جهاز المخابرات العامة يدفع بجهود لجنة نقل الرفاة للمقابر    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    شاهد بالفيديو.. سيدة سودانية تشكو في بث مباشر: زوجي يخونني ويقيم علاقة غير شرعية مع زوجة إبن عمه التي حملت منه وهكذا جاءت ردة فعلي!!    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الانقلاب العسكري في مصر: درس للأخوان المسلمين .. ودرس للعالم الديمقراطي ..بقلم: أحمد كمال الدين
نشر في سودانيل يوم 08 - 07 - 2013

كان حدثا كبيرا مثيرا للتفكير أكثر منه للفعل، و إن كان السيف قد سبق العزل في مصر فسالت دماء ولا زالت تسيل في أعقاب الانقلاب ..
سارع الكتاب الليبراليون العرب إلى نفي صفة (الانقلاب) عن مبادرة الجيش المصري في 30 يونيو الماضي، في رغبة متعجلة لتجميل وجه الحدث، الذي جرى على منوال التوجه الليبرالي و على حساب الاتجاه الآخر .. الذي منه الرئيس المنتخب ديمقراطيا لأول مرة في تاريخ مصر منذ ما قبل عهد الفراعنة الأول.
أما الليبراليون الغربيون من الكتاب فلم يمنعهم الحرج المصلحي الواضح لساساتهم من الوقوف مع المبادئ .. فقالوا صراحة إن هذا انقلاب عسكري .. ثم تفرقوا مذاهب في تقويم هذا الانقلاب و ما إذا كان (إنقلابا مفيدا) أم لا .. و في هذا فقد انهزمت الليبرالية العربية و انتصرت أمها الغربية .. لا بأس، العرجا لي مراحها كما يقول أهلنا في السودان. العقدة الغربية أو الحرج المصلحي للساسة بصفة أخص يكمن في أن تعريف ما جرى بمصر على أنه (انقلاب عسكري) يستتبعه من الاستحقاقات ما سيفتح لأمريكا خاصة و للاتحاد الأوربي "صندوق باندورا".. حيث يصعب على أمريكا تطبيق سياساتها و قوانينها بقطع الدعم العسكري عن جيش مصر (بسبب انقلابه على رئيس منتخب ديمقراطيا) هكذا دون التفكير في عواقب العلاقة المعقدة في المنطقة، و ذاك مبحث يطول.
الذي حدث في مصر باختصار هو أن الجيش المصري استغل الاحتجاجات الشعبية الكبيرة من قبل المعارضة ذات الطابع الليبرالي ضد الرئيس محمد مرسي و حكومته، فقام بانتهاك الدستور المقسم على حمايته، واستلام سلطة رئاسة الدولة من الرئيس المنتخب شعبيا، و منعه من إكمال حمل أمانة الجماهير .. و هذا هو تعريف الانقلاب العسكري بعيدا عن العواطف العقائدية أو الغرائز الدنيا .. و العجيب أن هذا الاختراق المنتهك للدستور تم تقديمه إلى رئيس المحكمة الدستورية ليس لمباركته فقط بل (الاشتراك) فيه بتولي منصب الرئاسة!! و هو ما فشلنا معه في السكوت عن التشبيه بين هذا و بين الوصف الفقهي المعروف، عندما يؤتى برجل ليتزوج طليقة رجل آخر ثم يقوم بتطليقها حتى تحل له من بعد .. الفقهاء يسمون هذا الثاني بالتيس المستعار .. و المقاربة في أن الجيش لم يجد أفضل من رئيس المحكمة الدستورية ل (تحليل) انتهاك الجيش للدستور .. و يا له من خيار!!
هذا الحدث المزلزل الذي ضرب عميقا في عقيدة الليبراليين العرب، و الذين سيعودون إلى (المراح) قريبا و يعترفون بأن ما حدث كان انقلابا، يدعو هذا الحدث الكبير إلى التفكير العميق بشأن (الديمقراطية) و بالأخص حول (قواعد اللعبة) الديمقراطية و كيفية سيرورة دينامياتها من بعد إقامة النظام الديمقراطي.
