"السيادي" يدعو للصبر على الحكومة الانتقالية    تدوين بلاغات في تجاوزات بالمدينة الرياضية    (الشعبي) يؤكد مقاطعة موكب 21 أكتوبر ويهاجم الحكومة الانتقالية    السعودية تطرق أبواب قطاع النفط والكهرباء بالسودان    البشير برئ..حتى من الانسانية!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    لا هلال ولا مريخ ولا منتخب يستحق .. بقلم: كمال الهِدي    "ستموت فى العشرين" يشارك في أيام "قرطاج"    من الإصدارات الجديدة في معرض الخرطوم: كتاب الترابي والصوفية في السودان:    هيئة علماء "الفسوة"! .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    وقف استخدام الزئبق في استخلاص الذهب يفاقم مخاوف المعدنين من خسائر فادحة    مبيدات الشركة ...!    انخفاض كبير في أسعار المواشي    الحياة البرية تبدأ في إنشاء محمية "وادي هور"    قتلى في تشيلي والاحتجاجات تتحدى الطوارئ    احتجاجات لبنان تدخل يومها الرابع    وجدي ميرغني : 1,5 مليار دولار صادرات البلاد حتى سبتمبر        مدني يفتتح ورشة الحركة التعاونية ودورها في تركيزالأسعار        محكمة البشير تستمع لشهادة عبدالرحيم محمد حسين    مطالبة بإلغاء وتعديل القوانين المتعلقة بالأراضي والاستثمار    أمين حسن عمر يُشكك في استمرارية "المؤتمر الوطني" ويُعلن عن حركة سياسية جديدة    فنزويلا.. غوايدو يدعو للاحتجاج في 16 نوفمبر المقبل    ألمانيا.. الآلاف يتظاهرون احتجاجا على العملية التركية في شمال شرقي سوريا    استئناف التفاوض بين الحكومة وفصيل "الحلو"    "السيادي" يدعو لإزالة الفجوة بين المدنية والعسكرية    أجسبورج ينتزع تعادلاً في الوقت القاتل من أنياب بايرن ميونخ    ريال مدريد يسقط أمام مايوركا ويهدي الصدارة لبرشلونة    اهلي الخرطوم يكسب تجربة القماراب محلية    محاكمة البشير.. ما خفي أعظم    حمدوك يوجه بالمصادقة على كافة الاتفاقيات الدولية    جهاز المخابرات العامة يصدر بيانا هاما حول حادثة مقتل تاجر الحاج يوسف    الصدر للمتظاهرين: السياسيون في الحكومة يعيشون حالة رعب وهستيريا    مهران ماهر : البرنامج الإسعافي للحكومة الانتقالية (منكر) ويجب مقاومته    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    صدرت عن دار نشر مدارت بالخرطرم رواية السفير جمال محمد ابراهيم : (نور: تداعي الكهرمان)    الفروسية ما بين تيراب السكيراني (دار حامد) و(ص ع ال ي ك) العرب .. بقلم: د. أحمد التجاني ماهل أحمد    في ضرورة تفعيل آليات مكافحه الغلاء .. بقلم: د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    عملية تجميل تحرم صينية من إغلاق عينيها    مصادر: توقف بث قناة (الشروق) على نايل سات    وفاة 21 شخصاً وجرح 29 في حادث مروري جنوب الأبيض    وفاة وإصابة (50) في حادث مروري جنوب الأبيض    العضوية تنتظركم يا أهلة .. بقلم: كمال الِهدي    جَبَلُ مَرَّة .. شِعْر: د. خالد عثمان يوسف    حجي جابر يفوز بجائزة كتارا للرواية    هروب القيادي بحزب المخلوع حامد ممتاز ومصادر تكشف مفاجأة حول فراره عبر مطار الخرطوم    إصابات ب"حمى الوادي المتصدع"في نهر النيل    لجان مقاومة: وفاة 8 أشخاص بحمى الشيكونغونيا بكسلا    بيان هام من قوات الدعم السريع يوضح أسباب ودواعى تواجدها في الولايات والخرطوم حتى الان    افتتاح معرض الخرطوم الدولي للكتاب بالخميس    ايقاف المذيعة...!        