ترامب و البرهان والتطبيع مع اسرائيل !! .. بقلم: عدنان زاهر    استنكار واسع لقرار إقالة مدير مستشفى الخرطوم    ساطع الحاج: التطبيع سيقود إلى انقسامات داخل الحكومة وحاضنتها السياسية    "أوعك تقطع صفقة شجرة" .. بقلم: نورالدين مدني    فى إنتظار قرار الدكتور عبدالله آدم حمدوك .. بقلم: سعيد أبو كمبال    التطبيع سرا .. ووهم السراب ووصمة عار .. أجندة انتخابية وغياب المنظور الإستراتيجي .. بقلم: د. إبراهيم الصديق على    الوالد في المقعد الساخن .. بقلم: تاج السر الملك    مفارقات غزوة كورونا للبيت الأبيض!! .. بقلم: فيصل الدابي    "370" مليون دولار منحة من البنك الدولي للسودان    رسميًا.. المريخ يضم مهاجم الأولمبي السوداني    الهلال والمريخ يصطدمان في ديربي حسم الدوري    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان حول بشريات رفع العقوبات الامريكية و نذر التطبيع مع اسرائيل    نتنياهو: اتفاق السودان تحول هائل .. في 67 تبنت الخرطوم اللاءات الثلاث واليوم تقول نعم للتطبيع    توثيق وملامح من أناشيد الأكتوبريات .. بقلم: صلاح الباشا    د. أشراقة مصطفي أبنة كوستي والدانوب يعرفها .. بقلم: عواطف عبداللطيف    مجموعة تسطو على مكتب عضو بلجنة إزالة التمكين    التطبيع طريق المذلة وصفقة خاسرة .. بقلم: د. محمد علي طه الكوستاوي    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





العلاقات السودانية العمانية .. بقلم: بروفسور/ محمود عبدالرحمن الشيخ
نشر في سودانيل يوم 25 - 02 - 2020

في الأسبوع الماضي زار السودان وفدا عمانيا في إطار تمتين العلاقات بين البلدين. ولسلطنة عمان في النفس هوي وفي قلب حب لن تمحوه السنين. فهي بلد الخير والمحبة والشعب السمح الكريم الذي يكن للسودانيين حبا ومودة بمثل ما يبادلهم السودانيون مثله وأكثر. ولقد وددت في هذه المناسبة أن اساهم بورقة عن العلاقات السودانية العمانية كنت قد أعددتها للمشاركة بها في ندوة عن العلاقات بين البلدين كان مفترضا لها أن تنعقد قبل عام أمل أن أتبعها بأخري تركز على مساهمات السودانيين في مجال التعليم.
مدخل:
إن التاريخ هو الحضارة والحضارة هي التاريخ أو إن شئت قلت بأن التاريخ هو قصة الإنسان في الأرض، والحضارة هي انجاز ذلك الإنسان المادي. والتاريخ هو البحث عن قصة الانسان عبر الزمان وتتبع انجازه الحضاري. ومن هنا فإن تاريخ البشرية واحد وتاريخ الحضارات إلى حد كبير تاريخ مشترك . فليس هناك أمة لها تاريخ منعزل عن تاريخ الأمم الأخري ، وليس هناك حضارة لم تأخذ عن غيرها من الحضارات ،على الرغم من أن لكل أمة تاريخها الخاص بها الذي يعكس هويتها وبصمتها الحضارية. فالحضارات جميعا، كما يشير قاسم عبده قاسم ، "تبدو مثل روافد تصب في مجري نهر واحد هو التاريخ الإنساني والحضارة الإنسانية ."
والعلاقات بين الدول هي تلك التيارات التي تجري في نهر الإنسانية الكبير تقوي وتضعف وتتسارع أحيانا وتبطئ أحيانا وتتقاذفها العواصف حينا وتغدوا تيارا هادئا في أحايين كثيرة. فالتجارة والدبلوماسية والهجرات والحروب تمثل تلك التيارات في أبعادها المختلفة . والعلاقات هي أحد أهم ما يشكل تاريخ الدول ويقوي من زخمها ويشد من عضدها ويؤثرفي صيرورتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. فالدول كالإنسان تماما حيوان اجتماعي لا يمكن أن يعيش بمعزل عن أخيه الإنسان.
ومن هنا فإن كلا من السودان وعمان يمثلان رافدين من روافد الحضارة الإنسانية حيث تلاقحا وأخذا من بعضهما البعض وساهم كل منهما في نهضة الأخر عبر الحقب والعصور. وبما أن التاريخ هو قصة الإنسان ومحتوي الحضارة فإن الجغرافيا تفرض في كثير من الأحيان سلطتها على تاريخ الأمم ومسار نهضتها وقوام حضارتها مثلما تفرض اتجاهات ومسار علاقاتها الخارجية وسلمها وحربها وتشكل تراثها وعاداتها. وعمان والسودان بلدان شكلتهما وصاغتهما الجغرافيا إلى حد بعيد وصبغت تاريخهما منذ القدم. فكلا القطرين يقعان في موقع جغرافي اهلهما للعب دور تاريخي مميز، خاصة في القارة الأفريقية على الرغم من أن أحداها، وهي عُمان، تقع في القارة الآسيوية. فموقع عُمان على مدخل المحيط الهندي واطلالها على بحر العرب جعل منها بوابة ومنفذ بحري صبغ حياة أهلها وشكل تاريخها. كما أن السودان بموقعه المتميز في القارة الأفريقية جعل منه بوابة ومعبر لكل قاصد إلى القارة من شمالها . كما إن اطلاله على البحر الحمر جعله عرضة للعديد من التيارات الحضارية العابرة .
وكل من السودان وعُمان ذو تاريخ قديم يعود إلى ألاف السنين قبل الميلاد. وكلاها شهد على أرضه ميلاد أمم وحضارات قديمة أثرت وتأثرت بما حولها من أمم وحضارات، وكلاهما لعب دورا حضاريا متميزا ، فغزا وتعرض للغزو واتسع تأثيره الحضاري إلى ما حوله وإلى أبعد من ذلك. وكان تأثيره اجتماعيا وتجاريا واقتصاديا وثقافيا. وكلاهما تعرض لهجرات بشرية وافدة أثرت في تكوينه العرقي والديني والثقافي. وعلى الرغم من بعد المسافة بينهما إلا أن عوامل الجغرافيا تلك خلقت بينهما قواسم مشتركة كثيرة تكاد في بعض جوانبها أن تتطابق حتي يصعب التمييز بينهما.
