فشل حرب الإفقار والاستيطان ⛔⛔    مجلس الصحوة يوضح حقيقة إصابة موسى هلال    صعوبات تواجه إستضافة ستاد المريخ لدوري النخبة    وزير الصحة والسفير القطري يدشنان بداية وصول جسر بحري لأدوية منقذة للحياة تقدر ب(1000) طن    برشلونة يستعيد صدارة الدوري الإسباني بفوز سهل على ليفانتي    مناوي يرد على قائد مليشيا الدعم السريع: (صدق حميدتي ولو كذب)    شيخ الأمين يرد على ظهور "بارود" في بث مباشر رغم تصريحاته الأخيرة بالقبض عليه    الإعلامية نسرين النمر: ( أنا من اقترحت مسمى "حرب الكرامة" وتم توثيقه رسمياً) والناشطة رانيا الخضر تكذبها وتكشف صاحب الاسم بالصور    شاهد بالفيديو.. في الحلقة الرابعة من "أغاني وأغاني".. الفنانة هدى عربي تصدح بأغنية "ود مدني"وتحظي بإعجاب سكان الجزيرة: (سلطانة والكلام انتهى)    شاهد بالفيديو.. أسرار تنشر لأول مرة.. تفاصيل خروج "البرهان" من القيادة: تم استخدام "قارب" لتمويه العدو وطائرة صافات صغيرة نقلت قائد الجيش لكرري    والي الشمالية يشهد ختام مخيم الأطراف الصناعية بدنقلا    البرهان يهنئ خادم الحرمين الشريفين وولي العهد بذكرى تأسيس المملكة    "سامسونغ" ستضيف وكيل الذكاء الاصطناعي "Plex" لأجهزة غالاكسي الرائدة المقبلة    عطل تقني يؤجل أول رحلة مأهولة إلى القمر    آيباد ميني المقبل قد يتخلص أخيرًا من مشكلة "الجيلي" المزعجة    للمرة الثالثة.. رمضان خارج السودان..!!    نصائح طبية لمرضى القلب في رمضان    الخرطوم تردّ على كمبالا بعد خطوة قائد ميليشيا الدعم السريع    بنشوة الفوز على الهلال المريخ يواجه تحدي اي س كيجالي    الهلال يتجاوز آثار الخسارة العابرة ويحلّق في الصدارة من جديد    دراسة تحذر: تعرض الرضع للشاشات بكثرة يؤثر على نمو الدماغ    أسماء جلال غاضبة بسبب "مقدمة" رامز جلال.. ومحاميها يتخذ الإجراءات القانونية    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    "الصائم" لامين يامال أمام تحدٍ جديد.. 4 مباريات تنتهي قبل وقت الإفطار    مدير منظمة الصحة العالمية يطالب بإيقاف استهداف المرافق الصحية في السودان    غادة عبد الرازق: "مأساة خضعت بسببها لعلاج نفسي 20 عاماً..ودفعت فلوس علشان أمثل"    الاتحاد البريطاني لألعاب القوى يقر بالذنب في وفاة الرياضي الإماراتي عبد الله حيايي    رحمة محسن: ذاكرت شخصيتي في "علي كلاي" جيداً.. والعمل مع العوضي مريح    ظهور الخطيب وحسن شحاتة في إعلان ترويجي يشعل مواقع التواصل بمصر    أخيرا.. "واتس آب": الاطلاع على الرسائل التي أُرسلت في مجموعة الدردشة قبل انضمامك إليها    نجاح أول جراحة لتعديل انحراف العمود الفقري بجامعة القصيم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    وصول الدفعة الأولى من محولات الكهرباء للسوق المركزي والمحلي بالخرطوم    السلطات في تركيا تلقي القبض على مراسل مخضرم    صحة الخرطوم تدشن الخطة الاستراتيجية الخمسية والخطة السنوية    السودان.. مباحث مكافحة سرقة السيارات تطلق تحذيرًا    والي البحر الأحمر يُدشن مشروع إنارة الأحياء بالولاية    الهلال يوضح تفاصيل بشأن خسارة قمة رواندا أمام المريخ    إرتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بالقضارف    جديد واقعة بدلة الرقص في مصر.. أقوال الفتاة وإحالة المتهمين للجنايات    بالصورة.. الفنان