استهداف 80 ألفاً بالتحصين ضد الكوليرا بالنيل الأزرق    شرطة المباحث ب"قسم التكامل" تضبط مسروقات متعددة    حملة للتطعيم ضد الحمى الصفراء بالشمالية بالثلاثاء    متضررو حريق سوق أمدرمان يقاضون الكهرباء    تذمر بودمدني بسبب استمرار أزمة الخبز    افتتاح معرض الخرطوم الدولي للكتاب الخميس المقبل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الأحداث الإقليمية في مواجهة السودان .. بقلم: السفير/ نصرالدين والي
نشر في سودانيل يوم 25 - 07 - 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
20 يوليو 2019
البادي للمراقب السياسي بداية تحقيق الثورة السودانية انتصارات علي أرض الواقع، وإن كانت تسيير ببطء مشوب بالحذر، فيما يتصل بتنفيذ بناء هياكل السلطة الانتقالية عبر قوة دفع إقليمية نشطة تتمثل في الوساطة الآفروإثيوبية التي قبلها الطرفان، والتي تقف خلفها إرادة دولية رأس الرمح فيها موقف الإدارة الأمريكية بقيادة المبعوث الأمريكي للسودان السفير دونالد بوث. ومن المؤمل أن تفضي تلك الجهود السياسية والدبلوماسية الناعمة إلي التوصل لإتفاق نهائي بشأن الإعلان الدستوري إذا إستطاعت وفق إتفاق شامل لا يقصي الحركات المسلحة وحسم تضمين قضية السلام في السودان، وتشكيل المجلس السيادي والحكومة الإنتقالية والمجلس التشريعي. وهذا الأمر من شأنه إكساب الإتفاق قبولاً واسعاً وشرعية أكبر وفرصاً أكبر في تطبيق الإتفاق والإلتزام به، بيد أن مل ذلك لا يعني أن التحديات السياسية أمام السودان علي المستويين الداخلي والخارجي ستكون أقل تعقيداً.
فبينما يحتفل السودانيون بتفاؤل وحذر وترقب بما حققوه حتي هذه اللحظة عبر
ثورة تخضبت بدماء الشهداء وبذل فيها النساء والشباب علي وجه التحديد أغلي ما عندهم، أرواحهم ودماءهم، وشهد العالم علي قوة وقسوة النظام البائد في
محاولاته اليائسة لإخافة المتظاهرين وقمعهم؛ بالقتل خارج إطار القانون حيناً، والعنف المفرط والضرب المبرح والاعتقال وحتي الاغتصاب للشابات السودانيات في نهار رمضان حينا آخراً .
كل ذلك تقابله محاولات حثيثة لقوي إقليمية للإبقاء وتكريس السياسات التي كان يتبعها النظام البائد، وذلك لاعتقاد سياسي وقراءة خاطئة بأن خدمة مصالحهم ستكون أفضل من رموز يتعهدون بمواصلة السياسات السابقة للنظام البائد بدلاً عن سياسات ماتزال لم تتبلور بعد لتوجه سياسي جديد لم يعرف علي وجه الدقة رؤيته الإستراتيجية ومدي تقاطعها وتسارعها مع مصالح أولئك اللاعبين الإقليميين خاصة ما يتصل بضرورات بقاء القوات السودانية ضمن التحالف الدولي في اليمن. تلك النظرة الضيقة هي التي قادت تلك الدول لتمرير ودعم المسرحية الهزلية التي حاول تنفيذها الفريق اول عوض إبن عوف والفريق اول صلاح قوش في الحادي عشر من أبريل عندما تقرر الإطاحة بالبشير، رأس النظام مع الإبقاء علي بقية النظام وسياساته المساندة للتحالف السعودي الإماراتي وضمان عدم تغير سياسة النظام البائد السابقة بعدم المساس بقرار إبقاء القوات السودانية في اليمن.
