روحاني: انهيار الاتفاق النووي ليس في مصلحة العالم    اتحاد الكرة يصدر برمجة نهائية للدوري    بعد إستهداف السعودية.. الحوثيون يهددون بقصف السودان ومصر    الجبهة الوطنية: نقل التفاوض للخارج تدويل للقضية السودانية    تعميم صحفي من تجمع قوى تحرير السودان    عمر البشير يغادر دار الضيافة الاخوانية ليشارك في مسرحية مصورة امام السجن العتيق .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    كيان سياسي جديد باسم قوى "الهامش الثوري"    البرهان يتوجه إلى تشاد    للتذكير، التعبير عن الرأي مسؤولية ضمير .. بقلم: مصطفى منبغ/الخرطوم    رغم أنف الطغاة .. بقلم: الزهراء هبانى    قوى التغيير تكشف عن جدول التصعيد الثوري وهذا ماسيحدث اليوم حتى السبت المقبل    الأندلس المفقود .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    أين يعيش الطيب مصطفى . . ؟ .. بقلم: الطيب الزين    في السجن : البشير يشكو البعوض ويسترجع ذكريات الفقر وشقيقه عبدالله يؤكد براءته    اقتصادي يدعو إلى معالجة قضايا البطالة والفقر    إستهداف زراعة (5) مليون فدان للعروة الصيفية بجنوب كردفان    السراج يطرح مبادرة للخروج من الأزمة الليبية    تحديث جديد ل"فيسبوك"يستهدف "التعليقات"    مقتل (16) في تفجيرين لحركة الشباب بكينيا والصومال    قطوعات الكهرباء تؤدي لانحسار زراعة الفول بالرهد    مبادرة جامعة الخرطوم تدعو لنهج إصلاحي للاستثمار    ولاية الجزيرة :هياكل وظيفية لفك الاختناقات    عصيان وشهداء في الخرطوم وأم درمان .. بقلم: مصطفى منيغ/الخرطوم    عازة .. بقلم: سابل سلاطين – واشنطون    عشرة سنين مضت .. بقلم: جعفر فضل - لندن    من الجزائر والسودان إلى هونغ كونغ وتيانانمين .. بقلم: مالك التريكي/كاتب تونسي    وفاة (3) أشخاص دهساً في حادث بمدينة أم درمان    تجديد عقد شراكة لاستغلال فائض كهرباء شركة سكر النيل الأبيض    تحديد موعد إنطلاق الدوري الإنجليزي    أساطير البرازيل يرفعون الحصانة عن نيمار    اختراق علمي: تحويل جميع فصائل الدم إلى فصيلة واحدة    وفاة 5 أشخاص من أسرة واحدة في حادث مرور بكوبري حنتوب    ارتفاع الدهون الثلاثية يهدد بأزمة قلبية    البرتغال في القمة.. أول منتخب يحرز لقب دوري الأمم الأوروبية لكرة القدم    بلنجه عطبرة: أنا وأنفاري مضربين: في تحية العصيان في يوم غد .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    الصحة: 61 حالة وفاة بالعاصمة والولايات جراء الأحداث الأخيرة    61 قتيل الحصيلة الرسمية لضحايا فض الاعتصام والنيابة تبدأ التحقيق    رأي الدين في شماتة عبد الحي يوسف في الاعتصام .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    ليه مالُم؟ ما شعب وقاعد.. حارس الثورة! .. بقلم: احمد ابنعوف    عيدية حميدتي وبرهان لشعب السودان .. بقلم: الطيب محمد جاده    الصحة :61 حالة وفاة بالعاصمة والولايات جراء الأحداث الأخيرة    الثورة مقاسا مفصل... جبة ومركوب... ما بوت .. بقلم: احمد ابنعوف    القبض على المتهميْن بسرقة صيدلية "الثورة"    دا الزيت فيما يختص بحميدتي .. بقلم: عبد العزيز بركة ساكن    الصادق المهدي والفريق عبدالخالق في فضائية "الشروق" في أيام العيد    تعميم من المكتب الصحفي للشرطة    الشرطة تقر بمقتل مواطن على يد أحد ضباطها    معلومات خطيرة لكتائب"ظل" بالكهرباء    السودان يطلب مهلة لتسمية ممثليه في "سيكافا"        "الشروق" تكمل بث حلقات يوميات "فضيل"        نقل عدوى الأيدز لحوالى 700 مريض أغلبهم أطفال بباكستان    فنان ملخبط ...!    العلمانية والأسئلة البسيطة    أشكال فنية و"نحوت" تجسد وحدة وتماسك المعتصمين    الآن جاءوا ليحدثونا عن الإسلام    أمير تاج السر: الكذب الإبداعي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





العنف الجنسي ضد المرأة: الصور والمعالجات التشريعية .. بقلم: د. سامي عبد الحليم سعيد
نشر في سودانيل يوم 07 - 09 - 2013


بعض صور العنف الجنسي ضد المرأة
د. سامي عبد الحليم سعيد
[email protected]
تستعرض هذه الورقة مفهوم العنف الجنسي من خلال بيان صور العنف الجنسي و تعريفها، وفقاً للمعايير التي ارساها القانون الدولي و بعض أحكام القضاء الجنائي الدولي.
سنتناول في هذه الورقة، مَفهوم العُنف ضد المَرأة بصورة شمولية من خلال المواثيق الدولية، و من ذلك نُعرف العنف الجنسي ضد المرأة، و من خلال التعريف نبحث صور العنف النوعي ضد المرأة، و من ثم نتطرق للعنف الجنسي ضد المرأة كما بينه القانون الدولي، و التطبيقات التي ارستها المحاكم الجنائية الدولية. و ذلك من خلال ثلاث مباحث كما يلي أدناه:
المبحث الأول: مفهوم العنف الجنسي ضد المرأة
أولا: مفهوم العنف ضد المرأة:
عرفت الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة العنف ضد النساء: بأنه أي فعل "يتركز على الجنس " الذي يؤدي للعنف أو يؤدي إلى أذى جسدي أو جنسي أو نفسي متضمن التهديد بهذه الأفعال، الحرمان الاعتباطي من الحرية سواء كان علناً أو في الحياة الخاصة. وكان القرار الصادر عام1993 الذي ينص على منع العنف ضد المرأة لاحظ أن العنف يمكن آن يمارس من قبل الجنس الآخر أو أفراد العائلة.
وقررت الأمم المتحدة تعيين 25نوفمبر من كل عام كيوم عالمي ضد العنف على المرأة، و من خلال هذا اليوم تعمل الحكومات والمنظمات العالمية النشطة في هذا المجال لمحاربة العنف ضد المرأة من خلال عدد من البرامج والأنشطة. ومن أهم الوثائق الحديثة في حماية المرأة من الإضطهاد و التمييز، اتفاقية "الغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة " ( سيداو) التي صدرت في العام 1979م. ودخلت في حيز التنفيذ في العام 1981م و التي جاءت احكامها لاقرار حقوق المرأة بشكل اكثر شمولية
ثانياً: تعريف العنف الجنسي:
تعرف منظمة الصحة العالمية2002 العنف الجنسي على أنه أي فعل جنسي، أو محاولة للحصول على فعل جنسي، أو تعليقات أو تحرشات جنسية غير مرغوب فيها، أو أفعال مشبوهة أو موجهة بطريقة أخرى، ضد الحياة الجنسية للشخص باستخدام الإكراه، من قبل أي شخص بغض النظر عن علاقته بالضحية، وفي أي مكان، إذْ لا تقتصر على المنزل والعمل.
و من هذا التعريف قد نلاحظ بأن تعريف منظمة الصحة قد حرص لإعطاء نطاق واسع في تعريف العنف الجنسي. فبموجب هذا التعريف، يكون الفعل المادي للعنف أوسع من ما تتضمنه التعريفات الوطنية، فهو يشمل أي (فعل) او (محاولة فعل)، كما أن مفهوم (الفعل) قد إكتسب إتساعاً للدرجة التي تم فيها تضمين الفعل (اللفظي) ( التعليقات). و سواء كان الفعل مادي وصل الى حد الإعتداء الجسماني، أو كانت ألفاظاً و تعليقات، فانه يستلزم ان يكون الفعل موجهاُ للحياة/ الموضوعات الجنسية الخاصة بالشخص.
و لا يكتسب الفعل صفة العنف الجنسي إلا بعد إقترانه مع عنصر عدم الرضا. و كذلك إستخدم التعريف أعلاه مفهوماً واسعاً لعدم الرضا، ففي موضع إستخدم عبارة (غير مرغوب) و في موضع آخر إستخدم عبارة (الإكراه). إلا أن أمر عدم الرضا في الجرائم الجنسية، ظل موضع نقاش لا سيما بواسطة فقهاء القانون الجنائي الدولي، الذي لم يعطي الرضا ذات الوزن الذي اعطته التشريعات الوطنية.
المبحث الثاني: صور العنف الجنسي
و بحسب القوانين و التشريعات الوطنية تتعدد صور العنف الجنسي فتشمل: الاغتصاب ، التحرش الجنسي ، و الاستغلال الجنسي وهتك العرض ، و الختان، و العنف المنزلي، و الاتجار بالنساء، الإستغلال الجنسي ونشر وتوزيع صور خادشة للحياء خاصة بالزوج الاخر، أو نشر الصور الشخصية لاحد الاشخاص بعد تغييرها وتشويهها بالوسائط العلمية الحديثة بجعلها صوراً إباحية، واستغلال جسد المرأة بصورة غير لائقة، بقصد/ او بدون قصد تحقيق ربح مادي.
إلا أن العنف الجنسي قد تطورت صوره، و أصبحت له صور مرتبطة بالمجتمعات و ثقافتها و درجة نموها، و منها ما وجدت التشريعات الوطنية سبيلاً لمكافحته من خلال تجريمه، و منها ما ظل محمياً بموجب سياقات ثقافية و إجتماعية.