فبينما ظهرت في عمان منذ القرن الثالث قبل الميلاد حضارة عرفت باسم حضارة مجان بمعني جبل النحاس لما عرف عن أهلها استخراج النحاس والتجارة به مع الدول المجاورة أو بمعني ميناء بسبب شهرة أهلها في ركوب السفن.. وكانت تلك الحضارة حضارة بحرية بامتياز لعب فيها العمانيون دور الوسيط التجاري بين حضارات وادي النيل وحضارة الرافدين-بابل وسومر- وحضارة الهند وبلاد السند حيث كانت السفن العمانية تمخر عباب المحيط الهندي والبحر الأحمر محملة بالتوابل والنحاس والأخشاب والاسماك وغيرها ، كما كانت لها علاقتها المتميزة مح بلا دلمون( البحرين الحالية) وشرق أفريقيا. وليس أدل على تلك الحضارة ما تم اكتشافه من أدوات حديدية وخزف حجري واواني برونزية في موقع صحرواي جنوب دبي الحالية يعود تاريخه إلى ثلاث الف سنة قبل الميلاد. وهذا الاكتشاف في الامارات العربية المتحدة دلالة على الامتداد الحضاري لحضارة مجان العمانية التي يبدو أنه شملت رقعة كبيرة من شبه الجزيرة العربية.
وفي ذات الوقت الذي كانت فيه عمان تشهد حضارة مجان كان السودان في شماله يشهد انبلاح حضارة لعبت دورا مميزا في تاريخه وعلاقته مع الأمم المحيطة ألا وهي حضارة كوش التي تميزت بصناعة الحديد وبعلاقتها التجارية والسياسية مع شمال وادي النيل والهضبة الحبشية وشمال أفريقيا. وعلى الرغم من أن الدراسات شحيحة فيمايتعلق بعلاقات كوش السودانية في عهودها الثلاث – كرمة، نبته ومروي- بمملكة مجان العمانية ، في تلك الفترة إلا أن هناك مؤشرات تدل على أن سفن مجان قد مخرت عباب المحيط الهندي إلى شرق افريقيا مما لا يستبعد معه أن تكون تلك السفن قد غشيت مؤاني السودان في طريقها جنوبا أو شمالا. ولم يقتصر الأمر على سفن مجان فهناك دلالات على أن سكان جنوب الجزيرة العربية من ممالك معين وسبأ وما بعدهم الحميريون قد عبروا إلى الشواطئ الغربية للبحر الأحمر في الألف الثاني قبل الميلاد وكانت لهم تجارة نشطة مع تلك المناطق ، كما أن بعضهم قد توغل حتي النيل الأزرق وأعالي نهر عطبرة ومنها إلى بلاد النوبة . ومن ضمن تلك السلع التي كان يتاجر فيها هؤلاء مع بلاد النوبة اللبان ، والذي يرجح أنه كان يأتي من ظفار. بل أن هناك دلائل تشير إلى أن أبرهة ذو المنار بن ذو القرنين الحميري قد شن هجمات في أوائل القرن الأول قبل الميلاد على بلاد النوبة.( ربيع القمر: الهجرات العربية إلى بلاد النوبة والسودان الشرقي وأثارها الثقافية والحضارية
وإذا كانت عمان قد امتد تأثيرها التجاري والحضاري في تلك المبكرة من تاريخها وما تلاه قبل الميلاد وبعده بقليل إلى الساحل الشرقي من أفريقيا بحثا عن العاج والذهب وغيره من منتجات تلك البلاد وتصديرها شمالا إلى بلاد الرافدين ودلمون فإن ذات الفترة قد شهدت اندياح الكوشيون في عهد مملكة مروي وما بعدها نحو الجنوب حيث وصلوا إقليم البحيرات العظمي . ذلك أنه بعد سقوط مملكة مروي في حوالي القرن الرابع الميلادي نتيجة هجمات الأحباش الأكسوميين هاجر العديد من المرويين جنوبا حاملين معهم بجانب الحديد ثقافتهم ونظمهم الحضارية مثل النظام الملكي الذي طبع نظم تلك البلاد كما في ممالك البحيرات مثل البوغنده في أوغنده و التوتسي في رواندا وبروندي. إذ، كما يشير سجلمان، فإن أهل البلاد أما حاميين ترجع أصولهم للمهاجرين الكوشيين وإما تأثروا بنظمهم.(انظر في ذلك محمود عبدالرحمن الشيخ: المصريون في أوغنده) . ومن هنا فإن تأثير كوش في منطقة البحيرات سابق لتأثير زنجبار العمانية الذي تم في منتصف القرن التاسع عشر. وفي الوقت الذي شهد فيه السودان انهيار مملكة مروي الكوشية (350م) فإن عمان كانت قد تعرضت لهجمات الفرس الذين استولوا على مناطق عديدة من ساحلها. لكن عمان ما لبثت أن زحف نحوها مجموعات عربية أزدية هاجرت إليها من بلاد اليمن عقب انهيار سد مأرب في منتصف القرن الأول الميلادي استطاعت طرد الفرس وتأسيس مملكة عربية على يد مالك بن فهم الأزدي. وعلى الرغم من عدم وجود دلائل إلى هجرة السبئين إلى بلاد النوبة فإن لا يستبعد ذلك إذ أن التجارة بين سبأ وبلاد النوبة كانت قائمة قبل انهيار السد. أما في السودان فقد ظهرت على أعقاب مملكة مروي ثلاث ممالك مسيحية هي نبتة في الشمال والمقرة في الوسط وعلوة جنوب ملتقي النيلين عند سوبا.
لكن إذا كانت المعلومات شحيحة فيما يتعلق بالعلاقات السودانية العمانية في التاريخ القديم إلا أن الحال كان أحسن حالا في العصر الوسيط الذي شهد بزوغ فجر الإسلام وتأثر كلا الدولتين به. فبينما دخل الإسلام إلى عمان مبكرا في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم فإن دخوله الإسلام تأخر حتي القرن الثاني عشر الميلادي وإن كان تأثيره قد بدأ منذ القرن الثاني الهجري / السابع الميلادي بعد فتح المسلمين مصر. ففي الوقت الذي شهدت فيه عُمان قيام أول أمامة أباضية في أوائل العصر العباسي فإن السودان شهد هجرات بعض الأمويين الفارين من بطش العباسيين . وتشير الدراسات إلى أن مملكة المقرة السودانية استقبلت أفواجا من المهاجرين الأمويين من بينهم عبيدالله بن مروان بن الحكم ،وإن اختلفت الآراء حول استقرارهم ، إذ يري بعض المؤرخين أن ملك النوبة ردهم خوفا من العباسيين فاتجهوا إلى شاطئ البحر الأحمر عبر بلاد البجة. (ربيع القمر).
