وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السُّودانُ: هلْ يَكوْنَ وَطناً للنُجُوْمِ ؟ وَهَلْ يَقبل بِنَا إيليا أبومَاضي؟ .... بقلم: جمال محمد ابراهيم
نشر في سودانيل يوم 28 - 06 - 2010


[email protected]
( 1 )
تناولت الناقدة السعودية لطيفة الشعلان، في مقال نشرعلى مدى يومي 13و14 يونيو/حزيران 2010 في صحيفة الحياة اللندنية ، تحت عنوان :" لطيفة الشعلان تعود إلى قضية أدبية قديمة متجددة: أي حبّ جمع بين فدوى طوقان وأنور المعداوي؟ "، موضوع الرسائل المتبادلة بين الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان والناقد المصري أنور المعداوي . وقد ركزت الناقدة السعودية على ما ورد في الرسائل التي نشرها الناقد المصري الراحل رجاء النقاش، من حميمية بين الأديبين. ولقد رأت في شخص النقاش ذلك السادن الأبيد لرسائل الحب المتبادلة بين أهل الإبداع. وأوردت الناقدة السعودية كيف أن ناقداً من الأردن هو الستاذ عيسى الناعوري شكّك في ما استخلصه النقاش من كون أنور وفدوى، عاشا قصة حب حقيقية ، بل وملتهبة ، وإن لم يلتقيا وجهاً لوجه ، أو جسداً لجسد ، هذا إن كنا نتحدث عن حب كامل الهوية والتعريف. وليس غريباً أن يختلف الناس حول رسائل الأدباء ، سواءاً تلك التي التهبت فيها لواعج المحبة، أو الأخرى التي خلت من مشاعر الودّ واقتصرت على التفاكر والمناصحة حول موضوعات الأدب، فقد ظلت تشكل معيناً للنقاد على فهم خلفيات الإبداع وتكشف خباياه ، ودقيق المشاعر التي قد تقع بين أديبين . الأديب الأردني رأى في تفسير رجاء النقاش، غلواً لا يجد له أثراً في الرسائل، فيما يورد النقاش رسالة معينة هي الرسالة الثالثة عشرة، وأبرزها دليلا ساطعاً لمحبة ملتهبة بين أنور والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان.
( 2 )
على أني ما قصدت أن آخذك عزيزي القاريء في سياحة مع رجاء أو مع الناقدة السعودية، وما دار حول حقيقة العلاقة بين أنور المعداوي والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان . كلا . لقد استوقفني في حقيقة الأمر ما جاء من الناقدة السعودية عن رسائل أخرى بين أديبين، غير أنور وفدوى . إذ أشارت الناقدة الفضلى إشارة عابرة إلى رسائل الشاعر السوداني الراحل محمد المهدي المجذوب إلى الشاعرة العراقية ديزي الأمير، التي كانت مقيمة في بيروت، وصادف أن التقاها المجذوب في ستينات القرن الماضي هناك ، وتبادلا رسائل أشارت الراحلة ديزي الأمير أنها استودعتها رجاء النقاش، بل واستفسرته استعطافاً قبيل رحيلها، أن يطلق الرسائل من إسارها ويعمل على نشرها . رحلت ديزي ورحل النقاش وقبلهما المجذوب ولكن لا أحد يعرف مصير تلك الرسائل حتى الآن. ذلك موضوع أنجزتُ مقالاً حوله في صحيفة "الأحداث" الخرطومية، بتاريخ 11 سبتمبر 2009. والذي أثار حفيظتي هو جنوح الناقدة السعودية لإصدار حكمٍ قيميٍ لا حيثيات له ولا مبررات، إذ ذكرت أنه لو كان لهذه الرسائل التي تبادلها الشاعر المجذوب مع الشاعرة العراقية ديزي الأمير، من قيمة أدبية تذكر، لما تردد رجاء النقاش في نشرها. كتبت الناقدة الشعلان بأن رجاء النقاش أهمل رسائل المجذوب الى ديزي، وكتبت بالحرف الأوضح : ((لأنه ببساطة لم يجد في تلك الرسائل القيمة الأدبية والجمالية والتاريخية التي وجدها في رسائل أنور وإلا لنشرها من دون تردد.)) بعث إلي صديقي الكاتب الأديب عمر جعفر السوري من مقامه في كندا، مرفقاً الكترونياً حوى ما كتبته الناقدة السعودية ، وكان حانقاً على الطريقة التي عبّرت بها عن رأيها . كتب إليّ عمر : ((مؤسف هذا الاستنتاج الذي لا يسنده برهان ولا يعضده دليل. هذه هي - للأسف الشديد - نظرة الانتلجنسيا العربية إلى المبدعين السودانيين. فهم يستغربون - في كثير من الأحايين - كيف بزغ نجم الطيب صالح، وكيف سطعت أنوار الفيتوري؛ ولا يعرفون غيرهما...)) ومن لا يملك إلا أن يوافق صديقي عمر فيما كتب . .؟
( 3 )
ثم ما علاقة كل ذلك بما وقع للسودانيين في بيروت هذه الأيام . . ؟
وقفت ملياً في الذي جائني من الصديق عمر جعفر، وأنا أتابع أخبار الأزمة السياسية "غير الرسمية" التي نشبت بين السودان ولبنان، إثر استعمال بعض عناصر الأمن العام اللبناني عنفاً جسدياً ولفظياً تجاوز سقف المعقول، وهم ممن لا يُعرف عنهم سعة أفقٍ أو أقل إدراكٍ بأحوال السودان ، هذا القطر العربي الأفريقي الأكبر، كون بنوه يتحدثون اللغة العربية، لسان أمٍ لا لغة ثانية، عدا الأقليات في جنوبه أو في غربه ، فكأن "الاستعراب" عند ابناء الشام أو مصر، هو محض عرق ولون بشرة . وإني أقول هنا :"بعض عناصر الأمن العام"، ولا ألقي تعميماً على العواهن، لمعرفتي اللصيقة نسبياً بأوضاع لبنان، وكيف يجري تجنيد مثل هؤلاء الشُرَطيين الذين أشكّ أن مناهج الجغرافيا أو التاريخ في مدارس الأساس أو التعليم الثانوي الذي جاءوا منه، تضمنت ذلك اليسير عن الوطن العربي : من فيه، ما ثقافاتهم، وأين أماكن إقامتهم وعاداتهم وتقاليدهم . فيما احتوت مناهجنا في السودان منذ بدايات القرن العشرين، نماذج من الأدب العربي - نحن الذين تلقينا تعليمنا الأوسط في ستينات القرن الماضي- نحفظ من شعر الشام ووادي النيل، ما ناءت بحمله ذاكراتنا ونحن في سنوات التعليم الأولى تلك، فإنك لا تجد لشعر شعراء السودان أثراً في مناهج الأدب العربي في مدارس الشام، إلا بعض استثناء لا يُرى. وليس أقرباء الوادي بأحسن حالا . الشام ومصر سمتهما الناقدة السعودية "مجتمعات بلاد المركز". ذهلت للذي حدثني به صديقي جعفر أنه قرأ احتجاجا قبل سنوات على إدراج قصيدة في المناهج المصرية، وطالب مصري جاهل بأن تحذف تلك "القصيدة الركيكة" – حسب زعمه المريض- من المنهج، والقصيدة التي عناها هي رائعة التجاني يوسف بشير "في محراب النيل". براءة السودانيين قادتهم لايداع مخطوطة ديوان التجاني يوسف بشير لدى أدباء وشعراء