مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





التداعيات المستقبلية لانفصال الجنوب ... بقلم: الاستاذ: اسامة عبدالرحمن ابوبكر
نشر في سودانيل يوم 26 - 04 - 2011


بسم الله الرحمن الرحيم
التداعيات المستقبلية لانفصال الجنوب على الواقع الاجتماعي والثقافي لقبيلة النوبة
مقدمة :
تحاول هذه الورقة قراءة التداعيات المستقبلية لانفصال الجنوب على الواقع الاجتماعي والثقافي لقبيلة النوبة باعتبارها جماعة متأثرة وإقليم يقع في ظلال إقليم جنوب السودان الذي قد يتحول إلى دولة ، وبالتالي تتحول حدود الاقليم الادارية الى حدود دولية دولية ، هذا الواقع يخلق تعقيدات كبيرة لقبيلة النوبة التي قاتلت مجموعة منها بجانب الحركة الشعبية وآمنت ببرنامجها للحل الوطني .
تتعرض الورقة للعديد من المحاور ذات الطابع الاجتماعي والثقافي كمدخل للتعرف على مدى تأثر النوبة بالانفصال ، فاشتملت الورقة على التعريف بمصطلح " النوبة " والأوضاع الاجتماعية والثقافية للنوبة ، من خلال دراسة الواقع الديني واللغوي الذي يسود وسط هذه الجماعة . كما تعرضت الورقة إلى مجهودات الصفوة النوباوية في بناء حركات اثنية للتعبير عن مطالب النوبة السياسية . وحاولت الورقة معرفة مدى إمكانية نشوء نزاع بين النوبة وجيرانهم العرب في الاقليم وعلاقتهم بالمركز ايضاً وذلك من خلال اختبار الأسباب المساعدة لاندلاع النزاع ، وأخيراً تعرضت الورقة للمشورة الشعبية لترى مدى قدرتها على تلبية مطالب أبناء الإقليم والنوبة خاصة ، واهم الإشكالات والتحديات إلي يمكن إن تنشأ جراء المشاركة في هذه المشورة فإلى مضابط الورقة
دلالة مصطلح النوبة :
يستخدم مصطلح النوبة لوصف الزنوج القاطنين في الرقعة الجغرافية المعروفة حاليا ومن قبل بجبال النوبة (جنوب كردفان ) بالسودان ، ويحد هذا الإقليم من جهة الشمال ولاية شمال كردفان ، ومن جهة الشرق ولاية النيل الأبيض والتي تشمل مناطق تابعة لإقليم جبال النوبة ، ومن جهة الجنوب الشرقي ولاية شمال أعالي النيل ومن جهة الجنوب الغربي ولاية الوحدة ومن الغرب جنوب دارفور .
يبلغ تعداد النوبة في إحصائي (1955/1956م) و1973 نصف مليون نسمة ، والتقديرات الرسمية في العام 1993م تقول أنهم (1.1) مليون نسمة وقد قدرهم يوسف كوة في 1995 ب 1,2 مليون نسمة بينهم 350000 نسمة متواجدون في مناطقا الحركة الشعبية . ولعل النسبة المنسوبة لمناطق الحركة الشعبية تعنينا في هذه الورقة لاعتبارات الاختلافات في نوعية التعليم واللغة والهوية وغيره مما سوف نتعرض له .
أورد كمال جاه الله في كتابه الوضع اللغوي في جبال النوبة ، أن النوبة اسم يستخدم في كردفان لأي وثني أسود وهم قبائل بدائية تسكن الجبال منعزلة وسلسلة سهول كردفان الجنوبية ، ويرجع اسم النوبة لوصف العرب للسكان القاطنين بالجبال وبالتالي هذا الاسم يحدد جماعات من أصول مختلفة اثنيا ولغويا وثقافيا ، وترى بعض الدراسات إن النوبة تتكون من ثلاث جماعات هي المجموعة المتحدثة بنوباوية الجبال ، والمجموعة المتحدثة باللغات السودانية ، والمجموعة المتحدثة بلغات البانتو .
