الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ذكريات الهروب العظيم والغربة المفتوحة ... بقلم: أحمد جبريل علي مرعي
نشر في سودانيل يوم 21 - 02 - 2011


[email protected]
توطئة
الغربة ثقيلة على النفس إلا إذا كانت لفترة معلومة الأمد محفوفة بوعود وثمار قريب موعد قطفها. والغربة شرعا هي النفي من الأرض، ولكن في حالة معظم السودانيين كانت طوعا واختيارا. فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار. ورغم كل شيء، فهي خطى كتبت علينا (ومن كتبت عليه خطى مشاها).
لقد اضطررنا للخروج من السودان تحت وطأة الضوائق المعيشية وسعيا لتحسين الأوضاع الحياتية التي تسبب في ترديها ساسة فاشلون وعسكر أغبياء وأساتذة جامعات حمقى ومرتزقة وضعاف نفوس شاركوا في كل الحكومات – الديمقراطية والعسكرية - يجيدون مسح جوخ العسكر وتقبيل أيدي السادة ويعتقدون بأنهم يستطيعون سياسة الناس كما يجيدون تحضير رسالتهم العلمية.
وكانت المحصلة النهائية أن هذا الثلاثي البائس لم يحسن تدبير أمور البلاد وتصريف أمور العباد ولم يستطع خلال أكثر من نصف قرن من الزمان توفير العيش الكريم لأقل من أربعين (40) مليون نسمة في بلد تكفي موارده لأكثر من مائتي (200) مليون نسمه.
ولم نكن ندري أن الغربة ستتحول إلى ثقب أسود كبير يبتلع كل أعمارنا ويأخذنا إلى ما لا نهاية فتصبح غربتنا غربة مفتوحة على كل الاتجاهات والاحتمالات.
لقد خرجنا كغيرنا من السودانيين الذين ركبوا أمواج الغربة في أواخر السبعينيات من القرن الماضي والذين ليست لديهم تجارب كبيرة في الغربة قبل ذلك، أو ربما كانوا هم الرواد من أسر لم تعرف ولم تألف الغربة قط.
ومنذ ذلك الحين توالت موجات الغربة واشتد زخمها وتكسرت على شواطئ ومرافئ كل بقاع المعمورة. وكنا كالهشيم الذي يحمله السيل الجارف لا يدري أين يلقى به!!! أو كالقصب في مهب الرياح العاتية المزمجرة التي تقصف بعضه وتترك بعضه (وما تدري نفس بأي أرض تموت).
وخلال هذه المسيرة الطويلة (التي تمطت بصلبها وأردفت أعجازا وناءت بكلكل)، ذاق السودانيون الذين يمموا دول الشرق الأوسط خاصة صنوفا من المعاناة لم يكونوا يتصورونها، وتعرضوا لاستهجان وازدراء من شعوب أقل منهم حضارة، وصبروا على آلام وتجارب كالحنظل وتبينوا لاحقا أنهم كانوا في سابق أيامهم يعيشون في رغد من العيش الكريم ومحفوظة كرامتهم في وطنهم الكبير ،قبل أن تجتزئه الذئاب وتمزقه أشلاء.
وفي هذه المحاولة أردت أن ألقي الضوء على تجربة غربة بدأت بالهروب العظيم من السودان في أواخر حكومة مايو وامتدت لأكثر من ثلاثين (30) عاما، ولا تزال، ولا أحد يدري أين ستحط هذه الموجه رحالها !!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
استميحكم العذر مقدما إن وجدتم في هذه التجربة ما يعكر صفوكم، وهو أمر لم أقصده. وأسألكم التكرم بالنصح أو بحسب ما ترونه من أفكار وآراء نيرة إن راقت لكم التجربة، فهي تجربة وددت توثيقها ليس إلا. وأنا بانتظار السماع منكم.
