تنبيه لأصحاب المعاشات المصرية    د.فيصل القاسم : شرق أوسط جديد بقيادة روسية ومباركة أمريكية وإسرائيلية    الجبهة الثورية : هيكلة الجيش والاجهزة الامنية حديث سابق لأوانه    محمد الفكي : لدينا معلومات انهم يحشدون الخيالة بغرب كردفان    ولاية الخرطوم: تدوين بلاغ ضد مطاحن مشهورة بتُهمة تهريب الدقيق    الدقير : لن تقوم قائمة لدكتاتورية مرة أخرى في هذه البلاد    منتخبنا الوطني يرفع نسق التحضيرات لمواجهة الاريتري    الهلال يفاوض فيلود بعد اقالته من الشبيبة    الهلال يدخل معسكرا مقفولا تأهبا لبلانتيوم    الغرامة لتاجر يهرب الوقود    مصرع ثلاثة نساء واصابة رجلين في حادث مروري بالباقير    حميتي قائد الأسطول والبرهان خطوات تنظيم مكانك سر .. بقلم .. طه احمد ابو القاسم    يا طالع الشجرة ... بقلم: زيغمار هيلِّيلسون .. ترجمة: د. مبارك مجذوب الشريف    وابتسم الأستاذ محمود محمد طه فى وجه الموت .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان/قاضى سابق    بالواضح ما بالدس جهاز "المغتربين "يسقط بس" .. بقلم: عثمان عابدين    خبز الفنادك .. بقلم: بروفسور مجدي محمود    حاجة فيك تقطع نفس خيل القصايد يا مصطفي .. بقلم: صلاح الباشا/الخرطوم    الدمبلاب يدبر انقلابا علي حکومة الثورة .. بقلم: بولس کوکو کودي/امريکا    ثناءات على أيقاعات كتاب: "صقور وحمائم الصراع المسلح في السودان" .. بقلم: د. سعاد الحاج موسي    قرار لوزير الصناعة بتشكيل لجنة لرقابة وتوزيع الدقيق وحصر المخابز بالعاصمة والولايات    تفاصيل محاكمة (6) متهمين من بينهم طالبتان بترويج المخدرات    الجيش السوري يتقدم في إدلب والسفارة الأمريكية تهدد    ارتفاع في أسعار المشروبات الغازية    شقيق أمير قطر مغردا: الدوحة تقود المنطقة إلى السلام    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    السادة ما قال إلا الحق .. بقلم: كمال الهِدي    يدخل الحاكم التاريخ بعمله لا بعمره .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    تورط الغرفة في بيع سجلات تجارية للأجانب بسوق ليبيا    الشُّرْطَةُ وَالاستفزاز (ضَرَبْنِي وبَكَىَٰ وَسَبَقْنِي اشتكى) .. بقلم: فَيْصَلْ بَسَمَةْ    وزير المالية: اختلال كبير في الموازنة بسبب استمرار الدعم    نظرة "تاصيلية" في مآلات الإسلاميين .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    الرشيد: جمعية القرآن الكريم تمتلك مناجم ذهب بولاية نهر النيل    عدت إلى الوطن (السودان) وعاد الحبيب المنتظر (2) .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي    زيارة الدكتور Dr.Anne Sailaxmana إستشاري جراحة العظام والسلسة الفقرية لمدينة المعلم الطبية    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    "الصحة" تحذّر من الاستحمام بالماء البارد    استأصلوا هذا الورم الخبيث .. بقلم: إسماعيل عبد الله    جريمة قتل البجاوى جريمة غير مسبوقة .. وضحت نواياهم السيئة للسكان الأصليين (1) .. بقلم: عمر طاهر ابوآمنه    إرهاب الدولة الإسلامية وإرهاب أمريكا.. تطابق الوسائل واختلاف الأيديولوجيا!! .. بقلم: إستيفن شانج    طهران.. التريث قبل الانتقام .. بقلم: جمال محمد إبراهيم    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    الهلال يستقبل اللاعب العراقي عماد محسن    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    النجم الساحلي يعلن غياب "الشيخاوي" عن مباراة الهلال    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    زوج نانسي عجرم يقتل لصّاً اقتحم منزلها    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    شقيق الشهيد أحمد الخير: نحن قُوْلَنا واحد "قصاص بس"    إيران تتوعد بالثأر لمقتل سليماني    إيقاف منصة بث "الأندلس" المالكة لقنوات طيبة    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    "المجلس الدولي" يدعو وزارة التربية للتوعية بخطر نقص "اليود"    "المجلس الدولي" يدعو السودان للتوعية بخطر نقص "اليود"    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مؤشرات الفساد: (3): شركة سكر كنانة: من تجاربي في السودان .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة
نشر في سودانيل يوم 02 - 11 - 2019

الفساد أنواع، حسب المكسب الذي تسعى إليه ممارسته: فسادُ الشره، ويعتمد على الإفساد: إفساد النظام الذي يضبطه، أو إفساد ذمة الشاهدين عليه من إداريين أو متعاملين فيه، من أجل تسهيله أو السكوت عليه، أو الاشتراك فيه.
