وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    (بيراميدز والأهلي والملعب والبقية تاتي)    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    وزير الشباب والرياضة يخاطب جماهير السَّلَمة الكباشي ويتكفّل برعاية البراعم والناشئين    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    ليفربول يخسر أمام السيتي وهالاند يعود لهز الشباك ويكسر عقدة أنفيلد    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثلاثية الدوبيت الخالدة: الشعراء والمطايا والحبائب ..... بقلم: أسعد الطيب العباسي
نشر في سودانيل يوم 08 - 06 - 2010

ظلت الشعراء والمطايا والحبائب يشكلون ثلاثية خالدة وأزلية في شعر الدوبيت السوداني، خاصة في أشعار الغزل والنسيب. وقد نشأت هذه الثلاثية في كنف وظل الوشائج المتينة التي جمعت بينهم، وإذا كانت الوشائج بين الشعراء والحبائب ينسجها الشعور الإنساني الطبيعي والمألوف، فالجمل كحيوان أليف أحبه الإنسان وقربه إلى نفسه واستأنسه لما له من مزايا خاصة. وقد أبان لنا شعر الدوبيت السوداني هذه المزايا، وأفصح لنا عن عمق علاقته بالابل ومكانتها السامية في نفسه. وليس أدل على ذلك أكثر من أنه قد ناصف مربوعته الدوبيتية الغزلية بين الجمل والمحبوبة، وجاء وصفه للجمل في مساديره ليفوق وصف المحبوبة فيها، وخصص للجمل منفرداً في أشعاره كماً هائلاً من الرباعيات، وقد ارتفعت علاقة الشاعر بالجمل لمكانة سامقة وتجاوب نفسي عميق، بل أن هذه العلاقة تمتد بامتداد العمر، وتسلك في صداقة تفوق كل تصور وخيال، فالإبل تتسم بصفات إنسانية، فلها حنين غير مسبوق، وتوقها للحن والغناء لا يرقى إليه أدنى شك.
أحدَبْ من قُدام قَفَاكْ مُنْضَّمْ
أفَزَرْ سَاقَكْ رَدِيحْ كُرعَيكْ مُواقْعَ النَّمْ
السَّبَبْ اليَبَّسْ لَهَاتَكْ واخْفَافَكْ مَلاهِنْ دَّمْ
بلا الزَولْ المَرَشَّمْ فَوقْ فَرِيقْ الشَّمْ
ويقولون:
وَكْتَ الليلْ بَرَدْ ونَجْمُو الكُبَارْ إتبنَّت ْ
حِليَتْ نمَّتي وقَعَدْ الجَمَلْ يتْصَنَّتْ
وفائدة الجمل بالنسبة للإنسان البدوي معروفة، فهو حامل أثقاله ووسيلته في التنقل لما له من مقدرة على السير لمسافات بعيدة، وتحمل العطش لفترات طويلة. وتعتبر الإبل معياراً للثراء ومصدراً للرزق لدى أهل البادية، فهم يبيعونها ويستفيدون من أوبارها في صنع الشمال والأغطية والأفرشة والأبسطة والمساند، ويستغلون جلودها في صنع الحبال والسياط، ويتغذون على لحومها وألبانها، وقد قال سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين: (والأنعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَاِفعُ وَمِنْها تَأْكُلُون  وَلَكُمْ فِيهَا جمَِالٌ حِينَ تُرِيحونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ  وَتحَمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) .
