مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





وفاة الشاعر العربي الإفريقي السوداني الكبير محمد الفيتوري
نشر في سودانيل يوم 29 - 04 - 2012

في غفلة من العالم و بعيدا عن الضوضاء الاعلامية وفاة الشاعر العربي الافريقي السوداني الكبير محمد الفيتوري
في غفلة من العالم و بعيدا عن الضوضاء الاعلامية رحل عنا الشاعر العربي الافريقي الكبير محمد الفيتوري بطريقة تحيل الذاكرة على طريقة موت الشاعر الأسطورة السنغالي ليوبولد سيدار سنغور
السيرة الذاتية:
محمد مفتاح الفيتورى شاعر سوداني من مواليد الإسكندرية 1936 درس وحفظ القران الكريم بالمعهد الديني والازهر الشريف، ودرس بكلية دار العلوم وعمل محررا بالعديد من الصحف السودانية والمصرية. وعين خبيرا إعلاميا بالجامعة العربية ما بين عامى 1968 – 1970 م.ثم عمل مستشارا ثقافيا بسفارة ليبيا في إيطالياومستشارا وسفيرا بسفارة ليبيا في بيروت. كما عمل مستشارا سياسيا وإعلاميا بسفارة ليبيا بالمغرب. حصل على جائزة الوسام الذهبى للعلوم والفنون والآداب (السودان) 1990. يعد الفيتورى أحد اقطاب الشعر السودانى المعاصر، وهو من جملة الأقران المجيدين في طلائع الحركة التجديدية أمثال السياب والبياتي وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل.
ولد في الجنينة عاصمة دار مساليت الواقعة على حدود السودان الغربية كان في سنة 1930م أما والده فالشيخ مفتاح رجب الفيتوري وكان خليفة خلفاء الطريقة العروسية ، الشاذلية ، الاسمرية وهو صوفي ليبي عبر بوابة الشمال الافريقي ويبدو ان وطأة الاحتلال الايطالي قبيل الحرب العالمية الاولى كانت سببا مباشرا في هجرة والد الشاعر واسرته الى غربي السودان.
أما والدة الشاعر فهي الحاجة عزيزة علي سعيد من اسرة شريفة من قبيلة الجهمة ووالدها الشريف علي سعيد تاجر رقيق وعاج تزوج جارية وانجبت والدة الشاعر وهذه الجدة السوداء زهرة اسهمت اسهاما كبيرا في تشكيل وعي الشاعر فأورتث الشاعر عقدة العبودية حيث لازمه الشعور بالعبودية وهو يرى الابيض يستعبد ارضه ولهذه القصة حضور طاغ في تداعيات الشاعر ، فكانت البذرة النارية التي اشعلت روحه. انتقلت اسرة الشاعر من غربي السودان الى الاسكندرية وهناك تلقى الفيتوري تعليمه الاول حيث حفظ القران الكريم في الكتاب والتحق بالأزهر.
ثقافته
منذ الصغر كان الشاعر يقرأ عنترة العبسي والاميرة الناعسة وفيروز شاه وتنقل بين قراءة شرلوك هولمز وطرزان واطلع على الكتب المترجمة البعث وأنا كارنينا والحرب والسلام وفاوست ودرس في المعهد الثانوي في القاهرة كانت هذه الدراسة كفيلة بتنمية معارفه بالعلوم العربية والانسانية وكان شعوره بالغربة والحزن عميقا الشريف، ودرس بكلية دار العلوم وعمل محررا بالعديد من الصحف السودانية والمصرية. وعين خبيرا إعلاميا بالجامعة العربية ما بين عامى 1968 – 1970 م .ثم عمل مستشارا ثقافيا بسفارة ليبيا في إيطاليا ومستشارا وسفيرا بسفارة ليبيا في بيروت. كما عمل مستشارا سياسيا وإعلاميا بسفارة ليبيا بالمغرب.
