذ 2005. ويرى معهد فريدوم هاوس (لدراسات الديموقراطية) أن هناك انحدارا في نزاهة الانتخابات وحرية التعبير وما يتعلق بالديموقراطيات كما وكيفا.
لكن يستدرك فوكوياما بالتحذير من اللبس حول ديموقراطيات قاصرة مقابل دكتاتوريات صريحة كما في تايلاند وروسيا ونيكاراغوا في السبعينيات. وبالرغم من الأيام الثورية المثيرة في ميدان التحرير بالقاهرة، يرى فوكوياما أن الربيع العربي لا يمكنه أن يولد ديموقراطية حقيقية ما عدا تونس حيث البداية. مع ذلك فلا يمكن اغفال ضرورة أن تكون الأنظمة العربية أكثر استجابة لاحتياجات الشعوب. أما التوقعات بأن يحدث ذلك بسرعة فهي مجرد أوهام غير واقعية. يذكرنا فوكوياما بأن ربيع الشعوب الأوروبية في 1848 تطلب 70 عاما لترسيخ الديموقراطية.
في عالم الأفكار لم يظهر أي منافس للديموقراطية الليبرالية. حتى فلاديمير بوتين وآيات الله في إيران يظهرون الولاء لها بينما هم يبطنون غيرها. مثال ذلك الاستفتاء الصوري في شرق أوكرانيا. ربما يتشوق بعض الراديكاليين لخلافة إسلامية في الشرق الأوسط لكنها ليست خيارا لأغلبية ساحقة لشعوب الدول الإسلامية. النظام الوحيد الذي يبدو منافسا هو ما يسمى "النموذج الصيني" الذي يخلط حكومة تسلطية مع اقتصاد سوق جزئي بدرجة عالية من الكفاءة التكنوقراطية والتكنولوجية. لكن إذا طلب منك أن تراهن أنه بعد خمسين سنة هل تصبح أميركا وأوروبا مثل الصين أم العكس، فإن الكاتب يراهن على الأخيرتين بدون تردد. ولأسباب عديدة يرى أن نموذج الصين بدون مستقبل أو ديمومة. تكمن شرعية النظام الصيني وحكم الحزب المتواصل على مواصلة معدلات النمو المرتفعة، الأمر الذي لا يمكن المحافظة عليه مع انتقال الصين من دولة الدخل المتوسط لدولة الدخل العالي. هناك تلوث وتسمم عاليان للتربة والهواء. ومع أن الحكومة أكثر استجابة من معظم الأنظمة التسلطية، لكن الطبقة الوسطى المتنامية لن ترضى عن الفساد الأبوي عندما تصبح الأوضاع سيئة. والنظام الصيني غير كوني كما ثبت من الشيوعية الماوية. مع تصاعد عدم المساواة وامتيازات البطانة السياسية فقط، لا يمثل "الحلم الصيني" إلا طريقا للقلة للثراء السريع.
مع ذلك يصر الكاتب أنه لا يمكننا أن نبقى مكتوفي الأيدي سعداء بانتصار الديموقراطية الحتمي. تبقى الديموقراطيات وتنجح بسبب رغبة الشعوب في الكفاح من أجل حكم القانون وحقوق الانسان والمساءلة السياسية، ولتحقيق ذلك تحتاج الشعوب القيادة الحكيمة والمقدرة التنظيمية وحظا جيدا صراحا. وأكبر معضلة تواجه الديموقراطية هو فشلها في توفير ما يحتاجه الشعب من حكومته: الأمان الشخصي والنمو المشترك، والخدمات الأٍساسية خصوصا التعليم والصحة والبنيات الأساسية. وكل ذلك ضروري لتحقيق النجاح الفردي. يركز أنصار الديموقراطية على الحد من تسلط وتمدد الدولة. لكنهم لا يعنون بنفس الدرجة بفاعلية الحكم، وكما قال وودرو ويلسون فهم أكثر حرصا ب"التحكم في الحكومة أكثر من مدها بالطاقة". ومن هنا كان مقتل الثورة البرتقالية في أوكرانيا التى أطاحت بفيكتور يانكوفيتش، ليخلفه الزعيمان فيكتور يوشتشينكو ويوليا تيموشينكو. بعد فشلهما في محاربة الفساد وتأسيس إدارة فعالة بما في ذلك الجزء الناطق بالروسية، سمح تلاعبهما وخلافاتهما بعودة يانكوفيتش سنة 2010 وتدخل روسيا وبوتين ثانية.
