مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قضايا الأدب الإفريقي وتحدياته: قضية الزنوجة .. بقلم: الصادق محمد آدم
نشر في سودانيل يوم 08 - 08 - 2012

تحول الشعر والشعراء من الاحتجاج والسخط والمقاومة بعض الاستقلال إلى تناول الموضوعات الجديدة التي جاء بها عهد الاستقلال ، وعلى رأسها موضوع بناء الإنسان الإفريقي الجديد المكبل بتركة ثقيلة، من التخلف والشعور بالضياع، وسمى هذا الموضوع بالزنوجة Negritude .
منذ أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات شهدت باريس أعدادا من أبناء البحر الكاريبي وغرب إفريقيا، جاءوها للدراسة، وبرز من هؤلاء الطلاب ثلاثة هم : إيميه سيزير ابن جزيرة المارتنك وليون داماس ابن جزيرة جواديلوب (كلاهما من جزر الكاريبي) وليوبولد سيزار سنغور ابن السنغال ، وكان الثلاثة شعراء شديدي التعلق بإفريقيا وتراثها ، كثيري السخط على الفرنسيين وسياستهم القائمة على صبغ أبناء المستعمرات باللون الأبيض، وكان ليون داماس أول من علا صوته حين أصدر عام 1937م ديوانه (أصباغ) وهو ديوان يتميز بالمرارة الشديدة ، جمعته الشرطة الفرنسية من الأسواق وأحرقت نسخه، أما سيزير فأصدر عام 1939م ديوانه (دفتر العودة إلى أرض الوطن) وهي قصيدة واحدة طويلة لا تقل مرارة عن شعر صاحبه ، ظهرت فيها لأول مرة كلمة الزنوجة كدعوة احتفالية بالزنج والثقافة الزنجية، وأما سنغور فقد تأخر عن نشر شعره في ديوان بسبب الحرب العالمية الثانية ، ولكنه لم يقل عن زميليه حماسة للسواد وإفريقيا والزنوجة( [1]). وكانت الزنوجة أشبه بكلمة السر في الشعر الإفريقي المكتوب بالفرنسية طوال الأربعينات والخمسينات.
مفهوم الزنوجة وفلسفتها:
عرف الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الزنوجة بأنها :(( موقف عاطفي حيال العالم )) فهي موقف إنساني حيال الكون والعالم.
ويعتبر سيزير هو الذي ابتكر كلمة "الزنوجة"، وهي بالنسبة إليه "مجرّد اعتراف المرء بواقع أن يكون أسود وقبوله بهذا الواقع وبقَدَر الأسود تاريخيا وثقافيا ". قَدَر الأسود المشترك هذا الذي يواجه رهاب العرق الآخر واستغلال الرجل الأبيض.
و سنغور يذهب أبعد من سيزير في مفهوم "الزنوجة": "الزنوجة واقع وثقافة. إنها مجموعة القيم الاقتصادية والسياسية والفكرية والمعنوية والفنية والاجتماعية لدى شعوب إفريقيا والأقليات السوداء في أميركا وآسيا وأوقيانيا". فالزنوجة عند ليوو بولد سدار سنغور: " مجموع القيم الثقافية في عالم الشعوب السوداء، والتي يعبرون بها عن أوجه الحياة، أعني مؤسسات ومعطيات هذه الشعوب". لذلك كان لابد لهذه الزنوجة أن يكون لها حضور في النص الإبداعي الإفريقي.. بالأحرى في حكاياته القصصية أو الشعرية أو موسيقاه التي تحولت فيما بعد إلى مرجعية أساسية في الألحان الأوروبية أو الغربية عموما..
وعلى نفس هذا المضمون التراثي والحس الجماعي تجاه التاريخ شيد الدكتور/ كوامي نكروما أبو استقلال إفريقيا عبارته الشهيرة (الشخصية الأفريقية)التي اخترق بها قلوب مندوبي الشعوب الأفريقية في مؤتمر جميع الشعوب الأفريقية المنعقد في (أكر) عام 1958م ، ومنذ ذلك الحين وجدت العبارة طريقها على المنابر الدولية والمصطلحات السياسية.
وينزاح الغبار عن فلسفة هذه المسميات عند الدكتور/ شيخ أنتا جوب الذي يؤثر استخدام الشخصية الثقافية بدل المصطلحين السابقين للتعبير عما يجمع الأفارقة.
