المريخ يتعادل مع أوتوهو الكونغولي    المريخ يسعى لبداية قوية في دوري الأبطال    لجنة الأطباء تستنكر طلب وزارة الصحة من المنظمات دفع استحقاقات كوادر عزل كورونا    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    حركة المستقبل للإصلاح والتنمية: غياب المحكمة الدستورية خصم على العدالة    اللجنة التمهيدية لنادي القضاة تطرح مبادرة لحل الخلافات بين النائب العام ونادي النيابة    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    سفيرة السلام والتعايش المجتمعي .. بقلم: نورالدين مدني    القتل بالإهمال .. بقلم: كمال الهِدي    (خرخرة) ترامب... و(خزا) جو بايدن .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الامين    المريخ يستجيب لطلب الفيفا    ما شفت عوض ؟ .. بقلم: البدوي يوسف    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    بنك الخرطوم والتعامل بازدواجية المعايير مع العملاء .. بقلم: موسى بشرى محمود على    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    الكسرة والملاح في معرض الشارقة الدولي .. بقلم: نورالدين مدني    حادثة اختطاف الزميل خيري .. وبريق السلطة !! .. بقلم: د0محمد محمود الطيب    بروفسور ابراهيم زين ينعي ينعي عبد الله حسن زروق    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    كامالا هاريس: سيّدة بلون الزعفران والذهب هل ستصبح أول رئيسة في تاريخ الولايات المتحدة؟ .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    الطاقة: الإخطار الذي تم توجيهه للشركة الصينية جزء تعاقدي وخطوة قانونية    إطلاق أكبر تجربة سريرية لعلاج كورونا في السودان    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هل يعقل أن يكون الجيش الوطني دولة استعمارية تستبيح الوطن؟ وحتمية الفشل الكارثي لكل النظم العسكرية (3) .. بقلم: البروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد
نشر في سودانيل يوم 22 - 10 - 2020

ما عاد الصمت ممكنا (2): هل يعقل أن يكون الجيش الوطني دولة استعمارية تستبيح الوطن؟ وحتمية الفشل الكارثي لكل النظم العسكرية (الجزء الثالث)
النار المرة القادمة وأعمدة المشانق...أيها العسكر وأشياعهم!
بقلم البروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد
هذا مقال وسيط رابط بين الحلقات السابقات في سلسلة مقالاتي استدعته ذكرى ثورة 21 أكتوبر الخالدة التي سطرت للموقف المبدئي للشعب السوداني في الرفض القطعي لاستعمار النظم العسكرية للوطن. وحتمته مقتضيات الوضع الراهن مع تعالى اصوات نشاز كانت ملجومة في ترقب انتظار لحظة الوثوب إلى السلطة بواسطة عسكر لجنة البشير الأمنية وبطانتها. وهو ما ظل أعضاء تلك اللجنة المجرمة يخططون له منذ أن أرغمهم شبابنا وفخر عزتنا على تغيير مظهر جلودهم في حربائية لم ولا ولن ينخدع بها الشعب المعلم. وما استئسادهم والتلويح ببلاهة بطلب التفويض، إلا دليل على جهلهم الفاضح في قراءة واقع الوطن والتغيير الجذري الذي تم في ثورة ديسمبر. وهذا المقال يسوق الحقائق مجردة من ما لا شك تحويه المستندات والمراجع، إضافة إلى شهادة رجال ما خانوا الوطن ولا فكروا يوما في ذلك؛ فكانوا نعم الجنود الصناديد والضباط الأشاوس، إضافة إلى مصادر أخرى وإفادات لا يتطرق إلى مصداقيتها الشك لأنها في حيدتها لا فائدة تجنيها من تلك الإفادات ولا ما تخسره؛ بل كلها في رأينا يصب في مصلحة الوطن ومستقبل أجياله.
والمقال في نفس الوقت استجابة لطلب كثيرين، ومن ضمنهم ضباط وجنود وطنيين أشاوس، بتلخيص ما سبق نشره حتى تسهل متابعة نقاطه، لطول المقالات السابقة التي وردت فيها المعلومات الهامة. فقد أقر ذلك النفر الكريم بأن ما سقناه من حقائق في الحلقتين السابقتين، رغم طولهما، قد أزاح عن أعينهم كثيرا من الغشاوة التي أورثتها لهم ممارسة مهنتهم العسكرية دون الغوص تحليلا في أبعادها ومراميها. لذا فإننا سنسوق الحقائق مجردة مهما كانت مرارتها ومهما كان أثر صدمتها على النفوس. فما عاد الصمت ممكنا! ولن نرتكب خيانة للوطن والضمير بعد أن جاد شبابنا بأرواحهم وأحلامهم من أجل وطن معافى. وما عاد غض الطرف واردا بعد أن طغت هذه المؤسسة وتجبرت واستمرأت عداءها للوطن ومواطنيه منذ تأسيسها، فدمرت وقتلت الملايين من شعبه وداست على كرامته وعزته وتراثه وحضارته ونهبت ثرواته، كما سنبين. ولم تحرك ساكنا أبدا في يوم من الأيام ضد من يحتل أراضيه. بل، وبكل عدم الحياء وانتفاء الرجولة، يقول قائدهم في خطابه أما قيادات القوات المسلحة في وادى سيدنا أنهم لن يحرروا شبرا واحدا من تراب الوطن. ولكنهم سينتظرون حتى يجئ في المستقبل من يقوم بطرد المحتلين ويرفع علم السودان على المغتصب من الأراضي! فأي نوع من الرجال هؤلاء؟ دعك من السؤال المفترض في مثل هذا المقام: "أي جنود هؤلاء؟" ودعك من أن تسأل "أي سودانيين هؤلاء؟" فأي شرف وأي رجولة هذه؟ أم أن الجيش أجبن من يستأسد على أعداء الوطن، في الوقت الذى يفتك فيه بالمواطنين العزل فيقتل الأطفال والحمل من النساء ناهيك عن الشباب الأعزل الصائم النائم؟
