مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لماذا تأخر ربيع السودان؟ .. بقلم: ناصف بشير الأمين
نشر في سودانيل يوم 16 - 08 - 2011


Nasif Ahmed [[email protected]]
الشعب السوداني كان سباقا لشعوب المنطقتين العربية والإفريقية في تفجير أول ثورة شعبية في حقبة ما بعد الإستقلال تمكنت من الإطاحة بنظام عسكري دكتاتوري وإستعادة الحكم الديمقراطي بإعتماد وسائل الإضراب والتظاهر والعصيان المدني في أكتوبر 1964. وذلك بعد سنة واحدة من إندلاع مسيرة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية (أغسطس 1963) وقبل أربعة سنوات من إندلاع ثورة الطلاب في فرنسا (مايو 1968). في وقت كانت فيه الدكتاتوريات قائمة حتى في أوروباء الغربية (فرانكو/اسبانيا - سالازار/البرتقال - بابادوبولس/اليونان). واثبت السودانيون تفردهم للمرة الثانية عندما تمكنوا من إسقاط دكتاتورية جعفر نميري بذات سلاح العصيان المدني والإضراب السياسي في إنتفاضة مارس/أبريل 1985. وفي المرتين كانت عناصر الثورة المضادة تنجح في الإطاحة بالنظام الديمقراطي الذي اتت به الثورة, لسبب رئيسي (من بين أسباب أخرى) وهو البيئة الإقليمية المعادية للديمقراطية والداعمة للإنقلاب عليها. هذا السبق التاريخي الى الثورة يتناقض مع وضعية التأخر السوداني الراهن عن اللحاق بربيع الثورات العربية. فما هي أسباب تأخر التغيير في السودان لإثنين وعشرين عاما هي عمر دكتاتورية الإسلامويين الفاشية. في الوقت الذي تستدعي فيه التغيير حقيقة إن النظام القائم فاق جميع الدكتاتوريات التي عرفها السودان والمنطقة إرهابا ودموية وإنتهاكا لإبسط الحقوق الإنسانية. إن عدد ضحايا النظام القتلى من المدنين كمثال يفوق بآلاف ضحايا جميع الأنظمة العربية مجتمعة منذ حقبة الإستقلال. وقد تنوعت أساليب جرائم النظام لتشمل القنص الحر للمتظاهرين والطلاب أثناء الإحتجاجات العديدة التي شهدتها البلاد/ الإعدام خارج نطاق القضاء / الموت تحت التعذيب في بيوت الأشباح / جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في مناطق العمليات العسكرية في دارفور وجنوب كردفان..الخ. وصولا الى جريمة النظام العظمى وهي إقدامه على فصل جنوب البلاد, فقط لأنه لاينسجم مع إيديولوجيته الإسلاموية. ويلوح في الأفق فصل اقاليم دارفور/ جنوب كردفان/ جنوب النيل الأزرق وربما شرق السودان لذات الأسباب, إذا نجح النظام في الإستمرار محافظا على ركائزه الأساسية وتأخرت الثورة الشعبية. أما فيما يتعلق بجرائم الفساد وإستيلاء الفئة الحاكمة على الثروة القومية, فقد تفرد النظام في فساده لدرجة ان السودان يتصدر الآن تصنيفات الدول الأكثر فسادا في العالم. وفي ذلك نشير الى مثال واحد فقط وهو ملف البترول الذي بدأ وإنتهى (معظمه) بفصل الجنوب, وطوال سنوات تدفقه في جوف الفئة الحاكمة, ظل الناس العاديون يسمعون عنه في الإعلام والخطب ولكن لايرونه في حياتهم وواقعهم - وهذه قصة أخرى. أحادية خيار المواجهة المتجهة نحو التغيير وإسقاط النظام, ترجحه أيضا حقيقة إستحالة خيار التسوية السياسية. التجربة التاريخية اقليميا ووطنيا في هذا الصدد, تفيد بان مثل هذه الأنظمة الدكتاتورية غير قابلة للإصلاح