و ظل على الدوام العُنف الموجهة ضد المرأة – من خلال التطبيقات الوطنية – مُرتبط بانواع و صُور مَعلومة من العُنف النُوعي، و اصبحت تلك الصُور هي الأكثر تِكراراً ضد المرأة في المجتمعات النامية و المتقدمة على السواء. فيما يلي نتطرق لعدد من صُور العُنف ضد المرأة الأكثر شيوعاً ( هناك بعض الصور لن نتعرض لها هنا بالتفصيل، حيث هناك اوراق متخصصة في هذا المؤتمر غطت تلك الجوانب مثل الخفاض و الاغتصاب):
أولاً: العنف الأسري:
سعت العديد من المحاولات التشريعية إلى إيجاد تعريف قانوني جامع و شامل للأسرة على نحو يتواءم مع مقتضيات حماية الأسرة من العنف الداخلي، و من بين تلك، كان التعريف القاضي بأن الأسرة " تشمل أفراد العائلة، سواء أكانوا مقيمين في مسكن واحد أم لا، على أن تجمع بينهم رابطة الدم أو المصاهرة حتى الدرجة الرابعة، أو التبني، أو التكفل، أو القوامة، أو الوصاية" و التعريف بصورته تلك لا يتطابق بشكل كامل مع تعريف علم الاجتماع.
هذا التعريف، يخرج بمفهوم العنف الأسرة، من دائرة العنف ضد المرأة و العنف ضد الأطفال، الى نطاق أكثر إتساعاً و شمولية ، و هو بذلك يكفل حماية لكافة أفراد الأسرة من العنف. و هذا الاتجاه يتطابق مع ما ذهب اليه التعريف الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية في 2002 ، و الذي جاء فيه، إن "العنف الأسري هو كل سلوك يصدر في إطار علاقة حميمة ويسبب أضرارا أو آلاماً جسمية أو نفسية أو جنسية لأطراف تلك العلاقة". وهو ايضاً يتطابق مع التعاريف التي أوردتها القوانين الحديثة، مثل قانون العنف الأسري الأردني.
و التعريف لا يوضح مدى شِموله للعَاملين في الخِدمة المنزلية، مثل المُربيات ، المُدرسين الخُصوصيين، السَائق الخُصوصي، بوصفهم جزء من بيئة الأسرة، و منهم من يقيم إقامة دائمة أو شبه دائمة مع الأسرة. و من جانبنا نرى أن التعريف يشمل كل القاطنين في بيئة الأسرة.
العنف الاسري برأي عُلماء الإجتماع، هو شكل من اشكال إستخدام مَكَامِن السَطوة الإجتماعية و الأسرية، بواسطة واحد أو أكثر من أعضاء الأسرة، ضد آخر أو آخرين من الأسرة، بقصد قهرهِم و إخضاعِهِم بصورة لا تتفق مع حُريتهم و إرادتهم الشَخصية.
إن القضية الأساسية بخصوص العُنف الأسري، هي مَسألة الشَرعية، إذ تثير مُشكلة الشَرعية أو عدم الشرعية المُتعلقة بإستخدام وسائل العُنف داخل الأسرة الكَثير من التساؤلات و الجدل، فالحُكم بأن مسألة من المسائل على إنها شرعية أو غير شرعية، هو مسألة نسبية، تختلف بإختلاف المجتمعات و الثقافات. و بالتالي إن دائرة الإفعال الأسَرية و أنماط السلوك التي تصنف على إنها شرعية أو غير شرعية، تتسع في بعض المُجتمعات و تضيق في البعض الآخر، و يمكن عَزو ذلك الى التبايُن في مُستوى التطور الاجتماعي و الثقافي و مَدى شِيوع الوعي بحقوق الانسان و الحريات العامة و الخاصة في هذه المجتمعات.
ثانياً: الزواج القسري:
و يتضمن الزواج القسري ( او الزواج العبودي) على:
a. تزويج المرأة أو الفتاة من قِبل والديها أو الوصي عليها أو المجتمع دون أن يكون لها الحق في الرفض.
b. أو تحويل المرأة/ الزوجة إلى شخص آخر بواسطة زوجها أو أسرتها أو عشيرتها.
c. أو توريث الأرملة إلى شخص آخر بعد وفاة زوجها.
طبقا لقانون مدوّنة الأسرة الجديد في المغرب لسنة 2005 لا بد من استشارة البنت قبل كتابة العقد، وأنّ المادة 11 من المدونة تشترط أن تكون موافقة البنت شفويا أو بالكتابة و في حالات عدم القدرة على النطق بالاشارة.
ثالثاً: الإغتصاب الزوجي:
إن التعريف الذي أتت به منظمة الصحة العالمية يشمل أيضاً الاغتصاب الزوجي، والمعروف أيضا باسم (الاغتصاب الزواجي)، هو عدم الرضا بممارسة الجنس في حال كان المرتكب هو زوج الضحية. وعلى هذا النحو فهو يعتبر شكلًا من أشكال اغتصاب الشريك، والعنف المنزلي، والاعتداء الجنسي. في الولايات المتحدة الأمريكية يعتبر الاغتصاب الزوجي غير قانوني في جميع الولايات الخمسين. وفي كندا، و في أستراليا و نيوزلندا و إيرلندا و إنجلترا وويلز.
رابعاً: الختان:
وكان السودان أول دولة إفريقية سنت قانوناً ضد خفاض البنات، فكان اول تناول تشريعي للخفاض في السودان بصدور الامر التشريعى رقم 3 لسنة 1946 والذى اضاف لقانون العقوبات لسنة 1925 المادة 284 (اْ) و التى تحدث عن جريمة الخفاض غير المشروع ولعل ما دعي المشرع لاصدار هذا القانون هي تلك الصور المضرة التى تمارس باسم الختان ولعل ذلك واضح من نص المشرع على تحريم الخفاض غير الشرعي مما يدل على ان هناك خفاض شرعي غير معاقب عليه.
واستمر الحال هكذا في قانون العقوبات لسنة 1974 والذى نص في المادة 284 (آ) منه على الاتي :
فيما عدا الاستثناء المشار اليه، يعد مُرتكب جريمة الخفاض غير المشروع كل من يسبب قصد الاذي لعضو من الاعضاء التناسلية الخارجية للانثى. كل من يرتكب جريمة الخفاض غير المشروع يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز خمس سنوات او الغرامة او العقوبتين معا.
اما قانون الجنايات لسنة 1983 فقد أسقط موضوع ختان الاناث كلياً، كما تم تجاهله في القانون الجنائي لسنة 1991 مما يعني أن السودان يفتقد اليوم لقانون يحارب هذه العادة الشنيعة. و قد جاء قانون الطفل لسنة 2010 خاليا ايضا من الاشارة الى تجريم الخفاض. وقد واجهت المنظمات الحقوقية الناشطة في مجال مكافحة العادات الضارة حملة مضادة قوية، كان في مقدمتها رجال الدين.
يستخدم الكثير من المعارضين لقوانين حماية المرأة من العنف الجنسي العديد من النصوص و الأحكام الدينية بغرض قفل النقاش في هذا الموضوع بوصفه يتعارض مع الدين. و من بين أولئك من يستخدم الأية الكريمة ( نساؤكم حرثُ لكم فآتو حرثكم أنى شئتم و قدموا لأنفسكم و إتقوا الله و أعلموا أنكم ملاقوه و بشر المؤمنين) البقرة الآية 223. و قوله تعالى ( لهن لباس لكم و أنتم لباس لهن) سورة البقرة الآية 187. و الحديث النبوي الشريف (و الذي نفسي بيده ما من رجل يدعو إمرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها) رواه مسلم.
ويمثل الختان أعنف شكل من أشكال العنف الجنسي ضد المرأة في المنطقة العربية و في افريقيا، وقد بينت الدراسة أنّ نسبة كبيرة من الأطفال الإناث في اليمن يتعرضن للختان الذي يتم في المنازل ومن دون استخدام أي مخدر.
ولا تقتصر مشكلات المرأة في الدول النامية، لا سيما في أفريقيا و بعض أجزاء من آسيا، على الختان والزواج القسري والعنف الأسري، إذ أنّ العُنف المَعنوي يَضاهي بآثاره السلبية العُنف الجسدي. وهناك مشكلات عامة تعانيها الفتيات، مثل التمييز بين الذكور والإناث، وخيبة الأمل التي ترافق ولادة الطفلة، كما أنّ عائلتها تنظر إليها كعبء مادي واجتماعي. نتيجةً لذلك، يصبح هَم الأسرة الوحيد تزويجها لأول طالب للزواج بحجة سُترة الفتاة. وتضع هذه النظرة السلبية الفتاة في وضع سيئ من الناحية النفسية، ويميل الفقراء إلى تزويج البنات في سن مبكرة للتخفيف من أعباء المصاريف المعيشية وتكاليف التعليم.
و قد نص البرتكول الافريقي لحقوق المرأة في يوليو 2003 في المادة الخامسة على القضاء على الممارسات الضارة، و التي نصت على أن " تحظر الدول الأطراف وتشجب جميع أشكال الممارسات الضارة التي تؤثر على الحقوق الإنسانية للمرأة والتي تتعارض مع المعايير الدولية المعترف بها. وتتخذ الدول الأطراف جميع التدابير التشريعية وغيرها من التدابير اللازمة للقضاء على مثل هذه الممارسات".
خامساً: التحرش الجنسي:
حسب الإعلان العالمي لوقف العنف ضد النساء يعتبر التحرش الجنسي شكل من أشكال العنف التي ينتج عنها اعتداء على النساء من خلال سلوكيات واضحة أو ضمنية تحمل صبغة جنسية، و تصدر من شخص له نفوذ على آخر يرفض الاستجابة للرغبة، ومصدر العنف هنا نابع من الألم والضيق الذي يحد من حرية النساء.