وقد وضع دكتور/ جوب هذا المحور التراثي المشترك بين الأفريقيين في كتابه الشهير (الوحدة الثقافية لأفريقيا السوداء)، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بأن هذه الخطوط العريضة المشتركة بين الأفريقيين ليست فقط حكرا للكلام عن الأدب والشخصية والثقافة، لكن يجب أن تكون أساسا لبناء الوحدة السياسية في أفريقيا بمعنى أن تكون مرتكزا لحكومة اتحادية تنشأ للولايات المتحدة الأفريقية، وصمم في ذلك مؤلفا في هذا المجال أسماه (المقومات الاقتصادية والثقافية لدولة فيدرالية في أفريقيا السوداء).
"فالزنوجة" تعني النضال ضد العنصرية، ولمساعدة العالم الأسود في الانعتاق كما تعني الزنوجة، الحنين إلى الماضي ومآسي العبودية ومخاض الحرية وآمال المستقبل.
وهكذا نشأت الزنوجة". فقد كانت في بدايتها عبارة عن حركة سياسية صرفة ثم تحولت إلى ثورة ثقافية، ( [2]). وعلى هذه المرتكزات الثقافية نهض اتجاه الزنوجة Negritude بحركتيها الفنية والسياسية.
وقد انضوى تحت راية الزنوجة ولوائها عدد من المثقفين الزنوج لتمثل إدراكهم بعرقهم الأسود الذي يعتمد أصالة وحساسية الروح السوداء من رد فعل حيال كل تسلط لتتغلب الرماح البدائية علي البنادق الغربية .
يقول الباحث شعبان سليم : نتيجة شعور الزنوج بالكرامة أدركوا شخصيتهم بقوة وصرخوا دون خشية أو خجل بأنهم آدميون يوازون غيرهم من العروق البشرية إذ تباهت إحدى الشاعر الزنجيات قائلة :
أنا سوداء غير أني جميلة حسناء
فلا ينصرف اهتمامكم إلي لون بشرتي الزنجية
فالشمس قد لفحت محياى وأحرقت بشرتي .
مفهوم الزنوجة عند سنغور:
الزنوجة عند سنغور لا تمثل عنصرية مضادة بمقدار ما تتسع لتقبل أفضل ما عند الآخرين ، ومع أن صاحبه سيزير ابتكر كلمة الزنوجة ، فقد كان هو فيلسوفها وعقلها، وعلى يديه اتخذت أبعادا متطورة، وانتهت إلى احتضان الكون، ورفض العنصرية والتعصب من أي نوع، دون التخلي عن أساسها الفكري الذي لخصه هو نفسه، في قوله: " إنها إدراك القيم الثقافية الإفريقية " والدفاع عنها وتطويرها، وإنها " المجموع الكلي لحضارة العالم الإفريقي " فهي ليست عنصرية وإنما ثقافة.
لقد ظل سنغور يحاضر عن الزنوجة ويدافع عنها طوال رئاسته لأول جمهورية في بلاده.
اللغة والزنوجة: دخلت اللغة لتكون من العناصر الأساسية للزنوجة ، فاللغة عامل أساسي له نفس الأهمية كالجنس في وسائل الاتصال والثقافة والصراع. وقد كتب شاعر هاييتي ليون لالو (Leon Laeau) عام 1948م في هذا الصدد فقال:
هل تحس بهذه المعاناة
وهذا اليأس الذي لا يعادله شيء
أن يقع في مصيدة كلمات فرنسا
ذلك القلب الذي أتاني من السنغال
وهكذا يحس الفنانون بعدم الارتياح للكتابة بلغة أجنبية، فهم يشعرون بأنهم وقعوا في مصيدة عندما أنفسهم مجبرين على هجر اللغة الأم والتعبير بلغة الأم بالتبني.
نشأة حركة الزنوجة:
في عام 1934م تواطأ ثلاثة شبان كانوا دارسين في باريس على تأسيس مجلة الطالب الأسود Etudiant N0ir لدعم هذه الحركة الأدبية الجديدة وهو ما أسهم بشكل قوي في إرساء هذا التوجه وهم:
1- ليووبولد سدار سنغور، ولد عام 1906م بالسنغال.
2- ليون داماس ولد عام 1912م من جيانا.
3- إيمي سيزار ولد عام 1913م من مارتنيك .
وسائل التعبير عن الزنوجة:
كان أول وسيلة للتعبير عن هوية السود هو الجرائد( [3])، وكانت الجرائد تحث على أن الممارسة الإيجابية للزنجية تكمن في التعبير عن كونها تتوافر على مخزون ثقافي وليس فقط على أنها توجه سياسي صرف لتتمكن من استعطاف المثقفين البيض كذلك على أساس تقديمها كحركة إنسانية جادة بناء على قاعدة أن كل الأجناس البشرية تنتمي إلى الإنسانية.