وها هي الثورة تنجح في الاطاحة بالفريق أول إبن عوف بعد يوم واحد فقط من إعلانه الاول, وجاء إلي سدة السلطة العسكرية الفريق أول عبدالفتاح البرهان بديلا لابن عوف ولكن الثورة ضمت في مطالبه بالحرية والعدالة والسلام رافعة شعار سلمية الثورة برغم كل الجهود التي بذلها العسكر لجر المتظاهرين السلمين لساحة النزال بالاستفزاز والاثارة وممارسة كافة صنوف العنف المفرط، والصرب القاسي والإذلال الممعن، والقتل خارج الأطر القانونية والاعتقال القسري. ولكن وإن نجحت الثورة في إقتلاع البشير الرئيس المخلوع ، بيد أن بقيه جسد النظام البائد ما يزال حياً وعينه ستظل علي العودة للسلطة عبر كتائب الظل التي أعلنها صراحة وعلي الهواء مباشرة نائب الرئيس الأسبق علي عثمان مهدداً بأن تلك الكتائب ماتزال موجودة وستضحي بالروح من أجل الإنقاذ، وكذلك مليشيا النظام البائد من أمن شعبي وطلابي والخلايا النائمة داخل القوات المسلحة وجهاز الأمن والدفاع الشعبي ، وجميع تلك المليشيا لم تحل بعد، فهي القنبلة الموقوته في حجر الوطن ونظامه الهش ولن تنفك من القيام بمحاولات للإنقلاب علي الوضع القائم، وهذا ما يفاقم من إحتمالات زعزعة الوضع السياسي الداخلي للبلاد.
وبينما بدأت مراحل التفاوض العسيرة تسير بخطي بطيئة، وبدأت تلوح بوادر الاتفاق ثم التراجع، ثم تغيير التكتيك من قبل العسكريين, فالثورة ستمضي في خطها المستقيم نحو التحول للحكم المدني وبناء مؤسسات الدولة ورسم المسار نحو الديموقراطية . ويقيني أن الثورة في تصميمها وتوجهها في إعادة بناء السودان واتاحة باب المشاركة الواسعة في المرحلة الانتقالية للمهنيين السودانيين دون تحزب لن يكون من بين أجندتها ممارسة الإقصاء في السلطة. كما أن سياسة السودان الخارجية التي سيعاد بناؤها علي مبادىء القانون الدولي واعرافه والتعاون الاقليمي والدولي والنأى بها عن سياسة المحاور والاحلاف المضرة التي مست وتمس بالمصالح القومية العليا للسودان في عهد النظام البائد , ومبادىء احترام حسن الجوار والالتزام الفاعل بصيانة السلم والامن , الدوليين ستكرس تلك السياسة الخارجية السودانية الجديدة لكل ما يحقق المصلحة القومية والوطنية للبلاد. ومن شأن الإعلان عن تلك السياسة الخارجية الجديدة للسودان مكمن التخوف الإقليمي لبداية تضارب المصالح لتلك الدول واللاعبين الإقليمين في الشأن السوداني.
