قرار مثير لرئيس وزراء السودان    مجلس السلم والأمن بالاتحاد الإفريقي يجري مشاورات غير رسمية بشأن ملف السودان    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    الذهب يتراجع عن مكاسبه اليومية ارتفع الذهب في المعاملات الفورية 0.7 %    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    أحمد طه يواجه الأستاذ خالد عمر بأسئلة صعبة    ماساة قحت جنا النديهة    الرياضة و السلام    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد.. الفنانة مروة الدولية تغني لشيخ الأمين في حفل خاص: (الشيخ حلو لي والنظرة منك لي شفاء وبفهم مشاعرك بعرفها)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اتفاقية السوء .. بقلم: كوكو موسى
نشر في سودانيل يوم 25 - 12 - 2020

رغم أن إتفاقية جوبا للسلام حتى الآن لم يتم نشرها على نطاق واسع أو تنوير المواطنين السودانيين عن بنودها وما يترتب عليها من تطبيقات جديدة على أرض الواقع وهذا نفسه عيب كبير لبداية تطبيق هذه الإتفاقية، ورغم أني أنا نفسي أكتب عنها الآن ولا أملك مادة هذه الإتفاقية في يدي كمرجع ولا أدعي بأني أعرف عنها أكثر من ما يشاع في الإعلام، إلا أنه لم يعد ممكناً تجاهل أن إتفاقية سلام جوبا تعاني من عدم شعبية غير مسبوقة بالنسبة لإتفاقيات السلام التي يوقعها الشمال مع الأطراف المتحاربة معه. ورغم أن عدم الشعبية هذا موجود كذلك لدي قطاعات كبيرة في الهامش، إلا أن سببه لدي هذه القطاعات ليس لديه علاقة بعدم شعبيته لدي الشماليين، لقد أصبح واضحاً أن هناك جوانب معينة في هذا الإتفاق تثير سخط الأخوة الشماليين، يدعمه إحساس غامض لديهم ولو كانت أسبابه واضحة، كما سنرى، بأن هذا الإتفاق ربما سيتم تطبيقه على نطاق واسع على عكس الإتفاقيات السابقة، رغم أن بها عيوب، كما سنرى لاحقاً أيضاً، لا تقل عن عيوب سابقاتها.
رغم أن مجلس شركاء الفترة الإنتقالية شكل أول تحدي حقيقي لتنفيذ الإتفاقية إلا أننا لن نركز عليه كثيراً، إن لغط تكوين هذا المجلس وصلاحياته لاتعدو كونها أحد أشكال الصراع بين اليسار واليمين الشمالي مع تقاطعات علاقات كل منهما مع الحركات المسلحة الموقعة على جوبا وخصوصاً تصفية حسابات الأخيرة مع اليسار الشمالي على خلفية تملصه من تنفيذ إتفاقية أديس أبابا التي تم التوقيع عليها بين الجبهة الثورية وقحت والتي كان يفترض أن تفضي لتوحد قحت وهذه الحركات للتفاوض كجسم واحد على الوثيقة الدستورية وكيفية تنفيذها. ولا يفوتنا أن اليمين المذكور والمكون العسكري هما الآن في جانب واحد، وكذلك لا يفوتنا خصوصية العلاقة بين الدعم السريع والحركات الموقعة على جوبا.
إن من أول جوانب الإتفاقية التي أثارت تحفظات الإخوة الشماليين هي التمييز الإيجابي (بجوانبه المختلفة: تعليمي، وظيفي)، خصوصاً عندما برزت نسبة ال 20% لأبناء دارفور والإحتجاجات الواسعة عليها والتي كان بعضها منطقياً والآخر عن جهل بوظيفة وأهمية التمييز الإيجابي في دولة كالسودان لتحقيق التوازن في تقسيم العمل وتمظهره العرقي الشاذ، وهو وسيلة قد تم إستخدامها في الولايات المتحدة كمثال لنفس الغرض. ومن المستحيل تحقيق هذا التوازن في الوقت الحالي بدون هذه الوسيلة والتي الغرض النهائي منها الحفاظ على الوحدة الوطنية في المستقبل المنظور وإلا كان البديل تقسيم السودان ليكون البديل عن تمظهرات تقسيم العمل العرقي المزمنة.