وهناك فساد الاستباحة بالفوقية العرقية أو الطبقية أو الدينية، بحيث يجد الفاسد مبرراتٍ لطغيانه باغتصاب الحقوق بحكم فوقيته وإضلال مستحقي الحق.
وهناك فساد الأخلاق الذي يبني نفسه على تغييب الضمير وتعتيم الرؤيا وتجميل قبح الفساد حتى يصبح مقبولاً مجتمعياً، وهو الإباحية في استباحة العصمة بتغييب الأمانة، وذلك من فساد البيئة وعمى البصيرة.
وكل تلك المظاهر من الفساد تختمر في حضرة الجهل وضيق الأفق وغباب التجربة وثمرتها من الحكمة.
ولكن هناك الفساد الأكبر الذي يتم إنباته في باحة العلم، والصفاء الذهني التام وبالثقافة واحتراف المعلومة، بالتحريف والتزييف وفلسفة تطبيع بل وتمييز الأنانية والظلم، والذي تُطوّع له الأديان والضمائر في مفترق طريقٍ واحد: هو تغييب الإيمان بالجدلية العمياء لطمس معالم الحق المعلوم بالفطرة السليمة.
ولك أن تستقرأ كمية الفساد النوعي الذي أشهر نفسه في تفاصيل تلك التجربة في سكّر كنانة، وطبيعة المخالفات الجسيمة التي عانت منها الشركة من خلال تجربتي المسرودة في موقعي في قلب المصنع الذي كان في قلب الاقتصاد السوداني.
كنت قبلها قد قضيت وقتي في المملكة المتحدة في حسرةٍ شديدة على ما جرى في مساعيّ في مستهل عملي المهني في السودان، وعلى القضاء العاجل على طموحاتنا التي طالما حلمنا بها أنا وزملائي في كلية الهندسة (والذين في هذه المناسبة غمروني برسائلهم الكريمة فور قراءة الموضوع السابق وهم قد نفروا للخارج بحثاً عن ممارسة مهنتهم لدى من يقدّرها ويفاد منها، فجيلنا هذا هو جيل أكتوبر، ولطالما حرقوا دماؤهم من أجل تخطي الحواجز التي أقعدت هذا الوطن)، حلمنا بأن نرتفع بمستوى العمل الهندسي في السودان إلى مصاف التقنيات العالمية والابتكار بدلاً من الجلوس تحت مروحة نوقع أرانيق العمل الإضافي للعاملين ونحتسي القهوة ونقرأ الجرائد.... كان ذلك هو الكابوس الذي نهابه ونحن طلبة... وإذا بنا نواجه "الغول" الذي لم نكن نعلم به: الفساد والمحسوبية والسلطة المطلقة
وعذّبت نفسي كثيراً بالسؤال: هل تسرعت في اتخاذ قرار المغادرة؟ هل كان هناك بصيص أملٍ لم أُتابع؟ أعلم أن خياري فيما منحني الدكتور عبد السلام كان صائباً، فلا تدري أبداً حتى متى يمكنك أن تنام على العسل في دولةٍ واضحٌ أن ليس لها منهجية وتحكمها سلطة مطلقة، ويظل كل عباد الله فيها رهن التكتلات والمحاباة ونتائجها – فإذا أبينا الهجرة لدول البترول التي كانت تعطي عطاءاً سخياً للعقول العلمية، وذلك تعففاً من حرمان دولتنا من عطائنا، وإذا قفلت دولتنا بابها موصداً أمامنا بسبب بعض السفهاء، فعلى الأقل نهاجر لدول العالم الأول، والذين يترفعون عنا نعم، ولكننا "نضع في فمنا فص ملح"، يعني "نسردب"، لننهل منهم مزيداً من المعرفة لعل يوماً يقدر الله فيه لنعوض بها بلادنا
بهذا وصلت لقناعة أن أعمل وأكد لأتعلم أحدث التقنيات وحلول المشاكل في المجتمعات الصناعية، على أن أعود لبلدي مستقبلاً بعد أن تكون قد تطهّرَت من السفهاء والفساد لأخدمها – وفعلاً عملت في أرقى الصناعات الثقيلة مع شركة قبونز بروذرز لتصميم وتنفيذ أفران تصفية الفحم الحجري وفي تصميم وتنفيذ مصافي تكرير غاز البيوتين من عوالق القطران والبنزول والأمونيا، وعملت في مجال تصميم مصافي الغاز لمصنع بنزنت في شمال إنجلترا، والتابع لمؤسسة الحديد والصلب البريطانية، وقمت بمهمة كتابة كتالوجات الصيانة والتشغيل والتوقيف للمصنع، ثم قمت بعملية تدويره وتسليمه.