أما عنوان هذا المقال فإنه لم يقصد به التهديد أو التلويح بالوعيد، ولا هو تنجيم بالغيب ولا ضرب من الأمنيات المتوهمة. ولكنه إستقراء تحليلى للواقع ومآلات المستقبل الحتمى إعتمادا على قراءة متأنية لتاريخ الوطن ومضاهاة ذلك بحال الأمم وأفاعيل الشعوب. وهو أرتكازعلى التحليل العلمى والمنطقى، إسهاما في إضاءة الرؤيا حتى يعى دعاة إستيلاء الجيش على السلطة أنه وبحقائق التاريخ أن الجيش في السودان هو أفسد وأجرم جهاز في الدولة منذ إنشائه كوحدة في الجيش البريطاني عام 1925 بقرار من البرلمان البريطاني؛ وهو سبب البلاء والكوارث، ووكر لجرائم من الخيانة العظمى كثيرة. والجيش هو المسئول عن إزهاق أرواح ما زاد عن الستة ملايين مواطن منذ تأسيسه، وتدمير كامل للوطن وسرقة مقدراته، كما سنبين بالحصر. فمؤسسة الجيش في السودان لا تختلف عن بقية الجيوش في أغلب الدول النامية التي دمرت أوطانها وباعتها رخيصة في عمالة بينة لأنها تفتقد الشرعية الوطنية فتلجأ إلى كسب الشرعية الإقليمية او الدولية بالتنازل عن ثوابت الأمة. فهي بذلك امتداد لكل عجز وتخلف وتسلط في كل أجهزة الدولة التي ورثناها عن الاستعمار والتي تجب إعادة صياغتها بما يتواءم مع تطلعات أمتنا وشباب مستقبلنا. فالأجهزة والمرافق التي أقامها المستعمر لخدمة أهدافه ستظل مطية للمستعمرين الجدد من عسكر متسلطين ولن تقدم شيئا من أجل المواطنين، الذين يرزحون في بؤس وجوع وجهل وفقر ومرض في حين تستمتع حفنة من المتعلمين بخيرات الوطن كلها مستغلة الدولة كمؤسسة ربحية من أجل المنصب والجاه والثروة في مساكن ومكاتب مكيفة. تصلهم كل حاجياتهم في أماكنهم دون تعب أو مشقة، بل في بذخ يتناوب في إيصاله عدد من السائقين لسيارات فارهات تضاهى مركبات قيادات أكبر الشركات العالمية العملاقة.
لذا يجب التنبيه إلى خطر الجيوش الكارثي في السياسة لأنها بطبيعة تكوينها ومهامها تنحصر في التركيز على الأدوار الثلاثية الأساسية التي سبق وذكرناها وأفضنا في تفصيلها و التي تنطبق على مهام أي جيش في العالم. وهي تسلسلا: 1- تدمير مقدرات العدو ومنشآته وكل ما يمكنه أن يستفيد منه تدميرا كاملا، 2- قتل أفراد العدو بإتقان وشراسة ضارية لا رحمة فيها، 3- المحافظة علي الضبط والربط والطاعة العمياء لكل الأوامر دون نقاش أو إعمال للمنطق. وهنا يتوجب علينا إثارة سؤال استباقي ضروري: كيف يجوز عقلا ان نتوقع ممن تمت برمجتهم وأدلجتهم ورهن مهامهم علي التدمير والقتل بطاعة عمياء، أن يقدموا شيئا لبناء الأمم وإحداث التطور والتنمية؟ أو هل يعقل أن يفعلوا في شعوبهم غير التوهم بأن شعوبهم هم العدو الذى يجب تدمير مقدراته وقتله بلا تردد وبالأوامر الصادرة فيما يحلو لهم أن يسموه ب"فرض هيبة الدولة"؟ فكما قال أبو الفلسفة اليونانية أفلاطون وتبعه أرسطو ونهج نهجهما الفارابى وإبن رشد وأبن خلدون وأكدت دراسات علم التواصل الإدراكى والنفسى-الإجتماعى أن نمط تفكير المرء يحدده بل يقولبه مجال عمله وممارساته. فالطبع، كما قيل قديما، يغلب التطبع.
لذا أقرر حتمية فشل العسكر وبكل الثقة لأن أدوات التحليل والإستقراء والمنهج الذى أتبعه هي نفس الأدوات التي قادت إلى القناعة بحتمية إنتصار ثورة ديسمبر طلائع أيامها، وقد داخل الشك مفجريها، وراود اعداءها العشم في وأدها؛ فأشمعلّ جلاوزة النظام الفاسد ولجنته الأمنية التي بالغت فى البطش في محاولات يائسة ظنا من أن ذلك سيقيهم حتمية السقوط. فما زادت أفعالهم تلك الشباب الراكز الصامد إلا إصرارا على النصر. وكنت قد كتبت في السابع والعشرين من ديسمبر عام 2018: "وقد تأكد لى أن نهاية هذه العصابة محتومة -- لاشك عندى فى ذلك." راجع مقالاتى ومداخلاتى قبل الثورة وأثناءها، خاصة "أعظم إمرأة فى تاريخ إفريقيا ومجدنا الآتى". فما على أنصاف الرجال إلا أن يدركوا أن هذا الشعب قد أعيد خلقه بجيل حمل وطنه في عقله وقلبه -- غير آبه بالموت في سبيله. ألا يتذكر هؤلاء السواقط الداعين لإستلام الجيش للسلطة هتافات شبابنا الغض وقد نزعوا ما يغطى صدروهم من أقمصة وفنائل وكتبوا على صدروهم "حباب الطلقة"؟ هل لكم أيها ألاغبياء أن تتخيلوا أن شبابا تلك قناعاتهم سيهزمون ويتركون لكم الأمر لتفسدوا ما شئتم؟ وقد قالوها وظلوا يرددونها حتى انتصروا: " رص العساكر رص ...الليلة تسقط بس ...ما بنخاف... ما بنخاف." لله درهم ولهم منه سنده وقلوبنا معهم.