من الواضح كذلك أن من الجوانب المقلقة للعديد من القطاعات في الشمال هو توازن القوى الإثني عسكرياً عن طريق قوات الحركات المسلحة وتكوين مجلس الدفاع مع إحساس قوي بتحالف الحركات مع الدعم السريع تحت الطاولة لدعم هذا التوازن العسكري الذي يحجم لحد كبير إن لم يكن ينهي إحتكار الإخوة الشماليين لوسائل عنف الدولة والتي تعتبر الوسيلة الوحيدة للسيطرة على الدولة ووظائفها بجوانبها المختلفة التي تنعكس سياسياً وإقتصادياً وثقافياً وإجتماعياً على الدولة المعنية في دول العالم الثالث، أو الدولة ذات النظام المغلق - limited access order - وهي الدولة التي تحتكر إمتيازاتها فئة معينة، مما قد يعني إنهاء سيطرة الشماليين على الحياة في السودان، وبالتأكيد فإن المطلوب هو إنها السيطرة وليس الإقصاء.
ذكرنا بأن هناك إحساس بأنه لأول مرة في هذه الحقبة من تاريخ السودان الحديث سيتم تنفيذ إتفاقية سلام والتي بطبيعتها - وهذا ما تعنيه كل إتفاقية سلام تنهي حرب أهلية - تعني ترتيب البيت الداخلي لمشاركة الآخرين في السيطرة على الدولة، وهذا أمر مرفوض جملة وتفصيلاً شعبياً ورسمياً من الغالبية العظمى للإخوة الشماليين. وسواء أكان هذا الترتيب قد تم في إطار ''الهبوط الناعم‘‘ الذي هندسه المجتمع الدولي كحل وسط، فإن السبب الواضح الذي يجب أن لا نلتف ونتشنج حوله لإحساس الإخوة الشماليين بأن الإتفاقية سيتم تنفيذها هو قوات الدعم السريع المدعومة من أزرع المجتمع الدولي في المنطقة والتي هي نفسها (قوات الدعم السريع) وإثنيتها التي تنحدر منها لها مصلحة في هذا الترتيب. وفي الحقيقة فإن عدم توقيع أهم قوتين في مقاومة الهامش الأسود وهما الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الحلو وحركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد على هذه الإتفاقية سببه أنهما كحركتين راديكاليتين لا يعنيهما الحل الوسط الذي أقره المجتمع الدولي بإعتباره يحتفظ في داخله ببزور المشكلة التي يمكن أن تترعرع من جديد، ونستطيع أن نرى بأن مقاومة الحركتين القوية والعنيدة لخطة الهبوط الناعم التي كادت أن تقع في فخها الحركة الشعبية قد تم دفع ثمنها في شكل إنشقاقات وحتى إشتباكات مؤسفة في داخل هاتين الحركتين. وفي الحقيقة فإن مخاوف الحركتين (وقطاع كبير من الشماليين المتحررين والمتجاوزين للسودان القديم) مبررة من خطة الهبوط الناعم بإعتبارها تعطي مساحة واسعة تسرح وتمرح فيها قوى السودان القديم بكل سرور بل وتعطيها فرصة لإستعادة سيطرتها من جديد هذا إذا كانت ستفقدها أصلاً، وما تصريحات كباشي الوقحة عن إتفاق (الحلو - حمدوك) إلا دليل على ذلك، ولهذا تتمسك الحركتين بالحل الراديكالي الجذري بإعتباره الحل الوحيد في التاريخ الذي يحدث تغيير وتحول حقيقي في فترة مقبولة بدلاً عن الحلول الوسط والتي تحتاج أحياناً لمئات السنين لتحدث التغيير المطلوب مع إحتمالية واسعة للفشل. إن هناك قطاعات واسعة جداً ولديها القدرة والعزيمة المطلوبة تعتقد بأنها يجب أن ترى الحرية في حياة أجيالها التي تعيش الآن وليس في المستقبل تحقيقاً لشعار Freedom in our lifetime الذي تم رفعه من قبل الشباب الثائر في جنوب أفريقيا في القرن الماضي.