مأمون سوار الدهب يكتب عن علاقته بشيخ الأمين ويتحدث عن الصورة المثيرة لشيخه مع المطربة هدى عربي    بالصورة.. الفنان مأمون سوار الدهب يكتب عن علاقته بشيخ الأمين ويتحدث عن الصورة المثيرة لشيخه مع المطربة هدى عربي    ألقت رضيعها بالقمامة فنهشته الكلاب أمامها…جريمة تشغل الليبيين    قرار مهم لمركزي السودان بشأن بنك شهير    بنك الخرطوم يصدر توضيحا مهما    تفاصيل بشأن خطة تأهيل جسري شمبات والحلفايا    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا تأخر ربيع السودان؟ .. بقلم: ناصف بشير الأمين
نشر في سودانيل يوم 16 - 08 - 2011


Nasif Ahmed [[email protected]]
الشعب السوداني كان سباقا لشعوب المنطقتين العربية والإفريقية في تفجير أول ثورة شعبية في حقبة ما بعد الإستقلال تمكنت من الإطاحة بنظام عسكري دكتاتوري وإستعادة الحكم الديمقراطي بإعتماد وسائل الإضراب والتظاهر والعصيان المدني في أكتوبر 1964. وذلك بعد سنة واحدة من إندلاع مسيرة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية (أغسطس 1963) وقبل أربعة سنوات من إندلاع ثورة الطلاب في فرنسا (مايو 1968). في وقت كانت فيه الدكتاتوريات قائمة حتى في أوروباء الغربية (فرانكو/اسبانيا - سالازار/البرتقال - بابادوبولس/اليونان). واثبت السودانيون تفردهم للمرة الثانية عندما تمكنوا من إسقاط دكتاتورية جعفر نميري بذات سلاح العصيان المدني والإضراب السياسي في إنتفاضة مارس/أبريل 1985. وفي المرتين كانت عناصر الثورة المضادة تنجح في الإطاحة بالنظام الديمقراطي الذي اتت به الثورة, لسبب رئيسي (من بين أسباب أخرى) وهو البيئة الإقليمية المعادية للديمقراطية والداعمة للإنقلاب عليها. هذا السبق التاريخي الى الثورة يتناقض مع وضعية التأخر السوداني الراهن عن اللحاق بربيع الثورات العربية. فما هي أسباب تأخر التغيير في السودان لإثنين وعشرين عاما هي عمر دكتاتورية الإسلامويين الفاشية. في الوقت الذي تستدعي فيه التغيير حقيقة إن النظام القائم فاق جميع الدكتاتوريات التي عرفها السودان والمنطقة إرهابا ودموية وإنتهاكا لإبسط الحقوق الإنسانية. إن عدد ضحايا النظام القتلى من المدنين كمثال يفوق بآلاف ضحايا جميع الأنظمة العربية مجتمعة منذ حقبة الإستقلال. وقد تنوعت أساليب جرائم النظام لتشمل القنص الحر للمتظاهرين والطلاب أثناء الإحتجاجات العديدة التي شهدتها البلاد/ الإعدام خارج نطاق القضاء / الموت تحت التعذيب في بيوت الأشباح / جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في مناطق العمليات العسكرية في دارفور وجنوب كردفان..الخ. وصولا الى جريمة النظام العظمى وهي إقدامه على فصل جنوب البلاد, فقط لأنه لاينسجم مع إيديولوجيته الإسلاموية. ويلوح في الأفق فصل اقاليم دارفور/ جنوب كردفان/ جنوب النيل الأزرق وربما شرق السودان لذات الأسباب, إذا نجح النظام في الإستمرار محافظا على ركائزه الأساسية وتأخرت الثورة الشعبية. أما فيما يتعلق بجرائم الفساد وإستيلاء الفئة الحاكمة على الثروة القومية, فقد تفرد النظام في فساده لدرجة ان السودان يتصدر الآن تصنيفات الدول الأكثر فسادا في العالم. وفي ذلك نشير الى مثال واحد فقط وهو ملف البترول الذي بدأ وإنتهى (معظمه) بفصل الجنوب, وطوال سنوات تدفقه في جوف الفئة الحاكمة, ظل الناس العاديون يسمعون عنه في الإعلام