ولاستعراض هذا الأمر بشيء من التريث علينا قراءة كامل الخارطة الجيوسياسية والإستراتيجية لهذه الدول ومحاولتها لرسم دور لها في صلب الشأن السوداني وعبر لاعبين سودانيين؛ فإن أؤلئك اللاعبين الإقليمين وبعد إحتدام ثورة الشباب الرافضة لمسرحية إقتلاع رأس النظام ووفقاً لقراءتهم غير المتعمقة لواقع ومرامي الحراك الثوري في السودان ظنوا أنه قد تحققت رغبتهم في إستمرار التعاطي معه، حيث كانت غايتهم هي الإبقاء علي جسد النظام دون رأسه، وأن تلك الحالة السياسية للسودان سيمكنها من وضعها لإسترتيجية طارئة لضمان مواصلة أجندتها الإقليمية بشكل أفضل مما تخفيه الثورة من مظان سياسية خاصة قد لا تتفق مع غاياتهم الكلية فيما يتصل بالسياسة الخارجية التي من المؤمل تحقيقها لمصالح مشتركة تصب في خانة التعاون الدولي لقضايا أبعد بكثير من مجرد مصلحة تفتقر للعمق الإستراتيجي طويل الأمد. ولذلك فقد عمد أؤلئك اللاعبون علي دعم دمي سودانية جديدة متعطشة للمال والسلطة لتأمين إستمرار مشاركة النظام البائد في حرب اليمن والمتمثل بوجود قوات برية كبيرة وغطاء جوي سوداني، علماً بأن معظم المقاتلين السودانيين هم من مليشيا الجنجويد (الدعم السريع)، وهي التي رفضت القوات المسلحة السودانية في وقت سابق ضمها إلي صفوفها بإعتبارها مليشيا لا علاقة لها بالقوات المسلحة ونظمها العسكرية المتعارف عليها، وما عرفت به القوات المسلحة السودانية من أسس راسخة ؛ ولهذا الغرض فقد سارع المدير السابق لمكتب الرئيس المخلوع، الفريق طه عثمان الحسين بالدفع بقرار في العام 2013 أقنع بموجبه الرئيس آنذاك بالتوقيع عليه، لتصبح قوات الدعم السريع أولاً لإدارة العمليات بجهاز الأمن السوداني، وتمرير قانون في البرلمان المعين في العام 2017 لإتباعها مباشرة لرئاسة الجمهورية، شأنها شأن أي حرس جمهوري تحت إمرة رئاسة الجمهورية، وذلك القرار الذي لا يستقيم مع مباديء سيادة الدول قط إستحق عليه كل من الفريق طه والفريق محمد حمدان دقلو، قائد تلك المليشيا آنذاك، ونائب رئيس المجلس العسكري الإنتقالي الحالي ( حميدتي) فقبض الأول مكافأة مادية ومعنوية كبيرة من بعض تلك الدول لدوره في تمرير هذا القرار بجانب منحه جنسية تلك الدولة لضمان حمايته مستقبلاً في حالة إنقلاب الأوضاع السياسية التي ستدفع به حتماً إلي ساحة المسائلة القانونية وربما الجنائية خلال فترة تقلده لمنصبه الحساس الذي ظل من موقعه العام والمؤثر من تحريك وتوجيه مجريات الأحداث السياسية والأمنية ومصير البلاد بما يقرره هو، ولاحقاً تم تعينه مستشاراً للشؤون الأفريقية في بلاط المملكة، وحصل الثاني علي مبالغ طائلة أيضاً وما يزال، ولإستمرار تلك الأجندة الواضحة بعد سقوط النظام، دفعت كلا البلدان بالفريق طه علي رأس وفد مشترك بعد إعلان المجلس العسكري الحالي وقدمت الدولتان دعما بثلاثة مليارات دولار بدعوي تقديم مساعدات عاجلة للسودانيين. ولا يخفي علي أي مراقب المرامي الحقيقية للتوجهات قصيرة النظر لهذه الدول في السودان و كذا ربط هذا الدعم المسموم والرشوة الواضحة مع غاية إبقاء وضع القوات السودانية في اليمن قبل أن تأتي حكومة مدنية إنتقالية تعيد ترتيب أولويات السياسة الخارجية السودانية الجديدة والتي ستكون من مبادئها الإبتعاد عن الأحلاف والمحاور الإقليمية المضرة وبالتالي تقرر سحب تلك القوات من اليمن.