او التحول الديمقراطي الداخلي, لذا فهي تبقى محكومة بطبيعتها الشمولية الى أن تزال. وفي التجربة السودانية مع الدكتاتوريات, رفعت قوى سياسية معارضة لإنقلاب الفريق إبرهيم عبود (1958) شعار النضال من داخل المؤسسات الدستورية (المجلس المركزي). ولم يغير ذلك شيئا من طبيعة النظام الذي كان يزداد شمولية مع مرور الوقت, حتى إسقاطه في ثورة اكتوبر 1964. وفي فترة دكتاتورية نميري وعقب فشل محاولة أحزاب الجبهة الوطنية الإستيلاء على السلطة بالقوة المسلحة عام 1976, دخلت هذه الأحزاب (الأمة والأخوان المسلمون) في مصالحة مع النظام(1977) اصبحت بموجبها جزءا من تركيبة الحكم. وقبلها كان النظام قد توصل ايضا الى إتفاق مع حركة الأنانيا الجنوبية المسلحة (1972) والتي اصبح قائدها نائبا لرئيس الجمهورية. لكن ذلك لم يغير ايضا من طبيعة النظام الشمولي الذي كان يزداد دكتاتورية ودموية حتي اسقاطة بإنتفاضة مارس/أبريل الشعبية 1985. أما النظام الحالي فقد ضرب رقما قياسيا في عدد الإتفاقات الموقعة مع كافة القوى المدنية والمسلحة مجتمعة ومنفردة, والتى لايسع المجال لإحصاءها. ولكنها اتفاقيات ليست للتنفيذ وانما لكسب الوقت وتفتيت الخصوم, حيث يبدأ خرقها في اليوم التالي لتوقيعها. ولا تنفذ المجموعة الحاكمة منها الا ما يتوافق مع مصالحها. لذلك ثبت تكرارا إن خيار الوصول الى تسوية سياسية مع النظام تفضي الى تحول ديمقراطي غير ممكنة. واضعين في الإعتبار التكوين الآيديولوجي (الإسلاموي) للمجموعة الحاكمة التي تزعم إمتلاك الحقيقة المطلقة والتفويض الإلهي. والحديث المكرور عن الحل السياسي من قبل الأحزاب التقليدية, التي وقعت من قبل عدة إتفاقات مع المجموعة الحاكمة لم ينفذ اي منها, يكشف فقط عن عجزها عن تبني خيار مواجهة النظام.
بالرجوع الى عنوان المقال وأسباب تأخر الثورة الشعبية, يتضح ان العائق الرئيسي امام إسقاط النظام وإستعادة الديمقراطية ليس قوة النظام (مع عدم الإستهانة بقدراته العسكرية والأمنية والإقتصادية) وانما ضعف المعارضة, مضافا اليه التحولات الإجتماعية والإقتصادية والإنقسامات والأزمات الوطنية التي احدثتها سياساته, والتي اوصلت البلاد الى مرحلة الدولة الفاشلة. ذلك ان استراتيجية النظام التي صممت لإضعاف المعارضة, او بتعبير أدق, إضعاف المجتمع وتقسيمه على أسس دينية وعرقية وجهوية لغرض السيطرة عليه, قد ادت مع مرور الوقت الى إضعاف النظام نفسه. وفي هذا الخصوص شهد النظام عمليات (إبتلاع) متعددة ومتداخلة. حيت تم إبتلاع الدولة داخل الحزب الحاكم, ثم إبتلاع الحزب داخل السلطة, وأخيرا إبتلاع السلطة بواسطة مجموعة (شلة) ذات محددات قبلية/مصلحية (لذا يرى الكاتب ان تعبير ((المجموعة الحاكمة)) الذي يستخدمه, هو الأنسب لوصفها). وحتى هذه المجموعة المحدودة التى إنتهى اليها تطور النظام, ظلت صراعات الكتل والأجنحة داخلها مستعرة, وهي مرشحة لمزيد من الصراعات والإنقسامات بعد فصل الجنوب وتقلص غنائم السلطة ونعمها (عائدات البترول). الى ذلك يأتي العامل الإقتصادي في مقدمة أسباب ضعف معارضة النظام. وفي ذلك هدفت سياسات النظام في الإقتصاد الى الإفقار الشامل للمواطنين من خلال إحتكار الثروة القومية ومصادرة