وكما هو معروف فإن الأمويين الفارين قد توغلوا جنوبا على طول الساحل الشرقي الأفريقي واستقروا في منطقة شمال الصومال حيث عرفو بالأموزيدج. من جهة أخري فإن الأمامة الأباضية التي أقيمت في عُمان في بداية الدولة العباسية ما لبثت أن سقطت أمام جحافل العباسيين لتشهد عمان موجة من الهجرة إلى شرق أفريقيا.
خلال الفترة من القرن السابع/الثامن الميلادي إلى القرن الخامس عشر فإن المصادر صمتت عن الحديث عن أي علاقات مباشرة أو غير مباشرة بين السودان وعمان. ذلك أن كلا البلدين قد مر خلال هذه الفترة بأحداث ساهمت في عدم الاستقرار السياسي فيهما. فبينما تعرضت عمان إلى هزات سياسية نتيجة حروبهاوثوراتها ضد الخلافة العباسية في بغداد فإن الممالك المسيحية في السودان قد تأثرت بالأحداث السياسية شمالا في مصر التي أدت إلى تدفق موجات من العرب القيسية وبني الكنز إلى داخل أراضيها والتي ساعد في تسربها معاهدة البقط التي اعقبت حملة عبداللة بن أبي السرح على بلاد النوبة في عام وتدفق القبائل العربية بعد هيمنت العناصر غير العربية على مقاليد الأمور في الدولة العباسية خلال عهد الخليفة المعتصم وخلفاؤه . ففمما لا شك فيه أن تلك الأحداث السياسية قد أثرت بدرجات متفاوتة على الاتصال والعلاقات التجارية بين سكان شرق وجنوب الجزيرة العربية وبلاد السودان. وعلى الرغم من أب هناك من يري أن هذه الفترة قد شهدت موجات هجرة عربية عبر البحر الأحمر من شرق وجنوب الجزيرة العربية توغل الكثير منها إلى الداخل إلى أن الراجح أنها كانت قليلة وغير مرصودة مقارنة بالهجرات الوافدة من الطريق الشمالي من مصر عبر أسوان.
لكن مع بزوغ فجر القرن التاسع الهجري/السادس عشر الميلادي وتعمق الإسلام في السودان وقيام مملكة الفونج في سنار وانهيار أخر معاقل المسيحية في علوة بدأ ما يبدو أنه تأثير عماني في الشأن السوداني . فرموز ملوك الفونج المتمثلة في الطاقية أم قرينات وأسم الفونج ذاته جعلت بعض المؤرخين يحاولون الربط بين سلالة تلك المملكة ومدينة فنجا العمانية والمهاجرين العمانيين في شرق أفريقيا. فالمؤرخ المصري الشاطر بصيلي يري أن هناك صلة بين أسم الفونج ومدينة فنجا العمانية متخذا من هجرات علماء المسلمين من ساحل البنادر الذي أعقب هزيمة الأمام الصومال أحمد بن إبراهيم القران في عام 1516 على يد الأحباش والبرتغاليين دليلا على ذلك . إذ يري أن تلك الهزيمة أدت إلى تفرق كثير من العلماء وعوائلهم وأتباعهم، ومنهم المهاجرون العمانيون، في مناطق ساحل البحر الأحمر ولا يستبعد وصول مجموعات من أولئك المهاجرين إلى بلاد السودان ليشكلوا نواة الأسرة التي تأسس علي يديها مملكة الفونج بالتحالف مع عرب القواسمة والعبدلاب. إن تلك الفرضية تتعارض مع أورده ربيع القمر من أن الطاقية أم قرينات كانت شارة من شارات ملوك كوش وإنها ذات أثر حميري(ربيع القمر)
وسواء كان هناك تأثير عماني في السودان خلال العصر الوسيط أم لم يكن فإن البلدين تتمتعان بكثير من السمات المشتركة ، خاصة في تأثيرهما وتأثرهما بالثقافة الأفريقية. إذ أن كلا البلدين قد لعبا دورا حضاريا معتبرا في شرق أفريقيا. ذلك أن عمان لعبت دورا حضاريا متميزا في شرق أفريقيا من خلال الهجرات المتعددة التي خرجت منها لذلك الصقع الأفريقي والذي صبغته إلى حد كبير بديانتها الإسلامية وثقافتها العربية. وهي علاقة ، كما أشرنا أعلاه، ترجع إلى ما قبل الميلاد حيث كانت المراكب والسفن العمانية تمخر عباب المحيط مستفيدة من الرياح الموسمية في غدوها ورواحها محملة بسلع الهند ووادي النيل وبلاد الشام لتعود محملة بالذهب والرقيق والعاج والخرز وغيره من منتجات شرق أفريقيا. وقد وصل العمانيون في رحلاتهم تلك حتي موزمبيق عند سوفالا وتوغلوا إلى زمبابوي بحثا عن الذهب. كما أن أعدادا كبيرة منهم استقرت على طول الساحل مكونة دويلات وأمارات لعبت دورا معتبرا أشهرها مملكة الزنج الإسلامية عند كلوة وزنجبار ومافيا وشمالا في مالندي ولامو إلى مقديشو في الصومال. لعبت تلك الدويلات دورا حضاريا متميزا حتي مطلع القرن السادس عشر ثم غاب نجمها مع سيطرة البرتغاليين على ساحل شرق أفريقيا. لكن ما لبث اليعاربة العمانيون أن تمكنوا في نهاية القرن السابع عشر من طرد البرتغاليين من تلك المناطق ليؤسسوا على أعتابها حكما عمانيا بلغ أوجه مع قيام سلطنة زنجبار البوسعيدية في النصف الأول من القرن التاسع عشر على يد السلطان سعيد بن سلطان.(انظر محمود عبدالرحمن الشيخ: العمانيون والقرنفل في زنجبار)
صبغ العمانيون الأفريقيين في زنجبار وشرق أفريقيا بصبغتهم الحضارية والثقافية فقد تأثرت لغة السكان الأصليين البانتوية باللغة العربية لتخرج لنا لغة جديدة هي اللغة السواحيلية والتي تمثل الكلمات العربية فيها أكثر من 60% من مكوناتها . وقد تعدي أثر اللغة السواحيلية زنجبار ومدن الساحل إلى دواخل شرق أفريقيا لتضحي اللغة الرسمية لمعظم سكان المنطقة من زنجبار شرقا إلي منطقة البحيرات ونهر الكونغو غربا ومن مالندي شمالا إلى موزمبيق جنوبا. ليس ذلك فحسب بل امتد الأثر العماني إلى الملبس والمأكل والعمران والموسيقي ، إضافة إلى الدين الإسلامي. وكانت التجارة هي الوسيلة الفاعلة في التأثير العماني داخل شرق أفريقيا حيث وصل التجار العمانيون إلى بحيرة فكتوريا حيث ممالك البوغنده والبانيورو وغيرها وإلى رواندا وبورندي وإلى بحيرة تنجانيقا ليصبغوا كل المنطقة بصبغتهم الحضارية. ولولا وصول الأوربيون والديانة المسيحية المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وسيطرتهم بقوة السلاح لأضحت كل تلك المنطقة تتحدث السواحيلية وتدين بالدين الإسلامي.