من جهتها قامت مصر بدورها تكريساً لإمهال المجلس العسكري الإنتقالي فسحة من الوقت لترتيب أوضاعه وربما الإيعاز له بالإستيلاء علي السلطة وعدم تسليمها لحكومة مدنية، وقام الرئيس السيسي، رئيس الدورة الحالية للإتحاد الأفريقي بالدعوة لقمة مصغرة هدفت منه تمديد المهلة التي منحها الإتحاد الأفريقي للمجلس العسكري لتسليم السلطة لحكومة مدنية خلال ثلاثة أسابيع للحيلولة دون تطبيق الإتحاد الأفريقي عقوبة تعليق عضوية السودان في الإتحاد الأفريقي ، وقد نجح السيسي مبدئياً في مسعاه بحيث منح مجلس السلم والأمن الأفريقي مهلة شهرين للمجلس العسكري لتسليم السلطة. ولكن سرعان ما إنهيار هذا التوجه بإتخاذ الإتحاد الأفريقي قراره بتعليق عضوية السودان في الإتحاد الأفريقي لتعطيل المجلس العسكري لجهود الإنتقال السلمي للتحول المدني. ومما تقدم نري بجلاء كيف إلتقت أجندة اللاعبين الأساسيين في المنطقة المتمثّلة في أهمية الإبقاء علي النظام العسكري في السودان بأي ثمن !!!
كل تلك الأحداث وتحول السودان إلي ساحة لوضع إقليمي محاولة دراية وإستقراء مآلات الحالة السياسية في السودان وأثر ذلك علي مستقبل السودان، وأضحي ما يجري في الساحة السودانية أمر جدير بالقراءة المتأنية في ضوء أحداث أخري تجري في الإقليم؛ ففي الجارة ليبيا، أوعزت مصر التي تخولها الولايات المتحدة مهمة رسم الخارطة السياسية في المنطقة للجنرال حفتر بأن الساعة قد دقت للتحرك لإقتلاع حكومة فائز السراج فيطرابلس؛ فأعطته الضوء الأخضر لإقتلاع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا في طرابلس، والإستيلاء علي السلطة في طرابلس ضاربين بقرارات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الذي ظل يساند حكومة الوفاق الوطني بقيادة السراج عرض الحائط. وهاهي القوات الليبية قد زحفت وحاصرت طرابلس من جهة الجنوب الشرقي للعاصمة الليبية.
فأصبح ترابط تلك الأحداث الإقليمية مع بعضها جزء من الإستراتجية التي رسمها مستشار الرئيس ترمب كوشنر بتسوية الأوضاع في الشرق الأوسط بكيفية مغايرة تفتقر للعمق الإستراتيجي، بحيث تكلف مصر بلعب الدور الأكبر فيها، وإسهام السعودية والإمارات فيها مقابل إعتراف كل من السعودية والإمارات والبحرين رسميا بإسرائيل، والجزء الآخر هيمنة كل من السعودية والإمارات ومصر علي مقاليد الأمور في السودان لمصالح محددة، فلأخيرة مآرب واضحة في إستقطاب السودان لدعم رؤاها في موقفها من سد النهضة الإثيوبي في إطار مواقف السياسة المائية التي تضم دول الحوض الشرقي لنهر النيل في مواجهة إثيوبيا والتي إرتبطت بدعم مبدئي وواقعي من السودان، وعدم متابعة السودان لشكواه المودعة لدي الأمم بشأن أحقية السودان في السيادة لمثلث حلايب وشلاتين الذي تحتله مصر بالقوة وتضمه للسيادة المصرية منذ زمن طويل، وهو ملف غض النظام البائد الطرف عنه مقابل عدم إثارة الجانب المصري لقضية محاولة إغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك التي أتهم فيها نظام الإنقاذ البائد وجري فيها تحقيق أممي. والسعودية والإمارات لهما رغبة في إستمرار الوجود العسكري السوداني ضمن قوات التحالف في اليمن. وتلك الإسترتيجية يلعب المستشار في البيت الأبيض كوشنر رأس الرمح فيها بمساعدة لاعبين أساسيين وأقوياء في المنطقة.