من الصعب وضع تعريف محدد للتحرش الجنسي ذلك إن ما يعد كذلك في مجتمع، قد لا يكون كذلك في مجتمع آخر ورغم انتشار الظاهرة وطرح نفسها بقوة على مستوى دولي واقليمي ووطني ، إلا أن المجتمع الدولي لم يجمع على تعريف واحد لها، ولم يتصدى لها بموجب إتفاقية دولية. و لكن هناك معايير تساهم وتساعد الدول في إعداد تشريع يلائمها. و مع ذلك يمكن ان نعرف التحرش بانه " اي فعل او قول يحمل دلالات جنسية تجاه شخص آخر، و يتأذى منه ذلك الشخص، و لا يرغب فيه"
و هو من أكثر صور العنف ضد المرأة شيوعاً، و يكثر وقوعه في كافة مواقع تواجد المرأة، في السوق، و المكاتب، و المدارس، و الأندية الصحية، و المنتزهات، و المركبات العامة، كما قد يكون عبر التلفون او الرسائل الالكترونية مما يخدش حيائها و يصيبها بالضيق و الازعاج ، و الفاعل يقوم بذلك دون رغبة من المرأة المتحرش بها. و يتخذ التحرش صور مختلفة، منها:
- تحرش جنسي باللفظ : مثل إصدار أقوال خادشة للحياء أو ألفاظ جنسية مهينة و فاحشة أو ألفاظ واصفة بطريقة مبتذلة ومسيئة لأعضاء المرأة الانثوية.
- تحرش جنسي باللمس : مثل الاحتكاك الجسدي والمداعبة الجنسية باللمس باستخدام اليد او الجسم كله ضد أماكن حساسة وجنسية في جسد المرأة.
و من أكثر الفئآت تعرضاً للتحرش الجنسي، الطالبات و المجندات و العاملات في المصانع، و العاملات في الخدمة المنزلية.
سادساً: الإغتصاب:
تعتبر جريمة الإغتصاب إحدى أشد الجرائم الجنسية التي يتم فيها الإعتداء على جسد المرأة من خلال ممارسة افعال جنسية عن طريق الأكراه، وهي تشكل في الوقت نفسه اعتداء على الحرية العامة، واعتداء على حصانة جسم الإنسان. وقد يكون من شأنها الإضرار بالصحة الجسدية أو النفسية أو العقلية؛ وهي اعتداء على الشرف، وقد تقلل من فرص الزواج أو تمس بالاستقرار العائلي في المجتمع، كما أنها قد تفرض أمومة غير شرعية فتلحق أضراراً مادية ومعنوية على السواء؛ فهي إذاً جريمة تمسّ أمن المجتمع ككل.
بالرغم من أن جريمة الاغتصاب قد تقع على الرجال مثلما قد تقع على النساء، الا إن الشائع ان تكون المرأة هي الضحية في هذه الجريمة لا سيما في سياق النزاعات المسلحة، الداخلية أو الدولية. سنتناول الاغتصاب كجريمة من خلال التعريف بطبيعتها و عناصرها من خلال تناولنا للعنف الجنسي في القانون الدولي.
المبحث الثالث: العنف الجنسي ضد المرأة في القانون الدولي
في هذا المبحث نتناول الوثائق الدولية بصورة أكثر شمولية، فنتناول في الجزء الأول منه الوثائق الدولية المتصلة بحقوق المرأة بصفة عامة، و التي هي بالضرورة تمنع العنف ضد المرأة، و بعدها نستعرض بعض أهم الوثائق التي تتناول العنف ضد المرأة بصفة متخصصة.
من ذلك ننتقل إلى المؤسسات الدولية الجنائية التي بحكم طبيعة و لايتها القضائية تحمي المرأة من كافة اشكال العنف، بموجب القانون الدولي الإنساني، او القانون الدولي لحقوق الانسان أو بموجب مواثيق تلك المحاكم.
أولاً: في الوثائق الدولية:
و كان الإهتمام الدولي قد بدأ أولاً بالموضوعات المتصلة بحماية المرأة كانسان من اي شكل من اشكال العنف و الاضطهاد و المعاملة اللانسانية، من خلال العديد من الوثائق الدولية، نذكر منها على سبيل المثال:
1. نصت المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 على أنه " لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة".
2. نصت المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 على أنه "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة". ويجب أن نلاحظ إضافة إلى هذه المادة أن العهد الدولي في الفقرة 1 من المادة 10 قد أعلن بأنه: "يجب معاملة جميع الأشخاص المجردين من حريتهم بشكل إنساني واحترام الكرامة الأصلية للكائن البشري".
3. اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة 1984، وإعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية 1975.
4. بروتوكول حقوق المرأة في أفريقيا الملحق بالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذي اعتمدته الجمعية العامة لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي، وذلك أثناء انعقاد قمتها العادية الثانية في العاصمة الموزمبيقية، مابوتو، في 11 تموز/يوليو، و الذي يعد أهم وثيقة افريقية تحمى المرأة من كافة اشكال العنف، فقد إتسمت بالشمول، و غطت كافة الجوانب التي ظلت تؤرق الناشطين في مجال حقوق المرأة.
5. و أحدث وثيقة في هذا الصدد، هي وثيقة الامم المتحدة لوقف العنف ضد المرأة Prevent and EndViolence Against Women and Girls,، و التي تم إقرارها في10 مارس 2013. و التي عمدت على تأسيس آليات لضمان حقوق المرأة و لحمايتها من التعذيب و العنف، كما أقرت الوثيقة العديد من الموجهات الاستراتيجية لبناء نظام تشريعي يحمي المرأة و يكفل حقها في المحاكمة العادلة.
إلا إن إتجاهات القانون الدولي تطورت بحيث أصبحت تناقش فرض حماية خاصة ضد الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة بصفتها إمراة، و و لبيان هذا الجانب نرصد بعض السياسات و الموجهات و الإتفاقيات الدولية التي تعاهدت فيها الأمم للحد من العنف الموجه ضد المرأة، و ذلك كما يلي:
1. اتفاقية " الغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة " ( سيداو) التي صدرت في العام 1979م. ودخلت في حيز التنفيذ في العام 1981م.
2. مؤتمر نيروبي 1985م. الذي اعتبر أن العنف ضد المرأة هو من أهم معوقات السلام والتنمية والمساواة. وقد طالب المؤتمر بالقيام بخطوات قانونية تمنع العنف المؤسس على النوع، أي الجندر، وتضع آليات للتعامل مع هذه الظاهرة .
3. الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة 1993م. الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي يُعتبر أول أداة عملية تتناول موضوع العنف ضد المرأة.
4. مؤتمر السكان والتنمية في القاهرة عام 1994م. الذي حرص في وثيقته الختامية على إدانة العنف الموجه ضد المرأة وبشكل خاص الاغتصاب ، وتجارة الرقيق الأبيض، وتجارة الأطفال من أجل الدعارة، والعنف الجنسي بشتى انواعه .
5. مؤتمر القمة الاجتماعية في " كوبنهاجن" عام 1995م. الذي نادى باتخاذ آليات لمنع العنف ضد المرأة.
6. مؤتمر المرأة في بكين عام 1995م. والذي عَرف العُنف ضِد المَرأة بأنه "أي عمل من أعمال العنف القائم على الجندر يترتب عليه أو من المحتمل أن يترتب عليه أذى بدني أو جنسي أو نفسي أو معاناة للمرأة، بما في ذلك التهديد بالقيام بأعمال من هذا القبيل، أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة ".
و من بين أهم الوثائق الدولية الحديثة التي أسست لمبادئ الحد من العنف الأسري، كانت اتفاقية حقوق الطفل و التي هي أول صك دولي ملزم قانونا يضم مجموعة كاملة من حقوق الإنسان القائمة على الحقوق المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. في عام 1989، قرر قادة العالم أن الأطفال بحاجة إلى اتفاقية خاصة لهم لأن فئة الأطفال تحتاج إلى رعاية خاصة وحماية قد لا يحتاجها الكبار.
ثانياً: المحكمة الجنائية الدولية حول يوغسلافيا السابقة:
و مع تنامي ظاهرة الجرائم الموجهة ضد المرأة في الحروبات و النزاعات المسلحة، لا سيما في حربي يوغسلافيا السابقة و رواندا، و لما كانت تلك الجرائم هي الاكثر بشاعةً في سياق تلك الحربين، على نحو خاص جريمتي الاغتصاب و الاستعباد الجنسي التين استخدمتا كأدوات في الحرب بواسطة الجيوش و المليشيا، فاستناداً على تقرير مقرر حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة، كان هناك أكثر من 20000 أمرأة تعرضت للعنف الجنسي الممنهج في يوغسلافيا السابقة في الفترة ما بين 1992 – 1994 معظمها ارتكبت بواسطة الصرب ضد النساء البوسنيات.
ونتيجة للحملة النسوية العالمية الفعالة، إستطاع مجلس الامن الدولي أن يضمن في ميثاق المحكمتين جرائم العنف الجنسي ضد المرأة. و قد كانت تلك الجرائم قد أستخدمت في يوغسلافيا السابقة لتكون:
- جزء من آلية محو العرق البوسني المسلم
- لاحتقار النساء المسلمات، و إمتهان كرامتهن
- للإعراب عن علو الصرب و قوة جنودهم و إظهار إنتصاراتهم
و برغم إن الجرائم الموجهة ضد النساء في حروبات يوغسلافيا السابقة قد اتخذت صوراً عديدة، الا أن المادة الخامسة من ميثاق المحكمة لم تتضمن سوى الإغتصاب في الفقرة (g)، و لكن المحكمة قد استخدمت الفقرة (f) الخاصة بالتعذيب، لمعاقبة صور الجرائم الاخرى الموجهة ضد النساء. فقد وافقت المحكمة على الاتهامات الموجهة للأشخاص بالتعذيب اعتماداً على الادعاءات بأنهم اغتصبوا نساء سجينات. وإدعى الاتهام ضد دراغان غاغوفيل وآخرون بأن أعمال الاغتصاب العديدة التي ارتكبها المتهم تشكل تعذيباً في ظل تعريف قانون الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية (المادة 5-f) وخرقاً فاضحاً لمعاهدة جنيف (المادتين 2 و3) .