عيوب الإتفاقية: إذا وضعنا موضوعي العلمانية وتقرير المصير جانباً وقمنا بتجاهلهما قليلاً، وهو أحد أسباب عدم شعبية الإتفاقية لدي قطاعات أخرى من الهامش ترى عدم إمكانية التنازل عنهما، فسنجد بأن هناك عيوباً أخرى تشوبها لا تقل فداحة، وسنأخذ منها موضوع الفدرالية والبلفات التي يقدمها الشمال عند توقيعه على كل إتفاقية للأطراف الموقعة معه بخصوص هذا الموضوع. إن الشمال يتمترس منذ مفاوضاته مع الإخوة الجنوبيين لنيل أصواتهم في برلمان الحكم الذاتي لنيل إستقلال السودان من الحكم الإنجليزي في العام 1955م ضد إقرار نظام فدرالي عادل كان يمكن أن يكفي السودانيين كل الشرور التي مروا بها منذ الإستقلال وحتى الآن، وكان وعدهم الشهير بمنح مطلب الفدرالية الذي طرحه الجنوبيين الإعتبار الكافي، وكان قرارهم الأشهر في ما بعد بأنهم قد منحوا المطلب الإعتبار الكافي وبأنه لم يتم الموافقة عليه، لماذا؟ لأن الرعيل الأول من المتعصبين الشماليين لم يكن من الممكن لديهم تخيل أن يكونوا على قدم المساواة مع الآخرين داخل وطن واحد وأن الحل العملي الوحيد لدي العقيدة الشمالية هي حكم الآخرين، ولو وضعنا أنفسنا مكان هذا الرعيل الأول وأسلافهم لكان الأمر منطقياً، حيث أنهم كانوا يرون في تسمية الدولة بالسودان وهم بداخلها إهانة لهم لأنهم كانوا يطلقون هذا الإسم على الزنوج (لايمكن أن نقول السود لأنهم هم أنفسهم سود) والعبيد وذراريهم. إنهم من قاموا بكتابة مذكرة كرام القوم ضد ثورة 1924م، لأن من قاموا بها أصولهم وضيعة عرقياً وطبقياً. وفي الحقيقة فإن موضوع فدرالية حقيقية يفوق في أولويته كثوابت لايمكن كسرها للشمال موضوع العلمانية وحق تقرير المصير وهو موضوع حيوي وخطير لمعظم الإخوة الشماليين الذين يفكرون بعقلية إستعمارية ورثوها بتلقائية وعفوية من المستعمر التركي والإنجليزي وإعتنقتها نخبتهم ككومبرادور وطني حقيقي مهمته الخارجية الحفاظ على مصلحة المستعمر الإنجليزي (وهو دور إنتهى في ما بعد) وإرضاء الجارة الشمالية مصر بأي ثمن، أما مهمته المحلية الأولى والأخيرة تكريس السلطة والثروة في أيدي الشماليين.