ونفس سوء الأداء يحيط بالهند الديموقراطية مقارنة بالصين التسلطية. الهند من الداخل مثل صناعة السجق لا تبدو جذابة، اذ ينتشر فيها الفساد والمحاباة، و34% من الفائزين في الانتخابات لديهم اتهامات جنائية مجمدة أمام القضاء بما في ذلك تهم بالقتل والاختطاف والاعتداء الجنسي. يضعف حكم القانون في الهند بالبطء وعدم الفعالية ووفاة الشاكين قبل أن ينظر القضاء في قضاياهم وهناك أكثر من ستين ألف قضية متأخرة لدى المحكمة العليا. مقارنة بالصين التسلطية فإن الهند قاصرة جدا في توفير بنيات تحتية حديثة أو خدمات أساسية مثل المياه النظيفة أو التعليم الأساسي. وفي بعض الولايات الهندية يتغيب 50% من المعلمين عن العمل. تم انتخاب ناريندرا مودي بأغلبية تلفت النظر على أمل أن يحقق شيئا ويتجاوز ثرثرة السياسيين التقليديين بالرغم من أنه من غلاة الهندوس ذو تاريخ مزعج في التغاضي عن العنف الموجه ضد المسلمين (أخشى أن تكون أحداث سريلانكا ضد المسلمين مقدمة لما سيحدث في الهند بعد انتخاب مودي– المترجم).
ويفشل الأميريكيون أكثر من غيرهم في فهم الحاجة لحكومة فعالة. يظن جورج بوش (الابن) بأن العراق سيشهد حكومة ديموقراطية واقتصاد السوق بمجرد إسقاط دكتاتورية صدام حسين، بدون أن يعي أن الحكومة هي تفاعل مؤسسات معقدة مثل الأحزاب والمحاكم وحقوق التملك العقاري والهوية الوطنية المشتركة. هذه المؤسسات ترسخت عبر عقود وقرون عديدة في الدول المتقدمة. ويمتد عجز الحكومة داخل الولايات المتحدة نفسها حيث نشأ الدستور ليحد من تغولات الحكومة. لكن هذه الوسائل للضبط والربط أصبحت فيتوقراطية تحت الجو المسمم في واشنطن واعتراضات الكونغرس. أصبحت الحكومة عاجزة عن الحركة وتواجه مشاكل خطيرة مزمنة كان يمكن حلها بتنازلات من الطرفين. وبسبب عدم اجازة الميزانية ثم إغلاق الحكومة وبسبب طريقة دفع الديون، ومع الأداء الإبداعي الإعجازي للاقتصاد الأمريكي، يرى فوكوياما أن الحكومة الأمريكية تقدم نموذجا محبطا للديموقراطية.
وبعد خمسة وعشرين عاما فإن أكبر تهديد لفرضية نهاية التاريخ ليس بسبب أن هناك نموذجا أفضل يمكنه أن يسمو على الديموقراطية الليبرالية. لا الثيوقراطية الإسلامية ولا الرأسمالية الصينية. عندما تصعد المجتمعات بالسلم المتحرك للتصنيع، فإن هياكلهم الاجتماعية تتغير بطريقة تؤدي لمطالب بمزيد من المشاركة السياسية. إذا نجحت النخبة السياسية في استيعاب هذه المطالب، نصل لإصدارة ما من الديموقراطية. السؤال هو هل تصعد كل الدول حتما بذلك السلم المتحرك؟ يرى فوكوياما أن المشكلة خليط من السياسة والاقتصاد الذي يتطلب مؤسسات لإنفاذ العقود وتقديم خدمات يعتمد عليها. هذه المؤسسات يهددها الفقر المدقع والانقسام السياسي. مجتمعات عديدة تفادت هذه المصائد بالصدفة التاريخية، عندما أدت أشياء سيئة مثل الحروب لنتائج جيدة مثل الحكومات الحديثة. لكن لا يمكن التنبؤ بكيف تصطف النجوم لتجلب الحظ لأي كان.
