والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    الجزيرة تكثف التحضيرات للاستحقاقات القادمة في دوري الدامر    السودان..مصدر حكومي يرد على تفاهم مثير مع الميليشيا    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السُّودانُ: هلْ يَكوْنَ وَطناً للنُجُوْمِ ؟ وَهَلْ يَقبل بِنَا إيليا أبومَاضي؟ .... بقلم: جمال محمد ابراهيم
نشر في سودانيل يوم 28 - 06 - 2010


[email protected]
( 1 )
تناولت الناقدة السعودية لطيفة الشعلان، في مقال نشرعلى مدى يومي 13و14 يونيو/حزيران 2010 في صحيفة الحياة اللندنية ، تحت عنوان :" لطيفة الشعلان تعود إلى قضية أدبية قديمة متجددة: أي حبّ جمع بين فدوى طوقان وأنور المعداوي؟ "، موضوع الرسائل المتبادلة بين الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان والناقد المصري أنور المعداوي . وقد ركزت الناقدة السعودية على ما ورد في الرسائل التي نشرها الناقد المصري الراحل رجاء النقاش، من حميمية بين الأديبين. ولقد رأت في شخص النقاش ذلك السادن الأبيد لرسائل الحب المتبادلة بين أهل الإبداع. وأوردت الناقدة السعودية كيف أن ناقداً من الأردن هو الستاذ عيسى الناعوري شكّك في ما استخلصه النقاش من كون أنور وفدوى، عاشا قصة حب حقيقية ، بل وملتهبة ، وإن لم يلتقيا وجهاً لوجه ، أو جسداً لجسد ، هذا إن كنا نتحدث عن حب كامل الهوية والتعريف. وليس غريباً أن يختلف الناس حول رسائل الأدباء ، سواءاً تلك التي التهبت فيها لواعج المحبة، أو الأخرى التي خلت من مشاعر الودّ واقتصرت على التفاكر والمناصحة حول موضوعات الأدب، فقد ظلت تشكل معيناً للنقاد على فهم خلفيات الإبداع وتكشف خباياه ، ودقيق المشاعر التي قد تقع بين أديبين . الأديب الأردني رأى في تفسير رجاء النقاش، غلواً لا يجد له أثراً في الرسائل، فيما يورد النقاش رسالة معينة هي الرسالة الثالثة عشرة، وأبرزها دليلا ساطعاً لمحبة ملتهبة بين أنور والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان.
( 2 )
على أني ما قصدت أن آخذك عزيزي القاريء في سياحة مع رجاء أو مع الناقدة السعودية، وما دار حول حقيقة العلاقة بين أنور المعداوي والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان . كلا . لقد استوقفني في حقيقة الأمر ما جاء من الناقدة السعودية عن رسائل أخرى بين أديبين، غير أنور وفدوى . إذ أشارت الناقدة الفضلى إشارة عابرة إلى رسائل الشاعر السوداني الراحل محمد المهدي المجذوب إلى الشاعرة العراقية ديزي الأمير، التي كانت مقيمة في بيروت، وصادف أن التقاها المجذوب في ستينات القرن الماضي هناك ، وتبادلا رسائل أشارت الراحلة ديزي الأمير أنها استودعتها رجاء النقاش، بل واستفسرته استعطافاً قبيل رحيلها، أن يطلق الرسائل من إسارها ويعمل على نشرها . رحلت ديزي ورحل النقاش وقبلهما المجذوب ولكن لا أحد يعرف مصير تلك الرسائل حتى الآن. ذلك موضوع أنجزتُ مقالاً حوله في صحيفة "الأحداث" الخرطومية، بتاريخ 