المؤلف
العمل في وزارة الثقافة والإعلام
فرقة الفنون الشعبية – الأكروبات – مهرجان الثقافة الأول
عقب تخرجنا من كلية الآداب جامعة الخرطوم في أوائل السبعينيات من القرن العشرين وجدنا أسماءنا في قوائم الوزارات التي رغبنا الانضمام إليها ملصقة في لوحة إعلانات الكلية. كان هناك أكثر من خيار. قصدنا وزارة الثقافة والإعلام واستقر بها مقامنا في وكالة السودان للإنباء لفترة تدريب وجيزة بعد جولة تعريفية على معظم أقسام الوزارة امتدت لأسابيع شملت الإذاعة والتلفزيون والمسرح الخ.
توجهت بعد الفترة التدريبية في وكالة السودان للأنباء للعمل في إدارة مسرح الفنون الشعبية، لأني كنت مغرما بالفنون بكل أشكالها. كنا مجموعة صغيرة من الخريجين الجدد في أوائل العشرينات من العمر داخل الحيشان الثلاثة: المسرح القومي والإذاعة والتلفزيون.
كانت المسارح كلها: المسرح القومي، ومسرح الفنون الشعبية، ومسرح العرائس، ولاحقا مسرح الأكروبات تحت رئاسة وإشراف معلم الأجيال الفكي عبد الرحمن – رحمه الله – الذي كان يقدم برنامج الأطفال في الإذاعة السودانية في شخصية (عمكم مختار)، وهو من الرعيل الأول لبخت الرضا ذلك المعهد التليد الذي رفد السودان بعظماء أفذاذ.
بجانب عملي في إدارة فرقة الفنون الشعبية، تم اختياري مشرفا على أعضاء فرقة الأكروبات السودانية الأولى في مقرهم بحي المقرن؛ وكذلك اختيرت الأستاذة التشكيلية سعدية الصلحي، بجانب عملها في إدارة فرقة الفنون الشعبية، مشرفة على عضوات فرقة الأكروبات السودانية الأولى في مقرهن في الخرطوم بحري جنوب تقاطع شارع الضواحي مع شارع كبري بحري أم درمان.
إما الكبار من أعضاء فرقة الأكروبات السودانية، وهم عازفو الموسيقى المصاحبة لأداء الأكروبات، فتركوا بلا مشرف -تقريبا -تقديرا لظروفهم في مقرهم بالخرطوم بحري غرب الإدارة المركزية للمياه والكهرباء. فقد كانوا يخرجون في الأمسيات مع الفنانين السودانيين الكبار،أمثال الفنان الرائع وردي، لإحياء بعض الحفلات في مواقع كثيرة داخل العاصمة المثلثة (الخرطوم-أم درمانالخرطوم بحري).
وكنت حين أسأل عمنا برهان، المكلف بحراسة بوابة عمارة سكن الأكروبات في حي المقرن لماذا خرج الأولاد من السكن، فقد كنت أجدهم معظم الوقت خارج السكن ، يقول ويؤكد مرارا بأنه مسئول عن الباب فقط ولا شيء غيره. ويضيف قائلا: (المكروبات يتسلقون السور ويقفزون منه إلى الخارج فيكف تريد مني أن أتصدى لقرود؟!!!) فأحاول تصحيحه بأنهم أكروبات وليسوا مكروبات وسط ضحكات أفراد فرقة الأكروبات. ولكنه يهز كتفيه غير مبال ويصر على قوله (مكروبات مكروبات، وقرود قرود!!!)
كان مسرح الفنون الشعبية، الذي أكمل الفنان الروسي (رامازين) تصميم وإخراج رقصاته، تحت إدارة خلف الله أحمد، وإشراف اللواء جعفر فضل المولى- قائد سلاح الموسيقي في القوات المسلحة السودانية- والسيد الفاتح محمد أحمد المشرف على التنفيذ المسرحي ، والسيدة الفنانة التشكيلية الرائعة سعدية الصلحي المسئولة عن قسم الأزياء والملابس والخياطة والإكسسوارات بمساعدة عدد من العاملين من بينهم الفنان المغني محجوب عثمان.