" التهمة الموجهة في هذا الاتهام هي الإيلاج الجنسي قسراً لأحد الأشخاص أو إكراه شخص ثالث على القيام بالإيلاجالجنسي ضد شخص آخر. ويتضمن الايلاج الجنسي اختراق المهبل أو الشرج أو تجويف الفم، ولو بشكل خفيف، بالعضو الذكري. ولا ينحصر الايلاج الجنسي للمهبل أو الشرج بالعضو الذكري فقط. وتشكل هذه الأعمال جريمة ضد الإنسانية بصفتها استعباداً حسب المادة 5- c، وتعذيباً حسب المادة 5- f، وانتهاكاً لقوانين وأعراف الحرب حسب المادة 3 (1) -a من معاهدة جنيف، و تُعد تعذيباً بحسب المادة2-bمن معاهدة جنيف.
و كانت بعثة خبراء الأمم المتحدة التي تم تشكيلها للتحقيق في الاغتصاب والاعتداء الجنسي التي أرتكبت في يوغسلافيا السابقة قد استنتجت أن: القانون الإنساني الدولي يحظر بشكل واضح الاغتصاب والاعتداءات الجنسية في معظم الحالات أو يصنفها ضمن التعذيب أو الضروب الأخرى من المعاملة اللاإنسانية أو المهينة، التي تسبب ألماً كبيراً بشكل مقصودأو أموراً أخرى من هذه الطبيعة. واعتبر الخبراء أن لائحة الخروق الفاضحة يجب أن لا تعتبر شاملة.و أشاروا أبعد من ذلك إلى اعتبار الاغتصاب انتهاكاً لقوانين وأعراف الحرب خلال محاكمات طوكيو. وتبين التهم أنهم نظروا إلى الاغتصاب باعتباره جريمة خطيرة مثل التعذيب والقتل رغم عدم وجود معاهدة جنيف في ذلك الوقت. أما اليوم، فتعتبر مثل هذه الجريمة خرقا فاضحاً.
ثالثاً: العنف الجنسي في ميثاق المحكمة الجنائية الدولية:
لقد بلغ الاهتمام الدولي بحماية المرأة من خلال ما نص عليه ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية، فقد صنف الميثاق بعض اعمال العنف التي ترتكب ضد المرأة كجرائم دولية تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ووضع تلك الاعمال ضمن قائمة الجرائم ضد الانسانية او ضمن قائمة جرائم الحرب، بحسب شروط كل جريمة على حدة.
1. العنف الجنسي كجريمة ضد الانسانية:
نصت الفقرة (1- ز) من المادة 7 من الميثاق على: الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء، أو الحمل القسري، أو التعقيم القسري أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة، باعتبارها جرائم ضد الانسانية، اذا توفر فيها الشرطين التاليين:
- أن يرتكب التصرف كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين.
- أن يعلم المتهم بأن التصرف جزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين أو أن ينوي أن يكون هذا التصرف جزءاً من ذلك الهجوم.
2. العنف الجنسي كجريمة حرب:
نصت الفقرة 2- ب-22 من المادة 8 من الميثاق على: الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء أو الحمل القسري على النحو المعرف في الفقرة 2 (و) من المادة 7 ، أو التعقيم القسري ، أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي يشكل أيضاً انتهاكاً خطيراً لاتفاقيات جنيف بوصفها جرائم حرب بشرط :
أن ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم.
و لقد جاء الميثاق في المادتين 7 و 8 ، منفتحاً لتفسيرات القضاة الواسعة، و لإجتهادات فقهاء القانون الجنائي الدولي، فقد حرص الميثاق على إستخدام عبارة "أو أي شكل من أشكال العنف الجنسي، يشكل أيضاً إنتهاكاً خطيراً لإتفاقيات جنيف" ليكون بذلك قد وَسَعَ من نطاق الأفعال التي تُعد جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية.
3. صور العنف الجنسي بحسب ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية:
أ‌. الإغتصاب: نص النظام الاساسي للمحكمة الجنائية على الاغتصاب كجريمة دولية، بصفتها جريمة ضد الانسانية بموجب المادة السابعة من النظام الاساسي، و بصفتها جريمة حرب بموجب المادة الثامنة من النظام الاساسي للمحكمة. فجريمة الاغتصاب تتحقق بأن يقوم مرتكبها بالاعتداء جنسياً على جسد شخص اخر، وذلك عن طريق استخدام القوة او التهديد بها او الاكراه، وسواء تم ذلك بين ذكر او انثى او بين شخصين من نفس الجنس، وسواء تم بايلاج عضو جنس في أيّ جزء من جسد الضحية أو جسد الفاعل او ايلاج ايّ عضو آخر في جسم الضحية. و بذلك يمكن تعريف جريمة الاغتصاب بأن يتمثل في الصورتين التاليتين، مع انتفاء الرضاء عند الضحية:
- إيلاج عضو جنسي باحدى الحالتين التاليتين: (1) ايلاج عضو جنسي في اي جزء من جسد الضحية سواء كان هذا الجزء عضواً جنسياً أم لا (2) ايلاج عضو جنسي للضحية في جسد الفاعل،
- ايلاج أي عضو أخر في الجهاز التناسلي او في شرج الضحية.
الاغتصاب جريمة ابادة جماعية: لم يَشر مِيثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية، صراحة على ان الاغتصاب قد يشكل جريمة ابادة جماعية، إلا ان الفقه الدولي استطاع ان يُكيف هذه الجريمة على اساس انها جريمة ابادة جماعية بحسب نص المادة السادسة من ميثاق روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لا سيما اذا كان الافعال ارتكبت بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو أثنية أو عنصرية أو دينية، و كانت تلك الافعال تشتمل على إلحاق أذى جسدي أو روحي خطر بأعضاء من الجماعة، إخضاع الجماعة عمدا لظروف معينة يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا.
و كانت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا في محاكمة جان بول أكاييسوJean-Paul Akayesu قد أنشات سابقة أن الاغتصاب قد يشكل جريمة الإبادة الجماعية. فقد قررت الدائرة الابتدائية أن "الاعتداء الجنسي يشكل جزءا لا يتجزأ من عملية تدمير مجموعة عرقية للتوتسي،فقد كان ذلك الإغتصاب منهجياً وارتكب ضد نساء التوتسي فقط، مما يُظهر النية المُحددة اللآزمة لتلك الأعمال تُشكل إبادة جَماعية،وقال رئيس المحكمة القاضي نافانثيم بيلاي Navanethem Pillay بعد إصدار الحكم: بعد ان كان الاغتصاب في الازمان القديمة جزء من غنائم الحرب، يُعد الاغتصاب اليوم جريمة ترتكب في زمن الحرب، ونحن نريد أن نرسل رسالة قوية بأن الاغتصاب لم يعد من غنائم الحرب.
ب‌. الاستعباد الجنسي: يعد النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، هو أول وثيقة قانونية دولية تشير لجريمة الاستعباد الجنسي، فقد جاء النص على هذه الجريمة في المادة السابعة في الفقرة (1)(ز) على انها جريمة ضد الانسانية، و على انها جريمة حرب في المادة الثامنة الفقرة 2 ( ب -22) . وجريمة الاستعباد الجنسي تتم بممارسة مرتكب الجريمة اياً من السلطات المتصلة بحق الملكية او هذه السلطات جميعاً على شخص او اكثر مثل شراء او بيع او اعارة او مقايضة هذا الشخص او هؤلاء الأشخاص او يفرض عليهم حرماناً من الحرية، او غيرها من حالات الاسترقاق التي تم تحديدها في الإتفاقية التكميلية لإنهاء الرِق وتِجارة الرِق والنُظم والمُمارسات المُشابهة للرِق لعام 1956، ويتألف الاستعباد الجِنسي أيضاً على تقديم الخدمات الجِنسية لمالكهن إضافةً إلى الخَدمات المَنزلية الأخُرى في أغلب الأحيان. ويُمكن أن يَسبق الاستعباد الجنسي للنساء والفتيات بتزويجهن قسراً لمالكهن.
ت‌. الإكراه على البغاء: و هي ايضاً من الجرائم التي حظيت باهتمام خاص في ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية، و لم ترد الاشارة لهذه الجريمة في النظم الاساسية لمحاكم الجنائية الدولية السابقة. جريمة الاكراه على البغاء، فان هذه الجريمة تتحقق حال قيام الجاني بارغام شخص او اكثر على ممارسة افعال جنسية باستعمال القوة او بالتهديد باستعمالها او قسراً من قبيل الافعال التي تنجم عن الخوف من التعرض للعنف او الاكراه او الاحتجاز او الضغوط النفسية او اساءة استعمال السلطة او باستغلال وجود بيئة بشرية او عجز الشخص او الاشخاص عن التعبير عن حقيقة رضاهم. وان يحصل الجاني او غيره او ان يتوقع الحصول على اموال او فوائد اخرى لقاء تلك الافعال الجنسية او لسبب مرتبط بها.