أما بالنسبة للسودان فقد شهدت ذات الفترة تأثيرا سودانيا انداح من الشمال إلى الجنوب ووصل حتي منطقة البحيرات الكبري. لكن ذلك التأثير لم يكن تحت الراية السودانية وإنما تحت العلم المصري. ذلك أنه خلال القرن التاسع عشر وقع السودان تحت سيطرة محمد على باشا حاكم مصر والذي عمل وأبنائه من بعده على مد نفوذه إلى منطقة البحيرات بحثا عن الذهب والعبيد لتقوية جيشه. وكان قوام تلك الحملات هم السودانيين الذين تم تجنيدهم في الجيش المصري. فقد لعب أولئك الجنود دورا بارزا في أسلمة القبائل التي شيدوا وسطها معسكراتهم وصبغها بالكثير من عاداتهم. ويبرز ذلك الأثر وسط قبائل جنوب السودان وشمالي أوغنده مثل الكاوكا والماندي والباري. وقد ساعدت تلك الحملات في فتح الطريق أمام التجار الشماليين الذي تمكنوا من الوصول إلى بلاط ملك الباغنده حيث سبقوا العمانيين في الوصول إلى تلك المناطق. وإن كان التأثير السوداني في دواخل شرق أفريقيا لم يكن بذات الدرجة التي وصل إليها التأثير العماني
لقلة اعداد المهاجرين وقصر المدة التي عاشوها وسط سكان تلك البلاد وإن كانت أعدادا من سلالتهم ما تزال تستوطن في أوغندا وكينيا الحاليتين.
لقد تميزت الفترة التي سبقت هيمنة الاستعمار البريطاني على مقدرات كلا البلدين حيث سيطر البريطانيون على زنجبار العمانية ووضعها تحت حمايتهم في 1890 وسيطروا على السودان بهزيمة قوات المهدية في 1898بشح المعلومات حول علاقات البلدين بعضها ببعض. إذ أن سلطنة زنجبار وعمان والتي كانت عاصمتها زنجبار توجهت في علاقتها الثقافية والسياسية نحو مصر الخديوية والاستانة العثمانية في تلك الفترة. لكن الفترة الاستعمارية شهدت علاقة متواضعة تمثلت في عدد من الطلاب الزنجباريين العمانيين الذين وفدوا للدراسة في مطلع الأربعينات من القرن العشرين في معهد بخت الرضا لإعداد المعلمين. وكان من أبرز الذين تلقوا تعليمهم في بخت الرضا الشيخ عامر بن علي المرهوبي ( 1915-2000) أول رئيس لجامعة السلطان قابوس العمانية. ولا يستبعد أن يكون هناك أخرون درسوا في نفس المعهد وحتي في في كلية غردون الجامعية ممن لا تعييننا المصادر على معرفتهم.
وإذا كانت العلاقات السودانية العمانية خلال فترة الاستعمار قد كانت إلى حد كبير علاقات غير مباشرة إلا أنه مع استقلال السودان فقد شهدت تلك العلاقات نموا مضطردا. ذلك انه بدءا من سبعينات القرن العشرين بدأت ارتال من السودانيين تتجه نحو عُمان للعمل فيها. وقد سبق ذلك بعقدين اتجاه السودانيين للعمل في إمارات الساحل العماني ، خاصة دبي وأبوظبي. ذلك أن البريطانيين الذين خبروا مقدرة السودانيين الإدارية ما لبثوا أن شجعوا حكام تلك الإمارات على الاستفادة من السودانيين في بناء وتنمية إماراتهم ومن ثم دولتهم الجديدة، الإمارات العربية المتحدة. ويرد في هذا الشأن ذكر الإداري البريطاني المتميز سير دونالد هويلي (1921-2008) الذي عمل في السلك الإداري والقضائي في السودان خلال العهد الاستعماري البريطاني ثم وكيلا سياسيا في إمارة دبي 1958 وسفيرا بريطانيا في سلطنة عمان (1971-1975). إذ يعزي لهويلي نصحه لحكام الإمارات العربية ولسلطان عٌمان في الاستعانة بالسودانيين ويبدوا أنهم فعلوا نفس الشئ في سلطنة عُمان. وقد كان سير دونالد هويلي محبا للسودانيين معجبا بهم ويري أن السودانيين أقدر على العمل في تلك البلاد لمعرفتهم بالغتين العربية والإنجليزيةز ذلك أن معظم الذين عملوا في الإمارات العربية وسلطنة عُمان في تلك السنوات الباكرة كانوا من خريجي كلية غردون أو جامعة الخرطوم حيث كانت الدراسة باللغة الإنجليزية.
ومما يجدر ذكره أن معظم الذين هاجروا للعمل في سلطنة عُمان من السودانيين قبل عام 1974 كانوا أفرادا ذهبوا إلى هناك بمحض إرادتهم. لكن مع بزوغ فجر العام 1975 بدأت الحكومة تطلب رسميا من حكومة السودان ايفاد خبراء من قبلها في السلطنة مما أدي لتوافد العديد منهم وفي شتي المجالات وفقا لعقودات رسمية.
وهكذا فقد شهدت السنوات الأولي من حكم السلطان قابوس انتداب عدد من السودانيين للعمل في السلك الإداري العماني. وكان من أوائل من وصلوا إلى عمان الأستاذ حسن أبشر الطيب ود. ميرغني حمور من علماء الإدارة السودانيين، كما تم الاستعانة أيضا بعدد من موظفي المالية. ولقد ساعد أولئك الإداريون في وضع اللوائح الإدارية وهيكلة النظام الإداري العماني وتدريب العمانيين.