مشكلة أخرى فاتت على فوكوياما كما يعترف بعد خمسة وعشرين عاما هي الانهيار السياسي، ذلك السلم المتحرك لأسفل. كل المؤسسات السياسية يمكنها أن تتضعضع، لأنها ذات قواعد جامدة ومحافظة إذ كانت استجابة لاحتياجات محددة في التاريخ وتجاوزها الزمن عندما تغيرت الظروف المحيطة. وحتى المؤسسات الحديثة التي صممت بعيدا عن الأشخاص يمكن أن يتلاعب بها أقوياء السياسة. الرغبة البشرية في مكافأة الأسرة والأصدقاء موجودة في كل الأنظمة السياسية – الرأسمالية والتسلطية. عندما تصبح الحريات امتيازات تمنح وتمنع. ويضرب فوكوياما مثلا بنظام الضرائب الأمريكية. ويصبح الثراء مرتبطا بمدى القرب من النظام السياسي واستغلال العلاقات الشخصية لتحقيق مصالح فردية. ويضعف دور التطور التكنولوجي في توزيع المنافع. رغم دور تقنية المعلومات في توزيع السلطة برخص المعلومة وسهولة الحصول عليها، لكن تلك التقنية تسحق الوظائف الأقل مهارة وتهدد بقاء الطبقة الوسطى الواسعة.
يطالب فوكوياما الذين ينعمون بالديموقراطية ألا يكونون قنوعين بما وصلوه. رغما عن تقلبات السياسة العالمية صعودا وهبوطا على المدى القصير، تبقى متانة الديمقراطية ثابتة. يشير الكاتب للتظاهرات الجماهيرية من أجل الديموقراطية التي تظهر من حين لآخر من تونس وحتى كييف أوكرانيا واستانبول تركيا حيث تطالب الشعوب بحقها في الكرامة والمساوة. ويشير لرغبة ملايين البائسين كل عام للهجرة من أماكن مثل غواتيمالا سيتي أو كراتشي ليصلوا لوس أنجيلوس أو لندن. مع تعاظم الأسئلة حول كيفية أن يصل كل الناس لتلك النهاية، يطالب فوكوياما ألا يخامرنا شك حول أي نوع من المجتمعات ينتظرنا عند نهاية التاريخ.
* وول ستريت جورنال
،
فرانسيس فوكوياما *
ترجمة وتلخيص: محمد الصائم
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
يتذكر فرانسيس فوكوياما مقالته "نهاية التاريخ؟" في مجلة "ناشيونال إنتريست" في ربيع 1989. وبعد شهور معدودات حطم سور برلين (نوفمبر)، وانطلقت مظاهرات الصينيين في تيانانمين متزامنة مع موجة الديمقراطية في شرق أورربا وأميركا اللاتنينية وأفريقيا جنوب الصحراء. وحاجج الكاتب في تلك المقالة بأن التاريخ في فلسفته العامة يخالف ما تخيله اليساريون والماركسيون من أنه يؤدي للشيوعية. على العكس افترض فوكوياما أن التاريخ يتصاعد ناحية الحرية والحكومات المنتخبة وحقوق الأفراد ونظام حرية الحركة لرأس المال والعمال تحت مراقبة متواضعة من الدولة.
يبدأ فوكوياما مقالته بتقرير الأوضاع كما هي الآن في 2014. روسيا تحت نظام انتخابي متسلط يحركه البترودولار لاضطهاد جيرانها. رغم بقائها تسلطية، يجيء اقتصاد الصين ثانيا في العالم مع طموحات توسعية في بحر الصين الجنوبي والشرقي. ورجعت التهديدات القديمة للاستقرار العالمي على طرفي أوروبا وآسيا. المشكلة هذه الأيام أنه مع تقدم الأنظمة التسلطية هناك تراجع للديموقراطيات. انقلاب في تايلاند وفساد الحزبين في بنغلاديش وممارسات تسلطية في ديموقراطيات تركيا وسريلانكا ونيكاراغوا، وفساد يحاصر رومانيا وبلغاريا أعضاء الاتحاد الأوروبي الجدد. وتتعرض الديموقراطيات المتقدمة في أميركا والاتحاد الأوروبي لأزمة مالية حادة مع نمو ضعيف وعطالة مرتفعة. وحتى عند تحسن الاقتصاد في أميركا لا توزع الفوائد بعدالة، ولا يبدو النظام الحزبي حاد الاستقطاب مثالا جاذبا للمتطلعين للديموقراطية. يتساءل فوكوياما هل أثبتت الأيام خطأ مقولته عن نهاية التاريخ أم أنها تحتاج للمراجعة؟ يصر أن فكرته تبقى صائبة، لكنه يبدي تفهما لأشياء عديدة عن التطور السياسي كانت أقل وضوحا لديه في 1989. ويؤكد أن ديمومة النظام السياسي هي المقياس وليست الأحداث العابرة لعقد واحد من الزمان.