ث‌. الحمل القسري: يَعني إكراه النِساء على الحَمل قسراً وعلى الولادة غير المَشروعة، بهدف التأثير على التركيبة العرقية لمجموعة من السكان. ويتم ذلك بقيام الجاني بحبس امرأة (أو أكثر) ثم تحبيلها قسراً بنية التأثير في التكوين العرقي لمجموعة معينة من السكان المدنيين، او ان يرتكب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي بهذا الصدد. و بحسب نص المادة السابعة/ الفقرة 2 ز يعني " الحمل القسري " إكراه المرأة على الحمل قسراً وعلى الولادة غير المشروعة بقصد التأثير على التكوين العرقي لأية مجموعة من السكان أو ارتكاب انتهاكات خطيرة أخرى للقانون الدولي. و في رأيي الخاص ان الحمل القسري و التعقيم القسري اذا تم ارتكابهما بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو أثنية أو عنصرية أو دينية و كان تلك الافعال تشتمل فرض تدابير تهدف الحيلولة دون انجاب الأطفال داخل الجماعة فانها تشكلان جريمة ايادة جماعية بموجب ميثاق روما (المادة السادسة) و إتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية 1948.
ج‌. التعقيم القسري: فان هذه الجريمة تتحقق اذ قام الفاعل بحرمان شخص او اكثر من القدرة على الانجاب، وذلك عن طريق اعطاء هذا الشخص او هؤلاء الاشخاص عقاقير طبية او إجراء عمليات جراحية لا تبررها الضرورات الطبية ودون رضاء حقيقي من المجنى عليه او المجنى عليهم. و تشتمل هذه الجريمة على عنصرين أساسيين و هما:
- أن يحرم مرتكب الجريمة شخصاً أو أكثر من القدرة البيولوجية على الإنجاب.
- ألا يكون ذلك السُلوك مُبرراً طبياً و لا تُمليه مقتضيات عِلاج طبي في أحد المُستشفيات، يتلقاه الشخص المعني (أو الأشخاص المعنيون) بموافقة حقيقية منهم.
ح‌. صور العنف الجنسي الأخري: نص ميثاق المحكمة الجنائية الدولية علي "أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي يشكل أيضاً إنتهاكاً خطيراً لاتفاقيات جنيف" بحيث يفهم بان التعداد الذي نصت عليه المادة السابعة الفقرة 2 ز، والمادة الثامنة الفقرة 2 ( ب -22) هو مجرد ذكر للأمثلة و ليس حصر للجرائم، كما قد يبدو من ظاهر النص. و قد ترك الميثاق الباب مفتوحاً للسلطة التقديرية للمحكمة في تفسير مدى مطابقة الفعل للانتهاكات الواردة في اتفاقيات جنيف الأربعة، فاذا رأت المحكمة ان الفعل يشكل عنف ضد المرأة و يعد انتهاكاً خطيراً لاتفاقيات جنيف، و بموجب ذلك للمحكمة سلطة تقديرية في ان تعتبر اي فعل اخر غير مشمول ضمن الافعال المدرجة في المادتين السابعة و الثامنة بانه جريمة جريمة حرب او جريمة ضد الانسانية حسب طريقة ارتكاب الفعل.
يعد العنف الجنسي ضد المرأة امتهاناً للكرامة الانسانية، و إنحطاطاً، وانتهاكاً لكل المواثيق الدولية ،فهو هدر لحقوق المرأة بوصفها إنسان، و التي كفلتها الكثير من الشرائع والسنن،و نَاضل الانسان كثيراً من أجلها وضمنها في القوانين و المُدونات و الاجراءات . و في كافة الاوقات كانت هناك ظروف سياسية و إجتماعية و ثقافية يتم استغلالها بنحو غير منطقي ضد المرأة، فينشأ العنف بصورة عَامة، و العنف الجنسي بصورة خاصة ضد المرأة.
إن هذه الدراسة توصلت الى ان كل صور العنف الجنسي ضد المرأة قد تمت تجريمها، لا سيما في القانون الدولي، و من خلال تطبيقات المحاكم الدولية. و ذلك لانها مشكلة حَضارية تمس المرأة في كل العالم، بغض النظر عن الطبقة والدين والثقافة او البلد وتخلفه وتقدمه.
الورقة الثانية
الموجهات التشريعية و افضل الممارسات للقضاء على العنف الجنسي ضد المرأة
د. سامي عبد الحليم سعيد
[email protected]
تقدم هذه الورقة تحليلاً للقوانين الوطنية في الدول النامية ذات الصلة بجرائم العنف الجنسي، المتصلة بالمرأة( وهنا نقصد الاطفال والفتيات القاصرات و النساء البالغات) ، حتى تكون موجهاً للمشرع الوطني في السودان، مع بيان عدد من التحديات التي تواجه دائما المشرع الوطني في اقرار تشريعات متوائمة مع المعايير الدولية التي تكفل حماية اكبر للمرأة ضد العنف الجنسي. و بالتالي تقدم هذه الورقة موجهات من خلال إستعراض الاطار القانوني الدولي الذي يحدد المعايير المُؤسسة لأفضل الممارسات التشريعية التي تحمي المرأة من العنف الجنسي.
نستعرض ذلك في ثلاث مباحث و خاتمة تتضمن على التوصيات و المقترحات للمشرع الوطني في السودان.
مبحث أول: موجهات دولية لانشاء تشريعات وطنية للقضاء علىالعنف ضد المرأة
تتضمن الموجهات الدولية على عدد كبير من الوثائق و السياسات الدولية، التي على إختلاف مصادرها، شكلت إطاراً قانونياً – يستند على معايير حقوق الإنسان و سيادة حكم القانون – تسترشد به الدول حين تكون بصدد وضع تشريعات خاصة بحماية المرأة من العنف.
فيما يلي نناقش بعض تلك الموجهات، و ننتقل منها لدراسة الاوضاع التشريعية الجنائية الوطنية من زاوية مطابقتها او عدم مطابقتها مع تلك الموجهات.
أولاً: إستراتجيات نموذجية وتدابيرعملية للقضاء علىالعنف ضد المرأة:
وفقاً لقرار الجمعية العامة و القاضي بتبني إستراتجيات نموذجية وتدابير عملية للقضاء علىالعنف ضد المرأة في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية، و الذي أعتمد من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجبقرارها 52/86 المؤرخ في 12 كانون الأول/ ديسمبر 1997 فانه قد تقرر بان يتم تبني الاستراتيجيات النموذجية والتدابير العملية بوصفها مبادئ توجيهية، بشكل يتوافق مع الصكوك الدولية ذات الصلة، بما في ذلك اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأةواتفاقية حقوق الطفل والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بغرض إعطاء دَفعة إضافية لتنفيذها على نحو مُنصف وفَعال. و ذلك كما يلي:‎
بالنسبة للقوانين الجنائية (الموضوعية والاجرائية):
نَصت الإستراتيجية النموذجية على أن تتضمن الإستراتيجيات الوطنية على مجموعة تدابير، تشمل:
1. كَفالة منع الأشخاص من التحرش بالنساء، أو تخويفهِن أو تهديدهِن أو ردعهٍن عن ذلك، في إطار النظم القانونية الوطنية.
2. تقييم وتنقيح القوانين الجنائية، في إطار النظم القانونية الوطنية، بحيث تضمن تجريم جميع أفعال العُنف المُرتكبة ضد المرأة، أو تعتمد تدابير لهذا الغرض إن لم يتيسر القيام بذلك؛
3. إعطاء المرأة التي تعرضت للعُنف فُرصة للإدلاء بشهادتها في الدعوى القضائية، مُساوية للفرصة الممنُوحة لغيرها من الشهود، وإتاحة تدابير تُيسر للمرأة الإدلاء بشهادتها وتحمي حياتها الخاصة؛
4. عدم التمييز ضد المرأة في قواعد الدفاع ومَبادئه، وعدم تمكين مُرتكبي العُنف ضد المرأة من الإفلات من المسؤولية الجنائية على أساس ان الفِعل كان من قبيل الدفاع عن الشرف أو الاستفزاز الشديد، او لان الجاني يتمتع بشكل من اشكال الحصانات.
5. إمكانية اتخاذ تدابير عند الاقتضاء لضمان سلامة الضحايا وأُسرهن وحمايتهن من التخويف والانتقام.
بالنسبة للشرطة:
1. ضمان إنفاذ أحكام القوانين والإجراءات الواجبة التطبيق ذات الصلة بالعنف ضد المرأة إنفاذا متسقاً، وعلى نحو يكفل تجريم جميع أعمال العنف الإجرامية المرتكبة ضد المرأة، والتصدي لها على نحو مُناسب من قِبل نظام العَدالة الجِنائية؛
2. استحداث أساليب للتحري غير مُهينة للمرأة المتعرضة للعنف وتقلل من أشكال التدخل في شئونها، مع التقيُد بمعايير لجمع الأدلة؛
3. ضمان أن تُراعَى في إجراءات الشُرطة لسلامة الضحية وسائر الأشخاص الذين تربطهم بها صلة أسرية أو اجتماعية أو غيرها، وضمان أن تسفر هذه الإجراءات أيضا عن درء أي أعمال عنف جديدة؛
4. تخويل الشرطة صلاحية التصدي الفوري لحالات العنف ضد المرأة؛
5. تشجيع النساء على الانضمام إلى قوات الشرطة، و اقرار سياسات وطنية لادماجهن في وظائف التحري الجنائي.
بالنسبة لإصدار الاحكام القضائية:
1. في حالة الافراج عن المُجرم بعد احتجازه او سجنه ، يجب ضمان اخطار المرأة المُتعرضة للعنف عندما تكون سلامة الضحية أهم من سرية خصوصيات المجرم؛
2. ضرورة ضمان تناسب ما بين الفعل المُشكِل للعنف الجنسي و العقوبة المُقررة من حيث شِدة الضرر البدني والنفسي والتأثر بالإيذاء.