11 سبتمبر 2009. والذي أثار حفيظتي هو جنوح الناقدة السعودية لإصدار حكمٍ قيميٍ لا حيثيات له ولا مبررات، إذ ذكرت أنه لو كان لهذه الرسائل التي تبادلها الشاعر المجذوب مع الشاعرة العراقية ديزي الأمير، من قيمة أدبية تذكر، لما تردد رجاء النقاش في نشرها. كتبت الناقدة الشعلان بأن رجاء النقاش أهمل رسائل المجذوب الى ديزي، وكتبت بالحرف الأوضح : ((لأنه ببساطة لم يجد في تلك الرسائل القيمة الأدبية والجمالية والتاريخية التي وجدها في رسائل أنور وإلا لنشرها من دون تردد.)) بعث إلي صديقي الكاتب الأديب عمر جعفر السوري من مقامه في كندا، مرفقاً الكترونياً حوى ما كتبته الناقدة السعودية ، وكان حانقاً على الطريقة التي عبّرت بها عن رأيها . كتب إليّ عمر : ((مؤسف هذا الاستنتاج الذي لا يسنده برهان ولا يعضده دليل. هذه هي - للأسف الشديد - نظرة الانتلجنسيا العربية إلى المبدعين السودانيين. فهم يستغربون - في كثير من الأحايين - كيف بزغ نجم الطيب صالح، وكيف سطعت أنوار الفيتوري؛ ولا يعرفون غيرهما...)) ومن لا يملك إلا أن يوافق صديقي عمر فيما كتب . .؟
( 3 )
ثم ما علاقة كل ذلك بما وقع للسودانيين في بيروت هذه الأيام . . ؟
وقفت ملياً في الذي جائني من الصديق عمر جعفر، وأنا أتابع أخبار الأزمة السياسية "غير الرسمية" التي نشبت بين السودان ولبنان، إثر استعمال بعض عناصر الأمن العام اللبناني عنفاً جسدياً ولفظياً تجاوز سقف المعقول، وهم ممن لا يُعرف عنهم سعة أفقٍ أو أقل إدراكٍ بأحوال السودان ، هذا القطر العربي الأفريقي الأكبر، كون بنوه يتحدثون اللغة العربية، لسان أمٍ لا لغة ثانية، عدا الأقليات في جنوبه أو في غربه ، فكأن "الاستعراب" عند ابناء الشام أو مصر، هو محض عرق ولون بشرة . وإني أقول هنا :"بعض عناصر الأمن العام"، ولا ألقي تعميماً على العواهن، لمعرفتي اللصيقة نسبياً بأوضاع لبنان، وكيف يجري تجنيد مثل هؤلاء الشُرَطيين الذين أشكّ أن مناهج الجغرافيا أو التاريخ في مدارس الأساس أو التعليم الثانوي الذي جاءوا منه، تضمنت ذلك اليسير عن الوطن العربي : من فيه، ما ثقافاتهم، وأين أماكن إقامتهم وعاداتهم وتقاليدهم . فيما احتوت مناهجنا في السودان منذ بدايات القرن العشرين، نماذج من الأدب العربي - نحن الذين تلقينا تعليمنا الأوسط في ستينات القرن الماضي- نحفظ من شعر الشام ووادي النيل، ما ناءت بحمله ذاكراتنا ونحن في سنوات التعليم الأولى تلك، فإنك لا تجد لشعر شعراء السودان أثراً في مناهج الأدب العربي في مدارس الشام، إلا بعض استثناء لا يُرى. وليس أقرباء الوادي بأحسن حالا . الشام ومصر سمتهما الناقدة السعودية "مجتمعات بلاد المركز". ذهلت للذي حدثني به صديقي جعفر أنه قرأ احتجاجا قبل سنوات على إدراج قصيدة في المناهج المصرية، وطالب مصري جاهل بأن تحذف تلك "القصيدة الركيكة" – حسب زعمه المريض- من المنهج، والقصيدة التي عناها هي رائعة التجاني يوسف بشير "في محراب النيل". براءة السودانيين قادتهم