شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إفشال السلام: وثيقة الدوحة وترويض دارفور .. بقلم: عمر قمر الدين إسماعيل وأنيت لاروكو
نشر في سودانيل يوم 02 - 10 - 2012

وثيقة الدوحة وترويض دارفور
بقلم: عمر قمر الدين إسماعيل وأنيت لاروكو
*
ترجمة: صلاح شعيب
وهكذا فشلت إتفاقية أخرى للسلام في دارفور. ومع ذلك فإن الأمم المتحدة منفردة، ثم بتضامنها مع بعض الحكومات المانحة، تستمرأ دعم تنفيذ وثيقة الدوحة. ولكن للأسف فإن هذا الدعم المستمر إنما سيجعل الأمور أكثر سوءً في واقع دارفور. بهذا التعميق للسلام المحتضر، فإن المجتمع الدولي يتجاهل الصراع الذي لم تعالجه الوثيقة، في حين أنه يسهم في الوقت نفسه في دفع استراتيجية الحكومة القائمة على نهج (فرق تسد)، إذ أنها بهذا النهج تسعى إلى التفاوض بشكل منفصل مع الفصائل المختلفة في دارفور دون القناعة بأن يشمل التفاوض قضايا التمرد المماثلة في جنوب كردفان، والنيل الأزرق، وإلى حد ما الشرق.
إن وثيقة الدوحة للسلام في دارفور والتي وقعت عليها في يوليو 2011 حكومة السودان وحركة التحرير والعدالة، وهذه تمثل واحدة فقط من عدة حركات مسلحة، كانت معيبة للغاية منذ بدايتها. وبالتالي فشلت في معالجة الأمن، وأهم القضايا السياسية التي أفرزها النزاع في دارفور. فالوثيقة لم تسع فقط لمعالجة الصراع في دارفور، بدون شمل الحركات المسلحة الرئيسة، لكنها أيضا أتاحت للخرطوم مواصلة سياسة فرق تسد وسط كل مناطق الصراع في البلاد والنجاح في عزل أزماتها عن بعضها بعضا. يحدث كل هذا في حين ما تزال الدول المانحة الرئيسة والأمم المتحدة تواصل دعمها للوثيقة باعتبارها خطوة هامة نحو إنهاء الصراع الذي دام عشر سنوات في الإقليم الشاسع!
بإختصار، إن الحكومة في الخرطوم تعوق باستمرار أي تنفيذ لوثيقة الدوحة والتي هي بالفعل قائمة على أساس هش. وفي الواقع أن أوجه القصور في الوثيقة يكمن في مستويين: المستوى الأول يتمثل في الفشل المفاهيمي في معالجة النزاع في دارفور من خلال فصله عن عدد لا يحصى من نزاعات مناطق السودان الأخرى المهمشة. ولكونها معيبة، وناقصة بشدة ،وغير كافية، فالوثيقة لم تعالج القضايا الأمنية الأساسية فضلا عن القضايا السياسية التي ساهمت في حمل قادة دارفور السلاح ضد النظام في المقام الأول. والمستوى الثاني لقصور وثيقة الدوحة يتمثل في أنها لا تستطيع كبح جماح الميليشيات التي ما تزال تسهم في خلق حالة من عدم الاستقرار عن طريق منع عودة النازحين داخليا وكذا اللاجئين.
إن وثيقة الدوحة تشبه إلى حد مخيف الكارثة الدبلوماسية الناجمة عن اتفاق سابق وقع في أبوجا في عام 2006 لمعالجة النزاع. ولعل ذلك الإتفاق عزز كذلك فرص القتال في دارفور وعزل مناقشة قضايا الإقليم عن قضايا التهميش الهيكلي الذي يعاني منه معظم المناطق الطرفية في السودان.
حقيقة أن المظالم الموجودة في دارفور إنما تنهض دليلا قويا على حزمة المشاكل القومية التي يعاني منها السودان. وبلا أدنى شك أن هذا يدل على الخلل الدفين في الوثيقة التي تعالج فقط واحدة من مظاهر مشاكل التهميش الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، وتهميش سكان التخوم، والتي خلقها نظام الخرطوم. وحتى يتم اعتماد نهج شامل لتحقيق التحول الديمقراطي لجميع الشعب السوداني، وحل جميع قضاياه السياسية فإن وثيقة الدوحة، وأية ملاحق اتفاق تالية لها، سوف تعجز عن الإسهام في تحقيق السلام في هذه المنطقة المضطربة.