وقد نجحت الحركة الزنجية في استمالة مثقفين بارزين ك»جون بول سارتر» و»جيد» و»ألبير كاموس» و»ريفي» و»بروطون» و»ثيودور مونود» وتوجت سنة 1949 كميلاد فعلي للنشر والحضور الإفريقي.
وهكذا أسهمت هذه الجرائد في الرفع من مستوى الوعي لدى السود بخصوصية هويتهم ومن ثَمَّ النهوض للدفاع عنها من أجل التخلص من عقدة العنصرية التي تذهب إلى حد الاستهانة بأصولهم العرقية.
فأول مرة ظهرت عبارة الزنوجة كانت في قصيدة إيمي سيزار التي نشرها عام 1939م بعنوان " دفتر العودة إلى مسقط الرأس" وفيها يحاول تشخيص الملامح الإفريقية التي تنطلق منها دعوته الزنجية بإبعادها عن كل ما هو أوروبي، فيقول:
زنجيتي ليست ببرج ولا بكتدرائية
بل امتداد من أعماق الأراضي السهباء
امتداد من لفائح تلك السماء المتوهجة
صدى حركة الزنوجة:
أصبحت هذه الحركة مصدر فخر بالنسبة لبعض الأفارقة إذ اعتزوا بلونهم الأسود. يقول الدكتور كوجير : " إذا صعدت روحي إلى السماء وقال لي ربي : " أجري إني سأرسلك إلى الدنيا مرة أخرى فما ريك ، أتفضل أن ترجع أبيض اللون ؟ فسوف أجيبه "لا" أرسلني أسود رجلا أسود ، معتما كامل السواد ، وإذا سألني ربي لماذا ؟؟ فسأجيبه " لأن لدي عملا سأقوم به ، ولا يمكنني كرجل أبيض أن أؤديه ، من فضلك أرسلني أسود بقدر ما تستطيع من سواد".
وقال سنجور: "- أنت أسود، أي أنت جميل". لا يزال تحديد سنغور هذا، يثير الصدمة إلى اليوم من دون شك. وقد أُطلقت هذه العبارة في النصف الأول من القرن الماضي، فشهدت للأنفاس الأولى التي لفظتها حرية السود من خلال خرق المحرَّم الثقيل : الاعتراف بحق الشخص الأسود في أن يكون مثل غيره، والتمتع حتى بسمات الشخص الأبيض، ومن بينها أن يكون جميلاً.
وفي قصيدة البطاقة السوداء التي نشرها ليودامس عام 1956م استهل كعادته بأسلوبه الساخط للتعبير عن النظرة الإفريقية التقليدية للجمال، والتي تجعل السواد معيار الفضيلة، كما تعتبر ثقافات أخرى البياض محور الحسن والفضيلة فيقول [4]:
لا يكون الأبيض زنجيا قط
لأن الجمال أسود
والحكمة سوداء
ولأن التحمل أسود
والشجاعة سوداء
لأن الصبر أسود
والحديد أسود
ولأن الجاذبية سوداء
والشعر أسود
ولإيقاع أسود
ولأن الفن أسود
والحركة سوداء
لأن الضحك أسود
ولأن المرح أسود
لأن السلام أسود
والحياة سوداء
ويقول شاعر آخر قي قصيدة بعنوان : أكاذيب بيضاء
تدندن ماجي
مصابة بفيروس
الجنون الأبيض
ناظرة الرعب في المرآة.
بدأب وهوس
تُبيض وجهاَ سخامياَ،
وتتصارع بمشط حديدي
في الفروة المجعدة.
وأنا أنظر
أنا أعرف البياض النقي
والقلب الأبيض
فالأبيض، السلام والفضيلة المطلقة.
الملائكة بيضاء
الملائكة طيبة.
وأنا أسود
أسود مثل الخطيئة المحشورة في علبة النشوق .
يا الله. لقد تم تبييض دماغي.
ولكن لأجل السماء يا رب
حررني.
وتحت غطاء سوادي
دعني أذهب في حملة.
على بساط ممتد من هنا
إلى دالاس، ممفيس، بيلسين، قولوثا.
سأطين شيطاناَ أبيضاَ.