معلوم أن الديمقراطية شعبتان .. الأولى هي شعبة (إقامة النظام الديمقراطي) نفسه في البلد المعني .. و يشمل هذا قواعد الانتخاب (صوت واحد لكل شخص واحد) بما يحقق العدالة و ينتج عنه استلام السلطة بواسطة الشخص الأكثر تمثيلا للشعب .. و هذه مجرد مرحلة ..
الشعبة الثانية .. شعبة (حرية التعبير والحراك السياسي) و هي التي تمثل التحدي الأكبر أمام الدول حديثة التجربة بالديمقراطية .. فهي مرحلة السيرورة الدينامية و التعاطي الواقعي مع الحياة العامة تحت ظل النظام الديمقراطي .. و تشمل هذه العملية أساسيات مهمة على رأسها حرية التعبير و حرية الحراك السياسي تعبيرا و فعلا في إطار القانون و النظم الديمقراطية لا يحدها في ذلك إلا هذه الحدود.
و يبدو أن مصر نجحت في تحقيق الشعبة الأولى بإقامة النظام الديمقراطي .. و وصل الرئيس المنتخب من قبل الشعب إلى سدة الحكم، كما يبدو أنها نجحت جزئيا في بسط الحريات للجميع تعبيرا وحركا سياسيا .. و هذه الجزئية كانت من جانب الدولة .. إلا أن طبيعة و محتوى الممارسة الجماهيرية لحرية التعبير هذه، والرسالة الصادرة عن الصفوة الاعلامية، لم توفق في تقديم النموذج الأمثل في بلد ملئ بالقدرات الابداعية في التعبير الاعلامي و الجماهيري .. و قد تبدى هذا الفشل – لسوء الحظ – في المستوى الأخلاقي للمادة الاعلامية .. إذ كانت في كثير من الأحيان مبتذلة و رخيصة .. لا تضع حدودا مهنية أو أخلاقية في التعبير عن رفض الآخر .. و أدى ذلك بدوره - في بلد نشأ و ترعرت ثقافته على احترام الرئيس الحاكم – أدى إلى زعزعة النظام الاجتماعي من حيث لم يشعر المتسببون في هذا الانفراط المدوي لنظام التعاطي الموزون في السابق بين هيئات المجتمع المصري، دعك من احترام هيبة الدولة و سلطانها .. الدولة التي تمثل كيانا أكبر من مجرد الرئيس أو الحكومة أو حزبها .. فأدخلوا مصر بذلك في نفق جديد غريب على الثقافة المجتمعية التي كانت سائدة في مصر، و مساهمة في تماسك عراها كأمة و دولة للجميع ..
لكن بجانب شعبة (إقامة النظام الديمقراطي) وشعبة (حرية التعبير والحراك السياسي) كان الليبراليون يتطلعون، و من حقهم هذا التطلع، إلى شعبة ثالثة .. هذه الشعبة الثالثة ليست من استحقاقات الديمقراطية بوصفها واجبا قانونيا على الحاكم .. إلا أنها من قبيل السياسات الضرورية في أي مجتمع شديد الاستقطاب .. و هي إن لم تكن حقا مستحقا على الحاكم، إلا أنها أفضل ما يمكن أن ينصح به للحاكم لمجابهة التنوع الشديد في المجتمع، بل و استيعابه .. هذه الشعبة هي شعبة (تمثيل المعارضة في المشاركة) .. المشاركة في الحكم بواسطة رموز الأقلية .. و هذا من شأنه إستكمال مستلزمات الدينامية الديمقراطية، بتوسيع قاعدة الشعور بالرضى بين أوساط الجماهير، و زيادة نسبة التمثيل الانتخابي التي تمخض عنها اختيار الرئيس أو نواب البرلمان إلى نسب أخرى يتقدم بها الحاكم طائعا مختارا لصالح الطرف الآخر .. الذي لم ينتخب الرئيس في صناديق الاقتراع .. و لا تكون الفائدة من وراء هذه العملية مقصورة