على ضوء ما تقدم نرى أنه يجب على حكومة الولايات المتحدة، فضلا عن الجهات المانحة الرئيسة الأخرى، والمنظمات المتعددة الأطراف، تغيير تعاملها مع دارفور كشأن سياسي منفصل عن بقية مشاكل السودان. وللمضي قدما نحو هذا الإتجاه، يجب دمج قضايا دارفور ضمن التفكير العام بشأن قضايا السودان كله.
إن التطبيق الضعيف لوثيقة الدوحة يعني إستمرار مماطلات وتكتيكات الخرطوم المعتادة. فالحكومة توافق على عقد الإتفاقيات لتهدئة الضغط الدولي، ولكن ليست لديها المصداقية الكافية للإلتزام بتنفيذ الاتفاق. حتى أن أفضل أمثلة الخرطوم المعترف بها للوفاء بالتزاماتها، وهو سماحها لإنفصال الجنوب، كان وفاء محفوفا بالقيود. وفي حين اعترفت باستقلال جنوب السودان إلا أنها قوضت العديد من العناصر الرئيسة في إتفاق السلام الشامل. فالوضع النهائي لمنطقة أبيي والمشورة الشعبية لمواطني جنوب كردفان والنيل الأزرق، ما يزال دون الحل. وهكذا هي الخرطوم تفعل ما يكفي لدرء الضغوط الدولية بينما لا تفعل شيئا ذي مغزى لتنفيذ تعهداتها ومن ثم إحداث تغيير جوهري في البلاد. هذا النهج أدى سلفا إلى فشل معظم الإتفاقيات التي وقعت عليها حكومة الخرطوم لأنها ظلت دؤوبة في تعضيد نواياها المخادعة.
إننا لاحظنا عدة أمثلة لهذا التكتيك الحكومي المخادع في العمل تجاه وثيقة الدوحة. فأبرز الإنتهاكات الثلاثة الأكثر وضوحا لأحكام وثيقة الدوحة تمثلت في فشل الحكومة في تحويل الأموال المخصصة للسلطة الإقليمية لدارفور، وترددها في التعاون مع خطط بعثة السلام المشتركة لدارفور، يوناميد، بالإضافة إلى عدائها للجهات الإنسانية الفاعلة، بما في ذلك الإستمرار في وضع العقبات أمام وصول المساعدات الإنسانية دون قيود. كل هذه الإجراءات تشكل انتهاكا موثقا لإلتزامات حكومة السودان بموجب وثيقة الدوحة. وعلاوة على ذلك، فإن هذه التكتيكات ليست فريدة في دارفور فحسب، وإنما هي جزء لا يتجزأ من إستراتيجية النظام في غيرها من مناطق الصراع السابقة والحالية.
دارفور وسلطتها الإنتقالية:
نعم فشلت الحكومة السودانية في توفير الأموال المطلوبة للسلطة الإنتقالية في الوقت المناسب، وذلك عرقل تنفيذ أي من مهامها الأساسية بطريقة فاعلة. وبالخصوص أصبح تمهيد عودة النازحين واللاجئين في وضع حرج. فحكومة دولة قطر حينما سهلت توقيع وثيقة الدوحة إشترطت على الحكومة أن تكون مساهماتها النقدية للسلطة الإنتقالية لدارفور مرتبطة بمساهمة الحكومة السودانية في المبتدأ. وكما نعلم أن مساهمة قطر التي وعدت بها تصل إلى نحو إثنين مليار دولار لإعادة الإعمار والتنمية. ومنذ أن سمحت الخرطوم بتوفير مئتي مليون دولار الموعودة للسلطة الإنتقالية بشكل بطئ، بقيت قطر بغير رغبة في توفير الأموال التي وعدت بها في حال غياب مساهمات السودان المعلنة. وقد أعرب رئيس السلطة الإقليمية لدارفور التيجاني سيسي عن الإحباط والقلق من أن عدم وجود المال قد يؤدي إلى إنهيار وثيقة الدوحة. ومؤخرا في نهايات أبريل الماضي قال سيسي إن الحكومة لم تدفع قرشا واحدا لبنك تنمية دارفور. وأضاف سيسي أنه يجب أن تكون الحكومة أكثر جدية إذا أرادت السلام في المنطقة. ولقد أدى فشل السلطة الإقليمية في الحصول على أموال كافية من الحكومة إلى تأجيل مبادراتها الرئيسية إلى وقت غير مسمى، بما في ذلك تطوير البنية التحتية، وبدء عملية عودة النازحين داخليا، وتسريع جهود المصالحة في الإقليم.
