ما حقيقة أسر العميد محمد منصور قائد اللواء 16 مشاة بالكرمك؟    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    القنصل حازم مصطفى يجتمع بلاعبي سيد الأتيام بالمنتخب في جدة    جان كلود يُسجّل هدفًا رائعًا ويقود بوروندي لانتصار ثمين أمام تشاد في تصفيات أمم إفريقيا    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. التيكتوكر "تجاني كارتا" يزور الفنانة مروة الدولية في منزلها ويطالبها بالعدول عن قرار الاعتزال: (لن أتزوج ولن أكمل ديني لو ما غنيتي في عرسي)    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    حتى لا نخسر ما كسبناه    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



انتخابات السودان.. خطوة إلى أين ؟
نشر في سودانيل يوم 19 - 04 - 2010

سياسيون وخبراء قالوا إن قيامها مؤشر إيجابي نحو بناء الديمقراطية.. وآخرون رأوا أنها تفتح أبواب انشطار الجنوب وتكرس هيمنة القبيلة
لندن: الشرق الاوسط
لا يكاد يختلف اثنان في السودان على أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم وزعيمه الرئيس عمر البشير سيحققان فوزا كاسحا في الانتخابات التي انتهت عمليات الاقتراع فيها أمس، في انتظار النتائج التي يعتقد أنها قد تبدأ في الظهور خلال الأيام القليلة المقبلة، ولكن الاختلاف حاليا حول الإجابة عن سؤال يقول: إلى أين يمكن أن تؤدي هذه الخطوة؟ إلى انفراج وتعددية وديمقراطية شاملة، أم إلى مزيد من سيطرة الحزب الواحد وهيمنته على الأمور وأجهزة الدولة؟
يقول البعض بل ويؤكدون أن هذه الانتخابات محسومة النتائج حتى قبل شهور من انطلاقتها، فسيطرة الحزب الحاكم على مقاليد البلاد تكاد تكون شاملة، من أمنها إلى اقتصادها، إلى منظماتها المدنية، وأجهزتها الإعلامية ومؤسساتها العامة. وكما يقول السياسيون، فإن قيام أي عملية انتخابات في العالم تعطي الحزب الحاكم، ميزة كبيرة فيها، فما بالك بحزب لا يحكم فقط بل يهيمن هيمنة كاملة على مقاليد الأمور في البلاد؟! كل حكام الولايات ال26، ما عدا الواقعة في الجنوب، ينتمون إلى المؤتمر الوطني، وكذا الوزراء فيها ونواب البرلمان والمحليات، حتى أجهزة الشرطة والأمن، هم من أعضاء المؤتمر الوطني الحاكم، أو يميلون إليه. وكما يقول هؤلاء فإن البيئة الانتخابية التي تهيمن على البلاد هي بيئة صنعها الحزب الحاكم. فلا تستطيع أن تحرك ساكنا في أي مكان وإلا تجد حارس من الحزب الحاكم. فمفوضية الانتخابات والقانون الذي يحكمها، وحتى هيئاتها ولجانها الانتخابية، لا تستطيع أن تدور إلا في فلكه، رغم أنها جاءت بصورة قانونية وديمقراطية وبإجماع الأحزاب السياسية المعارضة، ومن خلال البرلمان.
لكن رغم ذلك فإن قيام الانتخابات في حد ذاتها وجد ترحيباً. فكثير من المراقبين السياسيين وقادة الأحزاب، السياسية الكبرى والصغرى، يرون أنها مؤشر إيجابي، وخطوة يمكن البناء عليها. ومنهم من رأى أنها تعني انحناءة من الحزب الحاكم واستجابة للضغوط.. وبعضهم أشار إلى أنها طاقة أطلت من خلالها القوى السياسية على جمهورها الذي غابت عنه لأكثر من 20 عاما. وفي أسوأ الأحوال فإنها كسرت حاجز الخوف من قلوب المعارضين، وأطلقت العنان لألسنتهم بانتقادات عنيفة خلال الحملات الانتخابية، تهاجم النظام حتى رئيسه، وتصفهم بنعوت كانت تؤدي بهم إلى غياهب السجون خلال سنوات مضت.