ويبدأ الكاتب بالنظر في تغيرات الأنظمة السياسية والاقتصادية لجيلين للوراء. لقد تضاعف الانتاج في الاقتصاد العالمي أربع مرات منذ السبعينيات وحتى أزمة 2008. لقد شهدت كل قارات العالم ازدهارا اقتصاديا بسبب حرية التجارة والاستثمار، بما في ذلك الصين وفيتنام الشيوعيتين حيث تسود قوانين السوق والمنافسة. من 35 ديمقراطية منتخبة عام 1974 تمثل 30% من الأقطار، قفز الرقم ل120 قطرا تمثل أكثر من 60% من كل الدول. ظهر في 1989 ما أسماه صمويل هنتينغتون "الموجة الثالثة" من الديموقراطية التي قبل 15 عاما بدأت من جنوب أوروبا ثم أميركا اللاتينية، ثم شملت افريقيا جنوب الصحراء وآسيا. وترافق ذلك مع نظام اقتصادي عالمي قائم على حرية السوق. دائما ما تعتمد الديموقراطية على طبقة وسطى واسعة، وقد شهد الجيل الأخير ظهور الشعوب المزدهرة صاحبة الأملاك، وهي أكثر مطالبة بحكومات يمكن مساءلتها من دافعي الضرائب. وفي الجانب الآخر تبقى أكثر الحصون تسلطا هي دول الثراء النفطي مثل روسيا وفينيزويلا وأنظمة الخليج (العربي) حيث "لعنة الموارد" عندما تهبط الثروة بلا دور للشعوب. لكن رغم ذلك يلاحظ د. دياموند ظهور تباطؤ ديموقراطي (على وزن تباطؤ اقتصادي) منذ 2005. ويرى معهد فريدوم هاوس (لدراسات الديموقراطية) أن هناك انحدارا في نزاهة الانتخابات وحرية التعبير وما يتعلق بالديموقراطيات كما وكيفا.
لكن يستدرك فوكوياما بالتحذير من اللبس حول ديموقراطيات قاصرة مقابل دكتاتوريات صريحة كما في تايلاند وروسيا ونيكاراغوا في السبعينيات. وبالرغم من الأيام الثورية المثيرة في ميدان التحرير بالقاهرة، يرى فوكوياما أن الربيع العربي لا يمكنه أن يولد ديموقراطية حقيقية ما عدا تونس حيث البداية. مع ذلك فلا يمكن اغفال ضرورة أن تكون الأنظمة العربية أكثر استجابة لاحتياجات الشعوب. أما التوقعات بأن يحدث ذلك بسرعة فهي مجرد أوهام غير واقعية. يذكرنا فوكوياما بأن ربيع الشعوب الأوروبية في 1848 تطلب 70 عاما لترسيخ الديموقراطية.
في عالم الأفكار لم يظهر أي منافس للديموقراطية الليبرالية. حتى فلاديمير بوتين وآيات الله في إيران يظهرون الولاء لها بينما هم يبطنون غيرها. مثال ذلك الاستفتاء الصوري في شرق أوكرانيا. ربما يتشوق بعض الراديكاليين لخلافة إسلامية في الشرق الأوسط لكنها ليست خيارا لأغلبية ساحقة لشعوب الدول الإسلامية. النظام الوحيد الذي يبدو منافسا هو ما يسمى "النموذج الصيني" الذي يخلط حكومة تسلطية مع اقتصاد سوق جزئي بدرجة عالية من الكفاءة التكنوقراطية والتكنولوجية. لكن إذا طلب منك أن تراهن أنه بعد خمسين سنة هل تصبح أميركا وأوروبا مثل الصين أم العكس، فإن الكاتب يراهن على الأخيرتين بدون تردد. ولأسباب عديدة يرى أن نموذج الصين بدون مستقبل أو ديمومة. تكمن شرعية النظام الصيني وحكم الحزب المتواصل على مواصلة معدلات النمو المرتفعة، الأمر الذي لا يمكن المحافظة عليه مع انتقال الصين من دولة الدخل المتوسط لدولة الدخل العالي. هناك تلوث وتسمم عاليان للتربة والهواء. ومع أن الحكومة أكثر استجابة من معظم الأنظمة التسلطية، لكن الطبقة الوسطى المتنامية لن ترضى عن الفساد الأبوي عندما تصبح الأوضاع سيئة. والنظام الصيني غير كوني كما ثبت من الشيوعية الماوية. مع تصاعد عدم المساواة وامتيازات البطانة السياسية فقط، لا يمثل "الحلم الصيني" إلا طريقا للقلة للثراء السريع.