تبقي الإشارة إلي أنه يتضح بأن الإستراتيجيّات التي أوصي بها مجلس الأمن القومي الأمريكي ووزارة الخارجية الأمريكية في المنطقة تتقاطع تماماً مع ما يقوم به المستشار كوشنر، بحيث تدخل البيت الأبيض وصادق علي سياسة كوشنر ورفض توصية الأجهزة الأمريكية المعنية برسم السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة. برغم أن الولايات المتحدة قامت مؤخراً، ودون الإعلان عن سياستها الجديدة في ليبيا بالتراجع عن تلك الخطة غير المدروسة وعادت وبشكل خفي بالإستدارة 180 درجة في إعادة دعمها غير المعلن لحكومة السراج الشرعيه في طرابلس.
ومن هنا تبدو التعقيدات السياسية التي يصطدم بها الوضع في السودان، فقد أصبح السودان قطعة في شطرنج السياسة الأمريكية ومخالبها الإقليمية في المنطقة، مصر والسعودية والإمارات. وأي تعنت للمجلس العسكري في السودان مرده في تقديري لهذا الوضع الذي حسبه لمصلحته.
وبالمقابل تشجع كل من الإمارات والسعودية دفع الولايات المتحدة لإتخاذ قرار يقضي بتصنيف الأخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، وهو ما ترفضه أيضاً دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة ولكن البيت الأبيض يسعي أيضاً بعدم التماشي مع توصيات تلك الأجهزة المتخصصة خدمة لمصالح تلك الدول التي ترتبط معها الولايات المتحدة بمصالح كبيرة. وحتي هذه اللحظة لم تقم بمثل هذه الخطوة غير المسبوقة غير حكومة المستشارة الألمانية والأرجنتين حيث قامت الأخيرة بإعلان جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابيا وحظرت التعامل معه.
و يبقي التسأؤل الأهم ، ما هو مبعث إستراتيجية كوشنر في المنطقة التي قد لا تخدم أي مصالح مباشرة للولايات المتحدة قائماً في صلب السياسة الخارجية الأمريكية في الإقليم قائمة؟ فهل لعلاقة كوشنر الوطيدة بكل من محمد بن سلمان ومحمد بن زايد التي تقوم علي ضمان تمرير المصالح الأمريكية التي يرسمها كوشنر دور في رسم خارطة المنطقة بما يحقق مصلحة الولايات المتحدة المساندة لتكريس وجود دولة إسرائيل مقابل توفير الحصانة لمحمد بن سلمان من المسائلة القضائية الدولية علي جريمة قتل خاشقجي كأمر محوري؟ وربما يدعم ذلك الخليل الإفتراضي من جهة أخري تلك الإستراتيجية حصول ترمب الذي يحكم الولايات المتحدة بعقلية رجل الأعمال علي الأموال الطائلة والغير مسبوقة لرئيس أمريكي من قبل من السعودية بمساعدة محمد بن سلمان!!! إذن، وأن صحت تلك القراءة الإفتراضية فأن تلك العلاقة ثلاثية الأبعاد تقوم علي أساس المصلحة لرئاسة ترمب وإستمرار وضعية كوشنر ككبير مستشاري الرئيس في البيت الأبيض، بما ستكفله جهوده لإعادة ترتيب وضع الخارطة للشرق الأوسط الجديد غير الذي كانت تسعي له كونداليزا رايس في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بوش الإبن بهدفه الثابت، توفير الحماية لإسرائيل وإستدامة وضعها كدولة هامة تمهيداً لإندماج وتكريس وجودها كدولة فاعلة للسياسة الخارجية الأمريكية ومحوراً لها في إقليم تتزايد أهميته الإسترتيجية كل بوم.