وهناك أصحاب التيار الثاني فإنهم يرون أن هذه الانتخابات في غاية الخطورة، وتفتح الأبواب لانشطار الجنوب، باعتبار أن الجنوبيين يرون أنه لا أمل في الوحدة إذا فاز الرئيس البشير، وأن فوزه محتوم. ويرى أنصار هذا التيار أيضا أن نتائج هذه الانتخابات ستكون «تقسيمية»، لأنها كرست هيمنة القبيلة على العامل الحزبي، وصارت القبيلة فوق الحزب، وجعلت من القوى غير الديمقراطية أعلى صوتا من تلك التي تناصر الأحزاب.
يقول الدكتور عبد الله علي إبراهيم، أحد مرشحي الرئاسة الذين تم إبعادهم من قبل مفوضية الانتخابات، لعدم استيفاء شروطها للترشيح، إن الانتخابات «رسالة صغيرة يجب البناء عليها». ويقول ل«الشرق الأوسط»: «هناك من يريدها بمقاييس نزاهة عالية، لا تتوافر حتى في الانتخابات الأميركية.. وهذا ليس عدلا». ويضيف إبراهيم وهو أستاذ جامعي في إحدى الجامعات الأميركية «عندما عدت من الولايات المتحدة.. كنت متأكدا أن هذه الانتخابات لن تكون عادلة.. وسيكون فيها ظلم.. وعندما تم إبعادي من الانتخابات لم أستغرب ذلك، ولم أغضب على أحد، لان هدفي كان شيئا آخر، وتحقق بقيام الانتخابات نفسها».
ويشير خبراء كثيرون إلى أن خوض الانتخابات كان يجب أن يكون هدفا في حد ذاته، من أجل ترسيخ عادة الديمقراطية في البلاد، وتوسيع نافذتها. ويعتبر إبراهيم الانتخابات «حقيقة مذهلة»، وأكد أنه سعيد بذلك. وأضاف ل«الشرق الأوسط»: «الهدف هو أن تتم هذه الانتخابات.. الحكومة لا تحتاج لها لكنها مضطرة لها.. ولذلك يجب أن نطرق هذا الباب.. هناك جماهير معطلة منذ 20 عاما.. نريد أن ندخل هذا الجمهور إلى الساحة التي استبعد منها.. لذلك فإن مجرد قيام الانتخابات خطوة في الطريق الصحيح وتظهر ضوءا في نهاية النفق».
لكن هناك أصواتا تعتبر أن قيام انتخابات مشكوك في نزاهتها الغاية منه إكساب شرعية للحزب الحاكم الذي جاء إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري، ويرى إبراهيم في هذا المجال «أعلم أنها رهان صعب.. وما كنا نتوقع غير ذلك.. أعتقد أن أي رهان على إجراء انتخابات نزيهة بالكامل هو رهان غير صحيح وفي غير مكانه. مفروض على السياسيين أن يعملوا على المشاركة فيها وتقليل خروقاتها.. والاستفادة منها لأقصى درجة.. لكن المراهنة على أنها ستكون نظيفة بعد سنوات الديكتاتوريات هو رهان كاذب». وأضاف «عندما أعلنت ترشيحي من خلال ندوة سياسية التف حولي الكثيرون.. الذي أعجبوا بطرحي، ولكن عندما رأوا أن المؤتمر الوطني ضدي، والحكومة ضدي، والأمن ضدي، انفضوا من حولي. لم يجعلني ذلك أكره الشرطة أو الأمن فهم ضحايا أيضا».
واضاف «نعم هناك تزوير.. لكن بعضه لم يكن من المفوضية. المفوضية متجاذب عليها من الأطراف.. والجزء الأقوى الذي يؤثر عليها طبعا هو الدولة.. والأحزاب لم تستطع أن تقوم بحركة متعاظمة للتأثير على سير الانتخابات. فالقدر الذي فعلته، استنفدته في خدمة الحركة الشعبية. التي انسحبت عندما نالت ما تريد». ويقول إبراهيم إن «الأحزاب السودانية غير قادرة على أن تشكل كتلة في مواجهة السلبيات والأساليب الفاسدة التي ظهرت في الساحة إبان العملية الانتخابية. الأحزاب تريد الحل من المفوضية.. والمفوضية نفسها لا تملك أسنانا».