حتى مجرد الحق في العمل المنتج (فرض العطالة والفاقة) من قبل النخبة المسيطرة والطفيليات العالقة بها (تم فصل الآلاف تعسفيا من وظائفهم فقط بسبب عدم إنتمائهم للحزب الحاكم كذلك تم إعتماد سياسة قصر التوظيف وفرص العمل على أنصار النظام). كذلك جرى تحويل الفساد من ظاهرة إجرامية الى سياسة رسمية (تحت إسم التمكين). وتم فرض شروط حياة على الجموع تحد كثيرا من إنسانية وكرامة الأفراد. ففي بلد غني بالموارد كالسودان بما يكفي لإستيعاب عشرة أضعاف عدد سكانه الحالي, فان ظواهر كالفقر المدقع والعطالة والمجاعة وإعتماد نسبة كبيرة من السكان على الإغاثة الأجنبية لايمكن تبريرها إلا بإعتبارها مصنوعة صناعة كجزء من إستراتيجية أمن النظام القائمة على إبقاء المواطنين فقراء ومستضعفين لدرجة تجردهم من أي قدرة او إمكانية للمقاومة. وبذلك لايشكلون اي تهديد جدي للنظام وتسهل السيطرة عليهم وبرمجتهم, حيث يجب أن يؤدي تفريغ جيوب الناس - مع مرور الوقت- الى تفريغ عقولهم. وبالرغم من ان واقع ضعف التنمية وإنتشار الفقر ظل ملازما لكل الأنظمة السياسة المتعاقبة إلا ان الأمر قد اتخذ منحى جديدا مع سياسات المجموعة الحاكمة التي جنحت الى إستخدام الفقر كسلاح في معركة السيطرة على الفئات الإجتماعية المختلفة. وبذلك انفردت المجموعة الحاكمة بإستخدام الجوع والإفقار كسلاح إستراتيجي في مواجهة شعبها في معركة البقاء في السلطة التي اغتصبتها بقوة السلاح (تجاوزت نسبة الفقراء حسب إحصاءات الحكومة نفسها أكثر من 90% من مجموع السكان). يضاف الى ذلك إفقار الأحزاب ومصادرة دورها وممتلكاتها. ظاهرة الإفقار الشامل هذه هي التي تشكل فارقا رئيسيا يميز حالة الشعب السوداني مقارنة بالوضع الإقتصادي ونسبة الفقر وسط السكان في بلدان مثل تونس او مصر, حيث نجحت الثورة. إلا ان سياسة فرض الفقر والعطالة على القسم الأعظم من الشعب مثلما هي سلاح فعال لتحطيم الخصوم, يمكن ان تنعكس في مرحلة معينة لتشكل شرارة (البوعزيزي) التي قد تشعل الثورة الشعبية. سياسة إفقار المواطنين وتهميشهم احدثت أيضا زلزالا إجتماعيا نتج عنه إختفاء الطبقة الوسطى وتمزق النسيج الإجتماعي. فاقم من ذلك سياسة اللعب على التمايزات الإثنية والدينية والجهوية والقبلية مما بات يهدد البلاد بمزيد من التقسيم على أسس دينية وعرقية, مترافقة مع سياسة تفتيت الأحزاب وإلغاء منظمات المجتمع المدني والأهلى. وسياسة عسكرة الحياة العامة من خلال إعتماد الحلول الأمنية ومنطق الحرب والقوة المسلحة للتعامل مع جميع المشكلات وفي جميع أنحاء البلاد, غض النظر عن طبيعتها (سياسية/ثقافية/ مظالم إقتصادية..الخ). فالنظام شرع فعليا في مهمة (حل الشعب) من خلال تفكيكه وإعادته الى مكوناته الأولية القبلية والأثنية والجهوية. وتبع ذلك نزع الصفة السياسية عن الشعب والتعامل معه كإثنيات/جهويات/ قبائل/ أقليات دينية وعرقية, وليس كمواطنين لهم حقوق مواطنة دستورية. ناتج ذلك- فيما يتعلق بموضوع المقال- سيطرة السلطة على الفضاء العام في مجتمع مفتت وضعف المعارضة السياسية (الأحزاب) وضعف وغياب منظمات المجتمع المدني (النقابات والإتحادات) التى لعبت دورا رئيسيا في الإنتفاضات الشعبية التي شهدها السودان.