هذا بالإضافة إلى الأستاذ الطريفي أحمد كرمنو (قبل أن يلتحق بالخارجية السودانية ويصبح سفيرا) والأستاذ مدثر السنهوري وكوكبة مبدعة من التشكيليين الجدد منهم على سبيل المثال الأستاذ التشكيلي عبد الفتاح محمد محمود والأستاذ التشكيلي السماني والأستاذ التشكيلي حمد النيل والأستاذ التشكيلي إبراهيم جبريل. وكذلك الأستاذ الفنان عبد الله يوسف (ثنائي الدبيبة) والأستاذة مبروكة، والأستاذة عائشة كاشف والأستاذ الفنان سبت عثمان (الانقسنا) والأستاذ محمد علي إدريس (أدروب) والأستاذ الفنان إدريساي (أدروب). رحم الله من توفي منهم وأمد في عمر من بقي منهم.
كان معظم الفنانين في فرقة الفنون الشعبية عسكرا في سلاح الموسيقى تحت إمرة اللواء جعفر فضل المولى في مسعى لزيادة دخلهم المادي ما ساعد على انضباط الفرقة والأداء الجاد. كما تم توفير حافلات لنقل الفنانين والفنانات من وإلى مواقع سكنهم.
خلف الفنان التشكيلي الرائع مهدي يوسف – رحمه الله - والذي قدم لتوه آنذاك من بعثة دراسية في ألمانيا، السيد خلف الله أحمد في إدارة مسرح الفنون الشعبية تساعده الفنانة التشكيلية دار السلام في تصميم الرقصات وقد ذهبت لاحقا في بعثة دراسية إلى رومانيا.
بذل الأستاذ مهدي يوسف قصارى جهده لتغيير وجه الفنون الشعبية بحيث تتناسب والدور المنوط بها في توحيد السودانيين وجدانيا وتعزيز انتمائهم للسودان، وهو ابن أم درمان تلك المدينة المدهشة التي حوت السودان مصغرا، فأدخل شابات صغيرات السن من طالبات المدارس وحاول بكل جهده الاستغناء عن المجموعات القديمة والنهوض بالفرقة شكلا وموضوعا.
تلا الأستاذ مهدي يوسف الأستاذ المسرحي الكبير عثمان قمر الأنبياء الذي بذل جهدا مقدرا في تغيير شكل ومضمون فرقة الفنون الشعبية، وهو ذات الطريق الذي ذهب فيه الأستاذ التشكيلي مهدي يوسف من قبله، وأكمل فرقة الفنون الشعبية بشكلها الجميل الذي ترك بصماته الواضحة في وجدان كل السودانيين منذ منتصف السبعينيات إلى الثمانينيات من القرن العشرين وحقق الهدف الوطني والترفيهي من إنشائها.
كما أنشئت لجنة لاختيار الفنانين والفنانات الذين يؤدون العروض الشعبية وكل الجوانب الفنية في فرقة الفنون الشعبية من أساتذة كلية الفنون الجميلة. ضمت هذه اللجنة الأستاذ مجذوب ربَاح، رحمه الله، والأستاذة كمالا إبراهيم إسحاق رائدة المدرسة الكريستالية، والأستاذ شبرين أحد رواد مدرسة الخرطوم التشكيلية، وآخرين ممن لم تسعفني الذاكرة بتذكر أسمائهم.
لذا فإن فرقة الفنون الشعبية الحالية هي نتاج كل تلك الجهود المقدرة من أساتذة الفنون الجميلة، والقائمين على فرقة الفنون الشعبية، والفنانين والفنانات. وليتنا تركنا أمر الجماليات في العاصمة المثلثة والسودان قاطبة للفنانين التشكيليين واستعنا بهم في مصانع النسيج ليصمموا الملابس الجميلة للنساء والرجال والأطفال لاسيما وخامات القطن والبتروكيماويات متوفرة في السودان.
في عام 1973 تم اختياري ضمن وفد وزارة الثقافة والإعلام لزيارة مدينة جوبا في احتفالات أعياد مايو وبمناسبة افتتاح تلفزيون جوبا، إن لم تخني الذاكرة.