وواقعياً بما أن السودان كان عرضة للتقسيم حتى قبل خروج المستعمر وبإفتراض أنه كان يجب تفادي هذا التقسيم كأحد أسوأ الحلول، فإن النظام الفدرالي العادل الذي كان يجب إقراره بدلاً عن التقسيم كان يجب أن يكون جوهره أن كل ولاية لها مواردها تستغلها بالكامل كحق أصيل لها مع دفع الضريبة الفدرالية وليس العكس، وهو أعطاء الولاية جزء من حاصل ثرواتها عند توقيع إتفاقية سلام بعد تفاوض شاق ومضني في هذه الجزئية، وكان هذا كفيلاً بإزالة التشوه غير الطبيعي لتوزيع الثروة في السودان، حيث أن ولايات وإثنية معينة لا تنتج هذه الثروة تستأثر بها كلها في وضع شاذ يشبه شكل الحكم في وقبل القرون الوسطى تكرسه الثقافة الإسلاموعروبية كثقافة تضرب بجذورها تماماً في تلك الحقبة. ورغم أن هذا الجانب الإقتصادي من الفدرالية لا يضمن حل هذه المشكلة حيث أن مؤسسة الجلابة التي تنحدر إثنياً من نفس الولايات والإثنية التي تستأثر بالثروة يمكن أن تبطل مفعوله - negate - بسهولة بإنتشارها وشبكتها الكفؤة في جميع الولايات، إلا أنه على الأقل كان يمكن تفادي تقسيم السودان جغرافياً مع العمل على إيجاد توازن وحلول لتمكين الإثنيات الأخرى داخل ولاياتها بإستهداف مؤسسة الجلابة وممارساتها الإحتكارية دون إستهداف الإثنية التي تنحدر منها تلك المؤسسة بإعتبارهم مواطنون سودانيون يحق لهم التواجد والعمل وتكوين الثروة في أي ولاية.
يلي ذلك مشكلة (وهذا حسب نقاشات الأخوة الشماليين) أن هناك مناطق ليس لديها ثروات، وفي مخيلتهم دائماً الأقليم الشمالي والخرطوم، وهو أمر يُقرون به صراحة عند النقاش الصريح في هذا الموضوع، وبأنه كيف سيتم حل هذه المشكلة في حالة إقرار النظام الفدرالي المذكور بدون ترك هذه الولايات وإثنيتهم عرضة للفقر. وهنا تكمن العقلية الإستعمارية حيث أن الحل العملي الذي قاموا بتطبيقه هو ''نهب‘‘ (وأنا أعني الكلمة حرفياً هنا) المناطق التي يعتقدون بأنها مناطق الثروات لصالح مناطقهم التي يعتقدون أنها فقيرة وعشائرهم التي تنحدر من تلك المناطق بغض النظر عن أماكن تواجدهم. ولدحض أطروحة الإخوة الشماليين بأن فقر مناطقهم (حسب ما يعتقدون وهو أمر غير حقيقي) يبرر نهب المناطق الأخرى وتركيز السلطة في أيديهم لحماية هذا النهب، يجب علينا أن نفسر العقلية التي يُعر ِّف بها الشماليين الثروة، إن الثروة في مخيلة الإخوة الشماليين تعني الموارد الطبيعية الجاهزة للإستغلال السريع كمورد للريع الفوري كالثروات الغابية، الزراعة المطرية، ماشية المراعي الطبيعية، ذهب التعدين الأهلي، البترول، .. إلخ. (وللتاريخ يجب أن لا ننسى بأن هذه القائمة قد تضمنت في حقبة ما العبيد) وليس خفياً على أحد بأن موطن هذه الثروات هي السافانا والسافنا الغنية والإستوائية، وهي بالضبط مناطق ما يعرف بالهامش بما فيه الجنوب سابقاً. إن هذا التعريف للثروة يمثل صورة مثالية لما يعرف بإقتصاد الريع العشائري المرتبط دوماً بالثقافة الإسلاموعروبية التي يعتنقها الإخوة الشماليين. في الحقيقة إذا لم يكن في نية النخبة الشمالية إستعمار الآخرين إبان نيل السودان للإستقلاله وفي الغالب بإيعاز وضغوطات من مؤسسة الجلابة وبيوتاتها الكبيرة - وهذا أمر لا يمكن إثباته ولكنه ما إنتهت إليه الممارسة في الواقع - لكان قد تم إقرار شكل منفتح ومرن من الفدرالية مع نية حقيقية ومتجردة لتطبيقه الأمر الذي كان سيقتل فوراً الإختلاف حول السودان نفسه كوطن، وهذا بالطبع بإضافة أن من حق إي مواطن سوداني مهما كانت خلفيته الإثنية والدينية في أن يحكم السودان مع إحتفاظ كل ولاية بحقها في التشريع ''بما لا يخالف المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان‘‘ الأمر الذي غالباً كان يمكن التغاضي عنه قليلاً في تلك الحقبة لمصلحة الوحدة الوطنية، وهو أمر كان سيمكن المهوسين في الشمال من تطبيق أشكال معقولة من التشريعات الإسلامية في مناطقهم ريثما تتمكن القوى الحديثة من إحتوائهم وتطبيع الحياة في الشمال. وهو بالتأكيد حل أفضل بكثير مما آل إليه الحال الآن.