دعني أعلم حقيقة السواد
وأن الغمام الأسود ليس مؤشر القيامة
إنما الأمل، المطر، الحياة
اسمح لي أن أطلق صاعقة الأسود المكهربة
حتى يعرف الجميع معنى الأسود جيداَ.
الزنوجة عند سيزار:
وصف سيزير الزنوج في قصيدته الشهيرة قائلاً:
" أولئك الذين لم يخترعوا البارود والبوصلة،
أولئك الذين لم يسيطروا على البخار والكهرباء،
أولئك الذين لم يكتشفوا البحار ولا السماء،
أولئك الذين لم يعرفوا من السفر إلا الاقتلاع... " .
إنها صورة جارحة تعبّر عن حال الفقر والتخلف اللذين يحاصران عالم الزنوج من جراء الظلم الذي ألحقه بهم المستعمر الأبيض. ويقول عن زنوجته:
" زنوجتي ليست حجراً،
زنوجتي ليست برجاً ولا كاتدرائية،
زنوجتي تغوص في الجسد الأحمر للأرض،
تغوص في الجسد المتّقد للسماء" .
ولقد نالت هذه الحركة الأدبية شكلها الفني بظهور كتاب سنغور" المختارات من الشعر الزنجي والملاجاسي الجديد" .
وسمى سارتر مقدمة الكتاب "أرفي الأسود" Orphee Noir قال فيها " الزنجي مثل العامل الأبيض ضحية البنية الرأسمالية في مجتمعنا، وهذا الوضع يثنيه عن التعاون بتشهير الفروق اللونية، هذا الوضع السيئ يحرضه على قذف المجتمع بلا استثناء، مجتمع مجرد السحنة فيه جريمة، وهذا الظلم الذي يقلل من شأنه يتأطر من أبعاد تاريخية وأوضاع جغرافية كان السود دائما فيها الضحية، ولأنه أسود إما أن يستعمر في بلاده أو يصدر كإفريقي خارج بلده، ولما كانت كل هذه الانتهاكات لأجل جنسه فقط، أدرك أنه قبل كل شيء لا بد أن يستوحي الضمير واليقظة من هذا الجنس المنتهك .. وهذه العنصرية هي السبيل الوحيد لتجاوز الفرو قات العرقية "( [5]).
الزنوجة في الفن الروائي والمسرحي:
الزنوجة وإن ولدت وترعرعت في أيدي الشعراء فإنها انتهت وتلاشت بين أيدي الروائيين. ونفحة الزنوجة في روح الأدب الأفريقي جاوزت الشعر والرواية بل أوجدت للمرة الأولى فن المسرحية الأفريقية، ففي كنف مدرسة وليام بونتي بالسنغال والتي كانت ملتقى طلاب إفريقيا الغربية الفرنسية كأرقى مدرسة في أفريقيا الناطقة بالفرنسية، كانت التقاليد الأفريقية المزدوجة تعطي العروض التمثيلية بين الطلاب مادة غنية بالحيوية والموضوعات التاريخية والاجتماعية لا تنفصل عن القضية التي تكافح لأجلها حركة الزنوجة في باريس، مما ساعد الطلاب بالوقوف على فنيات المسرحية الحديثة، ونقلها إلى بلادهم، فمن المسرحيات الشهيرة مسرحية "الساحرة " عام 1957م، لمؤلفها فرانسو جوزيف أمون من خريجي مدرسة وليام بونتي، وهو ساحل عاجي.
وخصائص الزنوجة تظهر في هذه التمثيليات دائما بموقفهم من الأوربي الذي يظهر دائما بشخصية المتسلط الغازي الذي يعجز دائما عن كسر روح المقاومة الإفريقية، كما هو في تمثيلية "شاكا" التي اختيرت من قصيدة حبشيات سنغور الشعرية 1956م. ونجد نفس الشيء في مسرحية الكاتب السنغالي أحمد سيسي جا بعنوان: " الأيام الأخيرة من حياة لتجور" 1965م، بطل السنغال القومي، وفيها تصوير للشخصية الإفريقية الرافضة أمام النهم الاستعماري.
الزنوجة والحاجز اللغوي:
وقد تمكنت الزنوجة في طور ازدهارها وحركتها من اختراق الحاجز اللغوي بين الإفريقيين تحت المستعمرات البريطانية، والمستعمرات الفرنسية وذلك بفضل بعض الأدباء الذين انضموا إلى الحركة وهم يجيدون أكثر من لغة، واشتهر من بينهم "كلود ماكاي" ذو الثقافة الإنجليزية، ثم الأديبة "بوليت ناردال " من المارتينيك، وكان لها صالون أدبي في باريس يحرر فيه الأدباء مجلة العالم الأسود، وكانت تصدر بلعتين.