يضاف الى ذلك - كعامل سياسي- التعقيدات الإضافية والوضعية الإستثنائية التي خلقتها إتفاقية السلام مع الحركة الشعبية (نيفاشا 2005), بالنسبة لقضية التغيير و التحول الديمقراطي على المستوى الوطني. فمنذ توقع الإتفاقية وحتى 9/7/2011 تاريخ فصل جنوب السودان, ظلت المجموعة الحاكمة تستند الى (شرعية نيفاشا), المستندة بدورها إلى ضمانات دولية وإقليمية قوية اقتضت المحافظة على النظام لكى ينفذ ذلك الإتفاق (فصل الجنوب). ضمنت تلك الإتفاقية إستمرار وجود طرفيها في السلطة -كشريكين- حتى نهاية الفترة الإنتقالية وإجراء الإستفتاء الذي نتج عنه فصل حوالي ثلث مساحة السودان. جنوب السودان - حسب المنظور الإسلاموي الأخواني- ظل يشكل عقبة أمام قيام الدولة الإسلامية الصافية في الشمال. لذا فإن فصل الجنوب, من منظور المجموعة الحاكمة, هو الخطوة الضرورية لإدامة سيطرتها على الشمال والذي تعتبره (وفقا لتلك الصفقة) جائزتها الكبرى. إلا ان جريمة فصل جنوب البلاد قد تشكل دافعا إضافيا لجماهير الشعب والقوى الوطنية للتعجيل بإسقاط النظام, لقطع الطريق أمام الإحتمالات الجدية للمزيد من التقسيم لما تبقى من التراب الوطني على أسس عرقية او دينية. ذات التعقيدات اضافتها مشاريع الحلول التجزيئية والجهوية لأزمات البلاد المتداخلة في مناطق النزاع المسلح في الشمال (دارفور/شرق السودان/جنوب كردفان..الخ). التسويات الجهوية والتجزيئية تلك قامت على فرضية خاطئة مفادها إمكانية الوصول الى تسوية جزئية للنزاع في إقليم كدارفور مثلا, دون الوصول الى تسوية شاملة بشأن أزمة الحكم في المركز. وهي فرضية ثبت خطؤها القاطع بفشل كل الإتفاقات الموقعة دون إستثناء. سقف مشاريع التسوية تلك هو الوصول الى إتفاق مع المجموعة الحاكمة تنال بموجبه المجموعة المسلحة المعنية نصيبا من السلطة, والثروة وليس إستعادة الديمقراطية. والنتيجة دائما هي خصم او تحييد قوى فاعلة من رصيد المعارضة على المستوى الوطني ومنح المجموعة الحاكمة بعض الشرعية و دماء جديدة تضمن للنظام الإستمرار والمحافظة على ركائزه الأساسية. طبيعي أن تفضل المجموعة الحاكمة وتدمن مثل هذه الحلول التجزيئية لأنها تمكنها من تفتيت وحدة قوى المعارضة والتعامل معها فرادى, بما يقطع الطريق على وحدة قوى المعارضة المسلحة والمدنية في جبهة وطنية تعمل على إسقاط النظام كما كان حال التجمع الوطني الديمقراطي قبل تفكيكه. ولأنها إتفاقات ليست للتنفيذ لذلك لم تتردد السلطة في التوقيع على أي إتفاق من هذا النوع, لكن بالمقابل لم تنفذ أيا من تلك الإتفاقات. ولأنها تمكنها من التهرب من مخاطبة الشعب السوداني كشعب صاحب قضية مركزية وإنما كجهويات ومجموعات إثنية ودينية متذررة. لذلك فإن إنحياز القوى المسلحة الإقليمية لخيار التحول الديمقراطي في عموم السودان وإستعادة الديمقراطية في المركز بدل الدخول في إتفاقات جزئية, يشكل خطوة مهمة بأتجاه بناء جبهة وطنية عريضة تعمل لإسقاط النظام. من العوامل السياسية الهامة أزمة قوى المعارضة السياسية التقليدية ومواقف قياداتها التاريخية من قضية تغيير النظام. هذه الأحزاب وبسبب خطل حساباتها السياسية باتت تشكل عقبة