وقد أعطانا العلم الحديث تفسيراً للمقدرة الفائقة للإبل في تحمُّلِ العطش، إذ أُثبِت أن عملية التنفس لديها تخلو بنسبة كبيرة من بخار الماء الذي يخرج عادة مع عملية الزفير، كما أن تجويف أنفها يحتفظ بكميات كبيرة من الشعيرات التي تعمل على تكثيف بخار الماء وإعادته للجسم ماءً عند عملية الشهيق، كما تعمل كُلاها بفعالية كبيرة، فتقل نسبة البول عندها. وكما هو معروف فإنها تحتفظ في أمعائها بمخزون مائي تلجأ إليه عند الحاجة، وقد قال أصدق القائلين رب العالمين في محكم تنزيله:(أَفلا يَنْظُرُونَ ِإلى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) لذا احتفى بها أهل البادية أيما احتفاء، وأولوها عناية خاصة ومتميزة كالغذاء الجيد والرعاية الصحية الممتازة، ويضعون عليها القلائد والحرير بغرض الزينة والأوراق والأحجبة للحماية، ويبدأ اهتمام البدوي بالإبل منذ الولادة إلى آخر طور من أطوار نموها وهي تسعة أطوار، فوليد الناقة يسمى (حوار) حتى يكمل عامه الأول ويسمى (مفرود) عندما يبدأ عامه الثاني، ويليه (ود اللبون) ثم (الحق)، ويليه (الجضع) ثم (التِني) و(الرباع) و(السديس )، وهي المرحلة التي تكتمل فيها قوة البعير ثم يصير (شاق) أو (ناب). والأطوار المذكورة تتوالى عاماً بعد عام. ونجد أن هنالك أسماءً أخرى تطلق على المراحل العمرية للجمال كالحاشي واللقي والقعود والبكرة والبازل، وهنالك أسماء تدل على صفات معينة كالجقة وهي الناقة المسنة السمينة، كما نجد تسمية جقلة التي تطلق على عموم النوق. ويحرص البدوي على وضع علامة معينة أو وسماً يدل على ملكيته لهذا الجمل أو تلك الناقة، وقد يكون الوسم دالاً لملكية قبيلة معينة أو فخذاً معيناً لهذه القبيلة أو فرعاً لها، ويكون الوسم عن طريق الكي بالنار بأداة تسمى (المحور) وهي قطعة حديدية ملتوية وذات مقبض يرسم بها على جلد البعير الوسم المحدد، وقد وجدنا أن هنالك أشكالاً عديدة للأوسام تبلغ المئات، ومنها ما يسمى بالشعبة والعرج والقلايد والشخلوب والجعبة والحلقة والمطارق والهلال والسامع والدامع والباعج والقرقور والعمود والعقال، وغير ذلك كثير.
وللجمال نفسها أنواع، أهمها فصيلتان هما الصهب والعربيات، وللصهب نوعان متميزان هما العنافي والبشاري، والعنافي عنيف عند السير، ولعل تسميته جاءت من هذا العنف. وواضح أن البشاري منسوب لقبائل البشاريين في شرق السودان، وهما يتميزان بالسرعة، أما العربيات فتستخدم لحمل الأثقال، وقد تواضع البدويون على تسمية أنواع المشي لدى الجمال إبتداءً من أقل أنواع المشي وصولاً لأقصاها سرعة، والأسماء تبدأ بالطرقة ثم الخب ثم الكربتة أو الحوارية، فالقربة وهي أقصى أنواع الجري.
والبعير مدعاة فخر وتباهٍ، ونجد ذلك أوضح ما يكون في منافسات سباقات الإبل، وهي رياضة وهواية يميل إليها البدو ميلاً شديداً، وفيها حماسة منقطعة النظير، ويبذلون لها الأموال ويخصصون لها الجوائز، وتسمى الجائزة التي تمنح للجمل الفائز بالزينة، وفرحة الفوز بها لا تعادلها فرحة، وهي مناسبة يكيل فيها صاحب الجمل الفائز الثناء عليه وعلى سلالته وأوائله.