عندما عدت للسودان عام 1980، أعلنت أنني نويت أن أعمل في الأقاليم وليس العاصمة، لأن الأقاليم هي موقع المنشآت الكبيرة التي تحتاج للخبرة الهندسية العالية، وأن ندرة المهندسين تجعل مطالبتهم بالعمل في العاصمة ملزمة لكل المصالح الحكومية. كان أهلي غير سعداء بقراري لأنهم كانوا يريدون لي الوضع الأفضل، ولم نتفق حتى سُئلت إن كنت أمانع في العمل في كنانة، ولم أكن أعرف ماهي كنانة، ففرحوا وأخطروني إنها في الأقاليم فوافقت والتحقت بكنانة في سبتمبر 1980، حيث تم تعييني مهندس كبير في وظيفة مهندس مشروع أكون ملحقاً بمكتب المدير الفني في المصنع. تشمل مهامي الإشراف على برامج صيانة المصنع والزيوت وأكون ضمن تيم التصاميم وهو تيم من الأجانب، ويشمل مستر ثياقا راجان مسئول الزيوت، ومهندس مصري كان مديراً لمصنع سكر بمصر وتقاعد، كلنا نعمل تحت رئيس التيم وهو مهندس من باناما في وظيفة كبير المهندسين (راتبه 85 ألف دولار في السنة خالي من الضرائب، وكل مصروفات سكنه وطعامه وأسرته والعربة والوقود وتذاكر سفره لدولته ثلاث مرات في السنة مجاناً) وكان يشرف على تصاميم المصنع، وبما أنه ثاني أكبر مصنع في العالم، كانت تصاميمه فريدة ومن التجارب الجديدة، أهمها "الإنترميديت كاريار" وهي الحزام الذي يحمل القصب المطحون من مطحنة لمطحنة، وهي أحزمة ضخمة معقدة لها ضوابط حساسة، ويكلف الواحد منها ما بين 800 ألف دولار إلى مليون دولار في ذلك الوقت، وكلما يقوم كبير المهندسين الميكانيكيين فيه بتعديل في تصميمه، تتم مكافأته ب10% من تكلفة تصنيع الحزام الجديد والذي كان يصنع في ألمانيا، ويسافر هو لجنوب إفريقيا لمقارنته بمصنع جنوب إفريقيا ويسافر لألمانيا لتنويرهم بتصميمه ومتابعة تصميمه.
وكنت أنا أظلل كبير المهندسين الميكانيكيين، أي أتدرب تحته على وظيفته، وأشرف على مهندس هندي، يقوم بتوزيع وتسجيل الزيوت للمصنع مع تيم من المهندسين
في يوم ٍ ما اجتمع بي المستر راجان بتوجيه من مستر فلاسكو، وهو المدير الفني للمصنع، وأخطرني بوضع خطير وهو أن مخزون زيوت المصنع المتوقع وصولها من شركة شل لم تصل وأن شل أفادت بأن باخرة الزيوت لن تصل قريباً، وقد تبقت زيوت غير كافية أهمها زيت طواحين القصب "ماكوما آر إكس" وتحتاجه الطواحين بمعدل أربعة براميل في اليوم. طلب مني الذهاب في مأمورية للخرطوم للاتصال بشركة شل هناك، والتحقق من سبب التعطيل وتحديد الموقف وعلاج حل مشكلتنا، على أن أداوم الاتصال معه بالراديو لإفادته بكل التطورات.