ويرى كمال جاه الله إن اسم نوبا لا ينطبق إلا على المجموعة الأولى وهي المجموعة المتحدثة بنوباوية الجبال . ويتضح من ذلك إن النوبة عبارة عن جماعات زنجية مختلفة اتخذت من مناطق الجبال الوعرة وسهولها سكنا لهم ، ويتحدثون لغات عديدة ويرجح إنهم منقسمون إلى حوالي خمسين وحدة قبلية .

الاوضاع الاجتماعية والثقافية للنوبة :
للنوبة نظام قوي للتكافل الاجتماعي وهو مهم لفهم العلاقات داخل القبيلة ، إذ تمثل العادات الاجتماعية قواعد للسلوك تشمل كافة الفئات العمرية والنوع ، والعادات الاجتماعية لدى النوبة تقوم على احترام الصغار وتوقير الكبار ، وإطعام الجائع ، وعدم قهر اليتيم ، وعدم نهر السائل ، وإكرام وفادة الضيف ، وإعانة ابن السبيل على نوائب الدهر ، كما إنهم يمتنعون عن زواج الأقارب ولا يمارسون عادة الختان في مختلف دياناتهم . ويعتبرون القتل جريمة بشعة لا يستطيع عقاب جانيها إلا الله .
تسود وسط قبيلة النوبة عادات اجتماعية تتسم بالعمل الجماعي ويتجلى ذلك في أوقات الزراعة والحصاد ومراسم الجنائز عند الوفاة ، وفي حالات الحرب والفزع ، وبالتالي هم مجموعة يسود فيها روح العقل الجمعي ، وفي نظامهم الاجتماعي يكتسب القائد المحلي سواء كان زعيماً روحيا أو قائدا سياسيا أهمية كبرى في توجيه طاقات الجماعة وتوظيفها .
وضع الدين عند النوبة :
قبيلة النوبة من القبائل التي يشكل الدين فيها محور الحياة ومنبع القيم وهي قبيلة معروفة بحبها للتدين بصفة عامة ، وتميل الشخصية النوباوية إلى الإيمان بقوة ما وراء الطبيعة ، ولذلك نجد انتشار واسع للأديان الأرضية كالوثنية والكجور في واساط النوبة ، ومن بعد تقبل الاسلام والمسيحية ، كما أن التعايش الديني يعتبر ظاهرة وسط قبائل النوبة حيث نجد في الأسرة الواحدة من يعتنقون الإسلام والمسيحية والديانات المحلية .
الاسلام:
انتشر الاسلام في أوساط النوبة نتيجة للتعايش مع المجموعات الأخرى ، حيث تداخل النوبة مع العرب البقارة والفلاتة والجلابة والشوابنة ، ونتيجة لهذا التداخل اكتسب النوبة خاصة القاطنين في المناطق الشمالية للجبال الثقافة العربية والدين الإسلامي كما اكتسبت الجماعات العربية الثقافة النوباوية . وقد ذكر كما جاه الله إن الوسائل التي أسهمت في نشر الإسلام واللغة العربية في وسط النوبة هي :
• انتشار المجموعات العربية في سهول المنطقة واستقرار بعضها وسط المجموعات النوباوية .
• الطرق الصوفية وتعد من أبرز الوسائل التي دعمت الوجود الإسلامي بالمنطقة
• نشر الإسلام من قبل الدعاة المسلمين التابعين للمجموعات الإفريقية ( الفلاتة – البرقو – البرنو – الهوسا )
• التواصل بين النوبة وغيرهم عن طريق الهجرة إلى المدن الرئيسية في شمال البلاد
• والآن نجد الكثير من قادة الطرق الصوفية في جنوب كردفان من أبناء النوبة
المسيحية:
بدأت أولى نشاطات التبشير وسط النوبة في القرن التاسع عشر وابان فترة الاستعمار ، بعد إن تحولت جبال النوبة إلى منطقة ثورات ضد الوجود الأجنبي بالبلاد ، فكان اعطاء التسهيلات للمبشرين للعمل وسط النوبة اصحاب الديانات المحلية مع تقديم خدمة التعليم واللغة الانجليزية ، حيث سعت الإدارة البريطانية لفصل النوبة من العرب وحاربوا الثقافة العربية ، وكانت جبال النوبة واحدة من المناطق المستهدفة بقانون المناطق المغلقة عام 1922م . وعملت الإرساليات الكاثوليكية في جذب الإتباع عن طريق المساعدات العينية وكذلك ثبتت اللغات النوباوية في طقوس المسيحية وشجعت طقوس النوبة الروحية كالكجور ، ونتيجة لهذا التأثير كسبت المسيحية مناطق واسعة خاصة في جنوب كادوقلي مثل كلانقو والمساكين وأبو هشيم وغيرها .