على الأقلية التي لم تنتخب الرئيس، بل تعود الفائدة أيضا للحاكم و حزبه، و هي فائدة (سياسية) و فائدة (وطنية) من شأنها أن تدفع بوتيرة الوحدة الوطنية للأمة، و تتنزل خيراتها على أكبر عدد ممكن من المواطنين .. بل إنها ستكون صمام أمان لعملية (الحوار السياسي التفاعلي) الذي سيجري تلقائيا عبر مختلف قنوات التواصل و التفاعل خلال فترة ولاية الحاكم الحالي إلى حين اختيار الحاكم التالي في انتخابات قادمة .. حيث تؤدي المشاركة الإضافية في الحكم بواسطة رموز الأقلية إلى التخفيف من حدة الاستقطاب، والتقليل من حدة الكراهية إن وجدت (و لسوء الحظ ظهر هذا في مصر)، و زيادة الاستعداد النفسي للاستماع للطرف الآخر، مما يعين على إنجاح عملية الحوار .. و في كل ذلك خدمة للتوجه الوطني الشامل لمصلحة الأمة بكاملها دونما تحيز إلى الأغلبية أو إلى الأقلية ..
الحق الذي يمكن أن يقال بشأن هذه الشعبة الثالثة هو أن الرئيس محمد مرسي و حزبه و جماعته لم ينجحوا في تقديم هذه الشعبة الثالثة من شعب الديمقراطية .. شعبة (تمثيل المعارضة في المشاركة) .. والمقصود هنا بالطبع تمثيل الأقلية في الحكم بالمقدار المناسب و بالطريقة المناسبة التي يختارها الرئيس و حكومته .. حتى و لو كان هذا من الناحية الدستورية و القانونية الفنية أمرا اختياريا و ليس إلزاميا على الحكومة، لكونه ضربا من ضروب السياسات، و يدخل ضمن السلطات التقديرية للسلطة القائمة .. لقد فشلت حكومة الرئيس محمد مرسي في انتهاج هذا النهج المفيد لها هي أولا و للوطن كله بما فيه المعارضة أو الأقلية .. و هذا هو الدرس العملي الذي يجب أن يستفيده الأخوان المسلمون من هذه التجربة .. ذلك أن الدروس النظرية وحدها في السياسة لا تفيد .. إلا إذا شفعتها التجربة و الممارسة .. و قد وفر الانقلاب العسكري المصري هذه التجربة وهذا الدرس .. و حتى و إن كانت التجربة لا تخلو أحيانا من دماء نراها اليوم تراق على طرقات مصر .. إلا أن دروس التجربة للأوطان و للأجيال عبر تاريخها الطويل تكاد تستحق مثل تلك الدماء الشريفة ..
تكون الفوضى حينئذ عندما لا تكون هنالك قواعد ثابتة يحترمها ممثلوا كيانات الشعب و صفوته .. من هذه القواعد احترام (النظام الديمقراطي) و احترام طريقة اختيار ممثلي الشعب، و احترام العهد الدستوري بأن يستمر خيار الشعب حتى نهاية ولايته ما دام ملتزما بالقانون و الدستور .. و إن لم يلتزم بغير ذلك .. حيث يجوز للحاكم المختار شعبيا أن (تختلف) سياساته عن سياسات المعارضة .. بطبيعة الحال .. إذ لو كانوا متطابقين في السياسات لما اختلفوا في الاقتراع له أو عليه .. كل رئيس يأتي ببرنامجه الذي عليه جرى انتخابه وينفذه .. و له أن يعدل فيه ما شاء في إطار الدستور والقانون .. أي حرية في السياسات مع التزام صارم بالقانون و الدستور .. و هنا تأتي النصيحة التي فاتت على جماعة الإخوان المسلمين، أو فاتت على (المدرسة القطبية) كما سماهم الأستاذ المحبوب عبد السلام في مقال كاشف لمفاصل الخلل في الأداء التنظيمي السياسي للجماعة.