وأقول اليوم أن أي مغامرة من مؤسسة الجيش، التي سنثبت في هذا المقال إجرام وخيانة قياداته العظمى للوطن، منذ تأسيسه بقرار من البرلمان البريطاني، كوحدة في جيش المملكة المتحدة، مآلها الفشل والدمار للوطن. فقد أمضيت أربعين عاما من عمري أدرس وأدرِّس وأكتب وأحاضر عن أسباب الفشل في الدول النامية، مضاهاة بعوامل النجاح والتطور في القليل منها. وقد توصلت إلى قناعات قطعية فيما يتعلق بأسباب التخلف. وعلى رأس قائمتها تطاول العسكر وإستحواذهم على الحكم؛ بنتيجة حتمية لا شك فيها وهي أنهم لا يخلفون إلا قتلا يفوق التصور ودمارا شاملا لكل أوجه الحياة وفسادا يصعب إقتلاعه. وفى هذا المقال أعمل على التذكير بأهم النقاط التي أوردتها في مقالاتى السابقات حول الجيش والتى تشكل خلاصات لبحث تحليلي مستفيض؛ أرى أنه من المفيد الإطلاع عليها تحت عنوان "ما عاد الصمت ممكنا (1) و(2): هل يعقل أن يكون الجيش الوطنى دولة إستعمارية تستبيح الوطن؟ وحتمية الفشل الكارثى لكل النظم العسكرية".
وهدفي هنا باختصار، هو الرد على غباء الجهلاء الذين ينادون باستيلاء الجيش على السلطة وعلى رأسهم لجنة البشير الأمنية المهيمنة على مجلس السيادة، والتي كانت تخطط وتصدر الأوامر يوميا لقتل الأبرياء وانتهاك حرمات البيوت واغتصاب الحرائر والوطنين الخلص، بأسلوب ممنهج يهدف إلى الإذلال وكسر إرادة الصمود والمقاومة في نفوسهم. ولا ينسى الدارسون لفض اعتصام القيادة محاولتهم اليائسة في قتل شباب صيام نيام عزل في فجر يوم كانوا يستشرفون به عيدا، عده الرسول الإنسان الكريم "يوم أحدى الفرحتين". فإذا بديارهم مآتم وأباءهم وأمهاتهم وأخواتهم موؤدي القلوب؛ وأجسادهم الطاهرة طعاما لأسماك النيل؛ وشرفهم منتهك لحيوانات ضواري مغتصبة للعذارى بلا أدنى علاقة لهم بشرف الجندية ولا الرجولة. فشتان ما بين فعائلهم المشينة تلك والموقف الرجولي التاريخي الذى أكده قائد الفيلق السوداني وجنوده في جيش الحلفاء حينما حالوا بين نساء طبرق وقوات الحلفاء التي أستباح قائدها المدينة لجنوده بما فيها شرف حرائرها، فتصدوا بسلاحهم لجيش الحلفاء حماية للنساء الليبيات، حتى تراجع القائد البريطاني وعدل عن قراره باستباحة طبرق.
وعليه فأننا نطالب بنشر محاضر اجتماعات اللجنة الأمنية لنعرف من أقترح ماذا؟ وفى أي يوم؟ ومن أصدر الأوامر بالاغتيالات؟؛ ومن الذى كان يحض على الاغتصابات مرددا "الخ لات ديل أكسروا عينهم عشان ما يجوا يعملوا فيها رجال." ومن كان يوجه بتموضع القناصة وأهدافهم؟ فإن لم تنشر لجان التحقيق هذه المحاضر فلا مصداقية لها إطلاقا. ولذا على الشباب الذين أهدر دم زملائهم أن يكون إصرارهم على نشر هذه المحاضر ضرورة ملحة لا تقبل التفريط إطلاقا. وعلى أولياء الدم أن يطالبوا بهذا الكشف الضروري لمحاضر جلسات اللجنة الأمنية التي يتربع أعضاؤها على موقع القرار في مجلس السيادة. كما يجب أضافة ذلك إلى مطالبهم للجان القانونية العالمية التي تتابع أمر محاكمة المجرمين منذ عام 1989، الذين أزهقوا الآلاف من أرواح الأبرياء في جنوبنا وغربنا وشمالنا وشرقنا.