ومثيل آخر لفشلها في تلبية الإلتزامات المالية المتفق عليها، تلكأت الحكومة في توفير الدعم المالي المحدد لإتفاق الشرق. فحينما وقعت الخرطوم إتفاق سلام عام 2006 مع مسلحي جبهة الشرق كان الإتفاق ينص على أن يتزامن فتح المجال للاستثمار والتنمية مع السلام في أقاليم الشرق الفقيرة وهي البحر الأحمر، والقضارف، وكسلا. بينما الحال هكذا إصطفت الجهات المانحة للتعهد بدعم الشرق. ولكن حتى الآن لم نر تحسنا كبيرا في واقع الإقليم، الأمر الذي قد يهدد بإشعال فتيل النزاع في أي وقت.
بالإضافة إلى كل هذا، ففي خلال فترة السنوات الست الانتقالية قبل استقلال جنوب السودان، فشل السودان بإستمرار في توفير الأموال المستحقة لحكومة جنوب السودان وفقا لأحكام تقاسم الثروة في إتفاق السلام الشامل. ولعل هذا السلوك، كان عاملا مهما في جعل الوحدة غير جاذبة للجنوبيين.
الفشل في التعاون مع بعثة السلام المشتركة:
ما يزال السودان يواصل إخفاقه في تلبية متطلبات وثيقة الدوحة والتعاون مع بعثة حفظ السلام المشتركة يوناميد. وعلى النقيض، سعت الخرطوم بنشاط ضد الامم المتحدة والاتحاد الافريقي، ووكالاتهما في جميع أنحاء السودان. كما أن الخرطوم تجاهلت بانتظام وضع اتفاقية القوات التي وقعتها مع قوات حفظ السلام في عام 2008. وتسمح الاتفاقية بحرية حركة يوناميد عبر المنطقة دون الحصول على موافقة مسبقة من الحكومة، ولكن السودان ظل يحد باستمرار من قدرة يوناميد على التجوال في جميع المناطق، وهذا انتهاك مباشر لوضعية قوات البعثة. ولقد عانت البعثة في القيام بعمل دوريات للرصد، وتنكبت الخطى في تنفيذ ولايتها لحماية المدنيين. ونتيجة لهذا، إفتقرت قوات بعثة حفظ السلام إلى ثقة السكان المحليين فيها، وزاد هذا من تعقيد مهمتها. ولحظنا أن النازحين تعرضوا لعدة حوادث وهجمات داخل أو بالقرب من المعسكرات التي يقيمون فيها، ومع ذلك لم يبلغ الضحايا عن هذه الهجمات ليوناميد كما كانوا يفعلون سابقا. وعندما سئل الضحايا عن أسباب صمتهم عما حدث كان معظمهم يجيب بأن اليوناميد تأخذ وقتا طويلا حتى تصل إلى الموقع للشروع في التحقيق.
ويشار إلى أن الاتحاد الافريقي والأمم المتحدة قد أعلنا مؤخرا تخفيضا في عدد قوات بعثة حفظ السلام يوناميد وذلك لم يأت قناعة بأن العنف قد تضاءل في دارفور، كما ظن البعض. ومع ذلك، فهي محاولة من اليوناميد لمقابلة تعويقات الخرطوم لها، وذلك بتخصيص قوات للمناطق الأشد نزاعا، واستئصال وحداتها غير الفاعلة أو المختلة. هذا الإجراء يستجيب لتجدد العنف في بعض مناطق دارفور. وعلى الرغم من هذا الواقع فقد وصفت الحكومة السودانية بشكل مضلل أن يوناميد تعمل على تخفيض قواتها إشارة منها إلى تراجع العنف.
