إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحزاب المعارضة السودانية في انتظار جودو ... بقلم: تيسير حسن إدريس
نشر في سودانيل يوم 03 - 06 - 2010

المتأمل لموقف الشارع السوداني عقب الانقلاب العسكري للجبهة القومية الإسلامية أو ما عرف (بثورة الإنقاذ) في 30 يونيو 1989م يلحظ مشاعر البرود واللا مبالاة التي لفت الشارع و استقبلت به الجماهير هذا التغيير الدراماتيكي ، إذا ما استثنينا بالطبع المطلعين علي الأمر من كوادر الحركة الإسلامية ... وهؤلاء قليل في ذاك الحين ، فمن جهة نجد إن الجماهير السودانية قد ملت الممارسة السياسية العقيمة للأحزاب التي تراكمت عليها العلل و الأمراض حتى أضحت كسيحة لا تقوى علي الفعل السياسي الراشد فهي فاقدة للبوصلة تمارس الدوران حول نفسها و حول قضايا الوطن الملحة وعاجزة عن تقديم حلول مقنعة رغم إن مشاكل الوطن واضحة المعالم غير مستعصية علي الحل أذا ما صدقت النوايا . ولكن تظل سياسة تقديم قدم وتأخير أخرى و غلوطية (خطوة إلي الأمام خطوتين إلي الخلف) نهج وديدن الساسة الكرام ، فهم مترددون حد الإحجام عن طرح المبادرات الشجاعة و الجريئة أو حتى نيل اجر المحاولة و شرف السبق ولعل مرد ذلك يرجع للتركيبة النفسية لإنسان السودان عامة المصاب بمرض (الرهاب) من كل جديد و المتحكمة فيه أغلال العادة و التعود نجده يكره المبادرة خجلا أو تواضعا و يرهب النقلات النوعية و يستغرب الطفرات وكل جديد حيث نجد أن العقل الجمعي يحبذ إلي الآن زواج الأقارب الذي يبعده عن المخاطرة والفشل كما نجد أيضا تمسك الفرد بالمسكن الأول والمدينة التي ترعرع فيها يتخذ منحى فوق ما اعتادته الشعوب الأخرى لذلك نجد شائعا في تراثنا الشعبي الأمثال من نوع (جن تعرفه و لا جن يكلكلك) و (ألفات قديمه تاه) فالكل يخاف التو هان و لا يحمل الكلكلة.
عودا إلي موضوع الجماهير المغلوبة علي أمرها نجد أن عقلها في ذلك الحين كان مازال مشبعاً بمآسي ومرارات النظام العسكري المايوي السابق و ممارساته القمعية كما إن مشاعر البغض لصنوف التضييق و كتم الحريات مازالت طازجة وحاضرة تحتل وجدانها. ونتيجة لهذه الحالة من الشتات التي لفت الجماهير زاغت الأبصار و حارت القلوب بين حالين أحلاهما مر من جهة هي كارهة لضعف و خطل الحكم المدني الديمقراطي وعجزه البين عن تنفيذ ما وعد به في خطابه الانتخابي ومن جهة أخرى مصابة (بفوبيا) الأنظمة العسكرية التي خبرت شرها وتجرعت الذل و الهوان في عهديها الماضيين ( نظام الفريق عبود و نظام المشير نميري) بالإضافة أيضا للعجز و التخبط في إنجاز البرامج والوعود الوردية و التي عادة ما يحفل بها البيان الانقلابي رقم واحد. تحت وطأة هذا الانقسام الوجداني و حالة الإرباك النفسي مابين السيئ و الأكثر سوء ركنت الجماهير إلي حائط مبكاها تندب حظها العاثر مترعة بالإحباط والأحزان حد الثمالة ، موغلة في صحراء التيه و الحيرة بلا هدى منصرفة عن هؤلاء القادمون الجدد لسدة الحكم و أولئك المدبرون عن سدته... وانكفأت علي ذاتها تنقب في جد ومثابرة عن الحلول الفردية الممكنة ضاربة بإرث التكافل الاجتماعي و روابط الآسرة الممتدة بل و بكل سمح و أصيل في منظومة القيم الاجتماعية السودانية عرض الحائط.