والخطب ولكن لايرونه في حياتهم وواقعهم - وهذه قصة أخرى. أحادية خيار المواجهة المتجهة نحو التغيير وإسقاط النظام, ترجحه أيضا حقيقة إستحالة خيار التسوية السياسية. التجربة التاريخية اقليميا ووطنيا في هذا الصدد, تفيد بان مثل هذه الأنظمة الدكتاتورية غير قابلة للإصلاح او التحول الديمقراطي الداخلي, لذا فهي تبقى محكومة بطبيعتها الشمولية الى أن تزال. وفي التجربة السودانية مع الدكتاتوريات, رفعت قوى سياسية معارضة لإنقلاب الفريق إبرهيم عبود (1958) شعار النضال من داخل المؤسسات الدستورية (المجلس المركزي). ولم يغير ذلك شيئا من طبيعة النظام الذي كان يزداد شمولية مع مرور الوقت, حتى إسقاطه في ثورة اكتوبر 1964. وفي فترة دكتاتورية نميري وعقب فشل محاولة أحزاب الجبهة الوطنية الإستيلاء على السلطة بالقوة المسلحة عام 1976, دخلت هذه الأحزاب (الأمة والأخوان المسلمون) في مصالحة مع النظام(1977) اصبحت بموجبها جزءا من تركيبة الحكم. وقبلها كان النظام قد توصل ايضا الى إتفاق مع حركة الأنانيا الجنوبية المسلحة (1972) والتي اصبح قائدها نائبا لرئيس الجمهورية. لكن ذلك لم يغير ايضا من طبيعة النظام الشمولي الذي كان يزداد دكتاتورية ودموية حتي اسقاطة بإنتفاضة مارس/أبريل الشعبية 1985. أما النظام الحالي فقد ضرب رقما قياسيا في عدد الإتفاقات الموقعة مع كافة القوى المدنية والمسلحة مجتمعة ومنفردة, والتى لايسع المجال لإحصاءها. ولكنها اتفاقيات ليست للتنفيذ وانما لكسب الوقت وتفتيت الخصوم, حيث يبدأ خرقها في اليوم التالي لتوقيعها. ولا تنفذ المجموعة الحاكمة منها الا ما يتوافق مع مصالحها. لذلك ثبت تكرارا إن خيار الوصول الى تسوية سياسية مع النظام تفضي الى تحول ديمقراطي غير ممكنة. واضعين في الإعتبار التكوين الآيديولوجي (الإسلاموي) للمجموعة الحاكمة التي تزعم إمتلاك الحقيقة المطلقة والتفويض الإلهي. والحديث المكرور عن الحل السياسي من قبل الأحزاب التقليدية, التي وقعت من قبل عدة إتفاقات مع المجموعة الحاكمة لم ينفذ اي منها, يكشف فقط عن عجزها عن تبني خيار مواجهة النظام.
بالرجوع الى عنوان المقال وأسباب تأخر الثورة الشعبية, يتضح ان العائق الرئيسي امام إسقاط النظام وإستعادة الديمقراطية ليس قوة النظام (مع عدم الإستهانة بقدراته العسكرية والأمنية والإقتصادية) وانما ضعف المعارضة, مضافا اليه التحولات الإجتماعية والإقتصادية والإنقسامات والأزمات الوطنية التي احدثتها سياساته, والتي اوصلت البلاد الى مرحلة الدولة الفاشلة. ذلك ان استراتيجية النظام التي صممت لإضعاف المعارضة, او بتعبير أدق, إضعاف المجتمع وتقسيمه على أسس دينية وعرقية وجهوية لغرض السيطرة عليه, قد ادت مع مرور الوقت الى إضعاف النظام نفسه. وفي هذا الخصوص شهد النظام عمليات (إبتلاع) متعددة ومتداخلة. حيت تم إبتلاع الدولة داخل الحزب الحاكم, ثم إبتلاع الحزب داخل السلطة, وأخيرا إبتلاع السلطة بواسطة مجموعة (شلة) ذات محددات قبلية/مصلحية (لذا يرى الكاتب ان تعبير ((المجموعة الحاكمة)) الذي يستخدمه, هو الأنسب لوصفها). وحتى هذه المجموعة المحدودة التى إنتهى اليها تطور النظام, ظلت صراعات الكتل والأجنحة داخلها مستعرة, وهي مرشحة لمزيد من الصراعات والإنقسامات بعد فصل الجنوب وتقلص غنائم السلطة ونعمها (عائدات البترول). الى ذلك يأتي العامل الإقتصادي في مقدمة