وأكرر القول لمن يخططون ويحرضون على الإنقلاب العسكرى أنهم سيواجهون شعبا وشبابا ما عرف العالم مثل صمودهم وإصرارهم على الإنتصار. وقد خبروهم حينما ظنوا أنهم بفض الإعتصام سيقضون على الثورة فإذا بطوفاناتها تقتلع أحلامهم من جماجمهم الفارغة. وأكرر لهم القول: لا تراهنوا على أوامر من يحركونكم كالدمى لخيانة الوطن وشعبه؛ وقد جربتم إتباع إرشاداتهم وأوامرهم من قبل في جريمة فض الإعتصام! فهم أجهل من مشى على وجه الأرض. وأنا أعجب كيف يمكن لكم أن تكون لكم كرامة وأنتم تنصاعون لأوامرهم وتلبون طلباتهم وفيهم من لم يتحصل حتى على الشهادة التوجيهية في بلادهم -- في حين أنكم تدعون بأنكم سودانيون تخرجتم من "مصنع الرجال"؟ فأى رجال أنتم؟ وأى سودانيين أنتم؟ أحقا أنكم جنود أقسمتم اليمين لحماية الوطن وترابه وصون كرامته وعرضه؟ ناهيك عن خيانتكم للوطن وشعبه بجعل حياة المواطنين جحيما بسيطرتكم على 82% من موارد البلاد وحرمان الشعب من عائداتها وإحتكاركم لما يزيد عن 80% من الوقود ومنع المواطنين من الوصول إلى القليل الضئيل منه وهم يصارعون أشعة الشمس الحارقة في صفوف تتمدد كيوم الحشر، وتمنعون الخبز عن النساء والأطفال والرجال؛ تهدفون بذلك إلى دفع الشعب للإرتداد عن المدنية التي إرتضاها وثار من أجلها. أقول لكم بكل الثقة: "خاب فألكم!"
فالسودان ما عاد نفس السودان ولا أبناؤه ارتضوا المذلة والهوان، وقد شهدتموهم وهم يتصدون بصدورهم العارية لرصاص الغدر والخيانة والإجرام في مظاهراتهم وفى جريمة فض الاعتصام. فلا تراهنوا على سلميتهم التي تمسكوا بها طويلا إلى الآن، لأنهم لن يخونوا رفقاءهم الذين قتلتم غدرا وغيلة وإغتصبتم قهرا. فلا توصلوهم حدودا لن تُفشل مخططاتكم فقط، بل ستكون وبالا عليكم وعلى الدول التي تمارسون العمالة لها، والجهلاء الذين يوجهونكم منها. والذين سيقفون جميعهم عاجزين عن رد الطوفان عنكم، إلا إذا أردتم أن تقودوا الوطن إلى ماقادوا إليه دولا أخرى. فهم أجهل من أن يعرفوا مدى ردة فعل الشعب السودانى إذا جرحت كرامتة وديست رغباته خاصة لجيل يتطلع إلى المجد؛ ولن يتوانى لحظة في بلوغه. فهم شباب ما رأيت في حياتى شبابا متفانين مثلهم؛ وقد قضيت جل سنوات شبابى في رفقة شباب غيروا التاريخ في أطراف الدنيا، خاصة في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. ولكن شباب السودان نوع مختلف من الشباب. فقد غمروا مشاعرى بالفخر حتى تمنيت لو أعادنى الله لأن أكون في عمرهم واحدا منهم، لأعيش بقية أيامى القلائل مزهوا تلفنى عباءة نضالهم الجرئ.
لذا أكرر لكم القول: إن لم تسترشدوا بحديثى هذا وتماديتم فسوف تذكرون هذا المقال حينما تعلقون على أعمدة المشانق. وأنا لا أتمنى ذلك ولا أرجوهم لكم ولا للوطن. ولكن هناك حدود علمنا التاريخ أن ردود الأفعال عليها لا تراجع فيها ولا نكوص عنها. فأحذروا اللعب بالنار لأنها ستحيلكم رمادا. فكما قال المثل "إحذروا غضبة الحليم". ولا تظنوا أن الجنود الأشاوس الذين تأمرونهم سيطيعونكم. كلا... وألف كلا! لأنهم سيكونون أول من ينقلب عليكم بعد أن تتكشفت لهم أبعاد الخيانات والتآمر وإلإتمار عمالة للأجنبى، ولشركات المافيا وبيع للوطن الذى أقسموا هم اليمين لحمايته والذود عنه. فهم أبناء هذا الوطن الخلص، أنقياء القلوب الذين تمور نفوسهم زهوا بإنجاز أخواتهم وأبنائهم الثوار الشباب. ولا تنسوا أن تنظروا إلى تجربة واحد من أكثر شعوب العالم سلمية وإستكانة للقهر، حين إنفجر وقام بإعدام دكتاتور بلدهم رومانيا، شاوشيسكو وزوجته في الشارع العام. فلم تحمه آنذاك قواته الخاصة وجهاز أمنه؛ بل كانوا هم من قاموا بإعدامه. ووالله ما ذلك ببعيد إن نهجتم نهجكم المستهجن هذا. فلا أمل لكم! وأحذروا يوما تندمون فيه ندامة الكسعي حينما رأت عيناه ما فعلت يداه!
وقبل أن نخوض في أمر هؤلاء الأغبياء والخونة والعملاء الذين يبشرون بحكم العسكر، دعونا نستعرض نماذج للدول التي إستولى فيها العسكر على السلطة وكلها في حضيض التخلف والقتل والموت جوعا ومرضا. ففي الكنغو قضى الجيش، ما بين نظامى موبوتو وكابيلا، على مازاد عن الستة ملايين ونصف مواطن موتا بالرصاص أو المجاعة التي تسبب فيها وشرد ما زاد عن الثلاثة ملايين ونصف مواطن كلاجئين. أما في الصومال فقد تسببت حكومة سياد برى الإنقلابية في مقتل ما زاد عن 117,000 وتشريد أكثر من أربعة ملايين تشتتوا في أطراف الدنيا. وبالمثل فإن نظام منقستو العسكرى في إثيوبيا قتل جيشه ما زاد عن النصف مليون نسمة، وشرد ما زاد عن الخمسة ملايين. ولم تقتصر جرائم العسكر على الكنغو وإثيوبيا والصومال فقط. فإن تقتيل المواطنين الأبرياء والنساء والأطفال وحرق قراهم ومدنهم كان ومازال سمة الحكومات العسكرية في كل الدول النامية. فهذا عين ما فعله مثلا نظام صدام حسين الإنقلابى بالعراقيين فى الجنوب والأكراد فى الشمال، وهو جنس فعائل نظام عيدى أمين فى قتل وتدمير للبقاندا والمعارضين فى يوغندا. ولا يختلف ذلك عن ما نفذه نظام القذافى الإنقلابى فى ليبيا. وتتعدد الأمثلة الخاصة بحروب الأبادة التي تمارسها الجيوش مثل تلك التى قام بها الجيش النايجيرى فى مقاطعة بيافرا ضد شعب الإقبو، وأبادوا فيها ما يزيد عن المائة ألف وتبعهم ثلاثة ملايين ماتوا بالجوع والتوهان في النزوح. وهذه مجرد أمثلة فقط فلو جمعنا كل قتلى الجيوش في إفريقيا فقط لوجدنا أن عددهم فاق جرائم الإستعمار وتجارة الرقيق مجتمعات.