اختارت مجموعات مقدرة من أبناء شعبنا المنافي و الشتات حلا و وطنا و مستقرا والمنافي كما تعلمون نوعان و كلاهما إجباري و علقم فقد ينفي الشخص نفسه داخل ذاته هروبا من الواقع و تعقيداته و يغرق في بحر من الظلمات يقوده في أحيان كثيرة ألي الإدمان علي المسكر أو المرض النفسي و الموت السريع بالانتحار حل لمشاكل دنياه غير عاب أو مكترث بأخراه ، أما النوع الأخر من المنافي هو الجغرافي (المكاني) الذي ينبت فيه الفرد أو الآسرة بأكملها من المنبت الأصل و تغرس في تربة غريبة لا عشيرة ولا أهل فيها ولا حزام أمان قيمي و أخلاقي يقي من الضياع أو الاستلاب علي أقل تقدير... أنها بحق حياة المضطر الذي ركب الصعب (فالقمح مر في حقول الآخرين و الماء مالح) كما قال (درويش).
هذا ما كان من أمر مجاميع المنافي بنوعيها (النفسي و الجغرافي) أما حال الأغلبية العظمى والتي لم تجد إلي الهرب سبيلا واستطاعت إن تتلقى الضربة الأولى و تمتصها متحاملة علي ذاتها و تتوازن طوال الأشهر الأولى من عمر انقلاب الإنقاذ بعامل السند النفسي الذي تمثل في وجود قيادات أحزابها التاريخية بقربها ولو كانوا في محنة المعتقلات غدت بعد حين ترقب في اندهاش و عجب تسرب تلك القيادات الواحد تلو الآخر بدواع شتى للخارج مولين الدبر تاركين الجمل بما حمل يلهث تحت وطأة نظام لم يراع في أهله و شعبه ذمة و لا دين . لقد كان الحري بهذه القيادات البقاء وسط جماهيرها وتوفير السند المعنوي لها و حشدها و رص صفوفها لمواجهة المجهول القادم بدلا عن الهرب و التسكع في المقاهي و أروقة الفنادق وإطلاق الحناجر في زعيق وعويل أجوف تتقاذفه الريح بعيدا عن آذان أصمها العوز و الفقر و قلوب أدمها ظلم ذوي القربى والغريب في الأمر إن بعض هذه القيادات الناكصة أطلقت تصريحات قبل مغادرتها يفهم منها المباركة لما تم من انقلاب و خرق للشرعية و الدستور وكان الأمر لا يعنيها في شيء.
اجتمع سامر القوم في المنفى مكونين (التجمع الوطني الديمقراطي) كتحالف معارض لنظام الإنقاذ ومنه أطلقوا لحناجرهم العنان لتوهم جماهير الشعب السوداني بأن أيام نظام الإنقاذ معدودة و هو إلي زوال قريب ومن ثم يخضعون لسلطان النوم في العسل حالمين بالعودة المظفرة للبلاد علي صهوة خيل (الحركة الشعبية لتحرير السودان) الفصيل الجنوبي الذي يحارب منذ عام 1983م من أجل قضايا شعب الجنوب العادلة بعدما أقنعوه بالانضمام لتجمعهم الديمقراطي متوهمين أن الحركة الشعبية لتحرير السودان سوف تحارب لهم حربهم ومن ثم تقدم لهم مفاتيح الخرطوم علي طبق من ذهب ليدخلوها بسلام أمنين مكللين بالغار . لقد نسوا أو زين لهم ضعف حيلتهم إن يتناسوا حكم و أمثال توارثوها من السلف تقول (ما حك جلدك مثل ظفرك و صاحب الحاجة بركب الصعب) والعكس تماما ركب قادتنا الكرام السهل الممتنع و تعذر عليهم بناء قوات محاربة ذات شأن و تأثير الشيء الذي جعل موقفهم ضعيف وأمرهم هين أمام عدو الأمس و حليف اليوم ذو الجيش العرمرم الجبار . فهانوا و سهل الهوان عليهم مما وفر الأجواء للحركة الشعبية لكي تبيض و تصفر فارضة إرادتها السياسية ولا مفر لهم سوى البصم بالعشرة علي جميع مطالبها والتي أوصلتنا في مؤتمر (أسمرا للقضايا المصيرية) المنعقد باريتريا عام 1995م إلي الموافقة و بالإجماع ألسكوتي علي حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. لن يستطيع كائن من كان أن يقنع شعب السودان بأن قرار حق تقرير المصير كان من صنع نظام الإنقاذ وحده مع التأكيد علي أنهم كانوا السباقين لذلك في مفوضات فرنكفورت عام 1992م بين ممثلهم الدكتور علي الحاج و الدكتور لأم أكول فلقد تلت تلك المفوضات هرولة مماثلة من جميع الأحزاب المعارضة في الشمال فتمت اتفاقية (شقدوم) بين الحركة الشعبية و حزب الأمة و سبقها بشهر وأحد البيان المشترك بين الحركة الشعبية و الحزب الاتحادي الديمقراطي وأخيرا الحزب الشيوعي السوداني في لقاءه مع الحركة الشعبية في أبريل 1995م . المهم في الأمر إن جميع الأحزاب السودانية الرئيسة قد شاركت ولو بدرجات متفاوتة في صنع قرار الانفصال القادم في 2011م ، فكما أجازته قوى المعارضة في وثيقة (مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية) عام 1995م عادت الإنقاذ ونفذته بعد أن رفع عنها الحرج عام 2005م عبر اتفاقية (نيفاشا) للسلام الشامل.
