شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    البرهان يقدم واجب العزاء في الشهيد اللواء معاوية حمد قائد الفرقة 22 مشاة بابنوسة    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سيناريوهات الوحدة والأنفصال .... بقلم: د. احمد مصطفى الحسين
نشر في سودانيل يوم 22 - 05 - 2010

يشير مصطلح السيناريو (Scenario)هنا الى اسلوب فني يستخدمه محللو السياسات لإستقصاء مآلات مقترحات او بدائل سياسات أو خيارات معينة، وأثار هذه السياسات الإيجابية والسلبية منها على الأستيكهولدرز، (Stakeholders) الاساسيين وهم الجماعات المتأثرة، ومؤثرة في مشكلة معينة. فهو في الواقع، أي السيناريو، أسلوب لكتابة تاريخ المستقبل (History of the Future) ، ومآلآت الخيارات المتأتية من سياسات وممارسات سياسية معينة. ولعل مشكلة التطور السياسي السوداني كلها تكمن في أنها سارت بشكل عشوائي غير منظم وغير مهدي بمذهبية او برنامج سياسي فاعل ، وكان شعارها "رزق اليوم باليوم" فكانت الأزمة الحالية التي تعيشها البلاد الان، ويقاسي بسببها سودانيو الشمال والشرق والغرب والجنوب على قدم سواء.
ولعلها من الضرورات الموضوعية أن نقرر هنا بادئ ذي بدء أن الإنقاذ لم تكن السبب الوحيد لهذه الأزمة التي بدأت منذ الإستقلال والتي ظل الأستاذ محمود والجمهوريون ينبهون لها ويلحون في لفت النظر لخطورتها ومآلآتها المستقبلية. ولكننا لا نفارق الموضوعية إطلاقا اذا قلنا أن نصيب الأنقاذ في تعميق الأزمة ومساهمتها في تفاقمها لا يدانيه نصيب او مساهمة حكومة اخرى، وذلك لأنها عمقت الجدار الفاصل بين الجنوب والشمال وبين الشمال والأقاليم الأخرى المهمشة: دارفور، وشرق السودان وحتى شمال السودان.
السودان اليوم عند مفترق طرق حقيقي، ورغم ما تحمله هذه العبارة من خوف وتوجس فإنها تبعث في نفسي روح الأمل بتحول حقيقي وواع للأمة السودانية بعد عهود المعاناة والفشل التي إختبرتها أجيالها منذ الإستقلال. ومصدر هذا التفاؤل، هو الحكمة الدارجة:إنها لم تضق وتتعقد إلا لتنفرج. السودان في أزمة حقيقية، أزمة وجود، وهي أزمة تتطلب ادارة واعية، وهي قبل كل هذا وبعد كل هذا تتطلب نية صادقة وحقيقية للتغير وتحمل المسؤلية التاريخية، ولا تحتمل مناورات الساسة وأحابيل الطامعين في السلطة والتسلط. السودان الان في قلب الطوفان، الذي حذر الجمهوريون منه في منشورهم التاريخي المشهور "هذا أو الطوفان" الذي صدر معارضا لقوانين سبتمبر 83.
لقد أحاطت الان أمواج ذلك الطوفان بالبلاد والعباد من كل جانب، وهو بذلك قد اصبح في حكم المضطر الذي تستجاب دعوته من دون أدنى ريب، وذلك لأنها دعوة بلسان الحال " امن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض، االه مع الله قليلا ما تذكرون (النمل 62). وهذا هو السبب في تفاؤلي....!!!!
لقد بذرت بذور تلك الأزمة عشية الاستقلال، وتوسعت دائرتها بعد صدورقوانين سبتمبر 83 التي وصفها منشور "هذا او الطوفان بأنها " هددت وحدة البلاد ، وقسمت هذا الشعب في الشمال والجنوب و ذلك بما أثارته من حساسية دينية كانت من العوامل الأساسية التي أدت إلى تفاقم مشكلة الجنوب". ثم لم يلبث هذا التفاقم أن إستشرى وقوي عوده بمناورات حكومة سوار الذهب عقب انتفاضة ابريل 1985، وحكومات الديمقراطية الثالثة ومناورات الأحزاب التي فشلت في إلغاء تلك القوانين رغم إعتراف قادتها بقيمتها المتدنية التي لا تساوي الحبر التي كتبت به. وحتى ذلك الوقت لم تكن مشكلة الجنوب، في أسوأ تشخيصاتها، اكثر من تمرد عادي من شعب له قضية على حكومة مركزية مشغولة بطيبات السلطة.