اما النموذج الآسيوي لحكومات العسكر فتشهد عليه كمبوديا التى إستمر فيها التقتيل سنينا طوالا وأبيد فيها مليونى مواطن، أى حوالي ربع سكان كمبوديا! وهناك بطش نظام نى وين العسكرى فى مينامار وقتلهم للآلاف من الروهنجا. وفى أميركا اللاتينية تكرر ذات السيناريو الدموي للنظم العسكرية. فهناك تعرضت شعوب الآوا للقتل والترويع فى كولمبيا على يد الجيش الكولمبى. ولم تختلف عنها مذبحة المازوت فى السلفادور فى 11 ديسمبر 1981، وكذا مذابح الجيش البوليفى الأخيرة تحت نظام جنين أنيز ضد القبائل الأصيلة، والمستمرة إلى الآن منذ شهر نوفمبر من العام الماضي 2019.
وبقى لنا ان نضيف أن الجيش فى السودان لا يختلف عن تلك الجيوش وجرائمها. فقد قتل الملايين قبل الإستقلال، وأباد منذ عام 1955 مازاد عن الثلاثة ملايين فى الجنوب؛ وأكثر من ثلاثمائة ألف فى دارفور؛ مع تهجير ما زاد عن الثلاثة ملايين بين دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. ولا ننسى أن الجيش في السودان وأجهزته الأمنية مسئولة عن كل تقتيل فى كجبار وشمال وشرق البلاد؛ مما شمل فى كل تلك الأرجاء من تدمير كامل شامل للمساكن وللبنى التحتية وحرق للمزارع ومصادر المياه. وسنأتى لاحقا لتفصيل كوارث تشيب من هولها الولدان. فكم روحا قتل نظام عبود من الأنصار في واقعة المولد التي لولا حصافة الأمام الصديق المهدى لكانت مجزرة، تماما كتلك التي نفذها نظام النميرى في الجزيرة أبا وود نوباوى بأم درمان. فكلاهما كانا يأتمران بأمر مخابرات دولة أجنبية. فإنقلاب عبود لم يكن إنقلاب حزب الأمة. وإنما تُيِّس فيه عبدالله خليل واللواء احمد عبد الوهاب الذى أزيح من مجلس قيادة الثورة وزج به في السجن فآل الأمر لمجلس عسكرى كل قياداته من حزبى الشعب والوطنى الإتحادى. ألم نقل بأن فقدان الشرعية في الوطن يدفعهم ليحاولوا إكتسابها بالعمالة للخارج؟
فمؤسسة الجيش في السودان لم تكن وطنية على الإطلاق في يوم من الأيام، رغما عن أنه كان ولازال فيه رجال أوفياء تملؤهم الشهامة والرجولة والنبل وحب الوطن. ولكنهم مع الأسف لم يتبينوا أنهم يعملون في محيط مؤسسة فاسدة عدوة للوطن والمواطنين، دون وعى منهم. فقد ظلت مؤسسة الجيش عدوا للشعب والوطن منذ أن أسسه الإنجليز بعد عام واحد من ثورة 1924، أي في عام 1925 تحت مسمى "قوة دفاع السودان كوحدة في الجيش البريطاني" بقانون أجيز من داخل البرلمان البريطانى لحماية مصالحهم، خاصة مشروع الجزيرة الذى ظل ينتج القطن -- عصب الصناعة البريطانية. فالإنجليز لم يقتلوا ثوار ثورة 1924 وإنما أعدمهم رميا بالرصاص أبناء جلدتهم من زملائهم – رفقاء السلاح الذين إئتمروا بأمر قادتهم البريطانين. فسنوا بذلك سنة تبعها كل من جاء بعدهم من العسكر في إعدام الإصدقاء والزملاء وأخوة السلاح. فكذلك فعل عبود حينما أعدم رفاقه من ضباط وجنود القوات المسلحة، وذلك عين ما فعل النميرى عندما أعدم عددا كبيرا من الضباط والجنود. وخطى على نهجهم البشير الذى لم يتورع عن قتل زملائه ورفقائه بمن فيهم أصفيائه، في يوم وقفة عيد. وفى ذلك تطابق في التسبب في الألم يوم مسرة وبهجة إستشرافا لعيدٍ بشر به الرسول الكريم، تماما كما حدث في فض الإعتصام. فهم ما زالوا ينفذون مخطط الإستعمار الذى رُسم لهم وما زالوا يبيعون الوطن لينفذوا تلك الأجندة القديمة لتمكين العدو من الهيمنة على الوطن وضمان تخلفه. ولو قال قائل بأن الإستعمار قد رحل، نقول لهم كلا فأجندته تنفذ بوفاء. فالعقلية العسكرية مقولبة فى إطار نمط أيدولوجية المؤسسة العسكرية التى حتمت تأسيسها ونظمت أهداف إنشائها؛ وهو حماية الدولة التي أنشأها المستعمر. وحتى بعد خروج المستعمر ظل دورها كما هو عينه. فألم يقل لنا اللواء نصر الدين عبدالفتاح قائد سلاح المدرعات المقال وهو يتباهى بذلك الإرث بأن الجيش "جيش عريق ولديه لوائح ونظم موروثه من الجيش البريطانى ...يفخر بها وهى ما تؤهله ليكون المثال الأبرز فى الإقليم وربما بين جيوش القارة والعالم". أفبعد كل هذا هل هناك شك في عقلية تحجرت في حقبة منذ قرن من الزمان بعيد؟ فما العجب إن قررنا بأن المشكلة تكمن في تلك العقلية المبرمجة على ذلك الإرث الموجه بأن القتل هو الحل الحاسم؟