يقول ود الرضي:
أَبوك تَيس قُنَة الصَيْ المَعِيزُو رَوِيْنَه
وجَدَكْ فَورُو أوْشَكْ مِنْ صَبِيبْ العِيْنَه
حَبُّوبتَكْ مِنْ قِبَيلْ مِدَّرِّعَاهَا شَنِيْنَه
وأمُكْ مِنْ سَبَايْكَ الخَيلْ بِتَاخْدَ الزِيْنَه
ويقول الشاعر مصطفى أبو الشيخ:
أُمَكْ طَافْرَه مِنْ مَرَابِيتْ بَازَه
وحَبَوبْتَكْ في الجَرِي لا بْتِنْطَقْ ولا بْتِتْقَازَه
حَيْلَكْ شِدُّو جَاتَكْ وِدْيَانْ وعَزَازَه
كَرْبَ القَرْبَتِيتْ جَابْ فَوقْ قَفَاكَ نَزَازَه
وقد نقل لنا شاعر الدوبيت صور السباق والمنافسة للفوز بالجائزة، كقول الشاعر محيي الدين محمد شريف الشيخ الصديق الذي قال:
بِشيلْ الفَاتْحَه تَلْقَاهُو انْطلَقْ وانْصَرَّه
وبْدَافِرْ في الجُمَالْ سَالْهَا الحَقَارَه مَضَرَّه
وَكْتَينْ قَارَبَنْ مَيْسِنْ جَرِيهِنْ حَرَّ
حَاكَا سَرَاعَةْ النَجْمَ البِضَوِّي وخَرَّ
وفي مربع شعري آخر يقول شاعر بدوي يصف جمله الذي انتصر على كل جمل نافسه في السباق:
الكايِسْ زُبَاكْ ومِنْ صَبَاحُو مِْبَدِّرْ
أسْقَيْتُو المَرَايِرْ الحَالَتِنْ بِتْكَدِّرْ
بالجّدْعَ المِفَاسِحْ والجَرِي المِتْحَضِّرْ
فَرْطَ اللِّيْدُو نَفَايَةْ الهَوا البِسدِّرْ
ومن تلك الصور التنافسيَّة صورة شخصها لنا الشاعر الكبير عبدالله حمد ود شوراني الذي أبدع حينما قال:
اللخَدَر عَنَانِيف الجَري النُّدَّارْ
جَنْ جَارْيَاتْ ورَاكْ دَايْرَاتْ خَلاسْ التَّارْ
وَكْتَينْ جَرَنْ وَصَلَنْ مِيسْ العِنَادْ الحَارْ
جِيتْ وَشَّكْ خَلاَ وضَهَرَكْ وَرَاهُو كُتَارْ
ومن خلال علاقة البدوي أو الشاعر بالجمل التي ترقى إلى درجة الصداقة تنهض قيمة الوفاء، فيأسون غاية الاسى إن أصابه مكروه، فعندما تلفت عين جمل الشاعر الطيب ود ضحوية قال:
مَا تِسْتَاهَلْ العَوَرَه وخَسَارْ العَينْ
وكَمْ مِنْ قُجَّه فَوقْ ضَهَرَكْ مِحَلْحِلْ دَينْ
كَتِيرْ مَنْ فَارَقْ النُزْهَه ورِضَى الوَالدَينْ
البَاقي الله يَا هَجَّامْ فَرِيقْ أُمْ زَينْ
كما إنهم يحزنون حزناً شديداً عند موته، فعندما قضى أحد جمال الشاعر عبد الله ود شوراني نحبه رثاه بقصيدة طويلة نجتزئ منها:
رَقَدْ المِقْدِرْ بَيْ جَرِيْدتُو إتبيَّنْ
كَمْ للهِ للتِيْه والعَتَامِيرْ هَيَّنْ
زَمَنُو العَالِي سَرْجُو القَارْتَيْتُو مَعَيَّنْ
المَطْمَرْ مَلانْ لَىْ عَلُوقُو مَا بْنِدَيَّنْ
ويقول فيه أيضاً:
إنْكَسَرْ العَزِيزْ وَدْ المَهَورَه القَاصِعْ
أقْنَفْ لَيْهُو فَطْسَّه وسَدْرُو جَايِرْ ووَاسِعْ
مَنْسُولْ الشَدَايِدْ الحُورِي جِدُو التَاسِعْ
جَايْبُو تَعَبْنَا وأُمُو المِي دَشَرْ لَىْ مَا صِعْ
واختتم ود شوراني هذه المرثية الطويلة بقوله:
سَفَرَاً بالرَدِي الكُرْبَاجُو فَوقُو بْجَوِّدْ
يَا عَبْدَ الله سَاقِي عَلَيْهُو مُو مُتْعَوِّدْ
البَهَجِمْبُو سِتْ الرَيدْ فِلانَه مْهَوِّدْ
إدَمْدَمْ رَقَدْ مِينْ غَيْرُو الله بْعَوِّضْ
ولعل التوافق النفسي العجيب ما بين الشاعر والجمل شكل اللبنة الأولى في عمارة الثلاثية الخالدة في شعر الدوبيت، التي تكاد تستغرق غالبية أشعار الغزل والنسيب في الدوبيت السوداني، فالجمل لم يكن دعامة اقتصادية للشاعر، ولم يكن نجيه في الفلوات أو حامل أثقاله فحسب، إنما اتخذه الشاعر مستودعاً لأسراره العاطفية، يبثه شكواه وأشجانه، ويحاوره ويسمع منه ويقول له. وكانت الحبيبة في هذا الإطار محوراً ثالثاً وأساسياً لا تغيب عن تلك العمارة، وتكون حاضرة دائماً في قلب الحدث الشعري بأطيافها التي تحملها الخواطر، وبأوصافها الملتصقة بالذاكرة والوجدان. وهاهو الشاعر الطيب ود ضحوية يخاطب جمله وجمله يرد عليه في أنس جميل لا يتوقع حدوثه إلا بين البشر، وفي حوارهما تبرز الحبيبة بصفاتها وأوصافها لتمثل الضلع الثالث في الثلاثية الخالدة.