وحقيقة لم يقتصر دور السودانيين على مجال الإصلاح الإداري بل كان شأنهم في الجانب المالي والتخطيط الاقتصادي حيث عمل عدد منهم وما يزال في وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي والتجارة والبنك المركزي العماني وديوان البلاط السلطاني . كما عمل عدد منهم في مجال المواصلات كموظفين ومستشارين وفي مجال الاتصالات والطرق والتشييد العمراني والكهرباء . وعلى ذكر الكهرباء يذكر بعض السودانيين الذي عملوا في عمان خلال السنوات الأولي أن أول مدير كهرباء في عمان كان السوداني بابكر احمد بابكر.
ويرجع للسودانيين قصب السبق في المساهمة في التنمية العمرانية في السلطنة حيث تم التعاقد مع عدد من المهندسيين السودانيين والمساحين الذين عملوا في ديوان البلاط السلطاني والبلديات العمانية في الولايات المختلفة حيث لعبوا دورا مقدرا في تخطيط المدن وبناء المساجد والمدارس وتشييد خطوط الكهرباء والتلفونات وغيرها.
لكن أبرز المجالات التي ساهم فيها السودانيون في سلطنة عُمان كان التعليم بشقيه العام والعالي. ففي ذات الوقت الذي بدأ فيه الأداريون والفنيون السودانيون الوصول إلى عمان شهدت أيضا وصول أول فوج من المعلمين السودانيين مع بداية السبعينات وفق اتفاق بين وزارة التربية والتعليم السودانية ووزارة التعليم العمانية. وكما كان للسير دونالد هويلي الفضل في نصح حكام الإمارات وعمان بالاستعانة بالسودانيين في المجال الإداري فإن الشيخ عامر بن علي بن المرهوبي (1915-2000 ) الذي درس في معهد بخت الرضا لتدريب المعلمين في السودان في أوائل الاربعينات عندما كان في زنجبار، والذي أصبح في أوائل السبعينات مديرا عاما ثم أول وكيل لوزارة التربية العمانية دورا في تمتين العلاقات السودانية العمانية في مجال التعليم. إذ عمل على عقد اتفاقيات مع وزارة التربية السودانية لايفاد معلمين سودانيين للعمل بالسلطنة. وكانت معرفة الشيخ عامر وخبرته بخريجي معهد بخت الرضا حافزا له على الاستعانة بالسودانيين للعمل في ولايات السلطنة المختلفة إذ عُرف عن السودانيين الذين درسوا في معهد بخت الرضا التعود على الشدة والعمل في مناطق السودان المختلفة مما يؤهلهم للعمل في سلطنة عُمان التي كانت في بداية نهضتها الحضارية.
عمل المعلمين السودانيين الأوائل في المدارس القليلة التي كانت موجودة في سلطنة عمان والتي لم يكن يتجاوز عددها في ذلك الوقت أصابع اليد الواحدة. فالمعلوم أنه مع تولي السلطان قابوس الحكم في عمان كانت هناك ثلاث مدارس فقط. ثم بدأت النهضة التعليمية العمانية تتسارع بخطي متسارعة لتشمل كافة المدن والولايات. ولم يتوان المعلمون السودانيون في العمل في مناطق ريفية صعبة البيئة تنعدم فيها الكهرباء والماء النظيف. ويذكر لي أحد أولئك المعلمين الذين عمل في مدينة العارض باقليم عبري بولاية الظاهرة في السبعينات أن المدارس كانت تبني من الأدوات المحلية وكانت المدينة تفتقر إلى الكهرباء. ولم يكن هذا مستغربا إذ أن السلطان قابوس بن سعيد عزم على تعليم العمانيين مهما كانت المصاعب وقال قولته المشهورة: " سنعلم أولادنا حتي ولو في ظل شجرة." وقد كانت المدارس في ذلك الوقت يتم فيها تدريس ثلاث فئات في يوم واحد. كما كان يتم أحيانا اللجوء للخيام لاستيعاب الطلاب. وكان من أوائل السودانيين الذين عملوا معلمين في عمان حسن أبوكشوه والعمرابي ومحمد احمد الخضر. ولقد ترك أولئك المعلمين السودانيين ذكري طيبة يدلل عليها حديث الأخوة العمانيين الذين درسوا علي أيديهم. ولم يكن معلمي وزارة التربية السودانية وحدهم الذين وفدوا بل كان هناك معلمي اللغة الإنجليزية من خريجي معهد المعلمين العالي والذين عملوا في المدارس الثانوية الأولي ، مثل مدرسة المكلا، جنبا إلى جنب البريطانيين.
من جانب أخر فقد ساهم السودان في تدريب عدد من المعلمين العمانيين على إدارة التعليم. وكانت أول دفعة من أولئك العمانيين تفد إلى السودان مكونة من عشرة من مدراء العموم تم تدريبهم عام 1967 . وقد ساهم هؤلاء المدراء الذين تدربوا في السودان في طلب المعلمين السودانيين للعمل في عمان. وكان المعلمون السودانيون الذين يرسلون إلى عمان من خيرة المعلمين علما وخبرة.
ولم يكتف العمانيون بجلب معلمين سودانيين للعمل في المدراس وإنما استعانوا بالسودانيين من رجال التعليم أيضا في تسيير نظام محو الأمية حيث أن معظم، إن لم يكن كل، الطاقم المسؤول عن محو الأمية في عمان السبعينات والثمانينات من السودانيين. من جانب أخر فقد استفادت السلطنة من تجربة السودانيين في التأهيل التربوي من خلال إنشاء معاهد تدريب المعلمين والمعلمات . وكان أول معهد للمعلمات برئاسة الأستاذة السودانية زهراء، وأول معهد للمعلمين برئاسة الأستاذ السوداني محمد المهدي مختار.
ومما ساعد على مشاركة السودانيين في نهضة عُمان التعليمية ما لمسوه من اهتمام القيادة العمانية في الارتقاء بالمواطن العماني وتذليل كل الصعاب في سبيل نهضته. فقد لعب جلالة السلطان دورا كبيرا في تثبيت دعائم تربية المواطنة من خلال الحث على التعليم وتوجيه وزارات التربية بالاهتمام بمسابقات النظافة وتحسين البيئة والمحافظة وابتداع الأعوام المختلفة للتحفيز كعام الشباب وعام الصناعة وعام التراث وغيرها كجزء من تربية المواطن العماني. والحقيقة فإن اهتمام السلطان بتنمية الإنسان العماني كركيزة أساسية لنهضة البلاد هيأ الجو والبيئة الصالحة للمعلم السوداني لتقديم أفضل ما عنده. ومما ساعد على نجاح السودانيين أن الرواد الأوائل منهم قد رسخوا لحب السودانيين لدي العمانيين ما تميزوا به من صفات حميدة كعفة النفس والشجاعة والجرأة في قول الحق ووضوح الرأي واحترام ثقافة العمانيين وتقاليدهم.