غادرت إلى الخرطوم واجتمعت بشل، ولكنهم لم يكونوا متعاونين واعتذروا أن الوضع كما هو ولا يملكون حلاً. إتصلت مع المصنع بالراديو فوُجِّهت بالتحويل فوراً لموبيل أويل. قمت بالاتصال بالسيد المدير المالي لكنانة، السيد عبد العظيم، وأخطرته، فاستصدر تصديقاً من العضو المنتدب، السيد دفع الله الوقيع، وطلبنا اجتماعاً مع موبيل أويل، وكان مديرها في منتهى التعاون. اتصل فوراً بالراديو ببورتسودان ودبر لنا الزيوت المطلوبة وشحنها على قطارين للسفر لكنانة في ظرف يومين من الاتفاق، بتكلفة كلية قدرها 54 ألف جنيه دفعها السيد المدير المالي اليوم التالي بشيك من كنانة.
إتصلت بالراديو بعد عصر ذلك اليوم وأفدت المصنع بما تم، ثم استأذنت للرجوعز
قابلني السيد عبد العظيم وقال لي أن السيد العضو المنتدب يطلب تقريراً بالموضوع، فوعدته بأن أقدم التقرير اليوم التالي في المصنع وأوصي فيه بتوجيهه ذلك،.
في المصنع قدمت تقرير المأمورية للمدير الفني للمصنع المستر فيلاسكو، بواسطة راجان، موضحاً فيه رغبة العضو المنتدب في نسخة منه حول ملابسات مشكلة الزيوت. صادق فيلاسكو على تقريري ولكنه ظلل طلب التقرير للعضو المنتدب معلقاً فيه" لا تقرير للعضو المنتدب"، واستلمت التقرير ووضعته في أضبوره.
جاءني بعدها فوراً المهندس المصري ينصحني قائلاً "يا ابني نصيحة مني لك تعمل فايل خاص بك وتضع فيه صورة لأي مكاتبة أو وثيقة تكون موقّعها، فالخبث منتشر هنا"، ولم يشرح لي، ولم أفهم، ولكني التزمت بنصيحته ووضعت صورة من التقرير بتعليق فيلاسكو في فايل يخصني. بعدها جاءني فيلاسكو وهنّأني بما قمت به وأخطرني بما أنه مضت ثلاثة أشهر على تعييني فقد قرر أن يتم تثبيتي في الوظيفة وترقيتي لوظيفة مساعد كبير المهندسين الميكانيكيين (أو التسمية الصحيحة المقابل السوداني لوظيفة كبير المهندسين الأجنبي)، وأصبحت أشرف على كل المكتب بما فيهم ثياقا راجان.
في اليوم التالي جاءني راجان وقال أن مندوبنا في بورسودان، السيد بعشر، بعث رسالة تلكس تقول أن الزيوت المطلوبة سابقاً من شل وصلت وتم شحنها وستصل غداً. بناءاً على ذلك قامت إدارة المصنع بإلغاء عقد الشراء من موبيل اويل وأوقفت شحنتهم المقرر وصولها بالغد أيضاً.