وبالعودة لدحض أطروحة الإخوة الشماليين فإن إقرار نظام فدرالي حقيقي كان سيمكن كل ولاية من تطوير مواردها وثرواتها ولم يكن من الضروري أن تتجمع الثروة والسلطة كلها في منطقة واحدة أو لدي إثنية واحدة بعد نهبها من من باقي المناطق والإثنيات الأخرى، ولكي يكون الشرح عملياً فمثلاً إن العديد يجادلون بأنه إذا تم تطبيق الفدرالية بهذه الطريقة فمن أين يمكن الصرف على هذا التجمع البشري الهائل في الخرطوم؟ ويفوت عليهم حقيقة أن هذا التجمع الهائل سببه هو عدم وجود هذه الفدرالية نفسها التي يخشونها. إن تطوير كل ولاية لثرواتها وإستئثارها بها مع دفع إستحقاقاتها الفدرالية كان سيجعل جل سكان الولاية المعنية يبقون في ولاياتهم بدلاً - كما بالنسبة لولايات معينة - عن الهجرة للخرطوم والعيش في أطرافها في شكل حلقة محور حياتها الطوفان حول الخرطوم كأنها الكعبة في حين أن هذه الكعبة نفسها تعتقد بأن هؤلاء الطائفون هم أبرهة الذي جاء لهدمها. ولم يكن هناك ما يحتم أن تكون الخرطوم مركز الثقل التجاري والمالي، فإذا ضربنا مثلاً بالولايات المتحدة فكان من الممكن أن يكون مركز الثقل التجاري والمالي في بورتسودان فتمثل بذلك نيويورك السودان على أن تكون الخرطوم عاصمة خفيفة تمثل واشنطن دون أن تسيطر عليها أثنية معينة، ولم يكن حتى من الضروري أن تكون الخرطوم هي العاصمة فما الذي يمنع أن تكون العاصمة جوبا قبل الإنفصال أو نيالا أو الفاشر مثلاً وما الذي منع الجنوب بنفطه وكردفان أو دارفور بثرواتهما الطبيعية أن يكونا تكساس وكاليفورنيا السودان، ومن قال بأن وجود ولايات غنية بالثروات الطبيعية يعني بأنه يجب أن يعيش فيها ويستأثر بثرواتها سكانها الأصليين فقط؟ ومن قال بأن عدم وجود ثروات طبيعية في منطقة ما يعني أنها يجب أن تكون فقيرة؟ وإلا كيف أصبحت إسرائيل وسنغافورة دولتين غنيتين؟ كما ألا يوجد شيء إسمه تنقل رؤوس الأموال والإستثمار؟ وهل فعلاً أن ولايات الخرطوم ونهر النيل والشمالية هي ولايات فقيرة من ناحية الموارد الطبيعية؟ كيف تكون ولايات فقيرة ويشقها نهر النيل لمسافات طويلة وعلى ضفتيه أراضي شاسعة تصلح للزراعة قد تفوق بكثير الأراضي الصالحة للزراعة في مصر؟ ناهيك عن الثروات المعدنية ومنها الذهب، هذا إذا تناسينا ما يمكن إعتباره أهم ثروة وهي أن إنسان هذه الولايات خرج من الحقبة الإستعمارية وهو الأكثر حظاً في التعليم والتنمية البشرية كنتيجة مباشرة لتحالف نخبه مع المستعمر للتخلص من حكم الخليفة التعايشي والدولة المهدية القاسية. ولهذا فإن الأسس التي حكم بها الإخوة الشماليين البلاد لايمكن تبريرها بأي شكلٍ كان.