3. حِماية سلامة الضحايا والشهود قبل الإجراءات الجنائية وفي أثنائها وبَعدها.
ثانيا: معايير دولية أخرى:
العديد من القرارات الدولية و التوصيات و التقارير الدولية اسهمت في بناء اطار و موجهات تعين في بناء تشريعات تحمي المرأة من العنف الجنسي، منها على سبيل المثال: قرارات مجلس الأمن رقم 1325 (2000) بتاريخ 31 أكتوبر 2000، ورقم 1820 (2008) بتاريخ 19 يونيه 2008، ورقم 1888 بتاريخ 30 سبتمبر 2009، ورقم 1889 (2009) بتاريخ 5 أكتوبر 2009، ورقم 1960 (2010) بتاريخ 16 ديسمبر 2010 بشأن المرأة والسلام والأمن وكافة قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بشأن الأطفال والصراع المسلح، بما فى ذلك القرارات رقم 1882 (2009) بتاريخ 4 أغسطس 2009، ورقم 1998 (2011) بتاريخ 12 يوليه 2011 بشأن الصراع المسلحة ومواقف ما بعد انتهاء الصراعات.
بالاضافة الىقرارات مجلس حقوق الإنسان رقم 17/11 بتاريخ 17 يونيه 2011 حول الإسراع بالجهود الخاصة بالقضاء على كافة أشكال العنف ضد المرأة: بذل الجهد المطلوب فى توفير الحماية 20/6 بتاريخ 5 يوليو 2012 حول القضاء على أشكال العنف ضد المرأة، و20/12 بتاريخ 5 يوليه 2012 حول إسراع الجهود للقضاء على كافة أشكال العنف ضد المرأة: التدابير العلاجية للنساء اللاتى تعرضن للعنف.
و لكنا سنتناول في هذا الصدد ما نعتقد انه من المهم الاشارة اليه، و ذلك كما يلي:
1. قواعد معيار الحد الأدنى لمعاملة السُجناء 1977 :
اعتمدها مُؤتمر الأمم المتحدة الأول لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين 1977، وأقرت من قِبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي عام 1977، تُقدم هذه المجموعة من القواعد الدولية أساساً قوياً لمعاملة السُجناء وفق مَعايير حِقوق الانسان، و هي شديدة الصِلة بموضوع العنف الجنسي ضد النساء،بخاصة اذا اعتبرنا الاغتصاب نوعاً من أنواع التعذيب الذي قد تتعرض له المرأة داخل السجون او مواقع الحبس التحفظي. وتنص المادة 8 من هذه القواعد على فصل الأنواع المختلفة من السجناء حسب نوعهم الاجتماعي ذكر/أنثىوعمرهم وسجلهم الجنائي واعتبارات أخرى أقل ارتباطاً بالموضوع. و ذلك كله لحماية السجينة او المحبوسة من اي تعذيب جنسي أو إنتهاك قد تتعرض له.
2. قواعد الأمم المتحدة بشأن حِماية الأحداث المُجَردين من حُريتِهم 1990:
قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم أوصى باعتمادها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في هافانا من 27 آب/أغسطس إلى 7 أيلول/سبتمبر 1990كما اعتمدت ونشرت علي الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 45/113المؤرخ في 14 كانون الأول/ديسمبر 1990
تنص المادة 29 من قواعد الامم المتحدة بشأن حماية الاحداث المجردين من حريتهم 1990، على أنه يجب فصل الأحداث عن البالغين في جميع مراكز الاحتجاز إلا إذا كانوا من الأسرة ذاتها، و ذلك لحمايتهم من اي عنف او استغلال أو إغتصاب.
3. مَدونة قواعد سلوك الموظفين المُكلفين بإنفاذ القوانين1979:
مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين اعتمدت ونشرت علي الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة34/169 المؤرخ في 17 كانون الأول/ديسمبر 1979.
تنص المادة 5 من المَدونة على ما يَلي: " لا يجوز لأي موظف مُكلف بإنفاذ القانون أن يرتكب، أو يحرض على ارتكاب، أو يتساهل، تجاه أي عمل من أعمال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ولا يجوز لأي موظف مكلف بإنفاذ القانون أن يلجأ إلى الأوامر العليا أو الظروف الاستثنائية مثل حالة الحرب أو التهديد بالحرب وتهديد الأمن القومي وعدم الاستقرار السياسي أو أي ضرورة عامة أخرى لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة".
وتعلن المادة 6 من المدونة على أنه " يجب على الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون أن يضمنوا الحماية الكاملة لصحة الأشخاص المحتجزين لديهم".
هاتان المادتان لهما أهمية خاصة، فقد أُخذت هاتان القاعدتان من القانون الدولي لضمان كفالة حقوق الاشخاص المحتجزين و المساجين و المجردين من حريتهم، وطلبتا من الموظفين المسؤولين عن تلك الأماكن أن يلعبوا دوراً أكثر فعالية في حِماية الأشخاص الموجودين تحت وصايتهم. وعلى هذا الأساس يُمكن النَظر إلى الحَالة المنتشرة نسبياً من اغتصاب القُصّر من قِبل البالغين المُحتجزين مَعهم، باعتِبارها حَالة من حَالات التَعذيب سبّبها تساهُل الموظفين الذين إتخذوا القرار بحجز القصر مع البالغين.
مبحث ثاني: تحديات تواجه التشريعات الوطنية الخاصة بالعنف الجنسي ضد المرأة:
هناك العديد من المعوقات الإجرائية و الموضوعية ، في العديد من القوانين الوطنية ، التي تنص على تجريم العنف الجنسي ضد المرأة، وتحد من مساهمة الضحية في اجراءات التقاضي بفعالية، مما يجعل العملية القضائية شائهة و غير منصفة للضحية. من بين تلك المعوقات ما هو متصل ب:
1. عدم وجود الحماية القانونية و الاجرائية للمرأة الضحية في قضايا العنف الجنسي.
2. عدم كفالة حماية الخصوصية و السرية بصورة واضحة و مؤثرة، من خلال تدابير تشريعية تكفل حماية سرية الاجراءات و سرية معلومات الضحايا والشهود،كأن يتم الإقرار بعدم الافصاح عن الضحايا والشهود علناً دون الحصول على رضائهم، اذ يُحق لهم حجب هوياتهم عن العامة وكذا من المعتدين المدعى عليهم، لا سيما في بعض الحالات التي تتسم بالخطورة الشديدة.
3. عدم توافق/ تناسب الجريمة المرتكبة مع العقوبة المقررة.
4. عدم كفاءة موظفي إنفاذ القوانين في الشرطة و النيابة و القضاء، لا سيما في إستيعاب خصوصية الاجراءات المتعلقة بجرائم العنف الجنسي ضد النساء،
5. عدم وجود مُساعدة فنية ( قانونية – نفسية – إجتماعية) مُتخصصة اثناء إجراءات التحري و التقاضي، و ما بعدهما.
6. عدم وجود تشريعات خاصة بالجرائم المتصلة بالإتجار بالنساء، و التي قد تشمل كافة أنواع الإستغلال مثل الإسترقاق أو الإستعباد أو نزع الأعضاء أو الإستغلال الجنسي أو الدعارة أو ما شابه. و هي جريمة تتخذ صوراً متعددة عبر وكالات التوظيف و التشغيل العابرة للبحار.
7. مسألة إثبات العنف تشكل تحدياً كبيراً للمرأة، لا سيما في ظل القاعدة الاثباتية "البينة على من إدعى"، كما أن العنف الجنسي قد يتخذ صوراً غير مادية.
8. في كثير من الاحوال يقف القانون على ارضية غير تلك التي تقف عليها الثقافة المجتمعية التي قد لا تعتبر كل صور العنف الجنسي ضد المرأة جريمة، و تلك الثقافة قد تكون مهيمنة حتى على موظفي هيئات إنفاذ القانون، مما قد يعطل تطبيق القانون بالصورة المفروضة، فالثابت أن العنف الجنسي ضد المرأة في بعض صوره الشائعة هو نتاج مجتمعي و قد يكون مبعثه الثقافة او الدين او العادات.
9. في بعض صور العنف الجنسي ضد المرأة، يكون الزوج هو مصدر العنف (طرفاً معتدياً)، و قد يكون الأب أو الأم او الأخ، كما في حالة الخفاض و الزواج القسري، او أي طرف آخر من الاقارب، مما تتطلب معه الإجراءات القانونية استيعاباً لتلك الاعتبارات، و إلا فان الضحية غالباً ما تفضل الحفاظ على الروابط الاجتماعية و حمايتها، بدلاً من إهدارها من خلال إجراءات قضائية.
مبحث ثالث: نماذج من تشريعات القضاء على العنف الجنسي:
تُعد العملية التشريعية هي الأداة الرئيسية لتنظيم العلاقات في المجتمع وضبطه وتحقيق العدل والمساواة والنظام والأمن، فمن خلال التشريع تُكفل الحقوق والحريات وتُحدد الواجبات والمسؤوليات في مختلف المجالات.
لذلك فقد حُظي موضوع التشريع باهتمام خَاص في الجُهود الدولية لِمحاربة العنف ضد المرأة، حيث حَرصت الاتفاقيات الدولية على أن تَسُود تَشريعات تحفظ للمرأة حقوقها ومكانتها في الدول الأعضاء بتلك الاتفاقيات.
ومن المُلاحظ أنّ النَظرة إلى قَضايا العُنف الجِنسي والقَائم على نُوع الجِنس في الأقطار العربية لم تَعُد مَحصُورة بالعُنف المَادي والجَسدي, بل اتسع المفهوم خِلال العَقد الأخير ليشمل كل المُمارسات والأفعال التي يُمارسها الأفراد والمُؤسسات والسُلطات تجاه المَرأة، والناتِجة من النظرة الدونية لها.