ويخالف الصادق المهدي رئيس حزب الأمة وأحد مرشحي الرئاسة المنسحبين، إبراهيم الرأي، بقوله ل«الشرق الأوسط»، إن قيام المفوضية في الأساس لم يكن موضوع خلاف، وعندما شرع قانونها كان لا بأس به، لكن الوضع تدهور بعد ذلك، وأصبحت منحازة بشكل سافر إلى الحزب الحاكم. وأشار ل«الشرق الأوسط»، إلى أن الأحزاب ليس في يدها شيء تفعله، إزاء الأخطاء الجسيمة التي وقعت، ولم تذهب إلى القضاء، لأن الجهاز القضائي «فقد استقلاله». وأوضح أن «هناك نفوذا كبيرا من الجهاز التنفيذي، على الجهاز القضائي. وهناك عدد كبير من القضاة قد تمت تصفيتهم، وتم تعيينات سياسية في الجهاز القضائي. ثم إن هناك حصانة ممنوحة للمسؤولين السودانيين، فلا أحد يستطيع التعرض لهم مهما فعلوا».
ويعتبر المهدي أن مقاطعة الانتخابات كانت الخيار الأنسب، واعتبر المشاركة فيها مثل عملية «دس الرؤوس في الرمال». وأضاف «لم تقم (الانتخابات) بصورة حرة ونزيهة.. بل جاءت وسط مناخ استفزازي، ولا تمثل احتكاما صحيحا للشعب، وتحريا صحيحا لإرادته»، ورفض المهدي نتائجها مسبقا. وقال إنها لم تحقق الحد الأدنى من النزاهة، مما جعل المشاركة تفقد معناها. وقال المهدي إن موقف المكتب السياسي لحزب الأمة كان الأقرب للمشاركة في الانتخابات، لكن عدم الاستجابة لمطالبه بالإصلاح رجح كفة مقاطعة للانتخابات.
وحسم مبارك الفاضل المهدي زعيم حزب الأمة (الإصلاح والتجديد) أمر المقاطعة مبكرا، فهو لا يرى فيها خيرا يرجى. وقال الفاضل ل«الشرق الأوسط» إنه لن يخوض انتخابات محسومة النتائج لصالح خصمه المؤتمر الوطني الحاكم، باعتبار أن الانتخابات ستكون منحصرة على المؤتمر الوطني في الشمال. وقال إن الحزب الحاكم استخدم كل الأساليب الفاسدة من أجل تأمين الفوز، وإن المقاطعة ستحرم النظام من الشرعية، وتحرجه أمام المجتمع الدولي. وقال الفاضل «نحن ننافس أجهزة الدولة وليس الحزب الوطني». وأشار إلى أن فوز الرئيس عمر البشير يعني أنه لا أمل في الوحدة السودان.. وأن نظامه سيتحمل تاريخيا مسؤولية انشطار البلد. وأوضح الفاضل «كنا مستعدين للتعايش مع تدخل الدولة وأجهزتها في الحملة الانتخابية، لكن لا نستطيع أن نقبل بانتخابات جزئية، أو عملية تصويت مشكوك فيها، أو بطاقات اقتراع في يد الخصم، وما زالت المفوضية تسير في اتجاه أن تضع إجراءات فرز الأصوات في يد الخصم».
وهناك رأي آخر يقوده حاتم السر مرشح الحزب الاتحادي الديمقراطي، المعارض، وهو أحد أكبر حزبين معارضين في السودان. يقول السر ل«الشرق الأوسط»: «نحن قررنا المشاركة لمراقبة هذه الانتخابات وحراستها والتقليل من حجم التزوير». وأضاف «نعتبر هذه الانتخابات مصيرية وخطيرة، بل وأخطر انتخابات في تاريخ السودان. وستؤثر نتائجها على مستقبل السودان، وبالتالي نريد أن نكون حاضرين وشاهدين عليها، وموجودين في جهة اتخاذ القرار سواء في الجهاز التنفيذي أو التشريعي، حتى نحول دون وقوع الانفصال بأي شكل من الأشكال». ويشير السر إلى سبب آخر لمشاركته في هذه الانتخابات باعتبارها أتاحت لهم فرصة التواصل الجماهيري. وقال «نفضنا الغبار بعد 20 عاما، وكسرنا حاجز الخوف والرهبة التي كان يزرعها المؤتمر الوطني في قلوب جماهيرنا، وجماهير الشعب السوداني، ونصبنا محاكم للنظام في ندواتنا الجماهيرية وكشفناهم فيها. وهذه فوائد».