كبار في القاهرة لأغراض النشر، فاستخزنوه وضنّوا باخراجه سنين عددا ، ولا تفسير لهذا المسلك إلا الغيرة الأدبية عند هؤلاء، ولا أقول السرقة، والتي أراها الدافع الأقرب للمنطق . النقاد الكبار في سنوات القرن العشرين يشهدون للشعر السوداني بجزالة فاقت الكثير مما في شعر الشوام في تلكم السنوات. نحن الذين موسقنا شعر المهجر فاخرجناه غناءاً عربياً ولحناً باهراً ، مثلما فعل الراحل الفنان أحمد المصطفى في "وطن النجوم"، أو "السوسن البرّاق"، وهما من جميل شعر الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي، لا نملك إلا أن نعجب الآن إذ نسمع من رواة الأزمة المحزنة الناشبة، أن بعض عناصر الأمن اللبناني كانوا يستعجبون ويستهجنون نطق السودانيين باللغة العربية المحكية ، ظناً من بعضهم أن اللغة العربية عند السودانيين، هي لغة ثانية. وإن شئت أن أحكي لك عن تجربة شخصية، فإني سمعت بأذنيّ، وأنا سفير هناك قبل نحو عامين، أحدّث بعضاً ممن أعرف ، فتتهامس الألسن اللبنانية متساءلة من حولي : أيتحدثون العربية مثلنا ! ؟
ذلك نقصان يُلام عليه النظامين التعليميين في لبنان وفي السودان، أو أكثر من ذلك هو تشويه تاريخي لصورة السودان استوطن مخيلة الشوّام خاصة . كيف يظلّ نفر، قلّ عددهم أم كثر، في الوطن العربي، الذي ظللنا ننتمي إلى جامعته العربية، عامهين في مثل هذا الجهل المطبق، فلا نحن وثّقنا علاقاتنا الثقافية والتعليمية مع لبنان، ولا لبنان قوّمت مناهجها التعليمية في مراحل أساسها لتلقين صبية مدارسها، أن السودان بلد ينتمي تاريخياً للوطن العربي، متجذراً في افريقيا، وأنه عضو في الجامعة العربية منذ 1956، وأن السودانيين يتحدثون العربية ، على الأقل في أكثر من ثلثي رقعته الجغرافية. الذي أعرفه أن اللغة الأجنبية- لا العربية - في كثير من البيوت اللبنانية، هي لغة التخاطب بين أعضاء الأسرة الواحدة . بعض الأسر اللبنانية وإن كانت قليلة بالطبع، ترى التحدث باللغة العربية المحكية، مجاملة لمخاطبيهم ممن يعدّونهم أقلّ درجة في التراتبية الاجتماعية. لن أظلم الأغلبية، ولا المتعلمين والمثقفين، ممن توسّعت تجاريبهم الحياتية ، عبر السفر أوالاحتكاك بثقافات أجنبية أخرى، أو عبر المتاح من الفرص التعليمية العالية، فهم النفر الغالب وسواهم الإستثناء المستهجن. لا ينتقص ذلك بالطبع من توجه النخب اللبنانية والتزامها بالثقافة العربية، ولا نشكك في مكانة لبنان أوعاصمتها بيروت، عاصمة الكتاب في العالم لعام 2009، والتي ظلت وستظل مركز إشعاع لا تنكره عين. لكن صديقي عمر يتلمس نظراً سالباً، يحمله على الأسى عند بعض هذه النخب المثقفة، كونهم يستعجبون كيف بزغ نجمٌ في سماء الرواية العربية مثل الراحل الطيب صالح من السودان ! أو الفيتوري في الشعر . "وطن النجوم" الذي غنى له إيليا أبو ماضي هو لبنان فحسب، لا يرون للسودان ولا لغيره، فرصة لأن يكون وطناً للنجوم، يا هذا !