عناصر شخصيته
هناك محطات وقف الفيتوري عندها كان لها الاثر المهم في تشكيل فكره ومنها : (( أفريقيا ، العروبة ، البعد الصوفي )) أفريقيا المشهد الذي استوقف الشاعر طويلا انها محنة الانسان الافريقي المستعبد وتمرده ونضاله الباسل ضد المحتل الابيض والفيتوري بهذه الصرخات الافريقية اراد ان يكون محاميا لقارته السوداء وهو اول من غنى في العربية لافريقيا وعلاقة الحرية بالرؤية الافريقية شديدة الالتحام ان القضية تبدأ بالحرية أفريقيا لتنتهي بحرية الانسان وكرامة الانسان في كل ارض وزمان . المحطة الاخرى هي العربية التي وقف الشاعر طويلا يعيد تشكيل الواقع وهو المتفلت من أزمنة الرتابة العربية حيث لا يحفل كثيرا بتحديد الجنسية التي ينتمي اليها فهو شاعر وحسب ان الامتداد العربي يشكل اتجاها اخر في شعر الفيتوري الخارج من رحم المعاناة الافريقية لينغرس في واقع اخر أكثر ايلاما انه الواقع العربي المشوب بالخذلان .
تتنازع الشاعر ثلاث جنسيات : السودانية ، الليبية ، المصرية ) ونرى الفيتوري يتغنى في شعره بأقطار الوطن العربي ويقف طويلا عند بعضها بتركيز كبير وهذه الاقطار هي ليبيا ثورة عمر المختار مصر (أغاني افريقيا ) السودان ( رسالة الى الخرطوم) فلسطين ( مقاطع فلسطنية ) .
الفيتوري والصوفية
هو صاحب تجربة صوفية غنية فهو ابن لاب صوفي وهو خليفة خلفاء الطريقة الاسمرية الشاذلية وقد تعلق بالصوفية مبكرا منذ ان كان طفلا وهو يعبر عن ذلك خلال تصريح له ورد في تضاعيف جريدة القدس في 25/1/2003م حيث يقول ( ومنذ دب الوعي في وجداني وبدات ادرك معنى الكلمات التي كان يرددها والدي ليلا مع زواره من ادعية وترانيم دينية تعلقت بما اسمع وبدات افكر تفكيرا تفكيرا عميقا لدرجة اني تركت اقراني في اللعب وانا طفل لانضم الى رفاق ابي في فناء البيت مستمعا ومستمتعا بايات الذكر الحكيم والتواشيح الصوفية والاوراد والقصص الدينية ) . بيد اننا نجد الفيتوري المتعلق بصوفيته يسخر هذه التجربة في خدمة النص الشعري بمعنى ان الفيتوري قد مزج بين التجربتين الصوفية والفنية ذلك لان التجربة الفنية تنتج وجودا يوازي الوجود المادي ويثريه بينما تكون التجربة الصوفية حالة الفناء التي ينعدم فيها الوجود المادي من بدايتها الى نهايتها . فصوفية الشاعر ليست الانجذاب الى مجموعة من الافكار المشوشة والاحاسيس التجريدية اننا ازاء صوفية متمردة تخلق من الوجود كائنا جديدا بثوب يلامس احتياجات الواقع برؤية اعمق وقيم اعلى . استخدم محمد الفيتوري الكثير من الرموز الدينية التي تختزنها الذاكرة الانسانية وفي محاولة الشاعر للبحث عن البديل ( المعادل النفسي نلمح حقيقة الشاعر المتشبت بأردان الماضي ذلك الماضي المتمثل بصورة الانسان الحر والمناضل الشريف والثائر الصلب تعويضا عن نقص حضاري وحلم مفقود وفي قصيدة عودة نبي التي كتبت في ذكر الشابي نقرأ : وعدت يا شابي في ناظر الاعمى وفي قلب الاصم عدت نبيا كالنبيين لو تدرك معاك عقول الوجود أراد الفيتوري ان يرصد براعته للتعبير عن آلام القارة السوداء ليكون صوتها الثائر الخوف من الرجل الابيض : وهي حالة متوارثة ، للابيض من سطوة وهيمنة على الاسود المبتذل في بلاد الزنوج المستعبد لذلك تتكرر صورة الطفل الذي يخاف من الرجل الابيض وقال طفل اسود : يا أبي اني اخاف الرجل الاحمرا فهو اذا ابصرني سائدا يبصق فوق الارض مستكبرا ولا تدعه يا ابي بيننا فهو غريب عن هذا الثرى اقتله ....اقتله ..... فيا طالما مزق اعماقي مستهترا نلاحظ من خلال هذه المقطوعة رؤية الفيتوري للرجل البيض الذي بقي ظله يرافقه منذ الصغر فهو مستبد متكبر يمثل بكرامة الانسان الاسود لان لونه ابيض ويركز على انه غريب عن بلاده ويدعو للثورة ضد هذا المستبد .