ولم يقتصر دور السودانيين على التعليم العام بل ساهموا أيضا في تطوير التعليم العالي في السلطنة. ذلك أنه مع اصدار جلالة السلطان بتكوين اللجنة التأسيسية للجامعة تم الاستعانة بالسودانيين للعمل فيها في شخص الدكتور محمد خير عثمان وزير التربية والتعليم الأسبق. ومع افتتاح جامعة السلطان قابوس عام 1986 تم التعاقد مع عدد من أساتذة الجامعة السودانيين فيها في كافة كليات الجامعة كأساتذة ، كما تم الاستعانة بعدد منهم أيضا في المجال الإداري. والجدير بالذكر أن رئيس اللجنة التأسيسية للجامعة وأول رئيس لها فيما بعد كان من خريجي معهد بخت الرضا بالسودان وهو الشيخ عامر بن مرهوب المعمري. ولعب السودانيين دورا معتبرا في تطوير جامعة السلطان قابوس وكانوا من مشاعلها المضيئة حيث كان منهم عمداء الكليات ورؤساء الأقسام العلمية. وما زال عدد منهم يواصل عمله بالجامعة.
ولم يقتصر دور السودانيين في التعليم العالي على الجامعة بل كانت لهم مساهماتهم في التعليم التقني من خلال كليات التقنية التابعة لوزارة القوي العاملة وكليات التربية التابعة لوزارة التعليم العالي. فقد كان للسودانيين شرف رئاسة أول مدرسة للتعليم التقني في عُمان والتي كان مديرها الدكتور عمر عثمان. كما أن عددا منهم عمل كمدرسين وفنيين في تلك المعامل. من جهة أخري فقد عمل عدد من اساتذة الجامعات السودانية، خاصة جامعة أمدرمان الإسلامية في المعاهد الإسلامية التي تم تأسيسها في عدد من ولايات السلطنة في أوائل التسعينات. وكانت الترجمة احدي المجالات التي عمل فيها السودانيين في السلطنة ، خاصة في العقود الأولي من عصر النهضة. كما عمل بعضهم في مجال التأمين بعد التوسع الذي شهدته السلطنة في استخدام السيارات مع تنامي الثروة النفطية وتعبيد الطرق.
ومع التوسع الذي شهدته السلطنة في مجال التعليم العالي وقيام الكليات والجامعات الخاصة نجد الكثير من السودانيين الذين ساهموا في ذلك حيث كان منهم العمداء والأساتذة. وكان من أبرز السودانيين الذين عملوا في هذا المجال المرحوم بروفسور الهادي عبد الصمد الذي يعود إليه الفضل في تأسيس كلية ظفار في صلالة. كما أن أول مدير لمعهد الدراسات المصرفية في مسقط كان سوداني هو الصادق محمد عوضز
أما في المجال الصحي فقد كان للسودانيين كذلك دورا مقدرا، خاصة في المستشفي السلطاني ومستشفي جامعة السلطان قابوس. وعلى الرغم من أن السنوات الأولي لم تشهد أعدادا مقدرة من السودانيين في المجال الطبي مقارنة بالحال في التعليم العام والعالي والمجال الإداري إلا أن العقود الأخيرة قد شهدت تزايدا ملحوظا في عدد الأطباء السودانيين العاملين بمستشفيات السلطنة. وكان من أوائل السودانيين الأطباء في السلطنة الدكتور زروق أخصائي التخدير بالمستشفي السلطاني ودكتورة مها الشفيع بمستشفي الجامعة. هذا وقد اكتسب الأطباء السودانيين العاملين في السلطنة ، كما المعلمين ،سمعة طيبة وقبولا حسنا.
وكذا كان الحال في مجال القضاء حيث شهدت الأعوام الأولي من السبعينات والثمانينات أعدادا قليلة من القضاة السودانيين وذلك لعدم تطور النظام القضائي العماني في ذلك الحين. لكن مع تطور النظام القضائي في السلطنة في أواخر القرن الماضي وتأسيس المحكمة العليا ومحاكم الإستئناف وبروز الحاجة لقضاة أكثر خبرة ودربة تزايدات اعداد القضاة السودانيين العاملين في السلطنة. وكان مما ساعد على ذلك عقد اتفاقات بين الهيئة القضائية العمانية والهيئة السودانية يتم بموجبها ارسال عدد من القضاة السودانيين سنويا للعمل في السلطنة. ولا تكاد تخلو ولاية عمانية في السنوات الأخيرة من قاض سوداني، إضافة للحضور المميز للقضاة السودانيين في المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف. ومما ساعد على ذلك تشابه النظام القضائي في البلدين والذي يستمد أصوله من النظام القضائي الهندي والبريطاني. والجدير بالذكر أنه من أوائل السودانيين الذين ساهموا في تطور القضاء العماني كان القاضي عبدالله أبوعاقلة أبوسن.
ولم يكن القضاء وحده الذي جذب اهتمام السودانيين للعمل في عُمان إذ ما لبث أن وفد إليها عدد مقدر من المحامين مع تطور النظام القضائي وحاجة العمانيين لمن يترافع عنهم. كما أن انفتاح السوق العماني مع بزوغ فجر النهضة وتعدد مجالات النهضة الاقتصادية استثمارا وصناعة وبدء تأسيس الشركات التجارية أوجد حاجة ماسة للمستشارين القانونين من السودانيين وغيرهم. وهكذا خلال سنوات قلائل من بدء النهضة تعاظمت اعداد السودانين في مجال المحاماة والاستشارات القانونية عموما.
وعلى ذكر التجارة والاستثمار فإن علاقات البلدين في هذا المجال تستحق أيضا النظر على الرغم من قلة المعلومات المتوفرة لدينا. فالمعلومات في جانب التجارة بين البلدين شحيحة خاصة في العصر الإسلامي والحديث . أما في العصر الحديث المتأخر، أي خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين. فهناك معلومات متفرقة عن التبادل التجاري بين البلدين، كانت في غالبها من القطاع الخاص فيما يبدو وإن اتسمت بعدم الثبات والاستمرارية. فقد حاول بعض السودانيين العمل في مجال تصدير اللحوم السودانية المذبوحة إلى عمان ، إما مباشرة أو عن طريق دبي. من جانب أخر حاول بعض العمانيين ولوج السوق السوداني والعمل في مجال تصدير الموز والليمون. لكن محاولاتهم باءت بالخسران لعدم قدرتهم على منافسة الموردين الهنود الذين يسيطرون على سوق الخضر والفاكهة العماني من جهة ونتيجة للتكلفة العالية للسلع السودانية مقارنة بتلك الواردة من الهند وإيران.