إن فصل الجنوب المسيحي و التفرد بالحكم في الشمال وبناء دولة العروبة الإسلامية ظل هوى وأشواق تداعب خيال كثير من رجالات نظام الإنقاذ حتى وفرت لهم الأحزاب المعارضة الشمالية في مؤتمر أسمرا الفرصة الذهبية للإفصاح عن ذلك الحلم والعمل الجاد علي تنفيذه علنا ودون حرج ، فعلما تتباكى القوى السياسية الشمالية اليوم وتجر المسوغات الهشة في محاولة بائسة لنفض اليد وإخلاء المسئولية و إلصاق وزر تفتيت الوطن بنظام الإنقاذ وحده فلقد ظل هذا الأمر طموحهم المضمر وأنتم من ساعدهم في تنفيذه!!! فرغم التعليلات التي تسوغها أحزاب الشمال المعارضة وهنا اخص الحزبين الكبيرين الأمة و الاتحادي لأنهما من حكما السودان طوال فترات الحكم الديمقراطي الماضية بأنها كانت قادرة علي جعل الوحدة ممكنة و جاذبة أذا ما توفرت لها فرصة المشاركة في صياغة اتفاقية (نيفاشا) للسلام و من ثم المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية التي أشرفت علي تنفيذ مراحلها في الفترة الانتقالية خلال الخمس سنوات الماضية وقد تكون صادقة في نواياها و في هذا القول ولكن للأسف واقع حال ممارستها السابقة وهي في الحكم لا يسند هذا القول و يجعل من الصعب علي المرء تصديقه لذلك مهما حاولنا أن ندفن رؤوسنا في رمال التحامل المبرر علي نظام الإنقاذ ألإقصائي يجب علي أحزاب المعارضة الشمالية الاعتراف بان ضعف الحيلة و البصيرة واستسهال الحلول و انتظار المعلب و الجاهز منها وارد المجتمع الدولي هو الذي أورد الوطن هذا المورد العكر لنشرب جميعا كدرا وطيناً.
خلاصة القول أن أحزاب المعارضة الشمالية قد ارتمت في أحضان المارد الجنوبي (الحركة الشعبية لتحرير السودان) وزعيمها الفذ الراحل دكتور جون قرن و الذي أثبتت الأيام و المواقف في حياته و بعد رحيله التراجيدي بأنه كان سياسيا محنكا من الطراز الرفيع افتقدته الساحة السياسية السودانية في فترة هي أحوج ما تكون إليه ، فرجل استطاعت بشخصيته الفذة و حكمته أن يوظف تحالفه مع الأحزاب الشمالية داخل التجمع الوطني الديمقراطي لخدمة قضيته المركزية حيث أفاده هذا التحالف في التمدد في علاقاته الخارجية خاصة مع دول المحيط العربي و الإسلامي ونلحظ ذلك في علاقاته الجيدة مع كل من مصر و ليبيا و حتى المملكة العربية السعودية التي دعمته في فترة من فترات نضاله وأيضا في علاقاته الدولية حيث اصبغ عليه التحالف مع قوى الشمال المعارضة اللون الوطني و وفره له الغطاء الشرعي ليتحرك معارضا باسم السودان كافة بدلا عن التحرك باسم شعب جنوب السودان فقط خاصة و برنامج الرجل يدعو إلي السودان الجديد الموحد. زوده ذلك وأمده بقوة دفع كبرى لتجاوز نفق التعقيدات في العلاقات الإقليمية و الدولية و صولا إلي هدفه المنشود و هو إنجاز سلام عادل يعطي شعب الجنوب حقوقه المغتصبة منذ الاستقلال، ولقد نجح بجدارة تجعل منه أنموذج مشرف للبطل الشعبي و القومي لا يقل نبلا و جلالا عن نيلسون مانديلا و بتريس لوممبا وسمورا ميشيل.