لايداع مخطوطة ديوان التجاني يوسف بشير لدى أدباء وشعراء كبار في القاهرة لأغراض النشر، فاستخزنوه وضنّوا باخراجه سنين عددا ، ولا تفسير لهذا المسلك إلا الغيرة الأدبية عند هؤلاء، ولا أقول السرقة، والتي أراها الدافع الأقرب للمنطق . النقاد الكبار في سنوات القرن العشرين يشهدون للشعر السوداني بجزالة فاقت الكثير مما في شعر الشوام في تلكم السنوات. نحن الذين موسقنا شعر المهجر فاخرجناه غناءاً عربياً ولحناً باهراً ، مثلما فعل الراحل الفنان أحمد المصطفى في "وطن النجوم"، أو "السوسن البرّاق"، وهما من جميل شعر الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي، لا نملك إلا أن نعجب الآن إذ نسمع من رواة الأزمة المحزنة الناشبة، أن بعض عناصر الأمن اللبناني كانوا يستعجبون ويستهجنون نطق السودانيين باللغة العربية المحكية ، ظناً من بعضهم أن اللغة العربية عند السودانيين، هي لغة ثانية. وإن شئت أن أحكي لك عن تجربة شخصية، فإني سمعت بأذنيّ، وأنا سفير هناك قبل نحو عامين، أحدّث بعضاً ممن أعرف ، فتتهامس الألسن اللبنانية متساءلة من حولي : أيتحدثون العربية مثلنا ! ؟
ذلك نقصان يُلام عليه النظامين التعليميين في لبنان وفي السودان، أو أكثر من ذلك هو تشويه تاريخي لصورة السودان استوطن مخيلة الشوّام خاصة . كيف يظلّ نفر، قلّ عددهم أم كثر، في الوطن العربي، الذي ظللنا ننتمي إلى جامعته العربية، عامهين في مثل هذا الجهل المطبق، فلا نحن وثّقنا علاقاتنا الثقافية والتعليمية مع لبنان، ولا لبنان قوّمت مناهجها التعليمية في مراحل أساسها لتلقين صبية مدارسها، أن السودان بلد ينتمي تاريخياً للوطن العربي، متجذراً في افريقيا، وأنه عضو في الجامعة العربية منذ 1956، وأن السودانيين يتحدثون العربية ، على الأقل في أكثر من ثلثي رقعته الجغرافية. الذي أعرفه أن اللغة الأجنبية- لا العربية - في كثير من البيوت اللبنانية، هي لغة التخاطب بين أعضاء الأسرة الواحدة . بعض الأسر اللبنانية وإن كانت قليلة بالطبع، ترى التحدث باللغة العربية المحكية، مجاملة لمخاطبيهم ممن يعدّونهم أقلّ درجة في التراتبية الاجتماعية. لن أظلم الأغلبية، ولا المتعلمين والمثقفين، ممن توسّعت تجاريبهم الحياتية ، عبر السفر أوالاحتكاك بثقافات أجنبية أخرى، أو عبر المتاح من الفرص التعليمية العالية، فهم النفر الغالب وسواهم الإستثناء المستهجن. لا ينتقص ذلك بالطبع من توجه النخب اللبنانية والتزامها بالثقافة العربية، ولا نشكك في مكانة لبنان أوعاصمتها بيروت، عاصمة الكتاب في العالم لعام 2009، والتي ظلت وستظل مركز إشعاع لا تنكره عين. لكن صديقي عمر يتلمس نظراً سالباً، يحمله على الأسى عند بعض هذه النخب المثقفة، كونهم يستعجبون كيف بزغ نجمٌ في سماء الرواية العربية مثل الراحل الطيب صالح من السودان ! أو الفيتوري في الشعر . "وطن النجوم" الذي غنى له إيليا أبو ماضي هو لبنان فحسب، لا يرون للسودان ولا لغيره، فرصة لأن يكون وطناً للنجوم، يا هذا !