فلا غرابة أبدا أن الجنود السودانيين كانوا هم القتلة المباشرين للثوار في كل أرجاء الوطن وإنتفاضات رجاله ونسائه ضد الإستعمار. فالأنجليز لم يقتلوا ثوار اللاتوكا ولا الأندقو ولا الباريا ولا الشلك ولا الزاندى ولا المورلى ولا الدينكا ولا النوير ولا التبوسا ولا الأنواك ولم يقمعوا حركة ود حبوبة، وما قتلوا من قبل على دينار في دارفور وقطعوا رأسه، ولا إستباحوا القتل في ثورات الأشاوس على الميراوى والسلطان عجبنا وإبنته، الكنداكة المقاتلة فخر المرأة السودانية الأميرة مندى، في جبال النوبة، وثورات تلال البحر الاحمر ودارفور وكردفان والجزيرة. فكل هؤلاء لم يقتلهم الإنجليز بأنفسهم. وإنما قتلهم مواطنوهم العاملون في الجيش الذى لم يخض معركة واحدة من أجل الوطن أو ضد أعدائه؛ إلا حينما هب لنجدة الإنجليز حماية لمصالحهم في السودان، في كرن ضد إيطاليا وفى الحرب العالمية في شمال إفريقيا. وبلغت البشاعة بالجيش أن أباد قرى ومدائن كاملة في حرب الجنوب التى دعا فيها حسن بشير نصر إلى إستعمال النابالم لحرق كل الجنوب في إبادة تامة لمن سماهم عنصرية ب " الع... ديل". ومع الأسف الشديد إنتهج نظام نميرى العسكرى نفس التقتيل في الجنوب وفى الجزيرة أبا وودنوباوى بأم درمان وفى الشرق. فإذا بالبشير ونظامه يستمرؤون قتل المواطنين ونهب ثروات البلاد وتمليكها للأجانب تحت حماية لجنة البشير الأمنية، التي ظلت تقتل المواطنين بلا شفقة ولا رحمة وتدعى اليوم أنها شريك في الثورة! بل وتطلب تفويضا لاستلام السلطة!
لذلك على أعضاء لجنة البشير الأمنية أن لا يصدعونا بولائهم للوطن وهم من قتل أبناءه ورمل نساءه ويتم اطفاله بل مزقهم شر ممزق. فقد أستمر ضباط لجنة أمن البشير فيما يسمى بالمجلس الإنتقالى في مسلسل الخيانة حماية لمصالح الأجنبي من دول هم في واقع الأمر، كما يقول بعض الناس، عملاء لها مع شركات إمبريالية ومافيات دولية. فبحكم العمل في الإستشارات الدولية يلتقى الواحد خبراء إستشاريين كثر. وحين يعلموا بالأصل السودانى تسيل الكلمات من أفواههم يكشفون أسرارا مُدّعاة ما كان للواحد أن يعلمها لولا أن بعض بنات الهوى من عشيقات رجال تلك المؤسسات، تباهين بما حصدن من أموال السودان المنهوبة في حضور أولئك الأستشاريين الذين يحكون العجب العجاب. لذا وجب التحقق من تلك الروايات، من أجل الوطن وسلامته ومستقبله. فالمطلوب الآن كشف حساب كامل خلال الخمسة وعشرين سنة الماضية يوضح بالتفصيل المنتجات المصدرة من قبل مؤسسات الجيش وقيمتها وما أعيد إدخاله للسودان ومن هم الذين يستحوذون على هذه العائدات ومن له حق التوقيع على هذه الحسابات. ويجب إبراز كشف بأسماء كل البنوك التي تحفظ فيها هذه الأموال. ونريد أن نعرف حقيقة الحديث عن عميل أجنبى يتقاضى 38% من جملة عائد الصادرات؟ وما دوره خلاف إحتفاظه بأموال الشعب السودانى تلك لمصلحة أولئك المهربين؟ فبالله عليكم كيف تكون الخيانة العظمى أن لم تكن مثل ذلك الحرمان للشعب من أمواله وإستمرار معاناته مع تقديمها لقمة سهلة للأجنبى ولشركات المافيا وغسيل الأموال؟ ولن يمكن التأكد من كل ما تقدم إلا بعد:
(1) الكشف عن كل الإتفاقيات التجارية مع الشركات والدول والأفراد الذين تعاقدوا من شركات الجيش والأجهزة الأمنية، (2) التحقق من الأسس التي بنيت عليها قرارت التعاقد مع تلك الجهات، (3) تحديد الجهات أو الأفراد الذين قاموا بالتصديق والتوقيع على كل إتفاقية؛ فمثلا لا يعقل أن ينتزع مجرد نقيب السيادة القومية ويوقع إتفاقيات دولية ملزمة للوطن تضع أرضه وموارده تحت تصرف دول أو عصابات مافيا عالمية، ولا يكون لوزارة الخارجية أو المالية أو مجلس الوزراء علم بها؟ (4) تقرير تفصيلى عن نصوص تلك الإتفاقيات والجهات التي تمت معها، (5) تقرير تفصيلى عن كل الصادرات عبر شركات الجيش والأجهزة الأمنية بتفاصيل عن محتويات كل شحنة والجهة التي تم الشحن لها، (6) كشف يحوى كل الشحنات الواردة للمؤسسات العسكرية ومحتوياتها، (7) تقرير تفصيلى عن مصير كل عائد من تلك الشحنات، (8) تقرير تفصيلى عن كل شحنات الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية التي صدرت، مع تحديد كل الجهات والدول والمنظمات والحركات والعصابات والوسطاء الذين تم البيع لهم أو عبرهم؛ لأننا نريد، ونحن الذين ظلت بلادنا مدرجة في قائمة الدول الراعية للإرهاب طويلا، ان يتم الكشف عن أسماء الدول والمنظمات والمجموعات التي تم بيع وتهريب الأسلحة لها من قبل التصنيع الحربى. ومن هم الوسطاء الذين تورطوا في ذلك؟ وأين ذهبت عائداتها؟ (9) أسماء البنوك وشركات الصرافة والوسطاء الماليين الذين تم إيداع أي من تلك العائدات لديهم، (10) تحديد مقار أي من تلك المؤسسات والجهات المالية مع تحديد أفرعها في أي من الدول التالية: الإمارات العربية المتحدة، ماليزيا، الهند، تركيا، الفلبين، الصين، مكاو، أروبا، بليس، بناما، البرازيل، إسبانيا، المكسيك، غيانا، أنتيقوا، البهاما، سانت لوشيا، قرنادا، ترينيداد، قبرص، كينيا، لايبيريا، نيجيريا، جيبوتي، إثيوبيا، رواندا، الكنغو، يوغندا، سويسرا، بريطانيا، بلجيكا، ألمانيا، هولاندا وبيلا روسيا. الإجابة على هذه الأسئلة هامة وضرورية لإثبات المصداقية بعد عمليات الرصد التي تراكمت لغسيل الأموال وإيداع المنهوبات لمضاهاتها بالمعلومات الواردة في تلك التقارير.
فإما يا برهان ورفاقك في اللجنة الأمنية للبشير مد الشعب السودانى بهذه المعلومات المطلوبة والتي تمت حولها تحقيقات متفرقة، أو أن تكون أنت ومجلسكم العسكرى موضع مساءلة كشركاء أو متهمين أساسسيين في كل تلك الخروقات والجرائم. فلا مجال للإدعاء بأن تلك أسرار قومية تعرض الجيش للإختراق. فالجيش مخترق. والشعب يريد أن يتأكد من كل تلك الإختراقات والجرائم التي يتم التستر عليها بإعتبار أنها أسرار. في حين أنها تسلب الوطن سيادته وستؤدى إلى كوارث أكثر فظاعة من تبعات تفجير سفارات الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا أو المدمرة كول التي إستنزفت موارد الشعب من العملات الصعبة والتي تم دفعها كتعويضات عن تلك الجرائم.
أما الإحتماء الرخيص المتهافت ببيع قرارات الوطن ومواقفه طلبا للحماية من عدم المساءلة عن الجرائم في حق المواطنين العزل، فذاك حلم مستحيل التحقق! لأن قانون "الولاية القضائية العالمية الشاملة" يتيح لأى من الدول والمنظمات الدولية وحتى الإفراد حق الملاحقة الجنائية على المتهمين بمثل تلك الجرائم بلا أدنى إعتبار لأين وقعت الجرائم، وبلا أي إعتبار لجنسية أو وطن أو مكان إقامة المتهمين أو علاقتهم برافعى الدعاوى الجنائية. لأن مبدأ العدالة الشاملة يعتبر أي جريمة في أي مكان جريمة ضد الجميع؛ فلا يمكن التغاضى عنها. فهناك عدد من أولياء الدم وقانونيين متخصصين في ملاحقة العسكر الذين أجرموا في حق شعوبهم يعملون على جمع الوثائق والملابسات لتلك الجرائم لملاحقة مجرمى العسكر في السودان أينما كانوا، تحت قانون "الولاية القضائية العالمية الشاملة" وفيهم من قاد الحملة التي تمت بإعتقال دكتاتور شيلى ورجل أمريكا الأول في أميركا اللاتنية، بينوشيه في لندن، تحت قانون "الولاية القضائية العالمية الشاملة". وتقديمه للمحاكمة في إسبانيا ويجب أن لا تنسوا أن الحكومة الإسرائيلية بكل ما لديها من علائق دولية وسطوة عالمية لا تستطيع حماية أو تحصين جنودها وضباطها من تلك الملاحقات لذلك تقوم بتحذير ضباطها من السفر خارج دولتهم خوفا من إعتقالهم على خلفية الدعاوى الجنائية التي اتهموا بارتكابها ضد الفلسطينيين.