وفي مناطق السودان الأخرى بدا سلوك الخرطوم فيما يتعلق بيوناميد مشتق من تفاعلاتها مع بعثة الأمم المتحدة في السودان، أو يوناميس نفسها. فخلال فترة ولاية بعثة الأمم المتحدة والتي تزامنت مع فترة ست سنوات من عمر اتفاقية السلام الشامل الانتقالية، كان من المفترض أن تكون قوة الأمم المتحدة غير مقيدة في جميع أنحاء البلاد لحماية المدنيين بناء على بنود إتفاقية نيفاشا. ومع ذلك، كما هو الحال في دارفور، وضعت الحكومة السودانية قيوداً وأعباءً لا داعي لها على قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة. وبلغ تطرف هذه القيود إلى درجة أنه في الفترة التي سبقت استقلال الجنوب، قدر للسودان انتزاع السيطرة على أبيي، وفي بعض الأحيان مهاجمته لأفراد حفظ السلام يوناميس، دون إتخاذ أي رد فعل ذي مغزى من البعثة.
رفض وصول المساعدات الإنسانية :
على الرغم من بنود وثيقة الدوحة الواضحة، فإن حكومة السودان لا تزال تقيد بشدة، إن لم يكن بالرفض الصريح، وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق هي في حاجة ماسة إليها. وقد لاحظ بعض المراقبين أن مناطق كثيرة ما تزال تواجه أوضاعا إنسانية غاية في التدهور. فوكالات الأمم المتحدة، وكذلك المنظمات الدولية غير الحكومية مثل منظمة أطباء بلا حدود تواجه قيودا، وعرقلة، وعداء، من الحكومة. فاللجنة السودانية للمساعدات الإنسانية، التابعة للحكومة، تسن القواعد الصارمة بانتظام في جميع أنحاء دارفور، وتستخدم الحواجز المؤسسية لتشديد قبضتها على المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في المنطقة.
وعلاوة على ذلك، فإن هذه المنظمات غير الحكومية مهددة بالطرد إذا ما أتيح لها الإبلاغ بدقة عن الوضع المزري على أرض الواقع. وفي ضوء طرد الخرطوم عام 2009 لعدد من وكالات الإغاثة العاملة في دارفور لا يمكن الاستخفاف بمثل هذه القيودات التي تواجه المنظمات هناك. ولعله نتيجة لذلك، أصبحت دارفور مثل الصندوق الأسود الذي ترشح منه معلومات قليلة جدا بشأن الوضع الإنساني الكئيب.
وفي أماكن أخرى من السودان فإن حرمان وصول المساعدات الإنسانية هو السمة المميزة لسياسة الحكومة السودانية كما شاهدنا ذلك حادثا بانتظام في مناطق في دارفور وخارجها. وعلى سبيل المثال، وجدنا ولايات الشرق مثل كسلا، والبحر الأحمر، والقضارف، محرومة بإنتظام من وصول المنظمات غير الحكومية والتي غالبا ما تتعرض لمحاولات الطرد التعسفي، والتي وقع آخرها في أوائل يونيو 2012. آنذاك أجبرت ما لا تقل عن أربع من وكالات المعونة على إيقاف عملها في ولايات الإقليم الفقيرة. والمثال الأجدر بالذكر هو الرفض الصارخ بالسماح لعمال المساعدات الإنسانية بالولوج إلى النيل الأزرق، وجنوب كردفان. ذلك على الرغم من مستويات فاضحة من انعدام الأمن الغذائي، ونقص الرعاية الطبية، التي يمر بها السودان. وللأسف فأن الحكومة عارضت بعناد فائق، حتى في زمن الإدانة الدولية المتنامية، اتفاقا توسط فيه الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، للسماح بوصول المساعدات الإنسانية.