أولاً: في باكستان:
قد قام القانون الجنائي الباكستاني بتجريم عدد من الافعال المُعتبرة جَرائم عُنف جنسي ضد المرأة، و منها ماهو اصلاً منقول من القوانين الانجليزية التي كانت سائدة منذ الاستعمار البريطاني لباكستان، و منها ما قد تم تضمِينه بمُوجب التَعديلات التشريعية ذات الطابع الاسلامي التي تم إدخالها في النَظام القانوني إبان حكم الرئيس الأسبق ضياء الحق.
شملت تلك الجرائم جريمة الزِنا و الاغتصاب و إختطاف النساء و الاتجار في النساء والبغاء و الغواية و الفتنة.
و في ظل القانون الجنائي الباكستاني لسنة 1860، يلاحظ الفقهاء عدم الوضوح في الاصطلاحات المُستخدمة، لكون أن القانون العِقابي في باكستان يعتمد الشريعة الأسلامية فيما يتصل بالجرائم الحدية بموجب تعديلات تشريعية تمت في فبراير 1979و التي عُرفت بتشريع الزنا. ففي المادة 497 من القانون الجنائي و التي تُعرف جريمة الزنا، من السهل مُلاحظة أن المُشرع أدمج جريمة الاغتصاب مع جريمة الزنا، بان اطلق عليها "الزنا الجبري" او "الزنا القسري"، و الذي أُعتمدت فيه مسالة "الايلاج" في تعريف الزنا الجبري، وهي مسالة تُعيد للذاكرة صعوبة الإثبات في هذه الجريمة.
و كغيرها من الجرائم الحدية، اعتبر المُشرع الباكستاني ان ديانة الجاني هي المحدد الأساسي للعقوبة الواجبة التطبيق، فتطبق العقوبة الحدية على المسلمين فقط ، كذا نرى التمايز في تطبيق العقوبة الخاصة بالزنا و الاغتصاب في حالة إذا كان الجاني متزوجاً (مُحصن) او غير متزوج، فتكون في الحالة الأولى العُقوبة الرجِم حتى الموت، و تكون العُقوبة في حالة غير المُتزوج الجلد مائة جلدة.
ثانياً: الأمارات العربية المتحدة:
نص قانون العقوبات الاماراتي لسنة 1987، على العديد من الأحكام الخاصة بجرائم العنف و الجرائم الجنسية ضد المرأة، فقد خصص القانون باباً خاصاً بالجرائم الماسة بالاسرة (الباب السادس من المادة 327 الى المادة 330) .
و قد عمل القانون أيضاً على محاربة الايذاء و القتل بقصد حماية الشرف (المادة 334)، و التيتنص على أنه "يُعاقب بالسجن المؤقت من فوجىء بمشاهدة زوجته أو ابنته أو أخته حال تلبسها بجريمة الزنا فقتلها في الحال أو قتل من يزني بها أو قتلهما معاً، ويعاقب بالحبس إذا اعتدى عليها أو عليهما اعتداءاً أفضى إلى موت أو عاهة.
كذلك شدد القانون الاماراتي عقوبة الاغتصاب، عندما تقع في حق النساء او الأطفال او ذوي الحاجات الخاصة (المادة 344 و المادة 354)،فتكون العقوبة "السجن المؤقت" في حالة جرائم الاغتصاب و الاعتداء على العرض، و تشدد العقوبة الى "السجن المؤبد" في حالة ان كان المجني عليه أنثى أو حدثاً أو مجنوناً أو معتوهاً.
إلا ان القَانون لم يَتضمن عُقوبة كَافية للجرائم الجِنسية التي تَقع على الاطفال (ذكر او انثى)لا سيما فيما أسماه جريمة هَتك العِرض(354)، و التي قد تكون إغتصاباً وفق المعايير الدولية للاغتصاب، فقد نصت المادة على عقوبة جريمة هتك العرض بالرضا على شخص ذكراً كان أو أنثى لا يتجاوز عمره أربعة عشر عاماً، بالحبس لمدة سنة أو إذا وقعت الجريمة بالإكراه كانت العقوبة السجن المؤقت. و كذافي المادتين 358 (الفعل الفاضح) و 359 (الفعل المخل بالحياء)،فقرر للاولى عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر في حالة من أتى علناً فعلاً فاضحاً مخلاً بالحياء ،ويُعاقب بالحبس مُدة لا تقل عن سنة من ارتكب فعلاً مخلاً بالحياء مع أنثى أو صبي لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره، ولو كان الفِعل قد أُرتُكِبَ في الخَفاء، بينما قرر للثانية الحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على عشرة آلاف درهم. كما نص القانون في المادة 363 على التحريض على الفجور و الدعارة.
أشار القانون الجنائي الأماراتي، الى عدد من أشكال العُنف ضد المرأة، إلا إنه مازال بعيداً عن المعيار الدولي، كما انه اغفل تجريم العديد من صور العنف الجنسي ضد المرأة، مع العلم ان الأمارات من الدول المُصادقة على اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة (سيداو).
ثالثاً: في السودان:
لقد تم تنظيم أغلب الجرائم الجنسية في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 من المادة 145 حتى المادة 160في الباب الخامس عشر (جرائم العرض والآداب العامة والسمعة)، و التي شملت حصراً الجرائم الجنسية التالية: الزنا – اللواط- الاغتصاب – مواقعة المحارم – الافعال الفاحشة – الافعال الفاضحة و المخلة بالآداب العامة – المواد و العروض المخلة بالاداب العامة – ممارسة الدعارة – الاغواء – القذف – إشانة السمعة - الإساءة و السباب. كما شمل الباب السادس عشر (المواد 161 - 166) على جرائم الاستدراج و الخطف. و من أهم بعض الملاحظات على هذه القائمة من الجرائم:
1. لا يعاقب القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 على زواج القاصرات، فالسودان من الدول التي تُجيز زواج الصغيرات حسب قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م، حيث تنص المادة 40 على الآتي: (1) لا يعقد زواج المجنون أو المعتوه، أو المميز، إلا من وليه بعد ظهور مصلحة راجحة. (2) يكون التمييز ببلوغ سن العاشرة. (3) لا يُعقد ولي المميزة عقد زواجها، إلا بإذن القاضي لمصلحة راجحة، بشرط كفاءة الزوج ومهر المثل.
2. تعرف المادة 149 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 الاغتصاب على أنه: "يُعد مُرتكباً جَريمة الاغتصاب من يُواقع شخصاً زناً او لواطاً دون رضاه . لا يعتد بالرضا اذا كان الجاني ذا قِوامة او سُلطة على المجني عليه" . وهذا التَعريف للاغتصاب لا يتسق مع المَعايير الدولية، و لابد من تقييد شَرط الرِضا في جريمة الاغتصاب، فالضحية قد لا تُبدي اي مُقاومة لا لكونها راضية و لكن قد تكون خائفة، او مَرعُوبة بِحيث انها تخاف ان تجلب المقاومة و الرفض المزيد من العنف. كذا يجب توسيع التعريف بما يتسق وتعريف المحكمة الجنائية الدولية.
3. لا يتضمن القانون السوداني حِماية من الأتجار بالنساء، او الإستغلال، او العنف المنزلي. كذلك يحفل القانون الجنائي السوداني بالكثير من اللغط و الغموض حول مدى انطباق احكام القانون بخصوص جرائم التحرش اللفظي.
4. الإشكالية القانونية الماثلة في جرائم إغتصاب الاطفال أنه في كثير من الحالات لا تتوفر البينة لجريمة الاغتصاب (المواقعة زنا او لواطا) فيتم تحول التهم هل لافعال الفاحشة (المادة 151) او الافعال الفاضحة و المخلة بالاداب العامة (المادة 152) او الغواية (المادة 156)، و هنا يمكن الإفراج عن المتهم بالضمان و لاتتعدى العقوبة إن أوقعت "الجلد" بما لا يتجاوز أربعين جلدة او مُعاقبته "بالسجن" مدة لاتجاوز سنة أو بالغرامة.
5. لم تشر العقوبات المقررة في البابين الخامس عشر و السادس عشر على أن تُفَرد العقوبة بحيث تتناسب مع الضرر الذي اصاب الضحية بما في ذلك الضرر النفسي و المعنوي.
6. و أبرز ما غفل عنه المشرع السوداني، هو تخصيص عقوبة خاصة للإغتصاب عندما يقع في سياق تعذيبي، و هو الإتجاه الذي تواضعت عليه المواثيق الدولية، و الأحكام القضائية الحديثة.
7. لم يَعالج القَانون الجنائي السوداني مسالة خِتان الإناث بِنَص خَاص.
ينتقد العَديد من القانونيين و النُشطاء، القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، لعدم إحتوائه على أحكام فعالة لمُحاربة العُنف ضد المرأة، أو عَدم كَفالة إجراءات قَانونية تُيسر الوصول الى العَدالة، و في ظل هذا الوضع تفتقد المرأة الحماية القانونية اللآزمة، و يَتمتع الجُناة بِظروف من خِلالها يتحقق لهم الإفلات من العقاب عن أفعال العنف ضد المرأة. إن المعايير التي يَقوم عَليها القَانون لا تنسجم مع المعايير الدولية، في هذا الخصوص فهو يتضمن ثغرات تسمح
للمنتهكين اقتراف جرائمهم والإفلات من العقاب.