نعود من جديد لواقع أحزاب المعارضة الشمالية المحزن فبعد أن وقعت تماما في مصيدة الحركة الشعبية و أصبحت رهينة لاستراتيجياتها و تكتيكاتها استسلمت وراحت في سبات عميق ... لتصحو فجأة مذعورة علي أنغام وإيقاعات رقصة (الجالوه) وهي تعانق (عرضة) الجعليين معلنة عن توقيع اتفاقية (نيفاشا) للسلام بين نظام الإنقاذ العنيد والحركة الشعبية لتحرير السودان منفردة!!!!!! وبرعاية ومباركة القوي الدولية والإقليمية حيث تم تجاهل و استبعاد و تهميش الأحزاب المعارضة في الشمال و التي لم يكن لها طوال فترة معارضتها الماضية أي تأثير يجعل منها لاعب أساسي ضمن( تيم) المنتخب الوطني!! عندها فقط أدركت تلك الأحزاب فداحة الخطأ الذي ارتكبته باغترابها عن الجماهير وغيابها عن الساحة و تقاعسها عن أداء الدور المأمول فيها من التعبئة والتحفيز وحشد الجهود و رص الصفوف وإعادة إنتاج خطابها بلغة تنير لجماهيرها الطريق وتخاطب تطلعاتها بدلا عن تلك البيانات العجاف من الخارج التي لم تسمن و لم تغني من جوع مما أدى إلي انصراف جل الجماهير عنها باحثة عن الحلول والمخارج الفردية متناسين معضلة الوطن الكبرى (وجود نظام الإنقاذ) و هنا تجللت عمق الأزمة الوطنية.
نتيجة لكل ما سلف ذكره من تراكم خيبة أمل الجماهير في أحزابها وانصرافها عنها لضعفها و سوء تدبيرها ، جاء توقيع اتفاقية (نيفاشا) للسلام و التي وقعتها الحركة الشعبية منفردة بعد أن تخلت عن شركائها في التجمع الوطني الديمقراطي (الممحن) لتكون (القشة التي قصمت ظهر البعير) و تقف بعدها تلك الأحزاب عارية أمام مرآة كربها و تدرك حقيقة أن حليفها القوي قد أنصرف عنها و كشف ظهرها لسهام الإنقاذ الشامتة لتتناوشها وتنال منها .لقد أعطت اتفاقية (نيفاشا) لشعب الجنوب و حركته المسلحة أكثر من ما كان يأمل ويحلم فسقط بالتالي المبرر لاستمرار الحرب و استمرار الحركة الشعبية كفصيل معارض ومعادي لنظام الإنقاذ وهنا سقطت ورقة التوت التي كانت تغطي ضعف تلك الأحزاب لتجد نفسها في مأزق تاريخي لا تحسد عليه ولم تجد قياداتها المتخبطة سوى الهرولة الرعناء خلف النظام القائم كل علي حده في محاولة بائسة لإيجاد موطأ قدم له عبر البصم علي اتفاقيات صورية قصد بها رجال الإنقاذ تدمير ما تبقي من ثقة و مصداقية لتلك الأحزاب وقياداتها التاريخية التي ما اتعظت تلدغ من الجحر ألف مرة وهي تعلم أنها لا تساوي ثمن الحبر الذي صيغت به و المضحك و المبكي أن هذه الأحزاب وبطبيعة حال نظام الإنقاذ المراوغ كانت تعلم علم اليقين أن هذه الاتفاقيات غير قابلة للنفاذ ورغماً عن ذلك ارتضت هذا الوضع المهين صاغرة علها ترفع بعض الحرج عنها وتحفظ بعض ماء الوجه و هي عائدة لجماهيرها و قواعدها كما خرجت قبل عقدين من الزمان (بخفي حنين) و(خالية الوفاض).