( 4 )
ماذا لو عقدنا مقارنة ، غير كاملة التأهيل، بين تلك الرؤية التي استكثرت على شاعرنا المجذوب جمالية رسائله إلى الشاعرة العراقية ديزي الأمير، وذلك السلوك القبيح الذي عالجت به بعض عناصر الأمن العام اللبناني، أمراً يخص السودانيين من أبناء الجالية السودانية في بيروت، حين تداعوا لنصرة صبي يعاني مرض السرطان، في حفل اقاموه قبيل أيام قليلة في وسط بيروت ؟ ألا ترى عزيزي القاريء أن الجهل في الحالتين جهل مستهجن وقبيح ..؟ ما تجرأتْ عليه عناصر الأمن فعل منكر، وما جاء من الناقدة السعودية، قول منكر بلا شك . ما الذي يدفع البعض في الوطن العربي- وهو وطن كله مستعرب متعدد الأعراق ولكنه منتمٍ لثقافة عربية ولسان عربي واحد- إلى النظر لكل ما يجيء من السودان وكأنه غريب وهامشي ؟ هل لو أنكرنا - من هنا - على اللبنانيين عروبتهم، وجلّهم ممن خالطت جيناتهم أعراقاً فينيقية وأجناساً غير عربية من تركيا وأرمينيا وغيرها، هل يقبلون نكراً كهذا ؟
أما الناقدة السعودية والتي لم تطلع على رسائل المجذوب وهي لم تنشر أصلاً، فقد سقطت في فخ الاستخفاف بالسودان وأدب السودان، بلا حيثيات وبلا مبررات . ما عسَرَ عليها أن تدّعي أن أدب الرسائل هو شأن "مجتمعات عرب المركز"، كما جرى توصيفهم بقلمها في مقالها آنف الذكر، ولا حظ لمن في "مجتمعات بلاد الهوامش" أن يكتب رسائل أدبية ذات قيمة وجمالية ! سقطة الناقدة السعودية تماثل سقطة الأمن العام اللبناني، والذي تركته الدولة اللبنانية الرسمية وحيدا يواجه غضبة الشارع السوداني. الحذاء الذي داس على كرامة السوداني في "الأوزاعي"، هو ذات الحذاء. ولكن وراء من ستحتمي الناقدة الظالمة..؟
لن أجد عذراً لقبح الفعل ولا لقبح القول، في كلا الحالتين. يحقّ لنا أن نرى ظلما بيّناً يجب إدانته، ولعلي لا أملك إلا أن أصفه بأنه فعل ينمّ عن دوافع ظلم عنصري لا يقبل به أحد . عن عناصر الأمن وخبال فعلهم ، أعجبني ما جاء من الزعيم اللبناني الدرزي وليد جنبلاط ، إذ يذكّر أبناء جلدته، أن الفعل الذي جاء من بعض عناصر الأمن العام، فعل مخجل ، خاصة في بلد ظل يتبجّح بأنه صاغ وثيقة ميثاق حقوق الإنسان، والتي توافق عليها العالم بعد سنوات ثلاث من انتهاء الحرب العالمية الثانية ! ما أصدق جنبلاط، إذ المهمة الكبيرة التي انبرى لها مندوب لبنان شارل مالك في عام 1948في اللجنة التي رأستها مدام روزفلت ، هي التي انتهت باجازة هذا الميثاق الذي أعاد للإنسانية اعتبارها لذاتها . وقد أبلى شارل مالك بلاءاً عظيما في الصياغة الانجليزية والعربية - ومعه اللبناني الآخر أمين نخلة- ولمن لا يعرف فإن شارل مالك، هوالذي تولى منصب وزير خارجية لبنان، في أواخر سنوات الخمسينات، كما هو ذلك المفكر والفيلسوف الذي علّم الفلسفة في الجامعة الأمريكية، ودرس على يديه نفر من السودانيين تلكم السنوات. شارل مالك الذي نحكي عنه، هو من أصدقاء وزير خارجية السودان في خمسينات القرن الماضي ، الأستاذ الراحل محمد أحمد محجوب.