وفي عام 1947م أسس السنغالي علي جوب مجلة الحاضر الأفريقي Presnce Africaine لنشر كل ما يدعم عجلة الحوار بين أفريقيا والغرب، ويساهم في حركة التأصيل الإفريقي وتقديمها للعالم، وقد تمكنت المجلة فيما بعد من تبني اللغتين الفرنسية والإنجليزية في إصداراتها التي تزيد اليوم على المائة في مختلف الفنون والمعارف. وكذلك شارك في إثراء هذا التواصل الثقافي المجلة الأدبية النيجيرية وهي : أرفي الأسود Orphens Black التي تأسست عام 1957م.
وقد رفض بعض الكتاب تعريف الإفريقي بأنه "كاتب أسود " واعتبروا تكشير الزنجي عن أنيابه العرقية مجرد هراء لا طائلة تحته، يقول الشاعر وول سوينكا الحائز على جائزة نوبل الأدبية عام 1986م " النمر لا يتبختر هنا وهناك مفتخرا بنمريته بل ينقض على فريسته"، وعليه فلا داعي للزنجي بأن يعرض عضلاته الثقافية بل يعبر عنها مباشرة( [6]).
وقد تلاشت الزنوجة كظاهرة أدبية في بداية الستينات وأفسحت المجال لكتابات أخرى للأدباء بمختلف لغاتهم مع فجر الاستقلال.
اتجاهات حركة الزنوجة
1- اتجاه المصالحة مع الغرب: سنغور نموذجا
موجات الزنوجة عند سنغور تختلف عن غيرها، فهو غالبا يتحدث عن عرض الأشياء ولا يتناول جوهرها، فيتحدث عن معاناة الغربة ولا يتحدث عن معاناة الاستغلال، ويلهج بفضائح "الحضارة البيضاء " في أفريقيا ولا يستحي من التعاطف مع مصالحها، فيبحث عن عذر للجرائم النكراء التي ارتكبها البيض في إفريقيا ضد السود، فعبر عن رسالتهم الإنسانية التي هي جزء من عبء الرجل الأبيض وهي تعمير وتمدين أفريقيا.
فجلجلة الزنوجة عند سنغور دائما تئول إلي المصالحة مع الغرب،لأسباب بعضها اجتماعية مثل تزوجه من أسرة فرنسية راقية، وبعضها سياسية يتمثل في تزعمه حركة سياسية ساعية لرئاسة البلاد بعد الاستقلال، فالعالم في فلسفه سنغور يقوم على شقين : عالم البيض القائم على العقل وعالم السود القائم على العاطفة، الأول خربته المادة والثاني غارق في الفطرة الأولى، فلذلك لا سبيل لانفصام الواحد عن الآخر لأنهما متكاملان، ففي قصيدته الصلاة في الأقنعة يردد سنغور بخشوع:
أقنعة أقنعة
قناع أسود قناع أحمر أقنعة بيضاء وسوداء
أشكال رباعية حيث تنفث الأرواح
أسلم عليكم في هذا السكون
هاهي أفريقيا الممالك تحتضر
يا لها من احتضار أميرة يرثى لها
وكذلك أوربا التي تعلقنا بها جميعاً
ثبتوا عيونكم على أبنائكم المأمورين
الذين يبذلون حياتهم، مثل المسكين
يبذل آخر ما يملك من اللباس
فلنكن على موعد مع العالم الجديد
كالخميرة التي لا يستغني عنها الدقيق الأبيض
فمن غيرنا يبعث الحركة
في عالم ميت بالآلات والمدافع
من ينفث صرخة الفرحة ليبعث الموتى المحرومين مع الشروق
الزنوجة عند سنغور إذن هي حركة تنموية وليست سبيلا للتمايز الحضاري، فمقصده بالزنوجة القيم الدائمة للحضارة الزنجية والروح الجماعية واحترام القيم الروحية.( [7])
وإذا كان سنغور يؤمن بالمصالحة مع الغرب، وبضرورة المزاوجة بين الثقافات فإن معاصره ورفيق دربه"بيراكو جوب" الذي ولد في داكار عام 1906م وارتباطه بإفريقيا أوثق من ارتباط سنغور بها" يقف معه على طرفي نقيض، فهو يقلب هذه المصالحة مع الحضارة البيضاء التي يعتبرها شرا ونكسات ومعاناة وعواصف على العالم بكل شعوبه، فهي شمس منذ بزوغها.