مع ذلك يصر الكاتب أنه لا يمكننا أن نبقى مكتوفي الأيدي سعداء بانتصار الديموقراطية الحتمي. تبقى الديموقراطيات وتنجح بسبب رغبة الشعوب في الكفاح من أجل حكم القانون وحقوق الانسان والمساءلة السياسية، ولتحقيق ذلك تحتاج الشعوب القيادة الحكيمة والمقدرة التنظيمية وحظا جيدا صراحا. وأكبر معضلة تواجه الديموقراطية هو فشلها في توفير ما يحتاجه الشعب من حكومته: الأمان الشخصي والنمو المشترك، والخدمات الأٍساسية خصوصا التعليم والصحة والبنيات الأساسية. وكل ذلك ضروري لتحقيق النجاح الفردي. يركز أنصار الديموقراطية على الحد من تسلط وتمدد الدولة. لكنهم لا يعنون بنفس الدرجة بفاعلية الحكم، وكما قال وودرو ويلسون فهم أكثر حرصا ب"التحكم في الحكومة أكثر من مدها بالطاقة". ومن هنا كان مقتل الثورة البرتقالية في أوكرانيا التى أطاحت بفيكتور يانكوفيتش، ليخلفه الزعيمان فيكتور يوشتشينكو ويوليا تيموشينكو. بعد فشلهما في محاربة الفساد وتأسيس إدارة فعالة بما في ذلك الجزء الناطق بالروسية، سمح تلاعبهما وخلافاتهما بعودة يانكوفيتش سنة 2010 وتدخل روسيا وبوتين ثانية.
ونفس سوء الأداء يحيط بالهند الديموقراطية مقارنة بالصين التسلطية. الهند من الداخل مثل صناعة السجق لا تبدو جذابة، اذ ينتشر فيها الفساد والمحاباة، و34% من الفائزين في الانتخابات لديهم اتهامات جنائية مجمدة أمام القضاء بما في ذلك تهم بالقتل والاختطاف والاعتداء الجنسي. يضعف حكم القانون في الهند بالبطء وعدم الفعالية ووفاة الشاكين قبل أن ينظر القضاء في قضاياهم وهناك أكثر من ستين ألف قضية متأخرة لدى المحكمة العليا. مقارنة بالصين التسلطية فإن الهند قاصرة جدا في توفير بنيات تحتية حديثة أو خدمات أساسية مثل المياه النظيفة أو التعليم الأساسي. وفي بعض الولايات الهندية يتغيب 50% من المعلمين عن العمل. تم انتخاب ناريندرا مودي بأغلبية تلفت النظر على أمل أن يحقق شيئا ويتجاوز ثرثرة السياسيين التقليديين بالرغم من أنه من غلاة الهندوس ذو تاريخ مزعج في التغاضي عن العنف الموجه ضد المسلمين (أخشى أن تكون أحداث سريلانكا ضد المسلمين مقدمة لما سيحدث في الهند بعد انتخاب مودي– المترجم).