أما الدرس الآخر .. فهو درس للعالم الديمقراطي كله .. غربيّه و عربيّه و اسلاميّه .. من وقف منهم مع مبادئه من اللحظة الأولى، كما فعل جل الغربيين من غير الساسة، بعض الساسة، و من حاد منهم عنها لخدمة مصالحه و رغباته الآنية و سيعود إلى المبدأ بعد قضاء الوطر .. كما فعلت بعض الأقلام العربية و بعض الساسة .. و ذكرنا الاسلاميين و هؤلاء أمرهم عجب .. كانوا يعيبون عليهم أنهم لا يحتكمون لصناديق الاقتراع و أنهم ليسو ديمقراطيين .. و بعد أن ازدادت أعدادهم في بلادهم و أخذوا يفوزون في الانتخابات قالوا لهم لا نريدكم حكاما .. و خلعوهم بعصا الانقلاب لا بصناديق الاقتراع .. أي فضلوا في إبعادهم عن الحكم ضياع مصداقيتهم (الديمقراطية) على قبول التجربة و التعايش مع حكام إسلاميين .. و من هنا تأتي أهمية الدرس الآخر .. أن الأفضل لدعاة الليبرالية التمسك بمبادئ الديمقراطية و قواعد لعبتها سواء كان الناتج النهائي ليبراليا أو إسلاميا أو كائنا من كان .. لأن هذا الناتج له وصف آخر أهم أيها الديمقراطيون .. الوصف الذي لا يرفضه أحد و يجتمع عليه الجميع .. إنه وصف (خيارالشعب الحر) .. و الحديث عن الشعب يعني الحديث عن (أغلبية الشعب) و هذا هو الناتج المتوقع من أي عملية اختيار ديمقراطية عبر صناديق الاقتراع .. لأن أي عملية حرة و نزيهة ستأتي بخيار يسنده العدد الأكبر من الشعب .. على الديمقراطيين أن يثبتوا على هذا المبدأ من مبادئ (اللعبة الديمقراطية) و إن لم يفعلوا فستكون تلك دعوة للفوضى ..
و ها قد قدمت مصر شاهدا عمليا على هذا الدرس .. احتجت (المعارضة) على سياسات الرئيس مرسي، وهو احتجاج مشروع و مقبول، فانتهز الجيش هذه الفرصة، و أغمض عينا عن الاحتجاج المضاد للمعارضة، و فرض سلطته هو أي الجيش على السلطة الدستورية .. معطلا بذلك قاعدة مهمة من قواعد اللعبة الديمقراطية .. و هي قاعدة التداول عبر صناديق الاقتراع، لا فوهة البندقية .. و لولا البندقية لما تمكن الجيش من الانقلاب ..
ما هو البديل إذاً؟ و في الاجابة فتحا لباب التفكير في الدرس الأهم ... ما هو الخيار الأفضل من الانقلاب العسكري؟ و بعبارة أخرى: ما هو الحل لمشكلة الاحتجاجات الشعبية المعارضة الواسعة ضد رئيس منتخب ديمقراطيا بخلاف الانقلاب العسكري الذي يعتبر انتهاكا للدستور و للنظام الديمقراطي؟
يرى هذا الكاتب أن خيار الانقلاب خيار خاطئ .. لأنه يعتمد على خرق (قوانين اللعبة) أثناء استمرار النظام الديمقراطي .. أي أثناء سريان اللعبة نفسها التي بدأت على أساس قوانين متفق عليها بين الطرفين .. فلا يجوز أثناء اللعبة تغيير القوانين .. و لكن لا غبار من حيث المبدأ أن يسعى المفكرون و من خلال حوار و تفاعل فكري و أكاديمي واسع البحث عن بديل آخر غير خرق قوانين اللعبة لانقاذ الوضع المتأزم الذي ينشأ من اتساع الاحتجاجات الشعبية من قبل المعارضة ضد رئيس منتخب ديمقراطيا .. و أعتقد أن هذا الحل موجود ضمن أخطاء جماعة الإخوان المسلمين التي سبقت الإشارة إليها .. مع شئ من التفصيل ..