اتجاه المقاومة:
زعيم هذا الاتجاه هو دافيد جوب: ولد في مدينة "بوردو" الفرنسية وكان على صلة دائمة بإفريقيا‘ مات في حادث طائرة في سن مبكرة لا تتعدى الثالثة والثلاثين، وشعره ثوري لاذع، موجه ضد الرجل الأبيض الذي يتصف في شعره بصفات الجبروت وحب السيطرة والغطرسة على الآخرين، ففي قصيدته زمان الاستشهاد " يذكر جرائم الرجل الأبيض في أفريقيا:
الأبيض اغتال والدي
لأن والدي كان عزيز النفس
الأبيض اعتدى على والدتي
ثم توجه الأبيض نحوي
ويداه مخضبتان بدم أسود
وبصق تكبره على وجهي
وقال بصوته المتسلط
أنت تصلح أيها الغلام
أن تكون خادما وراعيا للغنم( [8])
وبنهاية الحرب العالمية الثانية 1945م وتحول ظروف العالم، دخلت حركة الزنوجة مرحلة التلاشي، وذلك بسبب تفرق زمرتها وروادها الأوائل مع شروق شمس الاستقلال.
الحدود الجغرافية لحركة الزنوجة في أفريقيا
1- : السنغال
هناك عدة عوامل جعلت السنغال تفقس أوائل الأدباء الأفريقيين الناطقين باللغة الفرنسية، فقد كانت السنغال بداية تاريخ الاستعمار الفرنسي في أفريقيا السوداء.
وبنهاية الحرب العالمية الأولى وجدت أربع مدن سنغالية لها حقوق المدن الفرنسية باعتبار سكانها فرنسيين ، فتحسنت الأوضاع وكثرت المدارس والجرائد السياسية، وظهرت الأحزاب السياسية التي تجاهد لتمثيل مرشحيها في البرلمان الفرنسي.
وفي عام 1920م ظهر أول عمل أدبي بكل معنى الكلمة وهو رواية " رغبات مالك الثلاث" للمدرس حمدو مباني جانجة، والكتاب كله يدور حول الحياة الاجتماعية التي شابها كثير من التغيير مع تغلل الرؤى الغربية للحياة.
ولسنا بحاجة لنكرر دور السنغاليين في تأسيس حركة الزنوجة ومدها بالحيوية والعطاء حتى اختفائها من الساحة الأدبية. والمسترعي لانتباه الدارس لهذا الأدب هو أن شعراءها وإن اتفقوا على مواجهة طغيان الثقافة الغربية ومهاجمة حضارتها الخاوية من الروح فأنهم اختلفوا في خضم هذا الوفاق، وخاصة بين السنغاليين الثلاثة الذين أثروا الحركة وهم سنغور، وبراكو جوب، ودافيد جوب.
2- حركة الزنوجة في نيجيريا:
إذا كانت السنغال رائدة الأدب الأفريقي المكتوب بالفرنسية، فإن نيجيريا بوزنها السكاني والثقافي والاقتصادي والتراث الأصيل هي رائدة الأدب الإفريقي المكتوب باللغة الإنجليزية، ففيها ظهرت جريدة أرفيس الأسود، وقد ساهمت كلية إبادان الجامعية التي أسست عام 1948م في دعم الادب ، فأظهرت وزن نيجيريا الأدبي في فنون الشعر والرواية والدراما.
ومن أشهر أدباء نيجيريا في هذه الفترة : شينو أشيبي، إيشلي أمادي، وفلورا نوبا، ودانيس أوسديبي، وسيبيرين مكيونسي، ومن الشعراء المرموقين كريستوف أوكيكبو ، ومن الذين أسهما في تحديث الأدب النيجيري في مجال الشعر أو الرواية أو المسرحية هو( وول سوينكا) "1935م " الذي حاز على جائزة نوبل العالمية في الأدب عام 1986م . وكان من ألد خصوم حركة الزنوجة وقال أن بعث الثقافة الإفريقية لا بد أن يستوحى من الموروث الأفريقي لا من مفهوم الزنوجة.
3- حركة الزنوجة في شرق أفريقيا:
الوضع في شرق إفريقيا يختلف عنه في غرب إفريقيا وجنوبها، فقد تولد الأدب في ظروف خاصة وعلى أرضية تتمتع بأدب أصيل مكتوب باللغة السواحلية وبالحرف العربي، ويرجع تاريخ أول مخطوط شعري في هذه المنطقة إلى عام 1725م.