أسباب ضعف معارضة النظام. وفي ذلك هدفت سياسات النظام في الإقتصاد الى الإفقار الشامل للمواطنين من خلال إحتكار الثروة القومية ومصادرة حتى مجرد الحق في العمل المنتج (فرض العطالة والفاقة) من قبل النخبة المسيطرة والطفيليات العالقة بها (تم فصل الآلاف تعسفيا من وظائفهم فقط بسبب عدم إنتمائهم للحزب الحاكم كذلك تم إعتماد سياسة قصر التوظيف وفرص العمل على أنصار النظام). كذلك جرى تحويل الفساد من ظاهرة إجرامية الى سياسة رسمية (تحت إسم التمكين). وتم فرض شروط حياة على الجموع تحد كثيرا من إنسانية وكرامة الأفراد. ففي بلد غني بالموارد كالسودان بما يكفي لإستيعاب عشرة أضعاف عدد سكانه الحالي, فان ظواهر كالفقر المدقع والعطالة والمجاعة وإعتماد نسبة كبيرة من السكان على الإغاثة الأجنبية لايمكن تبريرها إلا بإعتبارها مصنوعة صناعة كجزء من إستراتيجية أمن النظام القائمة على إبقاء المواطنين فقراء ومستضعفين لدرجة تجردهم من أي قدرة او إمكانية للمقاومة. وبذلك لايشكلون اي تهديد جدي للنظام وتسهل السيطرة عليهم وبرمجتهم, حيث يجب أن يؤدي تفريغ جيوب الناس - مع مرور الوقت- الى تفريغ عقولهم. وبالرغم من ان واقع ضعف التنمية وإنتشار الفقر ظل ملازما لكل الأنظمة السياسة المتعاقبة إلا ان الأمر قد اتخذ منحى جديدا مع سياسات المجموعة الحاكمة التي جنحت الى إستخدام الفقر كسلاح في معركة السيطرة على الفئات الإجتماعية المختلفة. وبذلك انفردت المجموعة الحاكمة بإستخدام الجوع والإفقار كسلاح إستراتيجي في مواجهة شعبها في معركة البقاء في السلطة التي اغتصبتها بقوة السلاح (تجاوزت نسبة الفقراء حسب إحصاءات الحكومة نفسها أكثر من 90% من مجموع السكان). يضاف الى ذلك إفقار الأحزاب ومصادرة دورها وممتلكاتها. ظاهرة الإفقار الشامل هذه هي التي تشكل فارقا رئيسيا يميز حالة الشعب السوداني مقارنة بالوضع الإقتصادي ونسبة الفقر وسط السكان في بلدان مثل تونس او مصر, حيث نجحت الثورة. إلا ان سياسة فرض الفقر والعطالة على القسم الأعظم من الشعب مثلما هي سلاح فعال لتحطيم الخصوم, يمكن ان تنعكس في مرحلة معينة لتشكل شرارة (البوعزيزي) التي قد تشعل الثورة الشعبية. سياسة إفقار المواطنين وتهميشهم احدثت أيضا زلزالا إجتماعيا نتج عنه إختفاء الطبقة الوسطى وتمزق النسيج الإجتماعي. فاقم من ذلك سياسة اللعب على التمايزات الإثنية والدينية والجهوية والقبلية مما بات يهدد البلاد بمزيد من التقسيم على أسس دينية وعرقية, مترافقة مع سياسة تفتيت الأحزاب وإلغاء منظمات المجتمع المدني والأهلى. وسياسة عسكرة الحياة العامة من خلال إعتماد الحلول الأمنية ومنطق الحرب والقوة المسلحة للتعامل مع جميع المشكلات وفي جميع أنحاء البلاد, غض النظر عن طبيعتها (سياسية/ثقافية/ مظالم إقتصادية..الخ). فالنظام شرع فعليا في مهمة (حل الشعب) من خلال تفكيكه وإعادته الى مكوناته الأولية القبلية والأثنية والجهوية. وتبع ذلك نزع الصفة السياسية عن الشعب والتعامل معه كإثنيات/جهويات/ قبائل/ أقليات دينية وعرقية, وليس كمواطنين لهم حقوق مواطنة دستورية. ناتج ذلك- فيما يتعلق بموضوع المقال- سيطرة السلطة على الفضاء العام في مجتمع مفتت وضعف المعارضة السياسية (الأحزاب) وضعف وغياب منظمات المجتمع المدني (النقابات والإتحادات) التى لعبت دورا رئيسيا في الإنتفاضات الشعبية التي شهدها السودان.