مثال من أشعاره
نموذج من قصائد الفيتوري وقد اخترت قصيدة " موت الملك سليمان " لقد حاول الشاعر ان يقنع نصه كاملا بقصة نبي الله سليمان عليه سلام الذي ورث النبوة من أبيه داود عليه السلام يقول الله عز وجل ( وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا الطير وأوتينا من كل شيء ان هذا لهو الفضل المبين ). يبدأ الشاعر نصه بالحديث عن التعب الذي كان يلاقيه الجن من العمل لسليمان عليه السلام مؤكدا لو ان الحراس اكتشفوا موت النبي لما عملوا : لو ان الجسد الملقي على كرسيه مال قليلا لاستيقظت من نومها مدينة النحاس واستغرق الحراس في البكاء والضحك فزائر الموت الذي زار سليمان الملك كان ثقيلا وسليمان الملك مات طويلا ! وهذا ما أورده القران الكريم جملة ونصا ( فلما خر تبينت الجن ان لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) ولعل الربط القائم بين النصيين القراني والشعري يهدف الى اعادة تشكيل افاق اللغة من خلال عمليات تفجير هادئة او ما يسمى بالمهمة الهادفة للأدب فتبدو العلاقة القائمة بين نصيين هي علاقة امتصاص تفاعل الايجابي بين النصيين للغائب والحاضر وقد سعى الى انتاج نص ذي دلالات جديدة ولم يكن اسير حلقة للعقل التاريخي كما ورد في القران الكريم فالملك سليمان أضحى رمزا للملك الذي يمتلك ادوات القوة والسيطرة ولكن ذلك لا يمنع من وجود عدد من المتربصين الذين يرقبون زوال الحكم . وترد اشارة اخرى في النص الشعري تتعانق مع النص القراني تتمثل بذكر الاعداد الكبيرة من العمال والحراس الذين يأتمرون بأمر سليمان وهذا ما ورد في القران الكريم ( ومن الشياطين من يغوصون له ويعلمون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين ) وفي نص شعري : خمسون ألف مارد ينتظرون الاذن بالمثول تسعون ألف مارد يرقب عرس الشمس بذهول وترتبط بقصة الملك سليمان قصة اخرى على تماس معها هي قصة بلقيس رمز شرعية دلالية جديدة وهي ايمانا بأن الرموز الدينية الكبرى تمارس وظيفة في اطار ثقافة عامة وتنتج مدلولات أدبية جديدة وهي متقلبة كرمز لانها رمز شعري لحشد من خلاله الشاعر مواقف وتأثيرات نفسية . وبلقيس عند الفيتوري تبدو عكس الموروث قرانيا اذ يصورها معذبة وحينها نتسائل عن سبب هذا العذاب ليس هناك سبب سوى احتضار الملك سليمان الذي استعار الشاعر عنه بلفظ شمس والشمس في معارج اكتمالها متحجبة تغسل جدران المدافن المذهبة وعرس بلقيس الجميلة المعذبة والمدن الكبرى التي تسقط تحت عجلات المركبة وبلقيس تحمل دلالة رمزية فهي الامة المنتشية المزهوة بفارسها وفجأة يسقط الفارس وتغيب الشمس فسليمان كان شمس الحكمة والعدل وبلقيس عذرية الامة التي تستباح بعد ان تفقد فارسها والحراس ينتظرون بشوق ساعة السقوط وبع ذلك يمتد السقوط ليشمل بقية المشهد . يقول الشاعر : المدن الكبرى هي الحضارات المتألقة التي تشهد اندثارا وانهزاما أمام حضارة المركبة الحضارة الحديثة . المعجم اللفظي : لقد انطلق الشاعر في جل معالجاته من واقع مأزوم ومهزوم سيطر على الشاعر وبالتالي على معجمه اللغوي فكان معجمه تعبيرا عما يعانيه وكان استخدامه للغة سهلة والتي جاءت نتيجة لنزعة الشاعر الواقعية استحقاقا لمقتضيات الواقع وانغراسا في هموم الامة. التراكيب : التراكيب الدينية تشكل المساحة الاكبر استحضارات الشاعر فهو يستلهم مضامين بعض القصص لتعميق رؤية معاصرة يراها في الموضوع الذي يطرحه أو القضية التي يعالجها اذن هذا الاستحضار يلقي بها بتعزيز موقف من الرؤى والمفاهيم التي يطرحها في نصه . ان الفيتوري شاعر استطاع ان يتبث وجوده من خلال ايمانه بقارته السوداء ومبادىء سار عليها وتوظيفه للرموز بطرقة قصصية مبدعة فمن خلال البحث عن قصائده استمتعت بقراءة عدد من قصائدة واحيانا تكون اقرب للنثر من الشعرلكن في طياتها تحمل رؤية وفكر شاعر عاش وعاصر الكثير من الاحداث والوقائع التي تجعله كفيلا ان يكون شاعرا يطبق ما يؤمن به .