ثم جاءت الإنقاذ، ومشروعها الجهادي، الذي حول الحرب من نزاع محلى، بين مواطنين متظلمين وحكومة مركزية، الى حرب جهادية بين كفار ومسلمين، وحول الازمة من ازمة داخلية الى ازمة عالمية مدولة. ثم لم تلبث الإنقاذ أن أضافت لمشاكلنا أزمة دارفور التي أدخلت مفردات دارفور المحلية ، مثل كلمة جنجويد، الى قواميس لغات العالم الرئيسية، وأنتهت بإتهام رئيس النظام بجرائم ضد الإنسانية، مما جعله مطلوبا للعدالة الدولية متمثلة في المحكمة الجانئية الدولية بلاهاي. وليس ذلك بمستغرب، فقد جاءوا بشرة مهووسة فوفقهم الله لفعل الخطأ صاح مائة في المأئة.
ولسنا هنا بسبيل إستقصاء ذلك التاريخ ولكننا نريد هنا تشخيص المشكلة بشكل علمي، وتسليط الضؤ عليها بما يمكن من النظر إليها بعمق والبحث عن المسارات والسيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة حتى يمكن تدارك بعض تداعياتها وتكاليفها. ويجب أن ننبه هنا أنه ما من حل لأي مشكلة الا وله تكاليفه ومنافعه لجمهور الفاعلين (متخذو القرارات) والإستيكهولدرز (Stakeholders)، وهم المستفيدون أو المتأثرون سلبا وإيجابا بأي حل أو سياسة، فليس هناك في مجال السياسات العامة غداء مجانيا.
الفاعلون الأساسيون في هذه القضية المصيرية هم: الحكومة السودانية، حكومة الجنوب، وأما الأستيكهولدرز فيمكن تصنقيهم في استيكهولدرز داخليين، وخارجيين. يتمثل الأستيكهولدرز الداخليين في شعب الشمال وشعب الجنوب، وما شعب الشمال بفصيل واحد متحد ولا شعب الجنوب هو الاخر كذلك حيث تتقاطع وتتداخل في كلا الشعبين، أو قل الثقافتين، عوامل الجغرافيا والتاريخ والدين والثقافة والمصالح الإقتصادية،.أما الإستيكهولدرز الخارجيين فهم الدول الأفريقية المجاورة، والتي تتفاوت مصالحها في المشكلة خطورة وأهمية، والولايات المتحدة والدول الأوربية. وفي هذا الإطار هناك خمس سيناريوهات يمكن ان تسير فيها الأزمة الحالية، وتتفاون هذه السنياروهات من حيث جدواها بالنسبة للفاعلين الأساسيين والإستيكهولدرز المتأثرين.
السيناريو الأول: الوحدة في إطار دولة موحدة (Unitary State)
الدولة الموحدة هي الدولة التي توجد فيها حكومة واحدة مركزية تملك وحدها الصلاحيات الدستورية، وتؤسس علاقتها مع السلطات المحلية على اساس مبدأ تفويض السلطة، فهي تملك السلطة بالاصالة وتمنح او تفوض جزأ من هذه السلطات لمؤسسات محلية، وتستطيع ان تنزع هذه السلطات او تعدل فيها متى شاءت وذلك لانها سلطات لا تستمد شرعيتها من الدستور. هذا الوضع يعكس شكل النظام السياسي السوداني منذ الاستقلال وحتى اتفاقيات اديس اببا التي ابرمها نظام نميري في عام 1972 مع متمردي الأنانيا.