ومع تأسيس مكتب أدب شرق أفريقيا بنيروبي عام 1948م، حدثت نهضة التأليف في كل مجالات الأدب بصدور نشراتها باللغتين السواحلية والكاندا. كما تم تأسيس مجلة لعبت دوراً مهماً في ترسيخ الاتجاهات الأدبية الحديثة بتشجيع الأدباء الشباب هي مجلة الانتقال Transition) ) ( [9])، وقد ظلت منبرا أدبيا راقيا لكل الأدباء شبابا وسياسيين وكان من كتابها الملتزمين جوليوس نايريري( [10])، وتوم مبويا .
وفي الستينات بدأت سلسلة الاستقلالات لدول شرق إفريقيا ، وقد أعطت الأحداث التي واكبت حركات التحرر مادة جديدة للأدباء خصبة بالفكر والخيال نمت المشاعر القومية وأكدت أهمية اللغات المحلية .
وابرز شاعر في شرق إفريقيا هو أوكوت بيبتيك ، والكاتب الروائي الرائد في شرق أفريقيا هو جيمس كوكي 1938م ، الذي تمرد مع مجيء الاستقلال على كل ما هو أوربي، فضرب باسمه المسيحي عرض الحائط (جيمس) باعتباره شيئا لا يناسب نفسه وأفريقيته، وتسمى ب (كوكي واتنيكو) تقليدا وتخليدا لثقافة آبائه الكيكو في كينيا.
ولأعمال كوكي الأدبية صدى في الآداب العالمية، فهو ممن ساهموا في تصدير الأدب الأفريقي، مستعينا بقدرته الإبداعية وأسلوبه السلس، وله ثلاث روايات مشهورة يناقش فيها مشكلات الهوية الثقافية والوحدة الوطنية في كينيا.
الأولى: " لا تبك أيها الطفل" 1964م ولعلها سيرة ذاتية للكاتب إبان حركة المقاومة المعروفة بماماو ضد الاستعمار الانجليزي في كينيا.
الثانية: "النهر الفاصل" 1965، وهي عرض للصلة بين العادات والتقاليد المحافظة، وبين متطلبات الحياة الوطنية الجديدة.
الثالثة: "حبة قمح" 1956م ،وهي حديث عن الحياة العامة فيما بعد الاستقلال، وتقييم الناس لشخصيات المقاومة في المجتمع الجديد تحت ظل الحكومة الوطنية.
ولأن شرق إفريقيا تعرض للاستعمار الاستيطاني من طرف الانجليز، بجانب وجود جاليات كبيرة من الهنود فقد تأجل تشكيل قوى وطنية لانعدام القومية الجامعة لكل شتات المجتمع، وقد جعل كل هذا الإنتاج الأدبي فيه أقل كما وكيفا من غرب أفريقيا، بل حتى حركة الزنوجة فإنها شغلت بال أدباء شرق أفريقيا في زمن متأخر من أواخر الستينات عبر الشخصية الإفريقية.
4- حركة الزنوجة في السودان:
أدرك بعض الأدباء أهمية التمازج الثقافي والعرقي بين القوميات السودانية المختلفة، فاتجهت مجموعة من الشعراء بعد الاستقلال إلى استلهام خلاصة التلاقح العربي الإفريقي الذي نجم عن معركة التراث بين الحضارتين، وذلك لتأصيل هوية الأمة، وقد كانت هذه القضية واضحة البروز فى الشعر فى فترة الستينات وما تلاها، وقد اهتم الشعراء بهذه القضية لأنها تمثل واقعاً لابد من التعبير عنه، بل قد فرض نفسه على الوجدان الفني، هذا الواقع هو استلهام تجربة سنار المستعربة المسلمة للبحث عن الأصالة السودانية التي امتزجت فيها العروبة بالإفريقية، وتفاعلت فى أعماقها الثقافة العربية الإسلامية مع الموروثات المحلية، فتبلور مزيج ثقافي لا يخرج عن الإطار العام للحضارة العربية الإسلامية، ولكنه يتميز بروحه المحلية الخاصة( [11]).
وإذا تتبعنا هذا الأثر على الواقع الأدبي، فإننا نجد كثيراً من الشعراء قد عبروا عنه بحسب منازعهم المتباينة حتى تشكل من ذلك ما يسمى ب(مدرسة الغابة والصحراء). وكان مضمون هذا الاتجاه عبارة عن إجابة منطقية لسؤال سألوه أنفسهم، وهو من أين نتبع أصالتنا ؟؟ من الغابة الزنجية أم من الصحراء العربية ؟؟.