أما في مجال الاستثمار فمعلوماتنا أكثر شحا، وإن شهدت السنوات الأخيرة محاولات من الجانبين لتنشيط هذا الجانب. وكانت أبرز المحاولات العمانية المساهمة في تمويل مشروع سد مروي ومحاولات عدد من العمانيين ولوج الاستثمار في تعدين الذهب في السودان. أما بالنسبة للاستثمار السوداني في عمان فيبدو أن هناك محاولات فردية خجولة غير موثقة.
أما في مجال العلاقات السياسية والدبلوماسية فإن البلدين تميزا بعلاقات ودودة ودافئة طوال تاريخهما إذ لم يسجل التاريخ أي نزاع بين الدولتين أو خلاف. بل كان بينهما توافق تام في كثير من القضايا العربية. فمنذ اعتلاء السلطان قابوس بن سعيد عرش السلطنة وتبادل التمثيل الدبلوماسي بينهما بعد استقلال السودان شهدت العلاقات السياسية تناميا مضطردا. إذ لم تذكر المصادر أي خلافات بينهما سواء خلال الحكم الديمقراطي في السودان (1956-1958؛ 1964-1969؛1985-1989) أو خلال الحكم العسكري في عهد كل من عبود (1958-1964) أو جعفر نميري(1969-1985) أو عمر البشير (1989-20018). على العكس تماما كانت السلطنة دوما تقف إلى جانب السودان كأخ شقيق على أعلي المستويات. فحينما قرر جعفر نميري في أواخر السبعينات تخفيض التمثيل الدبلوماسي في بعض البلاد نتيجة الظروف الاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد بادر جلالة السلطان بمنح السفارة السودانية في مسقط أرضا مجانية وتبرع ببنائها.
وقد كانت العلاقات السياسية بين السودان وعمان خلال فترة حكم النميري متميزة وتتسم بكثير من التوافق في القضايا السياسية. مثال ذلك أنه حينما عقد الرئيس المصري أنور السادات اتفاقية سلام مع إسرائيل فيما عرف بكامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978 وقررت الدول العربية مقاطعة مصر جراء ذلك كان السودان وسلطنة عمان الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان لم تقطعا علاقتهما بمصر. وخلال السنوات الأخيرة شهدت العلاقات تناميا مستمرا تمثل في مساعدة السلطنة السودان في تشييد سد مروي وفي تبادل زيارات الوفود في مختلف المجالات كزيارات وفود المجالس التشريعية في البلدين لتبادل الخبرات والرأي في القضايا المشتركة. وكانت أخر الزيارات التي تمت زيارة وفد مجلس الدولة العماني إلى السودان في ديسمبر 2018.
أما العلاقات بين البلدين في المجالات الثقافية والاجتماعية فقد كان لها حظها أيضا من الإهتمام. وقد لعب النادي السوداني الذي تكون في مسقط عام 1995 دورا كبيرا في هذا الشأن حيث كان مربدا لإقامة الليالي الشعرية والندوات الثقافية والمهرجانات الغنائية في المناسبات القومية المختلفة والتي استطاع من خلالها مد جسور التواصل مع المجتمع العماني وتعريفه بالتقاليد والثقافة السودانية. وكان هناك تنسيق دائم بين النادي السوداني والنادي الثقافي العماني حول هذا الأمور. كما كان للنادي الثقافي العماني دورا رائدا في التعريف بالأدب والثقافة السودانية من خلال دعوة الأدباء والشعراء السودانيين للمشاركة في نشاطاته ومهرجاناته الثقافية. فقد قدم النادي الثقافي العماني الدعوة مرتين للأديب السوداني الشهير الطيب صالح لزيارة عُمان . كما كان أول نادي أو هيئة ثقافية خارج السودان تقوم بتأبين الطيب صالح بعد عام من وفاته. وكان للأدباء والكتاب العمانيين دورا كبيرا في تعريف القارئ والمثقف العماني بالأدب السوداني ورواده . بل والدفاع عنهم كما حدث عندما كتب الأديب العماني المشهور حمود بن سالم السيابي مدافعا عن الطيب صالح وأدبه ردا على نقد الكاتب المصري ثروت أباظة. كما قام أحد الطلاب العمانيين بتحضير رسالة ماجستير عن الشاعر السوداني الكبير التجاني يوسف بشير. وكان للشاعر والكاتب العماني المبدع سعيد الصقلاوي دورا كبيرا في التعريف بالشعراء والأدباء السودانيين من خلال كتاباته ومحاضراته التي كان يشارك فيها في النادي السوداني وغيره. من جانب أخر فقد كان السودان يشارك في ليالي مهرجان مسقط السنوي بالفرق الشعبية والمحاضرات الثقافية.
وكان من أبرز الشعراء والأدباء السودانيين الذين زاروا عمان للمشاركة في المهرجانات والندوات التي كان يعقدها النادي الثقافي أو وزارة التراث والثقافة العمانية بجانب الطيب صالح العلامة الكبير المرحوم بروفسور عبدالله الطيب والشاعرة السودانية التي فازت بجائزة شاعرة العرب روضه الحاج والتي استضافتها جامعة السلطان قابوس بدعوة من جمعية الأدباء بالجامعة ، كما دعت جامعة نزوي الروائية السودانية ليلي أبوالعلا. كما شارك في مهرجان مسقط السنوي كل من الشاعر السوداني الراحل سيداحمد الحردلو والروائي أمير تاج السر والفنان والشاعر عبدالكريم الكابلي .كما زارها المفكر الإسلامي عصام احمد البشير الذي القي عددا من المحاضرات في مسقط وغيرها من مدن السلطنة.
من جانب أخر فقد زار عددا من الشعراء والأدباء العمانيين السودان مثل الشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسي ومن هؤلاء الدكتور محمد سالم المعشني الذي شارك في المهرجان السنوي لجائزة الطيب صالح عام 2017 بمحاضرة تناول فيها الدور الحضاري العماني في شرق أفريقيا. أما الشاعر العماني سعيد الصقلاوي فقد قدم ثلاث حلقات في تلفزيون النيل الأزرق السوداني تناول فيها مسيرة الحركة الأدبية العماني ، كما كان حضورا دائما في مناسبات النادي السوداني المختلفة. ومن الذين شاركوا في نشاطات النادي السوداني الدكتور صادق جواد سليمان الرئيس الأسبق لمركز الحوار العربي الأمريكي بواشنطن حيث قدم عدة محاضرات، والروائي محمد عيد العريمي والشاعرة سعاد الموسوية.