نجحت الكنائس في ربط مناطق النوبة الجنوبية بحزام الكنائس في جنوب السودان وعمقت المسيحية وسط قبائل النوبة حتى أصبح الدين المسيحي احد مكونات الهوية لقطاع كبير من النوبه بجانب اللغة والثقافة ، ولعل بروز صفوة من أبناء النوبة من من تلقوا تعليمهم بواسطة هذه الكنائس اكثر تحمسا للمسيحية باعتبارها الدين الذي يبعد النوبة من العرب والإسلام الذين يرون فيهم مهدد للمستقبل الذي يريدون رسمه للنوبة .
الأديان المحلية :
حافظت مجموعات مقدرة من النوبة على طبيعتها الدينية الوثنية رغم انتشار الإسلام والمسيحية ، وقد ساعد على ذلك الطبيعة الوعرة للجبال وعدم مفارقة الجبال والاحتكاك بالآخرين ، وتعتبر هذه الفئة من الوثنيين محل صراع بين الديانة الإسلامية والمسيحية ، ونجد الكثير من مظاهر الوثنية وسط المسلمين والمسيحيين النوبه مما يدل على تجذر الديانات القديمة لدى النوبة وكذلك ضعف الإلمام بمبادئ الدين الإسلامي والمسيحي وسط قطاع واسع من النوبة.

لغات النوبة
كما ذكرت آنفاً فإن النوبة تتكون من ثلاثة مجموعات رئيسية تتحدث ثلاث مجموعات لغوية هي السودانية والبانتوية والنوباوية . وهنا سنعرض أهم اللغات المتحدث بها وسط النوبة :
• مجموعة الاجانج والنيمانج وتمثلان مجموعة لغوية كبيرة إلا أن لهجاتها مختلفة ، وتنتمي هذه المجموعة إلى اللغة النوباوية ، ويتحدث بها كل من النتل ، كرمتي ، سلارا ، حجر سلطان ، ككرا ، الفسو ، تندية ، كلارا ، المندل ، والصبي .
• مجموعة كتلا وتيمين وتضم هذه المجموعة كتلا و الكواليب وتيمين وكلها لهجات في لغة واحدة .
• لغة كادوقلي ولها لهجات هي : ميري ، وكرنجو ، كاتشا ، لوفو ، تافري ، دمبا .
• لغة كرنقو وهي من أسرة اللغات النيلية الصحراوية ، وهي مختلفة عن لغات بقية مجموعات جبال النوبة ووثيقتا الصلة بلغات الداجو
السياسات اللغوية في جبال النوبة:
ان السياسة اللغوية المتبعة في شمال السودان الذي يضم جبال النوبة كانت قائمة على التمكين للغة العربية التي تساعد في نظر واضعيها على تعزيز الوحدة الوطنية وكانت مناطق قبيلة النوبة كغيرها من القبائل خضعت للتعليم باللغة العربية ، وترتب على ذلك عدم قبول فئات واسعة من أبناء النوبة بهذه السياسة بإعتبار إن هذه السياسة مهددة للغاتهم الأصلية وثقافتهم ، الأمر الذي دفع بهم مع أسباب أخرى للالتحاق بالحركة الشعبية كما سنذكر لاحقاً .