في نهاية اليوم جاءني فيلاسكو غاضباً بأنه لن يثبَتني في وظيفتي، ولن أنال الترقية، وقال إنني لم أقم بمأموريتي بالوجه المطلوب إذ أنه تبقى من مخزون زيت ال "ماكوما آر إكس" أربعون برميلاً كافية لعشرة أيام عمل فقط، والمصنع يعمل بأقصى طاقته وينتج سكر بما يعادل 2 مليون دولار في اليوم، وإيقافه معناها يتوجب إخطار رئيس الجمهورية مباشرةً. وقال ذلك سبه أن شركة شل لم ترسل شحنتها، مشيراً إلى أن أنهم استلموا تلكس من مندوب الشركة ببورتسودان، السيد بعشر، ولكن التلكس أتضح أنه كان كاذباً، فمندوبنا ببورتسودان، السيد بعشر، قال نفى أنه أرسل ذلك التلكس. قمت بجمع تيم مهندسي الزيوت وراجعنا المكاتبات الموجودة ولم يصدر منا أي شئ يقود لسوء فهم، وبحثت عن خطابي الخاص بالمأمورية فوجدته سحب من السجلات، وجاءني المهندس المصري وذكرني بنصيحته ويبدو أن فيلاسكو كان قد كتب عني تقريراً بفشلي في المأمورية بحجة أنني لم أستجب للعضو المنتدب بالتقرير الذي طلبه، فكتبت خطاباً لشئون العاملين عن رضا فيلاسكو عن أدائي المأمورية وأرفقت صورة من خطاب المأمورية إثباتاً لذلك، والذي انتفى به عذره، فكتبوا له يسألون عن سبب رفض تثبيتي، فقال أني لست مؤهلاً، فتم رفض سببه وطلب منه تقييم الأداء، ولما لم أقم بمهمة معينة غير زيوت المصنع، أمرني فيلاسكو بعمل تصميم جديد لحزام نقل القصب بين الطواحين "الإنترميديت كاريار"!! فطلبت أن أطلع على ما تم من تعديلات في الماضي ونوع المشاكل التي عملت التعديلات لها، حتى أعمل تعديلاً في نفس خط التصميم، وعملت رسومات تبين التعديل الكلي للحزام الأصلي. لكن فيلاسكو لم يستجب.
هذه الرسومات تدفع شركة سكر كنانة ال 10% عمولة لكبير المهندسين فوق مرتبه ال85000$، وبذا لا يحق له الاحتفاظ بالرسومات في بيته، على ان تكون مع المدير الفني فيلاسكو في مكتبه، وبدا لي أنني في مواجهة فسادٍ آخر غير فساد الزيوت الذي زكم الأنوف، ما تقرر ان أكون كبش الفداء له
توظّف كنانة 29 جنسية، كان بينها بالطبع كثير من الاحتكاكات والمكايدات خاصةً بين الثلاثة الكبار: الأوروبيين، والأمريكان، ومهندسي أمريكا اللاتينية (باناما على الأخص). فالأمريكان لهم وظيفة مدير المصنع، مستر شيفر، وكبار مهندسي الميكانيكا والكهرباء والتشغيل الآلي للمصنع، والأوروبيون لهم أغلب الوظائف الكبرى في هندسة التصميم والري والكهرباء، والبنامِيّون وبقية أمريكا اللاتينية الوظائف الفنية الكبرى كلها في التشغيل والإنتاج والتعبئة إلخ، أما بقية الجنسيات من هنود وكوريين وخلافه فكان لهم وظائف الخبرة العملية، وكانت قراراتهم ومصائرهم مملوكة لمن يشرف عليهم من الجنسيات الأعلى، وكان علىّ وضع ذلك في الحسبان.
قام قسم تعبئة السكر بالاتصال بي عن طريق مستر فيلاسكو لحل مشكلة التعبئة الآلية لجوالات السكر والتي يجب أن تكون 50 كيلو جراماً بالضبط تقريباً، على أن تتم التعبئة وتحريكها للخياطة في 20 ثانية، وأنه ريثما يتم تعيين من يملأ وظيفة رئيس قسم التشغيل الآلي قام مهندس تشغيل آلي، وهو هندي الجنسية، بعمل نظام وضع فيه حوالي 29 جهاز ترحيل آلي في تصميمه جهاز التعبئة والضبط، فزاد المشكلة تعقيداً، ولم ينجح.
فابتدعت نظاماً استغل فيه مرحّلاً كهربائياً واحداً فقط مع جهاز ميكانيكي ابتدعته من رسمٍ بياني لرحلة السكر القصيرة، أسميته حذاء ضبط التحويل، يحتوي على تضاريس حسب الرسم البياني العكسي لعملية نزول السكر في مراحل تخفيض السرعة رأسياً حتى الإغلاق النهائي، وبمراحل أفقية تمثل في جملتها العشرين ثانية المطلوبة لتكملة عملية التعبئة. يستقبل الحذاء السكر النازل على الجوال متحكماً فيه بتضاريسه إلى ميقاتٍ محسوب للتشطيب النهائي للتعبئة، فيتدخل المرحل الكهربائي فيدافعه للقفل، ولكن تحت تحكم الحذاء في السرعة، حتي يلتقيان عند وزن ال 50 كيلوجراماً فينقطع تدفق السكر. نجح التصميم وتم به العمل.