المضي قدما:
هذه الأمثلة مجتمعة تعطينا أدلة وافرة على أن وثيقة الدوحة غير قادرة على بلوغ مقاصدها. وكما هو الحال مع العديد من الاتفاقات السابقة الأخرى، فإن حكومة السودان لم تثبت التزامات تنفيذها. وهناك عامل إضافي هو أن مجموعات المتمردين الثلاث والأكثر نفوذا في دارفور ليست موقعة على الوثيقة، مما يشير ذلك إلى عيوب الاتفاق المفاهيمية. وهنا تتجلى مصلحة الخرطوم المصانة بإستراتيجية فرق تسد، إذ تعتمد على قدرتها على تفتيت المعارضة وخلق الصراعات المنفصلة. إن تمديد عمر النظام يعتمد بصورة راسخة علي قدرته في تفتيت المعارضة ووضعها في صناديق متناثرة. وهكذا من خلال الاستمرار في إنجاز حل لدارفور، منفصلا عن حلول مفترضة للمناطق التي تعاني من النزاع، وجدت الخرطوم حليفا في هذا المسعى المتمثل في المجتمع الدولي.
وفي الواقع، بقي في نزاع دارفور نهج تقليدي يحاول زيادة عدد جماعات المعارضة التي وقعت على وثيقة الدوحة. ولا تنهض هذه السياسة على ضعف عمليتها فحسب وإنما عدم تناسبها ايضا. فالوثيقة التي وقعت بين الحكومة وحركة التحرير والعدالة لا هي منفذة على الأرض ولا هي مقدرة في الخرطوم. ولهذا نرى أنه من غير العقلاني التفكير في أن الثلاث مجموعات المؤثرة الرافضة للتوقيع على الوثيقة ستحتشد وراء الوثيقة التي أوصلها الإسلاميون – بتعنتهم - إلى طرق مسدود.
إن تحقيق العدالة في دارفور لا يمكن إنجازه بمعزل عن تحقيق النظام السياسي الأوسع الذي يحل مشاكل البلاد. فالأزمات في دارفور، والنيل الأزرق، وجنوب كردفان، والشرق، وأقصى الشمال، ترتبط ارتباطا وثيقا مع أزمات المعارضة المركزية. فمظهر كل صراع، على الرغم من أنه قد يشيئ بالتميز، يمثل ببساطة مظهرا لأزمة ذات جذر مشترك، وهي في متنها سياسة نظام الخرطوم القائمة علي اهمال الأطراف وتهميشها.
ويبدو أن سياسة النظام لتهميش وإهمال تخوم السودان بما فيها دارفور بحاجة إلى المعالجة عبر نهج شامل للسلام في البلاد. فالضرورة التي دعت إلى إقامة تحالف بين مجموعات التمرد الدارفورية الرئيسة، وهي حركة العدل والمساواة، وحركتي تحرير السودان، جناحي عبد الواحد وميناوي، وجماعات المعارضة في جميع أنحاء السودان، والتي توحدت عبر الجبهة الثورية، تدل على التحديات التي تواجه جميع الفئات المتنازعة في السودان.
وقد اعترف المسلحون في دارفور أن أهدافهم لا يمكن إنجازها خارج سياق الحل الأشمل للمشكل السوداني. وذلك ما دعا إلى تحالفهم مع أنفسهم أولا، ومع جماعات معارضة أخرى ثانيا. كل هذا قناعة بأن القبول بوثيقة الدوحة والتي إنتهكتها الخرطوم، على كل حال، سوف يكون خيانة لجماعات التهميش الأخرى في السودان. ولكن على النقيض فإن الحكومة السودانية ستواصل سياستها في إستدامة نمط من الكبت، والعنف، والتجاهل، لجميع المناطق الطرفية ما لم يحدث تغيير أساسي في المركز.
وعليه نرى أن نظر المجتمع الدولي إلى دارفور كمشكلة منفصلة عن المجتمعات المهمشة الأخرى في السودان وسعيه لوضع حل لها بإنفراد سيكون مصيره الفشل.
إن التغيير في المركز يمضي بتقدم نوعي. والدليل على ذلك هذه الوحدة المتنامية، والمتحدة الهدف، بين الجماعات السياسية، وليس المسلحة فقط. فقد وقع سبعة عشر حزبا معارضا في الخرطوم، بقيادة حزب الأمة القومي وحزب المؤتمر الشعبي، على عريضة تدعو إلى الإصلاح السياسي أو تغيير النظام في حال إهمال هذا الإصلاح من أساسه.
هذه المجموعة المعارضة الحريصة على الحل السلمي، ومجموعة الإجماع الوطني، تقترحان أيضا حكومة ذات قاعدة عريضة بفترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات. وما له من دلالة فارقة أن الأحزاب التقليدية التي تنشط في صلب هذا الحراك هي الآن على استعداد للعمل إنطلاقا من المنصة السياسية للجبهة الثورية ذاتها، برغم معارضتها للعمل العسكري كوسيلة للتغيير.