ويؤيد كامل إدريس احد مرشحي الرئاسة (مستقل) ما يقوله السر، بقوله ل«الشرق الأوسط» إن خوضه الانتخابات جاء من أجل المشاركة في إدارة شؤون الدولة في الفترة المقبلة، وحل قضية دارفور وإبقاء أمل الوحدة في الجنوب قائما.
محجوب محمد صالح الصحافي السوداني المخضرم، يعتبر أن قيام هذه الانتخابات مهم رغم كل الظروف. ولا مخرج من الوضع الحالي إلا عن طريق خوضها والتقليل من سلبياتها من خلال ممارسة الضغط على المؤتمر الوطني. وأشار ل«الشرق الأوسط»، إلى أن الخلافات والاتهامات بين الأحزاب والمؤتمر الوطني ليست جديدة «فهي أزمة موروثة، باعتبار أن النظام جاء بالبندقية، وأن أي انتخابات تكون تحت إشرافه لن تكون نزيهة». ويرى صالح أن مشاركة الأحزاب في الانتخابات الحالية كانت ضرورية، لتوسيع هامش الحريات. ويصف صالح قانون الانتخابات الحالي بأنه يراعي كل القواعد المرعية والموجودة في العالم، ولكنه يبقى مجرد أماني، وكان يجب على القوى السياسية الضغط من خلال هذا القانون لتحقيق مكاسب «هناك قدر من النزاهة يجب أن يستفاد منه عن طريق الحوار».
ورغم ذلك يرى محجوب محمد صالح أن نتائج هذه الانتخابات ستكون في غاية الخطورة «لأن العامل الأساسي فيها هو القبيلة وليس الحزب». ويرى أيضا أنها ستكون تقسيمية، وستعود بالسودان إلى الوراء.. لأن الأحزاب ستضطر لمخاطبة الولاءات القبلية، وهو أخطر ما سيحدث في السودان». ويقول «مهما كانت النتيجة.. فإن تغييرا كبيرا سيحدث في تركيبة السلطة.. لصالح القوى القبلية، وعلى حساب القوى الحزبية.. أي أن القوى غير الديمقراطية ستجد مكانة بارزة في التغييرات الجديدة».
وفي وقت يشتد فيه الصخب داخليا حول الانتخابات، فإن الصوت الخارجي جاء متناغما مع المنادين بالتمسك بالخطوة وتوسيعها والاستفادة منها. تقول الخارجية الأميركية إن واشنطن تعتقد أنه في الوقت الذي توجد فيه توقعات بوقوع مخالفات فإن الانتخابات السودانية في حد ذاتها خطوة مهمة للأمام.. وذهب في الاتجاه نفسه موفد الرئيس أوباما إلى السودان سكوت غرايشن الذي أشاد بالخطوة، وقال إنها تسير وفق ما رسم لها.
ورغم أن كثيرا من المراقبين المحليين عددوا عشرات السلبيات التي وقعت في هذه العملية الانتخابية، فإن الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر الذي يراقب مركزه الانتخابات، عبر عن ارتياحه للخطوة، ونفى وجود تزوير، وأشار إلى «أخطاء يعمل المسؤولون على إصلاحها». وقال كارتر في جوبا أول من أمس، إن مركزه سوف يصدر غدا - 17 أبريل (نيسان) - بيانا حول مراقبة الانتخابات.
وانخرط كارتر منذ وصوله إلى السودان في مباحثات مع المسؤولين في مفوضية الانتخابات، ومسؤولي المؤتمر الوطني، والحركة الشعبية في الجنوب، ووصف قيام الانتخابات في مواعيدها بالأمر المهم، وعبر عن رضائه عن أداء المفوضية، وقال «نحن راضون عن القرارات التي تتخذها»، وقال إنها تعمل بأفضل ما يكون. وعن مقترح تأجيل الانتخابات الذي كانت تريده القوى السياسية قال كارتر الذي فاجأت تصريحاته القوى المعارضة «المفوضية هي الجهة المختصة، وإنها رأت أن تمضي في الزمن الذي حددته للعملية الانتخابية.. ونحن نوافقها على ذلك». وأشار كارتر إلى أنه التقى بعثة الأمم المتحدة وأكدوا له أنهم يعملون بصورة جيدة. وأضاف أن المفوضية أكدت له أن المراقبين لديهم مطلق الحرية في التنقل والأماكن التي يرغبون في تغطيتها والمراكز التي يريدون الوجود بها، بخلاف ما سمع عن توزيعهم بواسطة المسؤولين بالمراكز. ورغم تأكيده تسجيل الكثير من المشكلات اللوجيستية، فإن الرئيس الأميركي الأسبق قال إنه «لم يتم حتى الآن رصد حالات تزوير مثبتة في عملية الاقتراع».