تكون الوفد من بعض وزراء حكومة مايو وعلى سبيل المثال لا الحصر السيد الوزير العبادي وزير النقل والمواصلات، والوزير بونا ملوال وزير الثقافة والإعلام، والوزير المرحوم موسى المبارك وآخرون من كبار وزراء حكومة مايو ومن أعضا ء مجلس الشعب والوزارات المختلفة.
هبطنا في مطار جوبا وتم توزيعنا على فندق جوبا وبعض المباني الحكومية الرائعة التي شيدتها الحكومة الهولندية خاصة وأنت تطل من شرفاتها الزجاجية على جمال المناظر الطبيعية ورذاذ المطر في الصباح الباكر. ونزل آخرون في البواخر النيلية التي كانت راسية على شاطئ النيل الأبيض.
كان النميري قد أبرم اتفاقية سلام عام 1972 مع جوزيف لاقو أنهى بموجبها تمرد (الأنانا). ولكن مع ذلك كنا نسمع إطلاق بعض الأعيرة النارية في الليل في الشاطئ الآخر من النيل الأبيض. لذا انتاب الناس بعض الشك والقلق جراء التفلتات الأمنية فباتوا وهم غير مطمئنين تماما لما يحدث ويخشون مغبة هذه التفلتات الأمنية.
في صباح يوم الاحتفال كان الرئيس نميري يلقي خطابه في ساحة كبيرة عجت بالجماهير التي كانت تصغي لما يقوله الرئيس. وفجأة دوى إطلاق أعيرة نارية متوالية من مدفع رشاش من أحد الجنود المكلفين بحراسة الساحة. فانطلقت الجماهير في كل الاتجاهات واختلط الحابل بالنابل وبلغت القلوب الحناجر حتى تمت السيطرة على ذلك الجندي الذي روع الناس.
وبعد أن عادت الأمور إلى نصابها سئل الجندي المخمور عن السبب الذي دعاه لإطلاق النار في ساحة الاحتفال. فأجاب قائلا بأنه كان فرحا لأنه رزق بمولود ذكر صبيحة ذلك اليوم لذا لم يكن مركزا ذهنه في مهمته بل كان كل تفكيره في بيته وزوجته ومولوده الجديد!!!
وقيل بأن أحد المترجمين من قبيلة الدينكا الذي استعانت به السلطات للترجمة الفورية لخطاب الرئيس النميري في الساحة كان منتبها للترجمة في أول الأمر وكانت الأمور على ما يرام. ولكن يبدو أن إيقاعات نقارة (طبل) الدينكا التي كانت على مقربة من الساحة والتي انهمكت فيها حسناوات الدينكا يرقصن بروعة وجمال جذبت انتباهه تماما ولم يعد يسمع ما يقوله الرئيس نميري.
وعندما أكمل الرئيس نميري فقرة من خطابه انتظر لحظة لتتم الترجمة الفورية. استغرب الرئيس الأمر عندما لم يسمع الترجمة الفورية فالتفت إلى مترجم (الهنا) الذي بادر الرئيس قائلا: ( ياريس قلت شنو؟!!) نظر إليه الرئيس ولم يدر ماذا يفعل بهذا المترجم الأحمق!!!
انطلقنا بالسيارات في صباح اليوم التالي إلى مطار جوبا تحت رذاذ المطر والمزن المثقلات ودمدمة الرعد بين الفينة والأخرى. ركبنا الطائرة وحمدنا الله على الخروج من جوبا سالمين بعد ليلتين لم ينقطع عن آذاننا صوت الطلقات النارية في الليل.
المؤسف أن تكاثر السحب والرعود لم يساعد على إقلاع الطائرة. اضطررنا للعودة إلى فندق جوبا ثانية. نظر أفراد الوفد إلى بعضهم البعض وكانت بأعينهم أسئلة كثيرة وقلق مكبوت، "والله يكذب الشينة". ولكنها فرجت وكان أغلب أعضاء الوفد يظنونها لا تفرج. وأقلعت الطائرة بسلام ووصلنا الخرطوم بسلام!!!