ولكن نقطة النظام التي يجب اثارتها هنا هو ان هناك دائما مفارقة، كبرت او صغرت، بين الشكل الدستوري الرسمي وواقع التطبيق السياسي لذلك الشكل. والمفارقة هنا هي انه رغم وجود شكل الدولة الموحدة، فان حكومة الخرطوم لم تكن تسيطر فعليا على جميع مفاصل السلطة في البلاد حيث كان شيوخ القبائل في غرب وشرق وجنوب السودان يمارسون سلطات اكثر تأثيرا على قبائلهم من السلطة المركزية عاكسة بذلك هشاشة شرعية الدولة الوطنية الوليدة آنذاك بإزاء الشرعية التقليدية للتنظيم القبلي ومؤسساته. وقد ظهر ذلك جليا حينما الغت حكومة نميري نظام الادارة الأهلية في بداية عهدها اليساري فأمتنعت كثير من القبائل الواقعة تحت نفوذ عائلة ابوسن في وسط السودان عن دفع الضرائب بتوجيه من شيوخ القبيلة الشئ الذي اضطر النظام بعد مفاصلته مع الحزب الشيوعي الى رد الاعتبار لشيوخ القبائل واستخدامهم بصورة متوسعة في ادارة نظام الحكم الشعبي المحلي الذي شيده د. جعفر محمد على بخيت، وكان المقصود منه بسط سيطرة الحكومة المركزية وليس لا مركزة السلطة كما تدعي ديباجنه واسمه: الحكم الشعبي المحلي. لقد كان النظام موحدا في الشكل (de jure) ولكنه كان لامركزيا في الواقع (de facto).
هذا السناريو،حنى بصورته الشكلية الناقصة تلك، غير مطروح الان وقد تجاوزه الواقع، ولكن ايراده هنا يخدم كنقطة طرفية في الخط (Continuum) الذي يشمل نطاق الخيارات المتاحة للسودان الان، اما النقطة الطرفية الاخرى هي الفوضى والصوملة. لقد كان هذا النظام سببا لتهميش المناطق الطرفية، حيث سيطر اولاد البحر على مفاصله، ووجهوه وجهة عربية اسلامية مع تجاهل كامل لحقيقة التعددية الإثنية والدينية والثقاقية الشئ الذي قاد للصراعات الحالية والتي تمثل فيها ازمة دارفور صحوة متأخرة للثقافات المهمشة. وتفسر هذه الحقيقة وحدها عدم امكانية العودة لهذا النظام المركزي الموحد، وهو بذلك مرفوض من جميع الأستيكهولدز ما عدا حكومة المؤتمر الوطني التي قد يمثل لها عودة سيطرتها على السلطة وموارد البلاد في جميع الاقاليم.
ولن تقبل بهذا السيناريو حكومة الجنوب او اي من فصائل دارفور مطلقا اللهم الا اذا تم ذلك في ظل ترتيبات سياسية وادارية تجعل وجود المؤتمر الوطني وسيطرته حلما عزيزا من احلام الصيف. تكاليف هذا النظام والتنازلات المطلوبة لتحقيقه قد تتطلب ليس فقط الاعلان عن الغاء الشريعة ولكن الابتعاد عن الحديث عنها تماما وان تكون الدولة علمانية بالكامل مع توزيع عادل للسلطة والثروة والموارد. قد تفضل الدول الاخرى هذا الخيار وخاصة الدول الافريقية المجاورة التي تخشى من انتقال فيروس الانفصال والتشرزم لاراضيها. اما الدول الاوربية والولايات المتحدة فانها لا تفضل هذا الخيار ولا تراه ممكنا ولا يخدم مصالحهم السياسية في المنطقة. وقد تكون الصين من الدول التي يمكن ان ترغب فيه حفاظا على مصالحها السياسية والاقتصادية. وعلى كل حال فإن واقع السودان الحالي قد تجاوز هذا السيناريو تماما.