مثال آخر
في حضرة من اهوى عبثت بي الاشواق
حدقت بلا وجه ورقصت بلا ساق
وزاحمت براياتى وطبولى الافآق
عشقي يفني عشقى وفنائي استغراق
مملوكك لكني سلطان العشاق
دواوينه الشعرية
أغانى إفريقيا 1955.
عاشق من إفريقيا 1964.
اذكرينى ياإفريقيا 1965.
أحزان إفريقيا 1966.
البطل و الثورة و المشنقة 1968.
سقوط دبشليم 1969.
سولارا (مسرحية شعرية) 1970.
معزوقة درويش متجول 1971.
ثورة عمر المختار 1973.
أقوال شاهد إثبات
ابتسمى حتى تمر الخيل 1975.
عصفورة الدم 1983.
شرق الشمس... غرب القمر 1985.
يأتى العاشقون إليك 1989.
قوس الليل... قوس النهار 1994.
أغصان الليل عليك
يوسف بن تاشفين (مسرحية) 1997.
الشاعر واللعبة (مسرحية) 1997.
نار في رماد الأشياء
عريانا يرقص في الشمس 2005.
حواره مع جريدة الخليج الاماراتية
يعد الشاعر محمد الفيتوري واحدا من رواد الشعر العربي الحديث، وأحد الذين قادوا حركة الشعر على مدى خمسين عاما، وقد عبرت دواوينه وخاصة الأولى منها عن جانب يتميز به عن غيره من الشعراء، حيث احتفى بالبعد الإفريقي في شخصيته وشعره فكتب ديوانه “أغاني إفريقيا" ،1956 و"عاشق من إفريقيا" ،1964 وكذلك “اذكريني يا إفريقيا" ،1965 كما كتب مسرحية “أحزان إفريقيا".هنا نص الحوار مع الشاعر محمد الفيتوري.
هناك بعد إفريقي في شعرك، فهل ترى بعداً إفريقياً للثقافة العربية، وهل هناك شعراء آخرون من السودان وشمال إفريقيا لديهم هذا البعد في قصائدهم؟
سؤالك على أهميته اشبه في تقديري بطائر متعدد الأجنحة، بمعنى أن الجانب الخاص بي كشاعر ضمن هذا السؤال وثيق الصلة، وفي نفس الوقت بعيدها عن الجانب الآخر الخاص بموقعي من الحركة الشعرية العربية المعاصرة، وباختصار أقول إن هناك أبعادا إفريقية عديدة كلها تنطلق وتصب فيما يسمى بالبعد الإفريقي، العمق الإفريقي، والتأثير الإفريقي، والمنبع الإفريقي، والفضل في ذلك لا يرد لي ولكن يرجع إلى الدماء العديدة التي تسربت إليّ من آباء عديدين وثيقي الصلة بأرضهم غرباء الآن عن هذا التاريخ والواقع الذي اعيشه، فأقول لك لانني نشأت فيها منذ الشهور الأولى وتعلمت الحروف الأولى وتربيت على أيدي أساتذتها وفقهائها وحفظت القرآن الكريم، وتخرجت في معهدها الديني، ثم انتقلت منها إلى القاهرة وعمري لم يتجاوز الرابعة عشرة، وكنت قد بدأت في كتابة بضعة أبيات شعرية تقليداً لأشعار شعراء قرأت لهم، ابرزهم، في تقديري، الشعراء السود مثل “عنترة بن شداد، وسحيم عبد بني حسحاس، والسليك وغيرهم من الشعراء الزنوج، بالإضافة إلى شاعر عندما فتحت عيني وجدته وهو الشاعر المصري إمام العبد".