وقبل الختام قد يتبادر للذهن السؤال: لماذا قبل الجنوبيين بالعيب الفدرالي في إتفاقية نيفاشا؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن نعي بأن إتفاقية نيفاشا كانت تحمل تناقضات الحركة النضالية الجنوبية وحلفائها بمعسكريها الوحدوي والإنفصالي، حيث كان د. جون قرنق يسعى للوحدة بأي ثمن بينما يسعى الإنفصاليون للإنفصال بأي ثمن، ولهذا لم يكن كليهما معنياً بالعيوب المرحلية لشكل الفدرالية الموقع عليه في الإتفاقية. لقد كان د. جون قرنق يعتقد بأنه إذا حكم السودان موحداً بعد إنتخابات وإستفتاء حرين ونزيهين فإن كل شيء يمكن تحقيقه وتصحيحه، وبما أن الرجل كان يعرف قدر نفسه ومقدراته جيداً ويعرف عدد المؤمنين به وتغيرات ميزان القوى التي حدثت فإنه كان واثقاً، ليس هو فقط بل حتى أعدائه في السودان القديم، بأن هذا سيحدث، ولهذا كان التصحيح الجذري لعيوب الحكم في السودان بالنسبة إليه مسألة وقت فقط، وكان يعلم بأن التملص من الإتفاقية لقطع الطريق عليه سيكون وخيماً على الحكومة الشمالية ولايستحق المجازفة. ولكن كانت للأقدار والتي ربما لم تكن بعيدة عن التدبير كلمة أخرى، وفي الحقيقة فإن هذه الكلمة كانت هي الحل المنطقي الوحيد للورطة التي واجهها السودان القديم وكعب أخيل بكل جبروته للسودان الجديد. أما بالنسبة للإنفصاليين فلم يكونوا ليخسروا شيئاً، فرغم أنهم كانوا مستعدين لفعل أي شيء لكي ينفصلوا - حتى أن الشبهات قد حامت حولهم ضمن آخرين في تدابير غياب قرنق - إلا أنهم فعلياً في حالة الوحدة الطوعية والتي تعني بالضرورة إنتصار السودان الجديد فإن هذا يعني تمتعهم بفدرالية حقيقية كما ذكرنا سابقاً لأنه سيتم تصحيح كل شيء، أما في حالة الإنفصال فإن هذا يعني تحقيق أقصى أحلامهم بحل المشكلة من جذورها كما يعتقدون دون إحتمال لعودتها من جديد.
وفي الختام، وبما أن إخوتنا الإنفصاليين المذكورين أعلاه قد إنفصلوا وأن الإتفاقية التي نتحدث عنها الآن تم توقيعها في عاصمتهم فإن إتفاقية جوبا رغماً عن عدم شعبيتها حتى وسط قطاعات واسعة في الهامش فإنها تمثل طرقعة عالية في السلم الذي يطأه ملاك السودان القديم وهي علامة خطيرة على إحتمالية إنهيار هذا السلم بهم تحت أي لحظة ليسقطوا عمودياً بعد أن كان هذا السلم حكراً لهم يعتلونه إلى أعلى في جميع المجالات كأمتياز خاص، ويبدوا أن صوت الطرقعة هذا عالي .. عالي ومزعج جداً.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.