يضاف الى ذلك - كعامل سياسي- التعقيدات الإضافية والوضعية الإستثنائية التي خلقتها إتفاقية السلام مع الحركة الشعبية (نيفاشا 2005), بالنسبة لقضية التغيير و التحول الديمقراطي على المستوى الوطني. فمنذ توقع الإتفاقية وحتى 9/7/2011 تاريخ فصل جنوب السودان, ظلت المجموعة الحاكمة تستند الى (شرعية نيفاشا), المستندة بدورها إلى ضمانات دولية وإقليمية قوية اقتضت المحافظة على النظام لكى ينفذ ذلك الإتفاق (فصل الجنوب). ضمنت تلك الإتفاقية إستمرار وجود طرفيها في السلطة -كشريكين- حتى نهاية الفترة الإنتقالية وإجراء الإستفتاء الذي نتج عنه فصل حوالي ثلث مساحة السودان. جنوب السودان - حسب المنظور الإسلاموي الأخواني- ظل يشكل عقبة أمام قيام الدولة الإسلامية الصافية في الشمال. لذا فإن فصل الجنوب, من منظور المجموعة الحاكمة, هو الخطوة الضرورية لإدامة سيطرتها على الشمال والذي تعتبره (وفقا لتلك الصفقة) جائزتها الكبرى. إلا ان جريمة فصل جنوب البلاد قد تشكل دافعا إضافيا لجماهير الشعب والقوى الوطنية للتعجيل بإسقاط النظام, لقطع الطريق أمام الإحتمالات الجدية للمزيد من التقسيم لما تبقى من التراب الوطني على أسس عرقية او دينية. ذات التعقيدات اضافتها مشاريع الحلول التجزيئية والجهوية لأزمات البلاد المتداخلة في مناطق النزاع المسلح في الشمال (دارفور/شرق السودان/جنوب كردفان..الخ). التسويات الجهوية والتجزيئية تلك قامت على فرضية خاطئة مفادها إمكانية الوصول الى تسوية جزئية للنزاع في إقليم كدارفور مثلا, دون الوصول الى تسوية شاملة بشأن أزمة الحكم في المركز. وهي فرضية ثبت خطؤها القاطع بفشل كل الإتفاقات الموقعة دون إستثناء. سقف مشاريع التسوية تلك هو الوصول الى إتفاق مع المجموعة الحاكمة تنال بموجبه المجموعة المسلحة المعنية نصيبا من السلطة, والثروة وليس إستعادة الديمقراطية. والنتيجة دائما هي خصم او تحييد قوى فاعلة من رصيد المعارضة على المستوى الوطني ومنح المجموعة الحاكمة بعض الشرعية و دماء جديدة تضمن للنظام الإستمرار والمحافظة على ركائزه الأساسية. طبيعي أن تفضل المجموعة الحاكمة وتدمن مثل هذه الحلول التجزيئية لأنها تمكنها من تفتيت وحدة قوى المعارضة والتعامل معها فرادى, بما يقطع الطريق على وحدة قوى المعارضة المسلحة والمدنية في جبهة وطنية تعمل على إسقاط النظام كما كان حال التجمع الوطني الديمقراطي قبل تفكيكه. ولأنها إتفاقات ليست للتنفيذ لذلك لم تتردد السلطة في التوقيع على أي إتفاق من هذا النوع, لكن بالمقابل لم تنفذ أيا من تلك الإتفاقات. ولأنها تمكنها من التهرب من مخاطبة الشعب السوداني كشعب صاحب قضية مركزية وإنما كجهويات ومجموعات إثنية ودينية متذررة. لذلك فإن إنحياز القوى المسلحة الإقليمية لخيار التحول الديمقراطي في عموم السودان وإستعادة الديمقراطية في المركز بدل الدخول في إتفاقات جزئية, يشكل خطوة مهمة بأتجاه بناء جبهة وطنية عريضة تعمل لإسقاط النظام. من العوامل السياسية الهامة أزمة قوى المعارضة السياسية التقليدية ومواقف قياداتها التاريخية من قضية تغيير النظام. هذه الأحزاب وبسبب خطل حساباتها السياسية باتت تشكل عقبة