كان الشاعر الرائع الدكتور محمد عبد الحي 1944-1989، رحمه الله، مسئولا عن قسم الثقافة في وزارة الثقافة والإعلام. كانت لديه رؤية متفردة سعى لتحقيقها وهي أن ينشئ فرقة قومية بآلات شعبية. بدأ في مسعاه وجلب العديد من الآلات الموسيقية مثل (الوازا) من منطقة الأنقسنا جنوب النيل الأزرق و(البالمبو) و(الدقدقو) من منطقة الزاندي والفرتيت جنوب السودان وغيرها.
ساعد زميلي في المكتب الأستاذ الطيب محمد الطيب، رحمة الله، ذلك الباحث الشعبي الموهوب ومعد البرنامج التلفزيوني المشهور (صور شعبية) في جلب تلك الآلات الشعبية إلى مسرح الفنون الشعبية. وفي ذروة سعيهما لتحقيق ذلك الهدف انتقلت إلى وكالة السودان للأنباء وانقطعت صلتي بإدارة الفنون الشعبية.
بادر الفنان التشكيلي العالمي الرائع الأستاذ إبراهيم الصلحي، الذي كان يشغل منصب وكيل وزارة الثقافة والإعلام، في تنظيم قوافل ثقافية تجوب أقاليم السودان المختلفة: شرقا وغربا ووسطا وشمالا وجنوبا، وتسجل(بالصوت والصورة) للكبار من الرجال والنساء أحداث الماضي التليد بغية تفريغها وتصنيفها لاحقا في كتب حسب المواضع التراثية والتاريخية والثقافية الخ.
كانت مبادرة رائعة ومهمة للغاية, ولكن تجرى الرياح بما لا تشتهي السفن. فقد صادف أن كان السيد الصلحي إبراهيم عثمان في مكتبة صبيحة أحد الأيام عندما قام ابن عمه المرحوم حسن حسين عثمان بمحاولته الانقلابية الفاشلة ضد نظام مايو فحسبه النميري متآمرا مع ابن عمه فساقه إلى سجن كوبر مظلوما.
عندما خرج الصلحي من السجن غادر السودان. وبذلك حرم النميري السودان من روائع أفكار الفنان العالمي الصلحي وأضاع على السودان فرصة لا تعوض في جمع التراث السوداني بتعطيله للقوافل الثقافية.
وكان برنامج (بيت الجاك)، الذي دأب الأستاذ الصلحي على تقديمه في تلفزيون السودان آنذاك، أحد أعظم البرامج في عهد حكومة مايو ونال شهرة كبيرة. فكان الناس يتحلقون حول أجهزة التلفاز في الأمسيات، قبل وقت كاف، لمشاهدة هذا البرنامج الرائع الظريف.
كما أتيحت لي فرصة للمشاركة في إقامة مهرجان الثقافة الأول الذي كان إبداعا مدهشا وثراء ثقافيا انداح على كل إنحاء العاصمة المثلثة والسودان قاطبة. فازدهرت مراكز الشباب الثقافية في أم درمان، والخرطوم، والخرطوم بحري بالنشاطات والفعاليات الثقافية. وتوليت الإدارة والإشراف على مركز شباب أم درمان. وحظي المسرح القومي بنصيب الأسد من هذه الفعاليات.
وكان لي الشرف بالعمل منسقا للجنة حوت في عضويتها الأستاذ الراحل المقيم والفنان الرائع أحمد المصطفى، والفنان الكردفاني المدهش الدكتور عبد القادر سالم، والشاعر الفحل إسماعيل حسن 1929-1983، رحمه الله، والأستاذ عبد الوهاب موسى، وهو أول من أنشأ مصنعا للكسرة السودانية في الخرطوم وتعبئتها في أكياس؛ فخفف بذلك كثيرا من معاناة الموظفين والموظفات عند خروجهم من المكاتب بعد الدوام الرسمي وأخذها من أكشاك زجاجية نظيفة وضعت على زوايا تقاطع شوارع الخرطوم قامت على بيعها موظفات أنيقات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.