قَالْ لِيْ الجَمَلْ لا تْكَتِرْ الوِلَيفْ
وبِتْهَادِدْنِي بَىْ جَمْعَ العَتَامِيرْ كَيفْ
قَرَّبْتَ لَىْ بَلَدْ الزَولْ أَبْ جِلَيدَاً هَيفْ
وقَالْ لِيْ وَصَلْنَا دَاكْ جَبَلْ أَبْ عَصَاةً سَيفْ
ومثل هذه الحوارية نجدها أيضاً في مربع للشاعر ود حيدوب الذي يقول فيه:
قَالْ لَيَّ الجَمَلْ يَا سِيدِى أَرْخِي رِسَينِي
وانَا عَارْفَ الطَرِيقْ باللهِ مَا تْوَصِينِي
لَيْ أُمْ زَينْ الحَبِيبَه لَيكْ بَصَلْ في حِينِي
وإنْ بَطَّلتَ بُكْرَه السُوق عَصُر وَدِينِي
ومن الحواريات التي وقعت في إطار الثلاثية الخالدة، ما قاله الشاعر الصادق حمد الحلال الملقب بود آمنة في مربعه الذي ورد في مسداره قوز رجب والقائل:
تَقَايْ المَفَلَّخْ شِلْتُو في مُشْوَارَك ْ
جُوطْ واجَّوجَى لا هَسَعْ بَعِيدْ مُتْرَارَكْ
قَالْ ليَّ الهَسَالْ كَانْ تَرْخِي مِنو يَسَارَكْ
بَورِيكْ أَدْعَجْ النُقَعْ الفَتَقْ نَوسَارَكْ
والثلاثية تحمل أحياناً في مضمونها الشعري بالإضافة لأوصاف المحبوبة وإبراز الأشواق، مناداة الجمل وحثه على الإسراع للوصول إلى ديار المحبوبة، ومن ذلك قول ود المشمر:
اللَيلَه أَمْسَيتَا عَلىْ التِيهَا ومَشِى الرُقْرَيْقَه
وعَجَلَكْ تِرُو خَلِّى الكُورْ ضَرِبْ مِزِيْقَه
السَبَبْ الخَلا سِيدَكْ مَا اتْلَقَتْلُو حَقِيقَه
ضَامِرْةَ الحَشَا المِنْ المَتَانِي رَقِيْقَه
وقد تحمل الثلاثية للجمل تنبيهاً من الشاعر لطول المسافة أو وعورة الدرب الذي سيسلكانه عندما يقصدان ديار الحبيبة، وهذا ما سنراه حالاً في مربع الشاعر احمد عوض الكريم أبو سن القائل:
بَيْنَكْ وبَينْ بُلُودْ العِنْدُو فَوقْنَا حُقُوق ْ
جَاكْ صَيَّاً مِفَاسِحْ وفي وَطَاتُو شِقُوقْ
عَلَىْ سُكَرْ نَبَاتْ الفِي العِلَبْ مَدْقُوقْ
قَمَارِي الجَالْسَه خَلَيْتِنْ يِسَوَّنْ قَوقْ
وقد تحمل إعجاباً ووصفاً لسرعة الجمل كقول ود السميري الفادني الذي ضمنه رغم ذلك طلباً للجمل للمزيد من السرعة.. يقول:
خَبِيْبَكْ للدَرِبْ كُبَارْ ومَوَاسَا
وإيدَيكْ يِقْطَعُوا الفَرَقَه وبِعَرْفُو قِياسَا
أفُرْق إيدَيكْ الضَّلْمَه جَانِي دَمَاسَا
يَبْقَى اللَيلَه شَتْلَةْ نَامَه بَرَعَتْ رَاسَا
وهذا المنحى انتحاه الشاعر أحمد عوض الكريم في مربع يضج بالموسيقى والرنين العالي يقول فيه:
كِتَيرَاتاً بِبيِنَنْ عِنْ حَفِيرْ النُّصْ
جَاهُنْ كفُّو زَيْ مَكنَ الخِياطَه يْرُصْ
عَلىْ المُرْنَاعْ بِرَيْرِيبْ اللرَايلَ الحُصْ
عَجْلَكْ تِرُو عَينَكْ في الشَقَيقْ لا تْبُصْ