أمام التغيير, مثلها في ذلك مثل السلطة, فبسبب واقع ضعفها تدرك انها لن تشكل بديلا للنظام حال سقوطه. لذا فهي تفضل إستمرار الإنقاذ على إنتقال السلطة سلما او حربا الى(أطراف أخرى)؟! فقد خرجت مؤخرا رموز من هذه القيادات لترفع راية الحوار مع النظام في الوقت الذي تنادى فيه شباب الفيسبوك للخروج للشارع. وهي تتصارع حاليا على إقتسام كيكة الحكم مع المجموعة الحاكمة, من خلال شغل مقاعد الجنوبين التي شغرت في سلطة المركز بعد تقسيم البلاد. وهي تبرر مواقفها تلك من خلال التكرار الممل للازمة إدراكها (أكثر من الآخرين) للأخطار المحيطة بالوطن والمؤامرات التي تحاك ضده وكونها الأكثر حرصا على أمنه. رغم تمام علمها بأنه ليست هناك مصدر تهديد إستراتيجي لسلامة البلاد بل لوجودها المجرد ووحدة ترابها يفوق خطر إستمرار بقاء المجموعة الحاكمة في السلطة. الواقع ان المجموعة الحاكمة قد نجحت في السيطرة على معظم الأحزاب السياسية التقليدية, من خلال القبضة الأمنية وسياسة الإفقار والإختراقات والإفساد المالي وشراء الذمم. إلا ان نقطة ضعف النظام - في ظل ظروف الثورات الشبابية المشتعلة الآن - إن خبراته في تدجين القوى الحزبية لن تفيده كثيرا في التحكم في الشارع الذي تحركه قوى معظمها غير منظم حزبيا. كذلك فإن التجربة التاريخية للثورات الشعبية في السودان تفيد بان هذه الأحزاب التقليدية لم تكن يوما ضمن قوى التغيير الديمقراطي. ففي ثورة أكتوبر 1964 لعبت جبهة الهيئات (وهي جبهة ضمت النقابات والإتحادات المهنية والطلابية الرئيسية) بالتلاحم مع جماهير الشباب والطلاب والقوى الشعبية الدور الحاسم في تفجير وقيادة الثورة. وجاء دور الأحزاب بعد ان تأكد نجاح الثورة لتقوم فقط بقطف الثمار. وتكرر ذات السيناريو في إنتفاضة مارس/أبريل 1985 التي فجرتها وقادتها ذات القوى الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدني غير الحزبية (التجمع النقابي الذي كان يضم نقابات المحامين/الأطباء/أساتذة جامعة الخرطوم/السكة حديد/أتحادات الطلاب وقوى مدنية أخرى). دور الأحزاب مرة أخرى جاء لاحقا للقفز الى السلطة. تجارب الثورات الشعبية الراهنة في مصر وتونس جاءت ايضا على ذات النسق, شباب الفيس بوك والجماهير الشعبية ومنظمات المجتمع المدني تسقط النظام ثم تأتي الأحزاب لتقطف الثمرة الجاهزة. مؤدى ذلك ان القوى المرشحة لإحداث التغيير في السودان هي ذات القوى الشعبية والتي سيكون عمودها الفقري جموع الشباب المسحوقين والعاطلين عن العمل والطلاب وسائر القوى الشعبية المهمشة. مع دور أقل لمنظمات المجتمع المدني والنقابات (مقارنة بدورها الحاسم في ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985). ذلك أن سياسات المجموعة الحاكمة كما اشرنا طورت استراتيجيات متعددة لتهشيم وتهميش منظمات المجتمع المدني والأهلى, خاصة القوى النقابية العريقة, بما يقارب درجة الإلغاء. وذلك لإدراكها بأنها شكلت مصدر التهديد الرئيسي لكل الأنظمة الشمولية السابقة بما فيها الحكم الإستعماري.
(*) نشر بصحيفة القدس العربي اللندنية عدد 15/08/2011م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.