أمام التغيير, مثلها في ذلك مثل السلطة, فبسبب واقع ضعفها تدرك انها لن تشكل بديلا للنظام حال سقوطه. لذا فهي تفضل إستمرار الإنقاذ على إنتقال السلطة سلما او حربا الى(أطراف أخرى)؟! فقد خرجت مؤخرا رموز من هذه القيادات لترفع راية الحوار مع النظام في الوقت الذي تنادى فيه شباب الفيسبوك للخروج للشارع. وهي تتصارع حاليا على إقتسام كيكة الحكم مع المجموعة الحاكمة, من خلال شغل مقاعد الجنوبين التي شغرت في سلطة المركز بعد تقسيم البلاد. وهي تبرر مواقفها تلك من خلال التكرار الممل للازمة إدراكها (أكثر من الآخرين) للأخطار المحيطة بالوطن والمؤامرات التي تحاك ضده وكونها الأكثر حرصا على أمنه. رغم تمام علمها بأنه ليست هناك مصدر تهديد إستراتيجي لسلامة البلاد بل لوجودها المجرد ووحدة ترابها يفوق خطر إستمرار بقاء المجموعة الحاكمة في السلطة. الواقع ان المجموعة الحاكمة قد نجحت في السيطرة على معظم الأحزاب السياسية التقليدية, من خلال القبضة الأمنية وسياسة الإفقار والإختراقات والإفساد المالي وشراء الذمم. إلا ان نقطة ضعف النظام - في ظل ظروف الثورات الشبابية المشتعلة الآن - إن خبراته في تدجين القوى الحزبية لن تفيده كثيرا في التحكم في الشارع الذي تحركه قوى معظمها غير منظم حزبيا. كذلك فإن التجربة التاريخية للثورات الشعبية في السودان تفيد بان هذه الأحزاب التقليدية لم تكن يوما ضمن قوى التغيير الديمقراطي. ففي ثورة أكتوبر 1964 لعبت جبهة الهيئات (وهي جبهة ضمت النقابات والإتحادات المهنية والطلابية الرئيسية) بالتلاحم مع جماهير الشباب والطلاب والقوى الشعبية الدور الحاسم في تفجير وقيادة الثورة. وجاء دور الأحزاب بعد ان تأكد نجاح الثورة لتقوم فقط بقطف الثمار. وتكرر ذات السيناريو في إنتفاضة مارس/أبريل 1985 التي فجرتها وقادتها ذات القوى الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدني غير الحزبية (التجمع النقابي الذي كان يضم نقابات المحامين/الأطباء/أساتذة جامعة الخرطوم/السكة حديد/أتحادات الطلاب وقوى مدنية أخرى). دور الأحزاب مرة أخرى جاء لاحقا للقفز الى السلطة. تجارب الثورات الشعبية الراهنة في مصر وتونس جاءت ايضا على ذات النسق, شباب الفيس بوك والجماهير الشعبية ومنظمات المجتمع المدني تسقط النظام ثم تأتي الأحزاب لتقطف الثمرة الجاهزة. مؤدى ذلك ان القوى المرشحة لإحداث التغيير في السودان هي ذات القوى الشعبية والتي سيكون عمودها الفقري جموع الشباب المسحوقين والعاطلين عن العمل والطلاب وسائر القوى الشعبية المهمشة. مع دور أقل لمنظمات المجتمع المدني والنقابات (مقارنة بدورها الحاسم في ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985). ذلك أن سياسات المجموعة الحاكمة كما اشرنا طورت استراتيجيات متعددة لتهشيم وتهميش منظمات المجتمع المدني والأهلى, خاصة القوى النقابية العريقة, بما يقارب درجة الإلغاء. وذلك لإدراكها بأنها شكلت مصدر التهديد الرئيسي لكل الأنظمة الشمولية السابقة بما فيها الحكم الإستعماري.
(*) نشر بصحيفة القدس العربي اللندنية عدد 15/08/2011م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.