السيناريو الثاني : الوحدة في إطار دولة فيدرالية (Federal State)
يقوم دستور النظام الفدرالي، او الاتحادي كما يسمى احيانا، على توزيع السلطة الدستورية بين حكومة مركزية وحكومات ولايات، وتكون السلطات الممنوحة لهذ الولايات سلطات اصلية ودستورية ولا تستطيع الحكومة المركزية ان تنزعها او تعدلها او تغير فيها لأنها لم تفوضها ولكنها ممنوحة بواسطة الدستور. وتتمتع الولايات في هذا النظام بسلطات واسعة في نطاق المنطقة الجغرافية الواقعة ضمن صلاحياتها وغالبا ما يركز الدستور الفدرالي السلطات السيادية في الحكومة المركزية ويطلق يد السلطات المحلية في كل شئونها المحلية. ولعل هذا السيناريو هو الخيار المفضل الان لكل سوداني يريد الحفاظ على وحدة السودان سواء كان هذا التفضيل مبني على اساس مصالح اقتصادية او اسس عاطفية.وتاريخية. ولكن في ظل الإتجاه السائد وسط الجنوبين والذي يرجح خيار الإنفصال، فإن هذا السيانريو لا زال ممكنا ولكن بتكلفة سياسية كبيره لحكومة المؤتمر الوطني يمكن تلخيصها في قيام دولة علمانية تماما أو على الأقل أن تكون الدولة الإتحادية علمانية تماما وأن تمنح سلطات الولايات الحق في إنفاذ القوانيين التي تتماشى مع واقعها المحلي.
كان من الممكن ان تحل الأزمة السودانية ومعضلة التنوع الثقافي فيها باكرا اذا تم تبني هذا الخيار مع بداية الاستقلال. لقد كانت كلمة الفدرالية في عقود ما بعد الاستقلال الأولى من المحظورات (Taboos) في الساحة السودانية، وذلك لجهل النخبة الحاكمة، او تجاهلها، حيتئذ، لطبيعة وحساسية التركيبة الديمغرافية للسودان، وخطورة المشاكل التي كانت تنمو بشكل سرطاني بطئ، في رحمها، وربما عدم اكتراثهم لها، وشعورهم العنصري بدونية الثقافات غير العربية، وإعتقادهم أن هذه الدونية هي حقيقة مسلم بها ويجب ان يذعن لها ويقبلها حتى المهمشين أنفسهم لأنها من سنن الحياة وطبيعنها. فقد رفضت النخبة الحاكمة مطلب الجنوبين بإقامة حكومة فدرالية موحدة، بكسر الحاء، وكان شعور النخبة آنذاك يجسده الشعار (No Federation in one nation, down.... Down colonization) ، وما علموا انه لم تكن هناك ثم أمة، وأسوأ من ذلك، ولم يكن لدي النخبة أي برنامج لخلق هذه الأمة، بل ولا كانو يرون ضرورة لهذا البرنامج لأن الأمة موجودة في ظنهم، وهي أمة سودانية عربية اسلامية، وكل من يقول بغير ذلك فهو عميل للإستعمار ومحارب للإسلام.
وكان الاستاذ محمود محمد طه والحزب الجمهوري هي الجهة الوحيدة التي تفطنت لمكمن الخطر في الطرح الجاهل الذي ظهر بعد الاإستقلال، وقبل الإستقلال. وكان الاستاذ محمود ينعى على الاحزاب الطائفية افتقارها للبرنامج والمذهبية التي تقود البلد نحو استقلاله الحقيقي وتوحيد أجزائه المتنافرة. ولعلنا لا نجانب الحق قيد أنملة اذا قررنا أن أول من طرح فكرة الفدرالية كمشروع للحكم في السودان هو الاستاذ محمود في كتابه "اسس دستور السودان" الذي صدر في ديسمبر من عام 1955 عشية الإستقلال، حينما كانت النخب الحاكمة في "شغل فاكهون" بالمناصب والوظائف الجديدة التي وفرها رحيل المستعمر، ولم تكن مهتمة بشكل الحكم ومستقبله ولا ببناء المشروع السوداني الذي يؤدي لميلاد أمة سودانية، الا بالقدر الذي يحصن الوظائف ويحمى المناصب. بل انني اقول جازما إن كل مشروعات اللامركزية والفدرالية في السودان قد إتكأت على معطيات هذا الكتاب دون ذكره في ديباجتها دع عنك الاعتراف بفضله فيها. فقد جاء في بداية الفصل الأول من ذلك الكتاب قوله:-
"ان اهتمامنا بالفرد يجعلنا نتجه ، من الوهلة الأولي ، الي اشراكه في حكم نفسه بكل وسيلة ، والي تمكينه من أن يخدم نفسه ومجموعته في جميع المرافق ، التشريعية والتنفيذية والقضائية وذلك بتشجيع الحكم الذاتي ، والنظام التعاوني ولما كان السودان قطرا شاسعا وبدائيا فان ادارته من مركزية واحدة غير ميسورة ، هذا بالاضافة الي ما تفوته المركزية علي الأفراد من فرص التحرر والترقي والتقدم ، بخدمة أنفسهم ومجموعتهم ، ولذلك فانا نقترح أن يقسم السودان الي خمس ولايات:-
1-الولايةالوسطي
2-الولايةالشمالية
3-الولايةالشرقية
4-الولايةلغربية
5- الولاية الجنوبية"
تعبر هذه الإفتتاحية عن جوهر مشروع الاستاذ محمود والذي لو وجد فرصة للتطبيق في وقته ذاك لما كان السودان الان وحكامه ومثقفيه مشغولين بقضايا اساسية تتعلق بشكل الحكم وعلاقة الشمال بالجنوب، ومثلها من القضايا التي تعتبر قضايا أولية في طريق الإستقلال السياسي لأي أمة، ولكان هذا الوعاء السياسيى الفدرالي قد مكن المواطنيين السودانيين من النمو في اطار وحدة لا تنزعج من التنوع.