يقول البعض إن الشعر السوداني اختصر في محمد الفيتوري، فما رأيك في هذا القول؟ وهل ترى ظهورا واضحا لشعراء آخرين في السودان من بعدك؟
كان هناك قبلي في السودان شاعر كبير يجب أن يذكر الآن وهو “التيجاني يوسف بشير"، صدر ديوانه الأول “إشراقة" بعد وفاته، وكان لهذا الشاعر علاقة وثيقة بالثقافة المصرية، وكان أحد الشعراء الثلاثة الموهوبين في ثلاثينات القرن ال،20 وهم رواد الشعر العربي الحديث في رأيي الذين كان توجههم إنسانيا رومانسيا وهم بجانب التيجاني أبو القاسم الشابي التونسي، والمصري محمد عبد المعطي الهمشري، وهم الذين مهدوا الطريق أمامنا وعرفنا من خلالهم أن للشعر قضايا، وهم الذين كانوا نواة لمدرستي “الديوان وأبوللو" اللتين كانتا خلاصة لمدارس أخرى نشأت في الغرب وهي “مدرسة شعراء المهجر" مثل جبران خليل جبران وغيره، الذين تعرفوا على المجتمع الغربي وغيروا الشكل في القصيدة، ولقد تأثرت شخصيا بأحدهم وهو الشاعر ميخائيل نعيمة.
وقد جاء من بعدي شعراء سودانيون بالطبع، حيث إن الأرض ولادة كما يقولون وقد كان رفيقي الشاعر محيي الدين فارس شفاه الله- وأيضا صلاح احمد إبراهيم تغمده الله برضوانه- وهناك شعراء الآن في السودان منهم “صديق المجتبي"، وكذلك الشعراء روضة الحاج وهي مذيعة وشاعرة، هاجر سليمان، عبد القادر الكتيابي، وخالد فتح الرحمن.
كيف ترى موقف النقاد والنقد من أعمالك الإبداعية؟
لا اعرف في الحقيقة البواعث التي تدفع النقاد المصريين إلى تجاهل اسمي عندما يكتبون عن واقع الثقافة المصرية، وعن شعرائها وابرز من فيها من المبدعين، يجب أن يفهم هؤلاء النقاد أنني شاعر عربي ينتمي إلى دماء سودانية وليبية، ولكني في الحقيقة شاعر أنتمي إلى الفكر والثقافة المصريين وكذلك التراث المصري، ولا اعلم إن كان تجاهلهم هذا من باب الحسد أو الحقد أو الغيرة، وانا في رأيي انه ليس هناك نقاد حقيقيون في هذه المرحلة.
ليس هناك تواصل حقيقي وبالدرجة المطلوبة بين الحركات الثقافية في البلدان العربية، فكيف في رأيك يمكن تحقيق هذا التواصل؟ وهل تقوم بدور من اجل تحقيق ذلك كشاعر ودبلوماسي؟
التواصل في الحقيقة قائم، التواصل التاريخي، الحضاري والواقعي ما بين الحركات الثقافية العربية في مختلف بقاع الوطن العربي لا يزال قائما، لكن المشكلة هي مشكلة الأنظمة الحاكمة والمتحكمة، فهي التي تقيم هذه الحواجز الوهمية، وبالتالي تفصل ما بين منطقة وأخرى بين بؤرة فكرية وأخرى، وعندما يلتقي نظامان تتساقط الحواجز مثل الحال بالنسبة لسوريا ولبنان على سبيل المثال، لكن عندما يحدث تنافر بين نظامين تقوم هذه الفواصل بينما هي غير موجودة في أذهاننا وأفكارنا وتوجهاتنا وأهدافنا نحن الشعراء، وانا ارى أن معظم هذه النظم اقيمت من اجل أن تقيم هذه الفواصل حتى لا تحدث وحدة الفكر والرؤية والهدف في المنطقة.
ولقد عملت في الصحافة المصرية تحت رئاسة الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل، والصحافي كامل الشناوي، وأبو الخير نجيب وفي ظل الكاتب العظيم سيد قطب الذي كان يرأس مجلة “الدعوة"، كما عملت في الصحافة السودانية كرئيس تحرير لعدد من الصحف مثل صحيفة “التلغراف" و"هنا أم درمان"، و"حزب الأمة" رغم أنني لم اكن عضوا به، كما عملت في جامعة الدول العربية.
هل اثر اشتغالك بالعمل الدبلوماسي على إبداعك الشعري؟
أفادني العمل الدبلوماسي كشاعر لأنه أتاح لي التنقل، فقد كنت من قبله غير قادر على ذلك بسهولة، فأصبحت الآن قادرا على التنقل من السودان إلى بيروت، ومن المغرب إلى أوروبا وهكذا، وبالتالي أتيحت لي فرصة الاطلاع على الكثير من الأعمال والالتقاء بالكثير من الشعراء والأدباء والسياسيين، وأن أرى الأشياء على حقيقتها، وأرى الواقع أمامي وهو يمشي على قومية ويتنفس في وجوه الناس والحيوات المختلفة، وانا اعرف كثيرين من اصدقائي الشعراء لم يستطع احدهم الخروج من قريته.