والحال هكذا فإن على المجتمع الدولي إعادة تركيز جهوده حاليا من أجل دعم عملية التفاوض، والتي لا بد أن تشمل الجبهة الثورية جنبا إلى جنب مع الأحزاب السياسية الأخرى. ضف إليها منظمات المجتمع المدني السوداني، وغيرها من الجماعات المؤيدة لإستعادة الديمقراطية، والتي يمكن معالجة مظالمها بصورة شاملة مع الخرطوم. حقا إن هذا السعي المثابر يتطلب وضع الأساس لعملية سياسية شاملة وشفافة للجميع عبر إجراءات دستورية تؤدي إلى انتخابات ديمقراطية.
توصيات:
إننا نحث الولايات المتحدة على توحيد سياستها تجاه السودان بحيث ألا يتم التعامل مع أزمة دارفور بمعزل عن الصراعات والتحديات الماثلة في البلاد. ولا بد من نهج شامل لتسوية الصراعات في السودان وتحقيق السلام، والتحول الديمقراطي من خلال إستخدام نموذج المفاوضات بمشاركة دولية على غرار النهج الذي أسفر عن اتفاق السلام الشامل. هذا يقتضي مشاركة على مستوى عال للقوى الإقليمية، مثل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، أو الإيقاد، والأمم المتحدة، ودول الترويكا التي تضم (الولايات المتحدة الأمريكية والنرويج والمملكة المتحدة) فضلا عن مشاركة قطر، والصين، وغيرها من الدول. ويجب أن يصاحب هذا الجهد الدبلوماسي تبنى خطة لوجستية تساهم في نجاح التفاوض.علاوة على ذلك ينبغي على المجتمع الدولي حمل الأطراف المتنازعة لإجراء عملية تفاوض ذات مسارين بحيث أن تعالج القضايا الداخلية بين الشمال والشمال، بالتزامن مع محادثات الشمال والجنوب الجارية لحل ما تبقى من قضايا عالقة. كما يجب أن تشمل هذه العملية المجتمع المدني وممثلي الشعب. وتحقيقا لهذه الغاية لا بد من توسيع تعريف "أصحاب المصلحة" عوضا عن قصره على المجموعات المسلحة والأحزاب السياسية. ونرى أنه لا توجد وسيلة لتحقيق تسوية دون ترغيب الجبهة الثورية السودانية على المشاركة في المفاوضات. وللقيام بذلك، يجب تشجيع الجبهة على وضع برنامج سياسي شامل لجميع السودانيين. ويجب كذلك إستمرار تفاعل المجتمع الدولي مع الحلول إلى ما بعد الاتفاق حتى تبرز جدية التفاعل عبر مرحلة التنفيذ. مثلما يجب وضع معايير لتقييم الأداء والامتثال لبنود الإتفاقية بالنسبة لجميع الأطراف الموقعة على وثيقة الإتفاق الختامية ويجب إستخدام سياسة العصا والجزرة المتصلة بتجاوز المعايير الموضوعة. وعلى المجتمع الدولي المساعدة في وقف إطلاق النار وإنجاز إتفاق ذي مصداقية يسمح بوصول المساعدات الإنسانية للمناطق المتضررة. هذه الاتفاقيات يجب أن تراقب لتكون نافذة ومحمية بواسطة القوى الإقليمية والدولية. وأخيراً فإن عملية المفاوضات يجب أن تفضي إلى تحقيق إتفاق يشمل جميع الشعب السوداني، إتفاقا يضع إطارا لفترة انتقالية ويؤسس لعملية شفافة ودستورية تؤدي إلى انتخابات ديمقراطية.
* عمر قمرالدين إسماعيل هو كبير منسقي السياسات بمنظمة كفاية الاميريكية، وانيت لاروكو باحثة سابقة بالمنظمة وطالبة دكتوراة بجامعة كيمبردج حاليا.
* للاطلاع علي النسخة الاصلية باللغة الانجليزية يرجي زيارة الرابط التالي:
* http://www.enoughproject.org/publications/failing-darfur
salah shuaib [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.