بسم الله الرحمن الرحيم د. أحمد المفتى /مدير مركز الخرطوم الدولى لحقوق الإنسان (KICHR) هذا المقال عبارة عن ترجمة وتلخيص بتصرف لدراسة قدمت للبنك الدولى عام 2000 . ولقد أوضحت تلك الدراسة ان المنظمات التى يتكون منها المجتمع المدنى (المنظمات غير الحكومية والنقابات واتحادات اصحاب العمل والاكاديميين والمؤسسات الدينية ووسائل الاعلام وخلافه) كاصحاب مصالح في الحكم الرشيد ومؤسسات تتوسط بين الدولة والمواطنين يمكن ان تلعب دوراً هاماً في محاربة الفساد وهو من أهم الادوار التى يمكن ان تقوم بها عالمياً وعلي المستوى القومى . ولكن ذلك الدور تحده عدة اعتبارات من بينها ان المجتمع المدنى بخلاف الاحزاب السياسية تعوزه الشرعية لأنه غير منتخب ديمقراطياً كما انه لا يخضع لمساءلة مماثلة . وتلك الاعتبارات تؤدى الي دخول مجموعات عديدة ذات أهداف مشبوهة الي المجتمع المدنى . وكذلك فان الحل الأمثل هو خضوع منظمات المجتمع المدنى الي فحص دقيق من قبل المواطنين حتى تكون مساءلة بنفس الدرجة التى تتم بها مساءلة العاملين في الوظيفة العامة أو القطاع الخاص . وعلى الرغم من ذلك وبما أن معظم قضايا الفساد تتعلق بالموظف العام والشركات الخاصة فان المجتمع المدنى الذى يمثل المواطنين يمكن ان يلعب دوراً فريداً في التحقيق والقاء الضوء علي قضايا الفساد . ويمكن ان يتحقق ذلك عن طريق:- (أ) خلق وعى عام بالفساد : وذلك من خلال اجراء مسوحات قوميه عن الفساد وعن تقديم الخدمات وفحص تلك الحالات وتقييمها . ومن امثلة ذلك برنامج صوت المواطنين في اكرانيا وبرنامج خدمات الفقراء في الفلبين ، وهى طرق مبتكرة لايصال صوت المواطنين الي المسئولين وذلك لتحسين تقديم الخدمات وتقليل مستويات الفساد . (ب) صياغة وترويج خطط لمحاربة الفساد: ان السمنارات والمؤتمرات وورش العمل تعتبر من الوسائل الفاعلة في نشر المعلومات عن الفساد وبناء تحالفات ضد الفساد ووضع خطط عمل للقضاء عليه . ويمكن ان تشمل تلك الخطط التأثير علي مسودات القوانين بحيث تساعد علي مراقبة الفساد او تعمل علي بناء مؤسسات لمنع الفساد أو القضاء عليه . ومن بين مجالات تداخل المجتمع المدنى الترويج للاصلاح القانونى والقضائى وحرية الحصول علي المعلومات وتبسيط اللوائح المنظمة للعمل والخصخصة واصلاح اجراءات المشتروات الحكومية والتأكد من أن كل المشتروات والخدمات والإنشاءات الحكومية تتم وفق تلك الإجراءات . وفى حالة مخالفة تلك الإجراءات ينبغى على وزارة العدل تفعيل المواد التى تضبط الإهمال الوظيفى فى قانون المعاملات المدنية . (ج) مراقبة اعمال وقرارات الحكومة لتقليل الفساد: مثال ذلك في مجال الاسكان والصرف الحكومى ومراقبة الانتخابات . ومن امثلة مراقبة الانتخابات الناجحة ما جرى في الانتخابات العامة في زيمباوى عام 2000 حيث عقدت حولها حوالى 500 ورشة عمل وسمنار ومؤتمر خلال نوفمبر 1999 ويونيو 2000 وشارك فيها اكثر من 53,000 شخص . دور وسائل الاعلام في محاربة الفساد: تساعد وسائل الاعلام الحرة علي كشف الفساد وتسليط الضوء عليه ، ولقد لعبت تلك الوسائل دوراً كبيراً في محاربة الفساد في دول وسط وشرق اوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفيتى . ولقد دفع الصحفيون ثمن ذلك حيث قتل اكثر من 200 صحفى في الاتحاد السوفيتى السابق بسبب تتبعهم للفساد والجريمة . ومن بين كل اربعة صحفيين نالوا جوائز صحفية عام 2001 نجد ان ثلاثة منهم قد منحو الجائزة بسبب المعاناة التى تكبدوها بسبب التغطية الاعلامية للفساد والجريمة . ومن الاشياء التى تعوق جهود وسائل الاعلام في محاربة الفساد ضعف رقابة الدولة علي الفساد والفساد داخل وسائل الاعلام نفسها وذلك يعرف فى اندونيسيا بصحافة الظرف (envelop journalism) ، وكذلك يمكن اعاقة وسائل الاعلام عن طريق قوانين اشانة السمعة وكذلك عن طريق التهديد . تمكين المجتمع المدنى: حتى يحقق المجتمع المدنى غاياته فانه يحتاج الي نظام قانونى يضمن حقوق الانسان التى يتطلبها العمل مثل حرية التعبير والتنظيم وبالاضافة الي ذلك فان متطلبات تسجيل الجمعيات يجب ان تكون معقولة ولا تحول دون تسجيل الجمعيات . كما أنه يحتاج الى حل مشاكل توفر التمويل ، لأن ذلك دائماً ما يؤثر سلباً على اداء منظمات المجتمع المدنى لأنه يرتبط بأجندة خاصة . ولذلك فإن تجربة مركز الخرطوم الدولى لحقوق الإنسان (KICHR) الذى أسسه د. أحمدالمفتى عام 2005 فى العمل دون تمويل تستحق الدراسة لأنه ومن خلال تلك التجربة قد تمكن المركز حتى الآن من تنوير عضويته التى تجاوزت ال130,000 عضو . ان تفعيل المجتمع المدنى يتطلب كذلك حرية الوصول الي المعرفة والمعلومات وكذلك جذب العقول . علماً بان ضعف القدرات يضعف قدرة المجتمع المدنى علي اداء مهامه بما في ذلك محاربة الفساد . تحذير : موضوعات المساءلة والشرعية: ان المجتمع المدنى غير منتخب ديمقراطياً ولذلك فانه من مصلحة المجتمع المدنى ان يخضع لمعايير مساءلة وشفافية وديمقراطية واضحة . ولقد أوضحت الدراسة التى قدمت للبنك الدولى ان بعض المنظمات قد تم انشاؤها لجلب التمويل لمصلحة المؤسسين والعاملين بها ، ومن السذاجة الادعاء بان المنظمات محصنة ضد الفساد . واذا ما هيمن عليها رجال الاعمال والنخب القوية فانها يمكن ان تكون جزءاً من مشكلة الفساد . ولا شك ان التاريخ الناصع والشفافية هما مؤشران مهمان علي الالتزام والثقة .