ربما يكمن الحل في إشراك المعارضة في الحكم .. إلا أن هذه المشاركة لا تزال وفقا للنظم الديمقراطية أمرا اختياريا للحاكم الراهن .. لا يجبر عليها لا بالقانون و لا بالدستور .. فهي لا تزال مسألة خيار سياسي للحكومة فيها مطلق الحرية .. فيكن الحل حينئذ في كيفية تقنين هذه المشاركة .. وصولا للأهداف المذكورة و منها امتصاص الغضب و تقليل الاحتقان و منع الاستقطاب الشديد الحاد المؤدي إلى الاشتباك و ربما إلى إراقة الدماء .. و هذه مسائل يتولى أمرها القانون الجنائي و لكن الوقاية كما يقولون خير من العلاج، فضلا عن أن الشعبة الثالثة المقترحة و هي (تمثيل المعارضة في المشاركة) سيكون لها مردود (سياسي و ديمقراطي) بخلاف الحلول الجنائية التي ينتج عنها تدوير الخصومة واستدامتها مما يمزق عرى المجتمع.
الدعوة إذاً لجميع المفكرين الأمناء .. ليبراليين أو اسلاميين أو غيرهم .. من الشرق و من الغرب .. للتوجه إلى النهج الأفضل وهو (تطوير قواعد اللعبة الديمقراطية) بدلا من القبول بالانقضاض أو (الانقلاب) على قواعد اللعبة أثناء سريان النظام الديمقراطي .. أو أثناء اللعبة ذاتها .. و ذاك ما كان يفعله بعض الاطفال الذين يصيبهم الحنق من كثرة الهزائم في لعب الاطفال مع أقرانهم الصغار .. حيث يلجأون إلى العض و الصراخ .. و من العيب أن يعيد الكبار مثل هذه الأخطاء بعد أن شبوا عن الطوق، و في ماذا؟ في شأن هو من أخطر شئون أي دولة و أي أمة لا سيما و إن كانت من الأمم الناهضة التي لا تزال تتلمس طريقها سبيل الديمقراطية و التداول السلمي للسلطة و التعايش الفكري والثقافي المستدام.
و ليكن الحل في تقنين (مشاركة المعارضة في الحكم) بصورة متوازنة تحفظ حق الرئيس المنتخب في تقديم رأيه على آراء المعارضين، وهو حق ناتج عن استفتاء الشعب على المشروع الانتخابي للرئيس، و موافقة الشعب باختياره للرئيس وفقا لتلك البطاقة .. و تحفظ الموازنة في ذات الوقت حق المعارضة، و هم مواطنون محترمون، أو هكذا يفترض فيهم، و يستحقون تخفيف تبعات حبس آرائهم عن التنفيذ طوال مدة ولاية الرئيس المنتخب ديمقراطيا .. أي أن هذا الحل من شأنه أن يحقق بعضا من آرائهم المعارضة و يضعها موضع التنفيذ أثناء ولاية الرئيس الذي لم يختاروه .. و سيؤدي هذا إلى نتائج تخدم الوحدة الوطنية و تخدم مؤسسة الديمقراطية .. و على الرغم من هذا الحل موجود اصلا إلا أنه موجود بصورة اختيارية لم يستفد منها في تجربة مصر الأخوان المسلمون، و تقنين الحل هو السبيل لادخال الطمأنينة في نفوس المعارضة منذ بداية العملية الديمقراطية، و تحقيق بعض ثمار الحل أثناء الولاية الراهنة، بما يمتص الشحنات العدائية، و ينهي الاستقطاب الحاد، و يضخ في جسم الديمقراطية دماء وطنية قومية شاملة تفيد الوطن في الحال و المآل.
8 يوليو 2013م
Ahmed Izzeddin [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.