( 4 )
ماذا لو عقدنا مقارنة ، غير كاملة التأهيل، بين تلك الرؤية التي استكثرت على شاعرنا المجذوب جمالية رسائله إلى الشاعرة العراقية ديزي الأمير، وذلك السلوك القبيح الذي عالجت به بعض عناصر الأمن العام اللبناني، أمراً يخص السودانيين من أبناء الجالية السودانية في بيروت، حين تداعوا لنصرة صبي يعاني مرض السرطان، في حفل اقاموه قبيل أيام قليلة في وسط بيروت ؟ ألا ترى عزيزي القاريء أن الجهل في الحالتين جهل مستهجن وقبيح ..؟ ما تجرأتْ عليه عناصر الأمن فعل منكر، وما جاء من الناقدة السعودية، قول منكر بلا شك . ما الذي يدفع البعض في الوطن العربي- وهو وطن كله مستعرب متعدد الأعراق ولكنه منتمٍ لثقافة عربية ولسان عربي واحد- إلى النظر لكل ما يجيء من السودان وكأنه غريب وهامشي ؟ هل لو أنكرنا - من هنا - على اللبنانيين عروبتهم، وجلّهم ممن خالطت جيناتهم أعراقاً فينيقية وأجناساً غير عربية من تركيا وأرمينيا وغيرها، هل يقبلون نكراً كهذا ؟
أما الناقدة السعودية والتي لم تطلع على رسائل المجذوب وهي لم تنشر أصلاً، فقد سقطت في فخ الاستخفاف بالسودان وأدب السودان، بلا حيثيات وبلا مبررات . ما عسَرَ عليها أن تدّعي أن أدب الرسائل هو شأن "مجتمعات عرب المركز"، كما جرى توصيفهم بقلمها في مقالها آنف الذكر، ولا حظ لمن في "مجتمعات بلاد الهوامش" أن يكتب رسائل أدبية ذات قيمة وجمالية ! سقطة الناقدة السعودية تماثل سقطة الأمن العام اللبناني، والذي تركته الدولة اللبنانية الرسمية وحيدا يواجه غضبة الشارع السوداني. الحذاء الذي داس على كرامة السوداني في "الأوزاعي"، هو ذات الحذاء. ولكن وراء من ستحتمي الناقدة الظالمة..؟
لن أجد عذراً لقبح الفعل ولا لقبح القول، في كلا الحالتين. يحقّ لنا أن نرى ظلما بيّناً يجب إدانته، ولعلي لا أملك إلا أن أصفه بأنه فعل ينمّ عن دوافع ظلم عنصري لا يقبل به أحد . عن عناصر الأمن وخبال فعلهم ، أعجبني ما جاء من الزعيم اللبناني الدرزي وليد جنبلاط ، إذ يذكّر أبناء جلدته، أن الفعل الذي جاء من بعض عناصر الأمن العام، فعل مخجل ، خاصة في بلد ظل يتبجّح بأنه صاغ وثيقة ميثاق حقوق الإنسان، والتي توافق عليها العالم بعد سنوات ثلاث من انتهاء الحرب العالمية الثانية ! ما أصدق جنبلاط، إذ المهمة الكبيرة التي انبرى لها مندوب لبنان شارل مالك في عام 1948في اللجنة التي رأستها مدام روزفلت ، هي التي انتهت باجازة هذا الميثاق الذي أعاد للإنسانية اعتبارها لذاتها . وقد أبلى شارل مالك بلاءاً عظيما في الصياغة الانجليزية والعربية - ومعه اللبناني الآخر أمين نخلة- ولمن لا يعرف فإن شارل مالك، هوالذي تولى منصب وزير خارجية لبنان، في أواخر سنوات الخمسينات، كما هو ذلك المفكر والفيلسوف الذي علّم الفلسفة في الجامعة الأمريكية، ودرس على يديه نفر من السودانيين تلكم السنوات. شارل مالك الذي نحكي عنه، هو من أصدقاء وزير خارجية السودان في خمسينات القرن الماضي ، الأستاذ الراحل محمد أحمد محجوب.