لقد نحرت أحزاب المعارضة الشمالية يوم رهنت أوراقها و أدوات نضالها و وضعت كل بيضها في سلة الجبهة الشعبية لتحرير السودان ونسيت أن في السياسة قد تتقاطع المصالح اليوم و لكن هذا لا يمنع من توازيها غدا خصوصا في ظل التحالفات التكتيكية فالتجمع الوطني الديمقراطي كان تحالف مرحلة تكتيكي يعمل وفق برنامج حد ادني وحتى هذا فشل في الإيفاء به (فليس هناك صداقات دائمة و لا عداوات دائمة و لكن هناك دوما مصالح مشتركة) قاعدة سياسية شديدة البساطة و الوضوح إلا أن هذه القيادات المترهلة قد أدمنت إنتاج أخطائها وكذلك الحال يوم توهمت دور خارجي يقصر عليها درب نضالها الشاق و تستطيع الركون إليه في وزن معادلتها المختلة في كفاحها ضد نظام أحكم قبضته و تمكن حينما عرف كيف يلجم حراك الجماهير الحائرة لغياب قادتها ودورهم التنويري و التعبوي فأدخلها بسهولة ويسر مغيبة في حالة من الكمون والبيات وشل حركتها بالقوانين الظالمة التي شرعها وأجازها وعمل وفقاً لها طوال فترة حكمه الماضية و مازال يصر عليها (قانون الأمن العام وغيره) حفاظا علي مملكته الإسلامية!!! دون أن يجد أي صعوبة أو مقاومة جادة تذكر من أحزاب أرهقها انتظار( جودو) ومازالت تصر علي أحلام( زلوط) !!!. إن الرهان علي الدور الخارجي الداعم والمساعد ظل دائما وآبدا خيار الخاسر والتجارب من حولنا تثبت ذلك (أفغانستان و العراق). فمن أهم الأسباب التي أطالت عمر نظام الإنقاذ وأمدته بمادة إعلامية و دعائية دسمة أسهمت في ثراء وقوة تأثير خطابه الجماهيري ولفت حوله كثيرا من المخدوعين وأصحاب العقول الخاوية و الببغاوية هي مادة لجوء الأحزاب المعارضة للخارج طلبا للنصرة والغوث في سعيها لإسقاطه حيث استطاع أن يوظف هذه الورقة الحساسة ويلعب بها بدهاء وخبث ويربح علي الدوام ، لقد درس منظري نظام الإنقاذ و مفكريه شخصية الفرد السوداني وخبروا مكنونات سيكولوجيته واستفادوا من كل ذلك في صياغة خطابهم الجماهيري الذي بناه علي التصدي و مقاومة المعتدي الخارجي الأثيم بالإضافة لتحفيز و دغدغة مشاعر البسطاء بالتهليل و التكبير وغناء الحماسة و رقصة(العرضة) المرتبطة في أذهان العامة بالرجولة و الفروسية والتي برع فيها السيد الرئيس وأبدع. إن أكثر ما يستفز إنسان السودان و حتى المثقف منهم و يخرجه عن طوره الإحساس بان غريباً ما يتدخل في شأنه الخاص أو يمارس الوصاية و الاستعلاء عليه أو كما يقول أهلنا بالعامية البسيطة يمارس عليه (الحقارة) و لقد لعب دهاقنة الإنقاذ بهذا العامل النفسي و عزفوا علي هذا الوتر الحساس وأجادوا دوزنة سيمفونية ارتهان أحزاب المعارضة للخارج و بيعهم الوطن للاستعمار الحديث فخاطبوا بذلك المشاعر الدنيا للمواطن و أشعلوا فتيلها فزاد كفرا وبعدا عن أحزابه التي أضحت بين ليلة و ضحى عميلة و متحالفة مع الشيطان ضد الوطن!!!!!!! ، لتنقلب الصورة في ذهن البسطاء من أبناء شعبنا رأس علي عقب فيصبح القاتل هو الضحية والمقتول هو القاتل !!! أنهم و رب الكعبة فرقة من الحواة و السحرة . فعندما تدغدغ مشاعر الغالبية الأمية من الشعب بالشعار الديني و يتم حشو رأسها بالهتاف ألمعتقدي المفرغ من المضمون وفي غياب الأحزاب الوطنية و التيارات التنويرية التي يمكن أن تتصدى لهذا التجهيل المقصود باسم الدين في مجتمع أساسا يفتقر لوسائل المعرفة الحرة و العقلانية فلن يكون في استطاعة العامة من الناس فهم جوهر القضية ومتطلبات الحياة السياسية و الاقتصادية المعاصرة ولن يستطيع أحد أن يلومها علي ذلك الموقف خاصة من تخلوا عنها و فروا بجلودهم طلباً للنجاة إلي الخارج وتركوها في حيرتها و وضنك عيشها تمارس (لحس الكوع) لتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم ، أنها حق مأساة كبرى و صياغة بائسة لإنسان السودان وفق ما نشده نظام الإنقاذ عبر مشروعه الحضاري المتوهم.
تيسير حسن إدريس / السعودية / بريده / 03/06/2010م
تيسير ادريس [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.