إن أبرز محطات السياسات اللغوية في جبال النوبة هي اتفاقية الحركة الشعبية قطاع جبال النوبة والحكومة المركزية عام 1997م حيث جاء فيها (اللغة العربية هي لغة التعليم العام بالولاية لتدريس المناهج القومية ... بالإضافة للمنهج القومي تنسق وزارة التربية والتعليم العام بولاية جنوب كردفان خلال الفترة الانتقالية لإعداد الدراسات اللازمة لوضع منهج يحتوي على ثقافة ولغات وتاريخ وبيئة الولاية لتدريسها في المدارس المحلية ). وأورد كمال جاه الله تقريرين صحفيين صدرا 2003م أوضحا وجود سياسة لغوية تتبعها الحركة الشعبية في المناطق التي تسيطر عليها ، تهدف إلى تحويل التعليم من العربية إلى الانجليزية ، وصدر من سلطات الحكم المحلي للحركة بمعاونة ( يونيسيف ) ، بجانب معلمين من كينيا ويوغندا سياسة تعليمية جديدة و الحجة التي دفعت بها الحركة الشعبية هي إن أهداف التعليم المركزي في الخرطوم هي تعريب وأسلمة النوبة .
وفر المعهد الصيفي للغات SIL الذي ساهم في وضع سياسة لغوية وتعليمية في جنوب السودان فرصة للغات النوبة للتطور عبر برنامج (منتدى الخميس اللغوي ) ونجح هذا المعهد في كتابة أحرف لثلاثين من لغات النوبة فضلاً عن التقويم السنوي . وبالتالي ظلت مناطق واسعة من جبال النوبة يعيش نظاماً تعليمياً أكثر ارتباطاً بجنوب السودان و شرق إفريقيا بصفة عامة ، الأمر الذي بلور هوية خاصة بالنوبة في الأجزاء التابعة لإدارة الحركة الشعبية .
لمعرفة حجم التعليم بالمنهج الكيني واليوغندي الذي يدرس باللغة الانجليزية والسواحلية فضلاً عن اللغات المحلية نورد الجدول التالي وهو مأخوذ من بيانات عام 2009م من خلال مقابلة مع المنسق تعليم السودان الجديد بوزارة التربية والتعليم بجنوب كردفان .
الرقم البيان العدد ملاحظات
1 عدد المدارس الأساس 228
2 عدد المدارس الثانوية 191 تابعة للكنيسة الكاثوليكية
3 عدد التلاميذ بمدارس الأساس 44043
4 عدد تلاميذ المدارس الثانوية 2580
5 حالة المدارس 80 مواد محلية
6 المعلمون لكل المراحل 659 كلهم متطوعون بينهم 14 كيني
7 الكتاب المدرسي غير متوفر

يشير الجدول إلى حجم القوة التعليمية في مناطق الحركة الشعبية وواضح أنها قوة كبرى ومؤثرة خاصة إذا وضعنا في الاعتبار إن الشمال أيضاً يضم مدارس كنسية أو ما يعرف بمدارس الكمبوني ( التي تضم الكثيرمن أطفال النوبة الذين هاجروا إلى الشمال ) . وبالتالي يعكس الجدول حجم الإشكال الذي سوف يواجه الطلاب في مناطق الحركة واتجاهاتهم وهويتهم الجديدة المبينة على الدين المسيحي واللغة الانجليزية والكراهية لكل ما يمت للعرب بصلة .
إن طلاب الثانوي كانوا يسافرون إلى كينيا لأجل الجلوس للامتحان ، ولكن في العام 2008م ، تم إحضار الامتحانات من كينيا إلى السودان ، ويوجد رفض شديد لتدريس مواد الشمال خاصة التاريخ والجغرافيا التي يرون أنها مزيفة للحقائق ، فهل يستطيع هؤلاء الطلاب العودة مجدداً للتعاطي مع الشمال ، الذي يتشبعون بكراهيته .