في ذات يوم كنت في مطعم كبار موظفي كنانة السودانيين وكل الخبراء الأجانب فجلس معي في منضدتي خبير أمريكي فعرّف نفسه وعرّفت نفسي، فدهش وقال لي "هل أنت عدنان الذي صمم جهاز ضبط جوالات السكر؟" فأجبته بالإيجاب فتعجب وقال "أنا خبير في التشغيل الآلي تم تعييني حديثاً، وكانت أول أجندتي عند وصولي كنانة حل مشكلة تعبئة جوالات السكر التي أُخطرتُ بها مسبقاً وأنا في أمريكا، فوجدت ما قمت به أنت وعلمت أنك مهندس ميكانيكي فأعجبت بحلك فأنا لم أمر قبل ذلك بمثل ذاك الحل". دهشت أنا أيضاً وقلت له "إذاً أنت المهندس الذي تم اختياره بعد أن اختارت لجان القبول سوداني في المملكة المتحدة" أجابني "هذا صحيح وبصراحة لم أفهم ولم تفهم زوجتي ولا أصدقائي هذا القرار الغريب: منح الوظيفة لأجنبي بعد أن فاز بها سوداني" ثم سألني "ولكن كيف عرفت أنت؟" فقلت "لأنه أبن خالتي دكتور عبد العظيم محمد صالح" فأجاب "نعم إنه مستر صالح"، ثم بدأ يتفرّس في وجهي حرجاً وكأنه يسأل نفسه ما رأيي في كل ذلك، وما رأيي فيه هو كأجنبي.
تذكرت أنني كنت مرةً مع المرحوم الدكتور قلندر في زيارة للسيد عبدالقادر المرضي مدير شئون العاملين، وكنا نقف خارج مكتبه، فسألته عن قصة إبن خالتي الدكتور عبدالعظيم محمد صالح، إن كان فعلاً تم رفض ترشيحه في وظيفة مهندس أجهزة لأنه سوداني، فأجابني بالإيجاب، فسألته كيف ذلك؟ قال: لو عيناه سيكون راتبه 3000$ في الشهر، بينما راتبك أنت 500 جنيه، هل ترضى؟ قلت وما دخل رضاي برضا بلدي ورضا مهندس قامر وتقدم لهذه الدولة المنكوبة، هل رضاي كشخص قبل بالهوان يُضيع حق رضا شخصٍ طالب حتى وصل لحقه؟" وكان نوعاً من المنتدى حول من يجب جبر خاطره إلى حين إصلاح النظام الإداري في السودان، هل الشخص الذي اختار عربة الفرملة أم الذي اختار "راس القطر"؟
مرةً أخرى، كانت الورشة قد دعتني للمشاورة في حل علاج لقطعة غيار ضخمة. وبعد معالجتها أخطرت المهندس المسئول بأنه يستحسن أن يتم التنسيق مع مسبك الخرطوم المركزي (بنفس نمط النظام الذي وضعته لصوامع الغلال) لاستحداث كتالوجات لمثل تلك القطع. ولما حمل المهندس اقتراحي للمسئولين، ناداني كبير مهندسي الورش الميكانيكية – الأمريكي الجنسية – وحاورني في الموضوع وأعجب به، وسأل إن كان من الممكن أن أقيم مسبكاً لكنانة لأن قطع الغيار التي يحتاجونها تبرر قيام مسبك خاص بكنانة، فأجبت بالإيجاب فطلب مني تقديم دراسة لمسبك، فقدمت دراسة لمشروع مسبك صغير كبداية يعمل بفرنين مائلين، قدمتها له فعرضها على السيّد مدير المصنع، المستر شيفر، والذي دعاني وسألني إن كان من الممكن الشروع فيه فأجبته بأنه غالباً ما أستطيع، بعد غيابٍ طويل منذ مغادرتي المسبك المركزي، الاتصال بالفني السيد فيصل حسن حسين والذي بني لنا أفراننا في مدة عملي بالمسبك المركزي. فأمرني بالسفر فوراً للخرطوم لمقابلته ليقدم لنا عرضاً لمدنا بفرنين حسب دراستي، حتى يصادق على باقي المشروع، وأصدر توجيهاً بصورة للمدير الفني للمصنع، السيد فيلاسكو، لسفري للخرطوم في تلك المأمورية.