ويفشل الأميريكيون أكثر من غيرهم في فهم الحاجة لحكومة فعالة. يظن جورج بوش (الابن) بأن العراق سيشهد حكومة ديموقراطية واقتصاد السوق بمجرد إسقاط دكتاتورية صدام حسين، بدون أن يعي أن الحكومة هي تفاعل مؤسسات معقدة مثل الأحزاب والمحاكم وحقوق التملك العقاري والهوية الوطنية المشتركة. هذه المؤسسات ترسخت عبر عقود وقرون عديدة في الدول المتقدمة. ويمتد عجز الحكومة داخل الولايات المتحدة نفسها حيث نشأ الدستور ليحد من تغولات الحكومة. لكن هذه الوسائل للضبط والربط أصبحت فيتوقراطية تحت الجو المسمم في واشنطن واعتراضات الكونغرس. أصبحت الحكومة عاجزة عن الحركة وتواجه مشاكل خطيرة مزمنة كان يمكن حلها بتنازلات من الطرفين. وبسبب عدم اجازة الميزانية ثم إغلاق الحكومة وبسبب طريقة دفع الديون، ومع الأداء الإبداعي الإعجازي للاقتصاد الأمريكي، يرى فوكوياما أن الحكومة الأمريكية تقدم نموذجا محبطا للديموقراطية.
وبعد خمسة وعشرين عاما فإن أكبر تهديد لفرضية نهاية التاريخ ليس بسبب أن هناك نموذجا أفضل يمكنه أن يسمو على الديموقراطية الليبرالية. لا الثيوقراطية الإسلامية ولا الرأسمالية الصينية. عندما تصعد المجتمعات بالسلم المتحرك للتصنيع، فإن هياكلهم الاجتماعية تتغير بطريقة تؤدي لمطالب بمزيد من المشاركة السياسية. إذا نجحت النخبة السياسية في استيعاب هذه المطالب، نصل لإصدارة ما من الديموقراطية. السؤال هو هل تصعد كل الدول حتما بذلك السلم المتحرك؟ يرى فوكوياما أن المشكلة خليط من السياسة والاقتصاد الذي يتطلب مؤسسات لإنفاذ العقود وتقديم خدمات يعتمد عليها. هذه المؤسسات يهددها الفقر المدقع والانقسام السياسي. مجتمعات عديدة تفادت هذه المصائد بالصدفة التاريخية، عندما أدت أشياء سيئة مثل الحروب لنتائج جيدة مثل الحكومات الحديثة. لكن لا يمكن التنبؤ بكيف تصطف النجوم لتجلب الحظ لأي كان.
مشكلة أخرى فاتت على فوكوياما كما يعترف بعد خمسة وعشرين عاما هي الانهيار السياسي، ذلك السلم المتحرك لأسفل. كل المؤسسات السياسية يمكنها أن تتضعضع، لأنها ذات قواعد جامدة ومحافظة إذ كانت استجابة لاحتياجات محددة في التاريخ وتجاوزها الزمن عندما تغيرت الظروف المحيطة. وحتى المؤسسات الحديثة التي صممت بعيدا عن الأشخاص يمكن أن يتلاعب بها أقوياء السياسة. الرغبة البشرية في مكافأة الأسرة والأصدقاء موجودة في كل الأنظمة السياسية – الرأسمالية والتسلطية. عندما تصبح الحريات امتيازات تمنح وتمنع. ويضرب فوكوياما مثلا بنظام الضرائب الأمريكية. ويصبح الثراء مرتبطا بمدى القرب من النظام السياسي واستغلال العلاقات الشخصية لتحقيق مصالح فردية. ويضعف دور التطور التكنولوجي في توزيع المنافع. رغم دور تقنية المعلومات في توزيع السلطة برخص المعلومة وسهولة الحصول عليها، لكن تلك التقنية تسحق الوظائف الأقل مهارة وتهدد بقاء الطبقة الوسطى الواسعة.
يطالب فوكوياما الذين ينعمون بالديموقراطية ألا يكونون قنوعين بما وصلوه. رغما عن تقلبات السياسة العالمية صعودا وهبوطا على المدى القصير، تبقى متانة الديمقراطية ثابتة. يشير الكاتب للتظاهرات الجماهيرية من أجل الديموقراطية التي تظهر من حين لآخر من تونس وحتى كييف أوكرانيا واستانبول تركيا حيث تطالب الشعوب بحقها في الكرامة والمساوة. ويشير لرغبة ملايين البائسين كل عام للهجرة من أماكن مثل غواتيمالا سيتي أو كراتشي ليصلوا لوس أنجيلوس أو لندن. مع تعاظم الأسئلة حول كيفية أن يصل كل الناس لتلك النهاية، يطالب فوكوياما ألا يخامرنا شك حول أي نوع من المجتمعات ينتظرنا عند نهاية التاريخ.
* وول ستريت جورنال
،


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.