الحركات الاثنية النوباوبة :
ذخرت الجماعات النوباوية بنشاط الحركات القبيلة والجهوية والتي تستند إلى تمايز النوبة عن غيرهم وينظرون للنوبة كإثنية وأقلية تعرضت لمظالم من قبل المركز الحاكم وإقصاء من المشاركة السياسية وتهميش اقتصادي و اجتماعي, ومن أبرز هذه الحركات تنظيم الكتلة السوداء ، واتحاد جبال النوبة ، وحزب العمل ، والحزب القومي السوداني ، وسوف نأخذ حزب العمل ( رابطة أبناء جبال النوبة ) نموذجا لهذه الحركات.
نجده يطالب بإعطاء حريات للأديان والمعتقدات لكي تعبر عن نفسها ، وكذلك تحقيق العدالة الاجتماعية ، والاقتصادية والسياسية للنوبة والإقليم ، وهناك من يرى إن شروط الانضمام لهذا الحزب فيها تشدد ، حيث يشترط "سراً" إن يكون العضو نوبياً أباً وأماً ، ويرى الحزب في تصوراته للواقع السياسي انه لا يمكن إن تتم وحدة وطنية في السودان مالم تتم ( وحدة دينية وعرقية ) ومن ابرز قادة هذا الحزب الاب فلب عباس غبوش الذي بني دعوته لهذا الحزب على اساس الاصالة الافريقية. ابان صعود يوسف كوة لمصافي قادة الحزب ولخلافاته داخل البرلمان الإقليمي لكردفان مع حاكم الإقليم الفاتح بشارة ، حول عدالة توزيع مشاريع الزراعة الذي رأى فيه يوسف كوة ظلم لأبناء النوبة ، قرر تحويل العمل السياسي السلمي إلى عمل مسلح والتحق بالحركة الشعبية ، ومن ثم أرسل الحزب أعضاء آخرين هم عوض الكريم كوكو ، يوسف كره هارون ، تلفون كوكو جلحة ، وقد وجد هذا المسعى قبولاً واسعاً من الحركة الشعبية وتم مدهم بالسلاح لإدارة العمليات ضد الأهداف الحكومية بالإقليم . وأصبحوا يروجون في أدبياتهم الى أن العمل المسلح هو الوسيلة الوحيدة لإجبار الحكومة للاعتراف بهم وبشرعية مطالبهم ، حيث ظلوا يتهمون الحكومة بتحويل أبناء النوبة إلى فقراء ومرضى والجهل مستشري بينهم لأجل استقلالهم في الأعمال الوضيعة مثل العمل كخدم في المنازل وأعمال الصحية .
جاء الجيل الثالث للحزب متمرداً على كل الموروثات الاجتماعية والسياسية في المنطقة ، ورافضاً كل المكتسبات الثقافية التي تقود في اتجاه ربط المنطقة بالعالم العربي والثقافة العربية الإسلامية ، مبشراً بالعودة إلى الأصالة الإفريقية ، كما يدعو للتضامن مع مجتمعات غير عربية خاصة في جنوب السودان ,هذا الجيل الذي يمثل الآن قيادات حقيقية لأبناء النوبة والمعتنقين لبرنامج السودان الجديد سوف يدفعون بإتجاه التقارب مع الدولة الجديدة في الجنوب ويتخذون الحركة الشعبية قدوة لهم لأجل النأي بالنوبة عن الشمال ، وسوف يجدون أنفسهم في تنافس حقيقي مع القيادات التي تدفع بالتقارب مع الشمال ، وهذا الواقع يضع الفرد النوباوي أمام خيارين متضاربين ، ولكن الصوت الأعلى الآن هو صوت التقارب مع الجنوب نسبة للتعبئة التي تمت لإنسان النوبة ودعاوي التهميش الذي سببه المركز حسب رأيهم .