يرى أبناء جيلك من الشعراء العرب أن قصيدة النثر ابن غير شرعي لقصيدة التفعيلة؟ فكيف تراها أنت؟
انا أرى أن الشعر هو الشعر، حتى لو كان نثرا أي يخلو من التفاعيل والأوزان ولكنه يحمل جوهر الشعر، هنا يتحول من النثر إلى الشعر، فالروح الشعرية هي التي تحدد قيمة القصيدة فهل يمكن أن نقول إن ناظم حكمت الشاعر التركي الذي ترجمت أشعاره نثرا، ليس شاعرا؟
ليست المسألة شكلية، فالإيقاع يجب أن يكون في رؤى الكلمات وليس فقط إيقاعا خارجيا وبحورا وتفاعيل.
هل كان لبعدك عن السودان تأثير في شعرك؟ وهل تتابع الحركة الثقافية في السودان؟
ربما اثر إيجابيا لأنه اتاح لي الفرصة للتعرف إلى شعوب وثقافات وقيم أخرى واتصل بشعراء اخرين، وأقرأ كتبا، فعندما خرجت من السودان وتنقلت بين البلاد أصبحت قصائدي تتجه اكثر نحو الموضوع والتجربة، ولأنني عندما أكون بمصر اصبح مصريا وفي ليبيا أكون ليبيا وهكذا لذلك لم تكن قصيدتي “منفى"، فأنا دائما اشعر بالانتماء إلى كل ارض عربية أعيش عليها.
وأنا اتابع الحركة الثقافية السودانية باهتمام وربما لا يعلم كثيرون اني كنت منذ قرابة ثلاثة اشهر احد الذين وقفوا في منبر للشعر بالسودان بدعوة من السيد عبد الباسط عبد الماجد وزير الثقافة السوداني والتقيت هناك بالرئيس “البشير"، وشكرته لمنحي وساما، والقيت قصائدي ومنها قصيدة كتبتها في رحيل الشاعر الأديب والمفكر العظيم د. عبد الله الطيب.
بماذا تفسر غرق بعض الكتاب في الكتابة عن الذات والجسد في زمن يموج بأحداث لا يمكن تجاهل خطورتها على المنطقة العربية؟
من حق أي كاتب أن يري الحياة عيونا زرقاء، وصفراء، وحمراء، أو لا يراها على الإطلاق، وان يكتب ما يشاء، لكن عند لحظة بعينها يجب أن نتجه جميعا اتجاها واحدا مثلما آمنا يوما ما بالله ونؤمن بالوطن والحرية والديمقراطية والعدالة، ونؤمن بضرورة تخلص هذا الواقع العربي من التخلف والرداءة.
ينظر بعض النقاد إلى الحداثة وما بعدها كبطاقة مرور لأي عمل أدبي، فما رأيك؟ وهل ترى أن النقد الأدبي يسهم بدوره في تطوير الحياة الأدبية؟
الحداثة في رأيي تنشأ من التراث المتجه نحو المستقبل من اجل رفعة الإنسان وحريته، أما أن تكون الحداثة هي الانتقال من سيد درويش ومحمد عبده إلى “شعبولا" و"روبي".. الخ، فهذه ليست حداثة لكنها سقطة من سقطات التاريخ التي تمر مثل أي شيء، وعندما أقرأ للشاعر “مهيار الديلمي" وهو شاعر قديم فارسي، وهو يقول لحبيبته:
الصَّبا إن كان لابد الصَّبا
إنها كانت لقلبي أروحه
هل هذا الشعر قديم أم حديث، اسألي هؤلاء الأدعياء، فالحداثة تعني التجديد، والتجديد مستمر والحداثة في عصرها تبقى حداثة كل العصور، فالحداثة لا عمر لها.
أما عن النقد والنقاد، فأنا أرى انه لا نقاد حقيقيين الآن، فإما هم مأجورون أو موظفون أو تابعون، وهكذا هم جميعا بلا استثناء، فعندما كنت صغيرا ومجهولا كشاعر، كان هناك عباس محمود العقاد، وسلامة موسى، ومحمد مندور، والشوباشي، ثم محمود امين العالم وغيرهم، حيث كانت تهمهم الموهبة لا الشخص.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.