سافرت للخرطوم ووجدت الفني فيصل وقد أسس نفسه وعرفني بفنيي المسبك الذين غادروا المسبك وأنشأوا مسابكهم الخاصة، ورحبوا بي وجلست معهم في "البنبر" أشاهد مهاراتهم في سبك قطع الغيار، وكان أمراً أثلج صدري وأدمع عينيّ، وأخذت منه عروض حول أنواع الأفران التي يمكنه عملها ونطاق أسعارها.
قدمت نتائجي لمستر شيفر بواسطة مستر فيلاسكو، والذي اشتط غضباً (ليس لمخالفة إدارية مني ولكن حنقاً على كسبي ثقة المدير طبعاً)، وعساه تحدث مع المدير، فقد اخطرني المهندس الأمريكي أن الوضع حساس ويتطلب التوقف عن مشروع المسبك حالياً. (بعد مغادرتي كنانة علمت أنه تم تنفيذ المشروع وتم تسميته مشروع مسبك الصُّفَيّة – والذي توسع ليشمل أعمال التصنيع الهندسي بأنواعه والمسمى الآن بكنانة الهندسية)
تلك التجربة نبهتني للتحوط بألا أقوم بأي خطوة مالم أستشر فيها وأشهد عليها كل المدراء السودانيين: مدير شئون العاملين السيد عبد القادر المرضي، والسيد المدير الإداري، والسيد المدير الطبي المرحوم الدكتور عبدالله أحمد قلندر، والسيد مدير الأشغال الهندسية المهندس "مسكين" والسيد المدير الزراعي، وذلك لحماية نفسي من المطبات الإدارية والقانونية.
حان في ذلك الوقت حفل إفتاح كنانة، فقُدِّمت الدعوات لكل الدول المشتركة، منها بريطانيا، وكان من المنظور حضور الأمير شارلس ولي عهد التاج البريطاني، وتم اختيار عشرة مهندسين كنت أنا منهم للتواجد لاستقبال كبار الضيوف في صالة الاحتفال وتضييفهم، ولكن في آخر اللحظات سمعنا بإلغاء رحلة الأمير شارلز، وسادت إشاعة بأن الأمن الإنجليزي لم يكن مرتاحاً (كنت قد علمت من صديقٍ لي – الأستاذ مكّي يوسف – وهو كبير موظفي الإسكان وعضو فاعل في حزب الأمة ومن قادة معارضة الأنصار – علمت منه أن حزب الأمة كان محتدماً بالغضب وأهل الجزيرة أبا كانوا قد تجمهروا مما شكل أزمةً في الأمن)
في يوم التدشين قابلني أستاذي بالجامعة الدكتور بشير عبادي ومعه الرئيس جعفر نميري. عرّفه بي، وحييته، وتحدث دكتور عبادي عني في بعض المواضيع الطريفة...كانت هنالك أعين كثيرة ترقبني
بعدها، في ذات يومٍ، كنت أجلس في نادي كبار الموظفين مع صديقيّ فيصل – مدير الراديو، ومحمد تاج الدين – مهندس كيمائي، فدخل علينا مدير العلاقات العامة السيد الصاوي، والذي حيانا وجلس ثم قال لي أنه قد بلغهم أني كنت أدبر اغتيال نميري!! فضحكنا ثلاثتنا ضحكة "نكتة كبيرة"، وبادر مهندس الراديو فيصل وقال له "دي لازم تكون من إفرازات مشكلة سعيد مع فيلاسكو"، فرد الصاوي: " أيضاً سمعنا بهذه المشكلة – وأنا جئت لأقول لك أن السيد العضو المنتدب (دفع الله الوقيع) طلب مني أخطارك لتقدم له شكوى حول ذلك الموضوع، ثم غادرنا وتركنا في حيرة ننظر لبعضنا بعضاً. في ذلك الشأن، نصحني زملائي المهندسون بالتشاور مع إتحاد المهندسين وأيدت حديثهم، فوعد محمد تاج الدين بإخطار الإتحاد لأنني ليست لدي حرية حركة مع رقابة فيلاسكو، على أن أقوم أنا بإدخال المدراء السودانيين في الصورة، وهذا ما فعلت في اليوم التالي.