النوبة كأقلية إثنية:
من خلال دراسة الوضع اللغوي للنوبة ، والدين والتحرك الاثني ، يمكن وصف النوبة كأقلية اثنية في السودان ذات خصائص يمكن إن تستوفي هذا الوصف ، فالنوبة لهم إقليم معين يعيشون فيه ، ولهم لغات مختلفة عن اللغة القومية في السودان (العربية ) ، وللكثير منهم ديانات مختلفة عن الديانة الغالبة في السودان (الإسلام) ولهم ثقافة مميزة تميزهم عن غيرهم من الجماعات ، وهنالك إحساس عام بعدم الرضى عن واقعهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، وبالتالي كل هذا شكل هوية مشتركة يمكن إن ينطلق منها النوبة في تحديد علاقتهم بجيرانهم في الإقليم أو المركز .
الملاحظ إن اختلاف الهوية النوباوية عن هوية السودان القومية ، ووجود حالة الفقر وتغير الظروف بإنفصال الجنوب ، وتغير الدستور ، كلها تعبر عن وجود أسباب جذرية لامكانية نشوء نزاع بين النوبة والمركز الا ان هذه الاسباب لا تتحرك إلا بوجود أسباب مساعدة ، يمكن توضيحها في الشكل التالي :
• وجود النوبة في شكل اثنية متمركزة جغرافيا
• وجود قيادة عسكرية ونخبة يمكن إن تنظم الصراع وتثير الغبن التاريخي
• تغير الظروف والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية
• التحول الديمقراطي أو الديمغرافي أو النمو فيه والنوبة سوف يتم تحويل إعداد منهم متواجدة في جنوب السودان كمدنيين أو عسكريين ، خاصة ان الإحصاءات تقول بوجود عشرة ألف جندي من النوبة بالجيش الشعبي.
• وجود الجوار والنخبة المجاورة هو يضاف كعامل خارجي خاصة اذا كانت هنالك روابط مشتركة ، فنجد ان قياة الحركة الشعبية كنخبة مجاورة للنوبة لهم شراكة ايديولوجية ممثلة في الزنوجة والخصومة للجماعات العربية و رؤية سياسية مشتركة لحل إشكالية الحكم .
إن تغير الظروف سواءً كانت اجتماعية ، اقتصادية ،وسياسة يؤدي إلى ظهور فوارق للهوية وهو ما يمكن إن يحدث خاصة بعد تعالي الأصوات بتعديل الدستور وحذف الاعتراف بالتعدد العرقي والاثني واللغوي ، على مستوى القيادات العليا بالسودان . كذلك ظهور فرص جديدة ممثلة في بناء معادلة جديدة لعلاقة الإقليم مع المركز عبر المشورة الشعبية ، وبناء دولة جديدة يحتمل إن تكون حليف للنوبة في حالة نشوء أي نزاع بين النوبة والمركز ، ونجاح دولة الجنوب سوف يلهم النوبة بإمكانية الانفصال اذا فشلت المشورة في تحقيق طموحات النوبة .
المشورة الشعبية وطموح النوبة :
حظيت منطقة جبال النوبة ببروتوكول خصص لحل مشاكلها ، ولعل ذلك جاء بدعوى الحركة بخصوصية وضع النوبة ، والموافقة على البروتوكول من الحكومة القومية يعني الاعتراف بوجود وضع خاص لمواطني الإقليم ، وبالتالي أصبحت المشورة الشعبية ينظر لها كمخرج لأزمات المنطقة ووسيلة لتعديل الترتيبات الدستورية والسياسية والإدارية والاقتصادية المرتبطة بهيكل الحكم أو نوعه ومستواه ، وقد تغير مؤسسات الحكم والصلاحيات الممنوحة للمؤسسات الحاكمة ، ومن هنا ربما تنجح المشورة في تحقيق أحلام أهل الولاية .