وبعد أن أشرنا إلى جزء يسير من أمثلة مقاتل المواطنين على أيدى من يظن أنهم حماته، فماذا نورد عن الدعاوى التي تقول بأن العسكر دمروا الوطن وداسوا على مقدساته؟ وبدون إسهاب في تفاصيل يعلم الجميع كنهها وإن لم يتم تأملها كجماع أفعال إجرامية من قيادات العسكر الذين اغتصبوا السلطة في الفترات الثلاث في السودان. فإذا نظرنا إلى عبود ورفاقه الذين أثبتنا أنهم لم يكونوا في واقع الأمر المنفذين لرغائب حزب الأمة ولكن جيء بهم بعد خديعة عبدالله خليل لموقفه من قضية حلايب ولتنفيذ بناء السد العالى الذى لم يجنى منه السودان غير الدمار ولم يتسلم حتى حفنة الدولارات التي وعدت بها مصر السودان كتعويضات لنصف مليون نوبى متضرر في الجانبين السوداني و من كانوا داخل الحدود المصرية. كل أولئك الذين دمرت بيوتهم وشردوا بعيدا عن أرض ثقافتهم-الحضارية ومات الكثيرون منهم كمدا أو نتيجة أمراض لم تعرفها أجسادهم ولم تكن لديهم مناعة ضدها، وغمرت قبور أسلافهم وأحبائهم مياه السد، كانوا ضحايا لجريمة العسكر تلك. ولكن لم يتفاعل مع كوارثهم إلا القلة القليلة من أبناء الوطن؛ بل صاروا مصدر فكاهة وتندر يدمى القلب. ولكن الأدهى من ذلك ما عبر عنه عميد مؤرخي الحضارات الأفريقية تشانسلر ويلمز الذى قال بأن "أكبر جريمة في تاريخ البشرية لم تكن، رغم فظاعاتها، تجارة الرق ولا الاستعمار ولا الحروب العالمية ولا الهولوكوست. وانما جريمة غمر اول حضارة انسانية متقدمة في تاريخ البشرية بنيت علي اساس علومها وتقنياتها وفنونها كل الحضارات اللاحقة لها في مصر واليونان وروما وفارس. لقد دفنوا الي الأبد تاريخ وأسرار الحضارة البشرية تحت اطنان من الطمي والملايين من أمتار المياه ببناء ذلك السد المشؤوم في اسوان. "
وتتالى جرائم العسكر في تدمير الوطن ومقدراته. فما لنا لا نرى النتائج الكارثية لجهالة وتجبر عسكر النميرى في جريمة التأميم والمصادارت الغبية التي لم تحقق سوى دمار الاقتصاد الوطنى ناهيك عن سلسلة المشاريع الفاشلة من مشروع الجموعية إلى توطين الرحل التي أدت إلى دمار بيئى مازال الناس يعانون من تبعاته في تصحر وفقدان لثروات نباتية وحيوانية لا تقدر بثمن. وفى الجانب الإداري لأمور الناس اليومية ومسار حياتهم الإجتماعية كان القرار الكارثي غير المدروس بإلغاء الإدارة الأهلية دون أعداد البديل أو تهيئة الناس لتقبله. فأنفرط عقد النظام المجتمعى وتداعت مرتكزات حياة وتعاملات الناس في دمار كارثي للواقع الاجتماعي والاقتصادي. وعلى نفس النهج والمنوال في التخبط الغبي لعسكر لا يفقهون في أسس الاقتصاد ولا إدارة المشاريع شيئا قام نظام البشير بتدمير كارثى لكل دعائم الاقتصاد السودانى، والذى عانى ومازال يعانى منه السودان وسيظل مادام العسكر يستأثرون بالثروات ويحرمون منها شعب لا يجد ما يسد الرمق أو يأوى الجسد.
فهل هناك بعد كل هذا من جرائم أكثر من السيطرة على ما يزيد عن ثلاثة وثمانين بالمائة من موارد الصادر والمزروع والمصنوع والمذبوح والمنقب من ذهب ومعادن ثمينة ومواشي ومحاصيل والشعب جائع مهدد بمجاعة ماحقة. ولا يقتصر الأمر على تلك الموارد ولكنها تشمل كل عائدات الاتصالات ورسوم الهواتف والرسوم الجمركية؟ فما الفرق بين مؤسسة الجيش ودولة الإستعمار التي ورثوها؟ وكيف لهم أن يستولوا على ريع كل الصادر ويملكونه لمالكي زمام أمرهم ويحرموا المواطنين المتضورين جوعا ومسغبة من أقل متطلبات الحياة، ظنا منهم بأنهم بذلك سيدفعون الناس إلى كراهة المدنية وإعادة الإرتماء في أحضانهم ليتصرفوا في أمر الوطن بكل العنجهية والعمالة والجبن. وواضح أن توجههم لإشانة سمعة والقدح في كفاءة كل أعضاء الحكومة المدنية إنما يهدف إلى تبخيسهم لتسهل عملية استبدال الحكومة المدنية بعسكر. ولكن إن ظنت اللجنة الأمنية بهيمنتها على كل مصادر الثروة ومراكز القرار في رئاسة لجان الصحة والإقتصاد والسلام والعلاقات الخارجية وكل ما ليس لهم به علم أو معرفة أو يقع في دائرة إختصاصهم؛ وتهميش الحكومة التنفيذية فاقدة أقل مقومات الكرامة والمسئولية كما يتضح من تنازلها عن كل السلطات والمهام للجنة أمن البشير. فتطلق يدهم بالتالي في الهيمنة على عن كل قرارات الدولة من موقع يفترض فيه الإشراف السيادي فقط وليس التنفيذي؛ مما سنأتي عليه في مقالاتنا اللاحقة من أسباب فشل الحكومة التنفيذية في أحقاق متطلبات المرحلة الحرجة. وتأسيس ثورية إعادة بناء الأجهزة ومحو الأمية كمطالب فورية.
ولكن تأكدوا مهما كان الأمر فإنه بدلا عن تسيد العسكر على أقدار الوطن وبيعه ستكون النار في المرة القادمة وأعمدة المشانق.
ولنا عودة....
عبدالرحمن إبراهيم محمد
بوسطن 21 أكتوبر 2020


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.