كان لافتاً صدور بيانٍ عن قيادة حزب الله يستنكر "ما ارتكبه بعض عناصر الأمن العام من ممارسات بحق مواطنين سودانيين وأفارقة يعملون في لبنان خلال تجمعهم قبل أيام في منطقة الأوزاعي، وأبدى تضامنه معهم في محنتهم التي سببتها هذه الممارسات العنصرية"،
ثم تصريحات إدانة صريحة لما وقع من اعتداء على السودانيين في "الأوزاعي" من شخصيات سياسية نافذة في لبنان، من أنهم لا يقبلون المساس بسمعة السودانيين وكرامتهم ، وطالب البيان بالتحقيق وبمحاسبة الذين شاركوا في إلحاق الأذى بالجالية السودانية في لبنان، وهي من أعرق الجاليات وأرسخها مكانة. العقلاء في لبنان كثر وينبغي أن لا يغفل السودانيون الغاضبون عن سماع صوتهم، أو يأخذهم الانفعال ويأخذنا إلى أبعد من رفع صوتنا بالاحتجاج، دون الحاق الأذى بمن لا جريرة لهم في الأمر الذي وقع، ويتحمل مسئوليته سفهاءُ قومٍ غير مدركين أبعاد فعلهم المخزي . علينا أن نحثّ المسئولين الكبار والعقلاء هنا وهناك، أن يكون لغضب الشارع السوداني تفهّم واعتبار، وأن يرتقي الإخوة في لبنان برفع الاعتذار الواجب بعد التحقق في الذي جرى، كما على القيادة عندنا أن تولي كرامة المواطن السوداني، عناية ونظراً واهتماما ..
( 5 )
في عام 1956 والعدوان الثلاثي يستهدف مصر الصامدة وقتذاك ، وقف محجوب وزير خارجية السودان، متحدثاً بإسم الوفود العربية في الأمم المتحدة، وقد اختاره الوزراء العرب لهذه المهمة باجماعٍ مميز ولافت. أعجب إذ أسمع شائعة، لا سند لها فيما توفر لي من معلومات، أن دولة لبنان قد احتجت على انضمام السودان لجامعة الدول العربية، لكأن أصغر دولة في الجامعة تملك "فيتو" على مثل هذا الانضمام ، وكأنا لا نستذكر أن للسودان أقوى وزير خارجية ، حجة ومكانة وهيبة، في ذلك الزمان، وهو محمد أحمد محجوب، وما أدراك من المحجوب! من كان يملك احتجاجاً على تولي ذلك الوزير المهيب قيادة الوفود العربية في الأمم المتحدة في 1956، أو في عام 1967، بعد هزيمة يونيو المهينة التي ذاقت مرارتها، قبل الآخرين، "مجتمعات بلاد المركز"، لو استعرنا تعبير الناقدة السعودية . . ؟ أعجب، بل آسى أن لا أسمع صوتا لبنانياً يردّ على هذه "الشائعة الفولكلورية" ، وكأن الأمر لا يعنيهم ، أو هم على راحة من سماع مثلها! الخشية ان تكون صورة السودان في المخيلة العربية هي إلى اهتزاز ، والخشية الأكبر في أن يكون لمثل هذا الاهتزاز تداعياته على مصائر السودان في الأشهر القادمة. عروس البحر التي سينبتر نصفها السمكي ، لن تستطيع الطيران بنصفها العلوي في الفضاء ، كما لن تتمكن من السباحة في البحر !
وإني لأودّ أن استميح روح الشاعر اللبناني الراحل إيليا أبوماضي عذراً ، لأعدّل في قصيدته التي تغنّى بها المغنّي الرّاحل أحمد المصطفى : "وطن النجوم". إني أرى ايليا يهبّ معتذراً ويعدل أبيات قصيدته لوطننا السودان ، مهابة وكرامة وعزّا :
وَطن النجومِ أنا هُنا حدّق أتذكر مَن أنا؟
. . . . . . .
لله سرّ فيك ، يا "سودان" ، لم يعلن لنا
خلق النجوم و خاف أن تغوي العقول و تفتنا
فأعار "نخلك" مجده و جلاله كي نؤمنا
زعموا سلوتك..ليتهم نسبوا إليّ المكِنا
فالمرء قد ينسى المُسيءَ المُفتري ، و المُحسنا
والخَمرَ و الحسناء َ، والوَترَ المُرنّحَ ، و الغِنا
وَمرَارة الفقرِ المُذلّ بَل ، وَ لذّات الغِنى
لكنّهُ مهمَا سَلا هيهَاتَ ينسَى المَوْطِنا
الخرطوم – 26 يونيو 2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.