وفي اليوم الذي تلاه، وبينما كنت ماراً بمكتب مدير المصنع جاءني رجل أجنبي وأخطرني بأن مستر كرسنجر يريد مقابلتي
مستر كرسنجر يشغل منصب مدير "مكتب رئيس مجلس الإدارة الفني"– من جنوب إفريقيا – كان في نظام الشركة ومهمته مراقبة أداء مدير المصنع بدون التدخل في عمله (ما يعادل وظيفة مهندس المشروع والذي يعمل مع صاحب العمل لمراقبة أداء المقاول الأجنبي في إنشاء المشروع). علم كرسنجر من مهندسي المصنع بمشكلتي، فدعاني وعرض مساعدتي في تقديم شكوى للعضو المنتدب، ونصحني بتوخي الحذر في خطواتي وأن أكون "على بعد ذراعٍ" من أي تهمة بالتحرش أو تعدي الحواجز الإدارية.
كتبت شكواي وأرفقت معها صور المكاتبات وقام هو بطباعتها في مجلّد كبير وعمل منه 15 نسخة لتوزع على الإدارات في التسلسل الهرمي حتى العضو المنتدب وصورة إضافية للسيد المدير المالي عبدالعظيم بصفته شاهد على مشكلة الزيوت
بعد حوالي شهرين تقريباً، قامت الإدارة بإرسال مدير شئون العاملين، السيد عبدالقادر المرضي لمأمورية لبورتسودان، وسلمت مهامه مؤقتاً لمدير شئون عاملين بريطاني، والذي أرسل لطلبي في مكتبه ومعه مساعد مدير شئون العاملين "أظن إسمه حسبو"، وكان المدير البريطاني يضع على منضدته كل نسخ شكواي، وبجانبها أوراق نقدية جديدة برقم متسلسل بمبلغ 5000 جنيه سوداني قال لي "للأسف ضاعت شكواك في البريد (؟) وإذا بها تحل عندنا (؟)، وبما أن عامل الزمن وقف دون صلاحيتها فإنني أقترح عليك الآتي: نرجع لك شكواك ومعها هذا المبلغ "هدية من عندنا"، على أن تقدم استقالتك وتغادر كنانة في ظرف 48 ساعة من اليوم" سألت: "ولماذا أفعل ذلك؟" قال "لأن اسمك مكتوب بالرصاص" – وأمسك بممحاة وقال "وما علينا إلا أن نمحوه بدون أي هدية، لأنك تعلم إنك غير مثبت" فطلبت مهلة للتفكير، فقال "مهلة حتى غداً في نفس هذا الوقت الساعة 12، ولازال قرار مغادرتك يجب أن يتم اليوم التالي" قلت طائرة كنانة صغيرة ويمنع الكابتن حمل حقائب ثقيلة لأنها تقلل الفرص للمسافرين" قال "سنصدر أمراً للكابتن يحملك أنت وأمتعتك أولاً حتى لو أدى ذلك لعدم سفر شخص آخر معك"
قابلت زميلي محمد تاج الدين وطلبت منه يخطر النقابة بالأمر، فأفادني باستجابة النقابة بالاجتماع بي تحت شجرة في باحة المصنع بعد العمل مباشرةً الساعة الخامسة مساءاً
بعد مقابلتي تركت اللجنة تجتمع ثم، بعدها استُدعيت واطلعت على بتوصية اللجنة بقبولي المبلغ واسترداد الشكوى ومغادرة كنانة على أن أسلم الشكوى للنقابة.
وقمت بذلك وغادرت كنانة.
وأنا في الخرطوم، سمعت أن المهندسين أثاروا الموضوع وتم فصل 52 مهندس (كلهم كانوا قد أوفدتهم كنانة في منح لدراسة مختلف مجالات صناعة السكر)
جاءني في منزلي الباشمهندس منير الحكيم والمحامي المرحوم الأستاذ حافظ الشيخ الزاكي المحامي، وأخطراني بأن مجلس الشعب لديه علم بقضيتي في كنانة وهم يطلبون مني منحهم نسخة من الشكوى، فأجبت غاضباً " حتى يرد لي نميري حقي؟ نميري الصديق الشخصي لدفع الله الوقيع؟" قالوا لي "ليس لنميري ولكن لنا نحن" فقلت "ومن أنتم؟ هل أنتم إلا رجال نميري في حلة مختلفة؟ لوكان لي أمل فيكم لما دخلت هذه المعارك مفرداً"، وغادرا بدون تجاوب مني
وقلت أجرب العمل في القطاع الخاص بعد أن قرفت من الخدمة الحكومية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.