وبالعودة للوضع السياسي القائم الآن في السودان ففي ظل كل تلك التقاطعات الأمريكية والإقليمية يبقي أن الضمان الوحيد المتوفر للسودانيين في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخهم لتحقيق أحلامهم في حكم ديموقراطي وطموحاتهم بتغيير فعلي في السودان سيكون لاعبها لأساسي هو الشارع دون غيره، برغم فداحة التضحيات التي حدثت والتي ربما ستحدث أو تقع إن إستمر الوضع في البلاد علي ما هو عليه الأن. ولابد لنا من وضع في الإعتبار التقاطعات بين الإدارة الأمريكية والبيت الأبيض وإنعكاسات ذلك علي الشأن السوداني ويبقي عامل الزمن الآني مهماً في تأمين أهم أولويات السودان في هذه المرحلة والمنعطفات التي يمر بها، فوزارة الخارجية والكونغرس يدعمان حتي الآن التحول الديموقراطي، إلا إن تحديد موقف البيت الأبيض وعلي وجه الدقة، وبشكل لا لَبْس فيه من الوضع السياسي في السودان سيرجح الكفة للمصلحة الوطنية السودانية المتمثّلة في التحول الديموقراطي والتحول للحكم المدني الذي ينشده الشعب السوداني.
إن إندماج السودان في المجتمع الدولي سيعيد إليه قوته وتأثيره الإقليمي وسيزيد من إسهاماته السياسية في الآتي:
* تعاونه الأمني مع الولايات المتحدة التي لا بديل لإستمرارها في المرحلة التي ستلي إنهيار نظام الإنقاذ وذلك في إطار التعاون بما يحقق المصلحة الثنائية المشتركة.
*وتعاونه علي المستوي الإقليمي في إجتثاث شأفة التطرف والإرهاب في إقليم تتصاعد فيه متداخلات الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر من غرب وشرق إفريقيا، والإستقطاب الحاد للشباب من قبل الجماعات الدينية المتطرفه في جنوب ليبيا من السودان والنيجر ومالي، وتهريب السلاح من ليبيا إلي جنوب مصر عبر السودان وتصاعد المهددات الجسيمة في تغذية العمليات الإرهابية في سيناء.
*تعزيز تعاون السودان في كبح مخاطر التهديد المحتمل للعبور الآمن في قناة السويس خاصة إذا تبلورت فكرة بريطانيا الداعية لإنشاء حلف دولي لتوفير الحماية للعبور الملاحي الأمن في مضيق هرمز إن تذورت الفكرة البريطانية لتشمل السودان كدولة مطلة علي البحر الأحمر وليست بعيدة من الأحداث في اليمن. وذلك بإسهام وتعاون للسودان المحتمل في مراقبه ومحاربة التهديدات البازغة والكامنة علي حرية الملاحة في باب المندب وخليج عدن والأثر البالغ الأهمية لذلك علي التجارة الدولية، مع إستمرار الحرب في اليمن والتدخلات الإيرانية في دعم الحوثيين بأسلحة وصواريخ أكثر تطوراً ودقة في تحديد الهدف وقدرة في الوصول إلي عمق الأراضي السعودية والمواقع الإستراتيجية فيها وربما تتطور تلك القدرات الحوثية التي لا يحب الإستهانة بها أو التقليل منها في الهجمات المُحتملة التي قد تشمل السودان وتؤثر علي أمن البحر الأحمر أيضاً.
*تعزيز بقاء القوات السودانية القوة البرية في مشاركتها و تعاونها في الجهود الإقليمية والدعم الدولي لإخماد الحرب في اليمن مقابل تغير سياسة الولايات المتحدة في اليمن وتقييدها لإستخدام أسلحة بعينها، من بينها القنابل الذكية.
*ولكن يبقي لدي سؤال إفتراضي أخير، هل إنسحاب القوات الإماراتية من اليمن سيزيد من السعي الدولي والأمريكي علي وجه الدقة من دفع جهود التوصل لإتفاق عاجل للحالة السياسية في السودان لتكون من بين شروطها غير المعلنة ملء القوات السودانية في اليمن للفراغ الذي تركته الإمارات لإرتباط ذلك مع التصاعد المضطرد للتهديدات البازغة في مضيق هرمز والخوف من إنتقال العدوي لمضيق باب المندب بما يزيد من تهديد حرية الملاحة في خليج عدن وربما البحر الأحمر وقناة السويس؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.