ولعل بروز هذا الاتجاه قد كانت بدايته على يد الشاعر والناقد (حمزة الملك طمبل)( [12])، إذ دعا إلى قومية الأدب السوداني، ويقصد بالقومية : صدق التجربة الشعرية. ثم نمت على يد بعض شعراء الثلاثينات الذين جسدوا آلام ومعاناة الشعب آنذاك، ثم تتطور هذا المفهوم إلى مرتكز فكرى وفلسفي عند شعراء الستينات، وكان الرائد في ذلك هو الشاعر (محمد المهدي المجذوب)( [13]) الذي كسر الحاجز النفسي وتمنى أن يكون زنجياً ساذجاً يعيش البراءة الأولى في أعماق الغابة العذراء.
وإذا علمنا وضوح المقابل الثاني في هذه القضية ، أي الدعوة إلى الحضارة العربية الإسلامية في أذهان غالبية سكان السودان لا سيما القبائل المستعربة وتمكنه في أنفسهم لأدركنا المهمة الصعبة التي قام بها هؤلاء الأدباء.
فالسودان بحكم تكوينه الجغرافي والبشري هو البلد العربي الوحيد الذي استجاب شعراؤه للقضية الأفريقية، فبحكم الثقافة العربية السائدة فيه ظل التطلع نحو الشرق والشمال يسم بصماته على ملامح أدب هذا البلد الذي ليس إلا نسخة مصغرة من القارة الأفريقية، والاتجاه الأفريقي عارض لدى شعراء السودان، وليس حسا متدفقا عن معاناة، ولا تجاوبا صادقا لهذا الشعور أو تفهما لقضاياه.
فالزنوجة مثلا لا تتراءى لمحمد المهدي المجذوب كحركة ثقافية تناطح اللاتينية كما هي عند سنغور، ولا كهوية وانتماء تصطبغ بها الشخصية الأفريقية كما هي عند الأدباء الأفريقيين الآخرين، بل هي خرق من العادات البدائية المفعمة بالطرب والسكر، ولهو دؤوب يقعد صاحبه عن طلب غيره من مفاخر الحياة فيتمنى الشاعر لو يشاركهم هذه الحياة في مرحلتها البدائية فيقول:
فليتي في الزنوج ولى رباب تميل به خطاي وتستقيم
أجشمه فيجفل وهو يشكو كما يشكو من الحمة السقيم
وفى حقوي من خرز حزام وفى صدغي من ودع نظيم
واجترع المريسة فى الحوانى وأهزأ لا ألام ولا ألوم
طليق لا تقيدني قريش بأحساب الكرام ولا تميم
وتشير أبياته في ظاهرها إلى ضرورة وأهمية التمازج الثقافي والعرقي بين القوميات السودانية المختلفة، وترك الزيف الاجتماعي والرجوع إلى المنبع والأصل الذي تكونت منه الهوية السودانية وهو تلاقى وامتزاج الغابة بالصحراء.
ويقول صلاح أحمد إبراهيم:
أنا من أفريقيا حرارتها الكبرى وخط الاستواء
شحنتني بالحرارت الشموس
وشوتني كالقرابين على نار المجوس
لفحتني فأنا منها كعود الأبنوس
وأنا منجم كبريت شديد الاشتعال
يتلظى كلما اشتم على بعد تعال
أنا من أفريقيا جوعان كالطفل الصغير
وأنا أهفو على تفاحة حمراء من يقربها يصبح مذنب.
نجد في أبيات (صلاح أحمد إبراهيم ) هذه ربطاً بين الوجود الإنساني في أفريقيا وما يتبع ذلك من اختلاف اللون والمزاج والذوق كأنه يستحضر في اللاواعي نظرة ( ابن خلدون ).
ومن الناحية الأخرى يسجل شعر ( الفيتو ري) اختلافاً تفصيلياً للإقليم الأفريقي وتفرده عن غيره . فنجده يشكل صورة ويتخذ أدواته من عنصر المكان عندما يقول:
لما انغرس الخنجر
كانت سيدتي الشمس تموج عينيها فوق الغابات
وتغني لحقول الكاكاو الممتدة والشلالات
وقوارب صيادين مساكين حزانى الضحكات
ونساء علقهن اله الجوع على طول الطرقات.
الصادق محمد آدم
جامعة النيل الأزرق – كلية التربية
Alsadig Mohammed Adam [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.