السيناريو الثالث: الكونفيدرالية (Confederate State)
نسبة النظام الكونفدرالي لدستور دولة قد لا يعبر عن واقع سياسي عملي معاش، ففي حين ان هناك دول موحدة ودول فدرالية لا نجد اي دولة كونفدرالية في تايبولجيات (Typology) الدولة الوطنية الحديثة. وفي واقع الامر نجد أن التنظيمات التي يمكن ان تصنف كمخقلوقات كونفدرالية تتمثل في ترتيبات اقليمية تضم مجموعة من الدول المستقلة وذات السيادة الكاملة، مثل جامعة الدول العربية، والإتحاد الافريقي، والاتحاد الاوربي.
ويمكن اعتبار الكونفدرالية كمرحلة نحو الفدرالية،اذا كانت الدول المكونة لها ترغب في تطوير علاقاتها في اتجاه صاعد وايجابي، او يمكن اعتبارها مرحلة نحو الاستقلال الكامل، اذا كان هذا الترتيب الكونفدرالي يضم كيانات تسير في الاتجاه الهابط نحو الاستقلال او التفكك. ولا نجانب الحقيقة كثيرا اذا قلنا ان طرحه كسيناريو محتمل للخروج من الأزمة السودانية قد يشكل نقطة بداية نحو الاستقلال التام للإقليم الجنوبي، وربما نحو السقوط في الفوضى والتشرزم، ليس فقط بين كيانات الشمال والجنوب ولكن بين الكيانات الفرعية في داخل كل كيان، فلا تضم المساحة الجغرافية الشمالية هوية موحدة وواحدة ولا يتمتع الجنوب، هو الاخر، بهوية متفق عليها وموحدة.
ورغم كل ذلك يمكن ان تساعد الكونفدرالية في خلق بيئة جديدة لإعادة اختراع الحكومة والمجتمع السوداني بصورة تشكل فرصة جديدة لبناء معطيات جديدة للتوحد بين الشمال والجنوب مرة اخرى. ولكني لست متفائلا بقدرة ومؤهلات النخب الحاكمة الان في انجاح هذا السيناريو. من الممكن أن يكون هذا السيناريو مقبولا للنخب الجنوبية لو توفرت النية الصادقة لرأب الصدع الذي أحدثته العهود السابقة في بنية النسيج الإجتماعي السوداني. وقد لا يكون هذا الخيار جذابا لحكومة المؤتمر الوطني لأنه، إذا تم، فسوف يرفع يد حكومة المؤتمر الوطني عن موارد البترول الغنية في الجنوب. كما أنه من الممكن أن تجد الدول الأفريقية الجاورة مخرجا غير مثاليا قد يؤدي لطلبات مماثلة من مكوناتها الإثنية المتنافرة. أما الدولة الأوربية وأمريكا فقد تجد في هذا الحل مخرجا مؤقتا للأزمة ريثما يتم استقلال الجنوب التام خاصة وأن هذه الدول تدرك ضعف الإمكانيات البشرية التي لن تمكن الجنوب من حكم نفسه بفعالية وكفاءة.