هناك حيث يري أن المشورة الشعبية بقدر ما هي وسيلة لحل مشكلة الإقليم ، هي أيضاً مشروع نزاع فالبروتوكول لم يتحدث عن الطريقة التي تتم بها المشورة للمواطنين ، لأن البرلمان به حزبين هما المؤتمر الوطني والحركة الشعبية ، ويكاد يخلو من باقي الأحزاب مما يعني عملياً استبعاد مطالب غير الشريكين في المشورة . وكذلك لم يتم تحديد من هم الذين تنطبق عليهم صفة مشارك في المشورة الشعبية فسكان الولاية الان يغلب عليهم العنصر العربي نسبة لضم جزء من ولاية غرب كردفان إليها مما حول النوبة لأقلية في إقليمهم ، وبالتالي صعوبة فرضهم للعلاقة التي يريدونها مع المركز ، خاصة ان قادة النوبة في الحركة الشعبية ينتابهم إحساس بالخداع مرتين أولاعندما لم يمنحوا مناصب كافية في الحكومة المركزية وحكومة الجنوب وثانياً عند عدم فوزهم في الانتخابات .
يتوقع إن تحدث المشورة الشعبية صراعاً اجتماعياً داخل قبيلة النوبة وبين النوبة والمجموعات المجاورة لها ، فعلى مستوى النوبة سينشا صراع داخلي حيث ستسعى المجموعة التابعة للحركة الشعبية الى فرض رؤيتها وتحاول الظهور كممثل للنوبة ، ويواجه القيادات الناشطة في المؤتمر الوطني والأحزاب الشمالية المعارضة التي يعول عليها كثيراً في انجاز مشورة شعبية تبقى العلاقة بين المركز والإقليم مرضياً عنها من الطرفين صراعا في المستوى الاعلى. وسوف يكون الصراع في المستوى المتوسط بين النوبة بصفة عامة والمجموعات العربية في الإقليم التي ترى أنها تمثل الأغلبية في الولاية وتتطلع إلى مساندة المركز لجهودها . وتأتي المخاطر من وجود قوات نوباوية متمرسة في القتال البالغ عددهم خمسة عشر ألفاً ، وهم جنود في الجيش الشعبي ، ومن ناحية أخرى وجود قوات الدفاع الشعبي المكونة في غالبيتها من المجموعات العربية .
النتائج :
• قبيلة النوبة رغم تداخلها الواسع مع القبائل العربية إلا أنها تمثل هوية مميزة عن باقي السكان .
• هنالك تعدد ديني ولغوي وسط النوبة ، إلا أنه لم يود إلى نظر النوبة لأنفسهم كجماعة متعددة .
• انفصال الجنوب سوف يؤثر على واقع التعليم عند النوبة خاصة المجموعات الواقعة تحت سيطرة مناطق الحركة الشعبية.
• ينظر النوبة إلى أنفسهم كأقلية داخل السودان.
• يعتقد النوبة أنهم تعرضوا الى تهميش اقتصادي واجتماعي وسياسي.
• هنالك أسباب جذرية لاندلاع الصراع وسط المجتمع النوباوي ، وقد بدأت الأسباب المساعدة بتحريك منحني الأزمة إلى أعلى .
• النزاهة في تطبيق المشورة الشعبية وتنشيط دور أبناء النوبة في الشمال يمثل صمام أمان من انزلاق الأوضاع إلى صراع .
• سوف تثار مشكلة الهوية داخل المجتمع النوباوي بين المندمجين مع الشمال والمنغلقين على الزنوجة.
توصيات:
• توفيق أوضاع الجنود من النوبة التابعين للجيش الشعبي.
• منح النوبة حرية وخصوصية في التعليم بلغتهم ، وعدم فرض الثقافة واللغة العربية عليهم .
• المساعدة في خلق حوار داخلي بين أبناء النوبة ودعم التوافق بينهم وتقليل مساحات الاختلاف.
• التركيز على جعل المشورة الشعبية مدخلاً كحل قضايا الولاية وسكانها بما فيهم النوبة.
• تفادي تأجيج الأسباب المساعدة لنشوء النزاع بين النوبة وشركائهم في الإقليم والوطن.
• عدم التعامل مع أبناء النوبة في الحدود الجنوبية على أنهم عملاء للحركة الشعبية ، ومراعاة خصوصيتهم في النظام التعليمي .
• تبنى سياسة التنمية المتوازنة داخل الإقليم وبين أقاليم السودان الأخرى .
Osama Abubkr [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.