والجمل في ثلاثية الدوبيت الخالدة يبعث في نفس الشاعر الطمأنينة، فعندما تهب رياح الشوق والعشق يمتطي الشاعر صهوة جمله، وهو يثق أنه لن يخيب له أملا، وسيجمعه في أقصر وقت بمحبوبته. وهذا ما يؤكده لنا الشاعر عبد الله ود شوراني في مربعه التالي:
طَلَعَ الفَجُرْ والنَاسْ أَغْلَبُنْ مَاحَسَّه
وانَا سَاهِرْنِي فَرْقَ الرَيْدُو مَا بِنْدَسَّه
مَا دَامْ عِنْدِي تَيْسْ قُنَه المِقَاشْرَ اللَّسَّه
الله انْ رَادْ مَعَ قَافي الهَوَيْدْ بَتْمَسَّى
وسرعة الجمل واجتهاده واخلاصه تزيد ثقة الشاعر به ويصيبه ذلك بيقين للقاء المرتقب مع المحبوبة، يقول ود شوراني:
العُقَدْ الحُمُرْ جِيْتِنْ مَشِيْكَ شُرَادْ
شَقَيْتِنْ مِشَوِّشْ ولَهْسَالَكْ شَادْ
بَعَدْ دَومَكْ بَكَى وخَفَيْتْ وجِنَّكْ زَادْ
يِقِنْ غَيْرْ فِلانَه الفَاهْمَه مَافي رُْقادْ
ويأخذنا شاعر الدوبيت في الثلاثية الخالدة إلى مناحٍ تشعرنا أن الجمل ينوب عنه أو يشاركه حب محبوبته، مما يقوي لدينا إحساسنا بالعلاقة المتينة بين الشاعر والجمل، وكأنهما في إطار وحدة نفسية سعيدة ومنسجمة. ونرى هذا في النموذج التالي للشاعر أحمد عوض الكريم الذي يقول فيه:
إِجَّمَعْ بَعَدْ شَرَفْ الحِرَيْحِيرْ طَارْ
دَانَى بَعِيدُو بَيْ المَصََعِي وجَرِى الحَارْحَارْ
عَلَىْ جِرَيْعةَ البِنَونِي ومِسْكَةْ أَبْ مَحَارْ
لَولَحْ رَاسُو واتْمَرْعَفْ بَلا السَّحَّارْ
ونلتمس هذا أيضاً في ما قاله الشاعر محمد شريف العباسي في المربع التالي:
للوَزَرْ المَعَاكْ اللَيلَه مَاكَا مِرفِّقْ
وجَنْحَاتَكْ بَلا الدَغَشْ البَلَيْبُو بْصَفِّقْ
شِنْ جَابْرَكْ عَلَىْ الوَعَرْ الدَبِيْبُو بِشَفِّقْ
غَيْرْ زَولاً وَشِيْهُو مِنْ المَلاحَه بِدفِّقْ
وتتضح ذات المعاني في مربع الشاعر الشيخ الصديق الشيخ السماني الذي يقول:
عِنْ وَدْ مُوسَى قَرْعَبْ وتَاتَا
خَرَتْ الدَرْعَه خَلا الدَومَه تَجْرِي شَتَاتَا
عَلَىْ امْ دِيساً مَبَرَّعْ وغَلَّبْ المَشَاطَه
كِتِرْ لِفَيْتُو هَجْلُوبَا لِقَالُو سُوَاطَه..!
ما أتينا به من نماذج لا يُعدُ سوى مؤشرٍ إلى أكبر وأجمل جزيرة من جزائر بحر الدوبيت السوداني، إنها جزيرة ثلاثية الدوبيت الخالدة المضلعة بالشعراء والمطايا والحبائب، وهي جزيرة تمرح فيها الأيانق، ويغني فيها الشعراء وسط حدائقها ذات الأفواف المنوعة والأنسام المضوعة التي تختلط بشذى حسناوتها وعبير عذراواتها. وإن كنا قد اكتفينا بما ذكرناه عن هذه الثلاثية الخالدة، فحسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق.
اسعد العباسي [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.