ويشارك مركز كارتر في كل ولايات السودان، ووصف الوضع في دارفور بأنه هادئ ويمكن من إجراء الانتخابات. وأدلى كارتر بشهادات متعددة، وقال إن السودان مر بتحديات وأحداث كبيرة لكن التحدي الأكبر يأتي خلال ممارسة الانتخابات، وأشار إلى أن هنالك جيلا كاملا لم يشهد عملية اقتراع في حياته. وأن المفوضية اعترفت له بأن نصف الذين قيدوا أسماءهم في السجل الانتخابي هم ناخبون جدد، وأن المفوضية والشركاء استطاعوا أن يقدموا عملا جبارا رغم التحديات والظروف. ولدى سؤال كارتر عن تعرض أي من المراقبين للتهديد، قال «لا توجد لدينا أي مخاوف تتعلق بسلامة المراقبين، لم يتعرض أي من مراقبينا لأي تهديد».
وأثارت هذه الشهادات غضبا داخل معسكر المعارضة الذي قال إن كارتر (85 عاما) غير من أقوال المراقبين في مركزه، الذين أكدوا وجود مخالفات، ووصل غضبهم إلى نعته بالعجوز المخرف. بل وذهب البعض إلى القول إن هناك صفقة بين الحكومة والحركة الشعبية وواشنطن لإخراج الانتخابات بالشكل الحالي من أجل تمرير عملية الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب بصورة سلسة. وقال كارتر في جوبا «هذه الانتخابات شرط ضروري لتنظيم الاستفتاء. لا يمكن تنظيم الاستفتاء إلا بعد إجراء الانتخابات. لذلك من الضروري إجراء هذه الانتخابات».
ويخشى كثيرون في السودان أن يؤدي الإعلان عن نتائج الانتخابات إلى خلق حالة من الاحتقان أو حتى مواجهات في بعض أنحاء البلاد، لكن كارتر يرى أن ذلك يتوقف على رد فعل الرابحين والخاسرين. وقال «إذا كان الفائزون متسامحين ورحبوا بالمعارضة في حكومة وحدة وطنية تمهيدا للخطوة المقبلة، فأعتقد أن ذلك سيخفف إلى حد كبير من مخاطر حدوث أعمال عنف».
ولم يكن رأي الاتحاد الأوروبي مختلفا كثيرا عن رأي الولايات المتحدة، ومركز كارتر، فقد اعتبرت رئيسة بعثة مراقبي الاتحاد الأوروبي لمتابعة الانتخابات السودانية فيرونيك دي كيزير، الانتخابات «خطوة كبيرة» إلى الأمام.
ويبقى أخيرا تأكيد المراقبين السودانيين على سيناريو محتمل لمستقبل البلاد، يبدأ من إعلان نتائج الانتخابات ربما يوم الثلاثاء المقبل أو حتى أو قبل ذلك، بفوز المؤتمر الوطني. ولكن ماذا بعد هذه الخطوة؟ هل سيزيد هذا الفوز من سيطرة المؤتمر الوطني على مقاليد السلطة، أم يفتح الباب أمام أحزاب معارضة؟ وهل ما يمنحه من مشاركة للمعارضين سيكون كافيا لتعزيز خطوة الديمقراطية، أم سيضيق الوضع في الاتجاه نفسه وهو تكريس هيمنة المؤتمر الوطني وازدياد قبضته الحديدة على الدولة؟. وهنا تنبع المخاوف. ويرى الدكتور علي الحاج محمد، نائب الأمين العام للمؤتمر الشعبي الذي يقوده الدكتور حسن الترابي، أن «سيطرة المؤتمر الوطني على أجهزة ومؤسسات الدولة تذكرني بالقبضة الحديدية التي كان يدير بها الاتحاد السوفياتي الأمور منتصف ستينات القرن الماضي، ولكن تلك القبضة الحديدية انهارت، وتوزعت إلى دويلات»، وعبر عن خشيته أن يكون ذلك مصير الدولة السودانية «الانهيار ثم التشتت»، وهذا سيناريو نرجو ألا يتحقق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.