كان لافتاً صدور بيانٍ عن قيادة حزب الله يستنكر "ما ارتكبه بعض عناصر الأمن العام من ممارسات بحق مواطنين سودانيين وأفارقة يعملون في لبنان خلال تجمعهم قبل أيام في منطقة الأوزاعي، وأبدى تضامنه معهم في محنتهم التي سببتها هذه الممارسات العنصرية"،
ثم تصريحات إدانة صريحة لما وقع من اعتداء على السودانيين في "الأوزاعي" من شخصيات سياسية نافذة في لبنان، من أنهم لا يقبلون المساس بسمعة السودانيين وكرامتهم ، وطالب البيان بالتحقيق وبمحاسبة الذين شاركوا في إلحاق الأذى بالجالية السودانية في لبنان، وهي من أعرق الجاليات وأرسخها مكانة. العقلاء في لبنان كثر وينبغي أن لا يغفل السودانيون الغاضبون عن سماع صوتهم، أو يأخذهم الانفعال ويأخذنا إلى أبعد من رفع صوتنا بالاحتجاج، دون الحاق الأذى بمن لا جريرة لهم في الأمر الذي وقع، ويتحمل مسئوليته سفهاءُ قومٍ غير مدركين أبعاد فعلهم المخزي . علينا أن نحثّ المسئولين الكبار والعقلاء هنا وهناك، أن يكون لغضب الشارع السوداني تفهّم واعتبار، وأن يرتقي الإخوة في لبنان برفع الاعتذار الواجب بعد التحقق في الذي جرى، كما على القيادة عندنا أن تولي كرامة المواطن السوداني، عناية ونظراً واهتماما ..
( 5 )
في عام 1956 والعدوان الثلاثي يستهدف مصر الصامدة وقتذاك ، وقف محجوب وزير خارجية السودان، متحدثاً بإسم الوفود العربية في الأمم المتحدة، وقد اختاره الوزراء العرب لهذه المهمة باجماعٍ مميز ولافت. أعجب إذ أسمع شائعة، لا سند لها فيما توفر لي من معلومات، أن دولة لبنان قد احتجت على انضمام السودان لجامعة الدول العربية، لكأن أصغر دولة في الجامعة تملك "فيتو" على مثل هذا الانضمام ، وكأنا لا نستذكر أن للسودان أقوى وزير خارجية ، حجة ومكانة وهيبة، في ذلك الزمان، وهو محمد أحمد محجوب، وما أدراك من المحجوب! من كان يملك احتجاجاً على تولي ذلك الوزير المهيب قيادة الوفود العربية في الأمم المتحدة في 1956، أو في عام 1967، بعد هزيمة يونيو المهينة التي ذاقت مرارتها، قبل الآخرين، "مجتمعات بلاد المركز"، لو استعرنا تعبير الناقدة السعودية . . ؟ أعجب، بل آسى أن لا أسمع صوتا لبنانياً يردّ على هذه "الشائعة الفولكلورية" ، وكأن الأمر لا يعنيهم ، أو هم على راحة من سماع مثلها! الخشية ان تكون صورة السودان في المخيلة العربية هي إلى اهتزاز ، والخشية الأكبر في أن يكون لمثل هذا الاهتزاز تداعياته على مصائر السودان في الأشهر القادمة. عروس البحر التي سينبتر نصفها السمكي ، لن تستطيع الطيران بنصفها العلوي في الفضاء ، كما لن تتمكن من السباحة في البحر !
وإني لأودّ أن استميح روح الشاعر اللبناني الراحل إيليا أبوماضي عذراً ، لأعدّل في قصيدته التي تغنّى بها المغنّي الرّاحل أحمد المصطفى : "وطن النجوم". إني أرى ايليا يهبّ معتذراً ويعدل أبيات قصيدته لوطننا السودان ، مهابة وكرامة وعزّا :
وَطن النجومِ أنا هُنا حدّق أتذكر مَن أنا؟
. . . . . . .
لله سرّ فيك ، يا "سودان" ، لم يعلن لنا
خلق النجوم و خاف أن تغوي العقول و تفتنا
فأعار "نخلك" مجده و جلاله كي نؤمنا
زعموا سلوتك..ليتهم نسبوا إليّ المكِنا
فالمرء قد ينسى المُسيءَ المُفتري ، و المُحسنا
والخَمرَ و الحسناء َ، والوَترَ المُرنّحَ ، و الغِنا
وَمرَارة الفقرِ المُذلّ بَل ، وَ لذّات الغِنى
لكنّهُ مهمَا سَلا هيهَاتَ ينسَى المَوْطِنا
الخرطوم – 26 يونيو 2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.