أما من الناحية الاجتماعية فقد كان للنادي السوداني في مسقط والجاليات السودانية المنتشرة في المدن الكبيرة بولاية السلطنة مثل صلالة وصحار وصور وغيرها قصب السبق في المشاركة في الكثير من الأنشطة الاجتماعيةة معاضدة لأخوتهم العمانيين مثل ما حدث في حملات التطوع الذي انتظمت السلطنة بعد إعصار جونو الشهير في عام 2006. هذا وقد لعبت الصحافة العمانية أيضا دورا رائدا في توطيد العلاقات بين البلدين . ذلك أن جريدة الوطن العمانية كانت تواظب على تغطية معظم الفعاليات التي يقيمها النادي السوداني. و لا ننسي في هذا المقام أن نذكر أن عددا من الصحفيين السودانيين قد عملوا في الصحافة العمانية في بدء نشأتها.
والحقيقة أن هناك تواصلا مستمرا بين أجهزة الإعلام في البلدين كان أخرها الدورة التدريبية الإعلامية التي أقامتها وزارة الإعلام العمانية في نوفمبر 2018 لعدد من منسوبي الصحافة السودانية في مسقط.
وإذا كانت تلك سمة العلاقات السودانية العمانية في المجالات المختلفة إلا أن مما يعضد متانة العلاقة بين البلدين والشعبين التقارب والتشابه في الكثير من العادات والتقاليد. ذلك أننا نجد أن هناك تقاربا بل تشابها شديدا في عادات الزواج والأفراح والاتراح وفي الملبس والمأكل. ليس هذا فحسب بل حتي في اللغة العامية والمصطلحات والفنون الشعبية. فالبنسبة لعادات الزواج نجد أن أهل العريس والعروس في كلا البلدين يحرصان على اقامة الولائم وذبح الذبائح ودعوة كافة أهل القرية والمعارف لها ولا يقصرانها على قلة من الأهل كما هو الحال في كثير من البلاد العربية وغيرها. أما في الاتراح فنجد أن كافة أهل القرية يشاركون في مواساة أهل المتوفي أو المتوفاة ويقومون باطعام الوافدين بذبح الذبائح لهم. ليس ذلك فحسب بل أن هناك تشابها في دفن الموتي من حيث اعداد القبر وعادات الدفن.
من جانب أخر نجد أن هناك تشابها بين البلدين في اللبس فكلا من السودانيين والعمانيين يعتبرون الجلباب زيا قوميا لهم يلبسونه دوما حيث يسمي في السودان بالجلابية وفي عمان بالدشداشة والذي تتميز باللون الأبيض الناصع وأن دخلت عليه حديث الألوان. وكذا الحال بالنسبة لتغطية الرأس إذ يحرص كلا من السودانيين على تغطية الرأس وذلك بلبس العمامة بالنسبة للسوداني والمصر بالنسبة للعماني. ولكن تتفوق عمان بأنها جعلت لبس الدشداشة زيا رسميا حتي في المدارس والجامعات وأماكن العمل بينما نجد غلبة الزي الأفرنجي بالنسبة للسودانيين في أماكن العمل .
أما بالنسبة للمأكل فنجد أن كلا من السودانيين والعمانيين يحبان أكل اللحم والمرق غير أنه بينما يغلب استخدام الخبز في السودان فإن الأرز هو المفضل في عُمان. لكن يتشابه السودانيون والعمانيون في الكرم حيث نجد أن كل من السوداني والعماني يحرصان على اكرام الضيف بذبح الذبائح وتقديم أفضل ما عندهما له. لكن بينما نجد أن السوداني يحرص على مشاركة الضيف والحرص على اطعامه نجد أن من صفات الكرم العماني أن يترك الضيف لوحده حتي لا يحس بالحرج في تناوله للطعام. كما نجد تشابها في الاحتفال بالأعياد كعيد الفطر وعيد الأضحي من حيث الحرص على زيارة الأهل والأقارب وتقديم الفلوس للأطفال. كما أن هناك تشابها في الالعاب الشعبية إذ نجد أن الرزحة العمانية تشبه إلى حد كبير لعبة الكمبلا السودانية وبعض الالعاب الشعبية السودانية.
أما في مجال اللغة والشعر والأدب فنجد أن هناك بعض الكلمات والمصطلحات التي تتسم بالكثير من التشابه. فمثلا يطلق العمانيون على الصندوق الخشبي الذي كان يستخدم قديما لحفظ الملابس والأشياء الثمينة في المنزل أسم "المندوس " نجد أن السودانيين يطلقون عليه أسم "السحارة" . كما نجد أن هناك تشابها في الاهتمام بالشعر الشعبي والذي يسمي في عُمان بالشعر "النبطي" وفي السودان ب "الدوبيت" والذي ينشده رعاة الأبل والفرسان في البطانة وغيرها اثناء سفرهم وعملهم.
أما بالنسبة للمرأة فنجد أن كلا البلدين عملا علي التمكين للمرأة في كافة شؤون الحياة حيث تحتل المرأة مكانة متقدمة في كليهما وأصبحت شريكة للرجل في كثير من المجالات. فنجد أن كلا من المرأة السودانية والعمانية قد توفرت لها كافة فرص التعليم ، كما تسنمت المرأة في كلا من السودان وعمان أرفع المناصب في الدولة فهي معلمة وسفيرة ووكيلة وزارة ووزيرة، كما هي عضوة في كافة المجالس البلدية والتشريعية. وتحظي المرأة في كلا البلدين باحترام المجتمع وتوقيره . وكذا الحال بالنسبة لكبار السن.
ومهما حاولنا أن نعدد من سمات مشتركة وتوافق بين البلدين سنجد أن كلماتنا تعجز عن ذلك. لكن ما قدمناه كان سياحة سريعة في مجالات العلاقات السودانية العمانية عبر تاريخهما الطويل والتي نتمني أن نقدمها في أوراق منفصلة بالتفصيل والتوثيق. لكن ما يبعث على الغبطة والسرور أن كلا الشعبين يكن كل منهما للأخر احتراما وتقديرا كبيرين ولدي كل منهما في قلب الأخر محبة ومودة راسخة لا تزيدها الأيام والسنون إلا صقلا ومضاء.ً وإننا لنطمع أن تتواصل علاقات البلدين في ظل السودان الجديد وفي عُمان في ظل حكم السلطان هيثم بن طارق آل سعيد.
وإني لأرجو أن تحفز مقالتي هذه الأخوة السودانيين ممن عملوا، وما زالوا يعملون، في سلطنة عُمان لاتحافنا بالمزيد مما يعرفون وممه أجملت فيه هذه الورقة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.