السيناريو الرابع: الإنفصال ودولتان مستقلتان (Independent States)
ان خيار قيام دولتين مستقلتين تماما عن بعضهما البعض هو السيناريو الذي يرجحه الان كل المراقبين للحالة السودانية، ولكن هذا الخيار لا يحل المعضلة، ولكنه فقط يعيد تشكيلها، في داخل حدود الدولتين الوليدتين. وذلك لانه حل مثل الطلاق بين الزوجين يعيد ترتيب المشكلة بينهما ولكنه لا يزيلها تماما. وهذا صحيح بالنسبة لسيناريو الانفصال حتى اذا تم هذا الانفصال بسلاسة ودون مشاكل، فهو مثل الطلاق، ابغض الحلال الى الله ويهتز له عرش الرحمن، وكذلك يهتز له عرش المؤتمر الوطني.
ان من ترهات بعض دعاة الانفصال، بل من أحلامهم، ان الإنفصال سوف يحل مشكلة الهوية والدين، ويجعلنا عربا دون "نقنقة" من الجنوبين، ويجعلهم يطبقون شريعتهم المزيفة دون أن يرتفع صوت مجاهر بحقوق غير المسلمين. وما علموا أن تطبيق الشريعة هو مشكلة للشمال بقدر ما هو مشكلة للجنوب وأن التفتت الذي اصاب الجنوب سوف يكون مرشحا لكي يجتاح الشمال نفسه. اذ لم يفلح الحكم الإسلاموي الإنقاذي في منع تفتت دارفور بواسطة أفراد كانوا هم أنفسهم جزأ من النظام الإسلاموي الحاكم.
يمثل هذا الحل معضلة حقيقية لنظام المؤتمر الوطني الذي يعرف أن إستقلال الجنوب يعني ليس فقط ضياع موارد النفط ولكن قيام حكومة مستقلة موالية للولايات المتحدة، ومهددة لحليفتها مصر بما قد تطرحه من مشاكل تتعلق يمياه النيل. وبطبيعة الحال هذا هو الحل المفضل للدول الأوربية والولايات المتحدة وذلك لأنه يمكنها من وقف الزحف الصيني في أفريقيا. فالبرغم من أن حكومة المؤتمر الوطني لم تفعل شيئا يجعل الوحدة جاذبة للجنوبيين، فإنها لا تفضل أن ينفصل الجنوب عن الشمال. وتكمن معضلة حكومة المؤتمر الوطني في أنها لا تريد أن تستثمر أموالا ومواردا وطاقات في برامج وحدة جاذبة ثم تفاجأ بتصويت الجنوبين للإستقلال التام عن الشمال فيذهب مجهودها هباء منثورة. فهي حقيقة تريد أن تحافظ على كيكتها وتاكلها.
السيناريو الخامس: الفوضى والصوملة (Turbulence)
هذا الخيار يمكن ان يكون نتيجة لتداعي وفشل خيار الانفصال او فشل الاتفاق على سيناريو معين نتيجة لضعف او انهيار ترتيبات الاستفتاء أومحاولة كل من المؤتمر وحكومة الجنوب القيام باعمال يقصد منها تحقيق اهدافهما المتناقضة الان. ورغم ان هذا السناريو ممكن الحدوث ولكنه لا يروق لأي من الاستيكهولرز الأساسيين ولكن قد يحدث نتيجة لعدم الثقة او عدم الصدق بين الشريكين. فقد تحاول حكومة المؤتمر الوطني تزوير الإستفتاء او الإلتفاف حوله بقرار جماعي من البرلمان القادم والذي يسيطر عليه بالكامل المؤتمر الوطني وحلفائه المصنوعين، وفي هذه الحال قد تعلن ايضا الحركة الشعبية من داخل برلمانها الذي تسيطر عليه بالكامل استقلال الجنوب وقيام دولة مستقلة. وسوف يثير هذا دون ادنى ريب حربا بين الدولتين خاصة اذا كانت مسائل الخلاف الاساسية بينهما لم تحل بصورة مرضية. ويعلم الله وحده تداعيات هذا السيناريو ليس على بقاء الدولة ولكن على بقاء الشعب العظيم نفسه.
Dr. Ahmed Elhussein [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.