وجاء ترتيب السودان كسابع أسوأ دولة في العالم من حيث ممارسة العنف الجنسي في الصراعات ، بحسب تقرير مابلكروفت Maplecroft – أشهر مؤسسات تحليل المخاطر العالمية .ويوضح التقرير درجات وشدة الإعتداءات الجنسي (الإستخدام الممنهج للعنف الجنسي كسلاح في الحرب ، وتورط الأطفال الجنود إما كضحايا أو كممارسين للعنف الجنسي في أثناء الصراع) .وبحسب التقرير فإن أسوأ عشرة دول في العالم ، هي على التوالي : افريقيا الوسطى ، كولمبيا ، الكونغو ، ميانمار ، الصومال ، ساحل العاج ، السودان ، سريلانكا ، يوغندا وزيمبابوي. انظر كذلك قرارات مجلس الامن بالارقام : 1820 (2008)، 1888 (2009) و 1960 (2010 . نشر على موقع سودانيلhttp://www.sudanile.com في 26 يونيو 2013
الخاتمة و التوصيات:
لضمان إنجاز تشريعات وطنية تتواءم مع المعايير الدولية التي اشارت لها هذه الورقة، فاننا في ختام هذا البحث، نوصي بأن تقوم السُلطات التشريعية في السودان، بصياغة قوانين و مُدونات و إجراءات تحمي المرأة من العنف ، بكافة صُوره، و تكفل لها افضل السُبل للوصول للعدالة، و ذلك من خلال:
1. وضع مَسالة التصديق على الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية المرأة من العنف كأولوية قصوى، لا سيماإتفاقية القَضاء على كَافة أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الاختيارية الخاصة بكل منها.
2. تشجيع إستخدام جميع مصادر القانون الدولى ذات الصلة، والمبادئ التوجيهية الدولية وأفضل الممارسات الدولية فيما يتعلق بِحماية ضحايا العُنف ضد النساء.
3. التأكيد على تنفيذ القوانين والتدابير الشاملة التى تُجرم العُنف ضد النساء بدقة وفاعلية، وتفعيل إجراءات حِماية ووقاية مُتعددة التَخصُصَات وتُراعى الفوارق بين الجنسين مثل التدابير الوقائية ونظم الحماية، والتحقيق، وتقديم المتهمين للمحاكمة، والعقوبة المناسبة ومنع الإفلات من العقاب، وتقديم خَدمات المُساعدة و العَون التى تُمكن النساء و الفتيات الضحايا من الوصول إلىالعَدالة المُنصفة.
4. وَضع تَدابير للقضاء على العُنف المنزلى من خلال تطبيق وتقوية وتنفيذ التشريعات التى تحظر مثل هذا العنف، وتُحدد تدابير عقابية له وتوفر حماية قانونية كافية من العنف ضد المرأة.
5. وَضع ضَمانات في التشريعات الوطنية، تَكفل حُصول النساء و الفتيات على محاكمة عادلة، و وضع ضمانات و تدابير تحظر عمليات تسوية المنازعات بصورة قسرية في القضايا المتعلقة بكافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات.
6. مراجعة و تنقيح وتعديل أو إلغاء جميع القوانين واللوائح والسياسات والممارسات والأعراف التى تُميز ضد المرأة أو التى لها أثر تمييزى على المرأة، والتأكيد على أن أحكام النظم القانونية المتعددة، حيثما وجدت، تتماشى مع الالتزامات والمبادئ الدولية لحقوق الإنسان، بما فى ذلك مبدأ عدم التمييز.
الورقة الثالثة
العنف المنزلي و الإصلاحات التشريعية المقترحة
د. سامي عبد الحليم سعيد
[email protected]
إن حماية أعضاء الأسرة المجتمعية أمر من الأمور التي ظلت على الدوام موضع إهتمام القانون على المستويين المحلي و الدولي، فمن الأسرة ينشأ المجتمع، و من حماية الأسرة تبدأ حماية المجتمع كافة. لذا يمكن تفسير كل القوانين على أساس أنها قواعد منظمة لسلامة و أمن و رفاهية المجتمع و مكوناته الإجتماعية بما فيها الأسرة بوصفها أهم مكونات أي مجتمع.
و إنطلاقاً من القيم العليا التي شرعتها الأديان السماوية، و مروراً بكافة الوثائق القانونية الأساسية المنظمة للعلاقات على المستويين المحلي و الدولي، مثل الوثائق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، كانت الأسرة وأفرادها من أهم الموضوعات التي إنصبت عليها الحماية القانونية.
و في خصوص حماية اعضاء الأسرة، من أي إنتهاكات أو أعمال عنف صدرت العديد من الإتفاقيات و المعاهدات و البروتوكولات الدولية التي فَصَلت أمر الحماية الواجبة لأعضاء الأسرة من العنف، و أسست تلك الأليات الدولية العديد من المعايير و الموجهات الدولية التي ظلت تُوجِه المُشرع الوطني حين يضع قوانينه و سياساته تجاه حماية الأسرة و أعضائها.
و في الإطار الوطني السوداني، صدرت العديد من التشريعات الوطنية التي تنظم مظاهر الحياة المختلفة، و من بينها ما يحمي الأسرة وأعضائها، و من بينها ما يمس سلامة الأسرة و ينتهك حقوقها و يعرضها للعنف الأسري - مما يستلزم إلغائها- و من بينها أيضاً من يتضمن قصوراً طفيفاً يمكن تداركه بالتعديل التشريعي العادي.
في ظل الوضع التشريعي الكائن على الصعيد الوطني، تعانى الأسرة من العديد من مظاهر العنف الأسري التي يتطلب تجاوزها العديد من الإصلاحات التشريعية المتطابقة مع المعايير الدولية المطلوبة في حماية أفراد الأسرة من العنف.
فيما يلي، نرصد في هذا البحث الأساس التشريعي لحماية أعضاء الأسرة من كافة أشكال العنف، و نحلل التشريعات الوطنية بغرض معرفة مدى مطابقتها لمعايير حماية الأسرة، و بالتالي تقترح هذه الدراسة بعض الجوانب التشريعية التي يجب إستيعابها في أي محاولة للإصلاح التشريعي ، بما يكفل حماية أعضاء الأسرة، لا سيما المرأة و الطفل و كبار السن و ذوي الإحتياجات الخاصة و المتعايشين مع مرض نقص المناعة الطبيعية / الأيدز، من كافة أشكال العنف المنزلي.
ندرس في هذا البحث موضوع "الإصلاحات التشريعية المقترحة للقضاء على العنف الأسري في السودان" من خلال البحث في عدد من الموضوعات، و ذلك كما يلي:
1. تعريف العنف الأسري
2. العنف الأسري في الشريعة الإسلامية
3. أشكال العنف الأسري
4. العنف الأسري في القانون السوداني
5. ملاحظات حول المعالجة التشريعية للعنف الأسري في السودان
6. إصلاحات و تدابير واجبة للحد من العنف الأسري
تعريف العنف الأسري:
سعت العديد من المحاولات التشريعية إلى إيجاد تعريف قانوني جامع و شامل للأسرة على نحو يتواءم مع مقتضيات حماية الأسرة من العنف الداخلي، و من بين تلك كان التعريف القاضي بأن الأسرة " تشمل أفراد العائلة، سواء أكانوا مقيمين في مسكن واحد أم لا، على أن تجمع بينهم رابطة الدم أو المصاهرة حتى الدرجة الرابعة، أو التبني، أو التكفل، أو القوامة، أو الوصاية" و التعريف بصورته تلك لا يتطابق بشكل كامل مع تعريف علم الاجتماع.
هذا التعريف، يخرج بمفهوم العنف الأسرى، من دائرة العنف ضد المرأة و العنف ضد الأطفال، الى نطاق أكثر إتساعاً و شمولية ، و هو بذلك يكفل حماية لكافة أفراد الأسرة من العنف. و هذا الأتجاه يتطابق مع ما ذهب اليه التعريف الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية في 2002 ، و الذي جاء فيه، إن "العنف الأسري هو كل سلوك يصدر في إطار علاقة حميمة ويسبب أضرارا أو آلاماً جسمية أو نفسية أو جنسية لأطراف تلك العلاقة". وهو ايضا يتطابق مع التعاريف التي أوردتها القوانين الحديثة، مثل قانون العنف الأسري الأردني.
و التعريف لا يوضح مدى شموله للعاملين في الخدمة المنزلية، مثل المربيات ، المدرسين الخصوصيين، السائق الخصوصي، بوصفهم جزء من بيئة الأسرة، و منهم من يقيم إقامة دائمة أو شبه دائمة مع الأسرة، و من جانبنا نرى أن التعريف يشمل كل القاطنين في بيئة الأسرة.
العنف الاسري براي علماء الإجتماع هو شكل من اشكال إستخدام مكامن السطوة الإجتماعية و الأسرية، بواسطة واحد أو أكثر من أعضاء الأسرة، ضد آخر أو آخرين من الأسرة، بقصد قهرهم و إخضاعهم بصورة لا تتفق مع حريتهم و إرادتهم الشخصية.
إن القضية الأساسية بخصوص العنف الأسري، هي مسألة الشرعية، إذ تثير مشكلة الشرعية أو عدم الشرعية المتعلقة بإستخدام وسائل العنف داخل الأسرة الكثير من التساؤلات و الجدل، فالحكم بأن مسألة من المسائل على إنها شرعية أو غير شرعية، هو مسألة نسبية، تختلف بإختلاف المجتمعات و الثقافات. و بالتالي إن دائرة الإفعال الأسرية و أنماط السلوك التي تصنف على إنها شرعية أو غير شرعية، تتسع في بعض المجتمعات و تضيق في البعض الآخر، و يمكن عزو ذلك الى التباين في مستوى التطور الاجتماعي و الثقافي و مدى شيوع الوعي بحقوق الانسان و الحريات العامة و الخاصة في هذه المجتمعات.
لذا ستتناول هذه الورقة الجوانب القانونية التي تجرم العنف الأسري، إستناداً على أحكام الشريعة الإسلامية، و الوثائق الدولية التي تبنتها المؤتمرات و المحافل الدولية، حتى نتبين أوجه القصور في تشريعاتنا الوطنية و نعمل على تجاوزها بإعمال إصلاحات تشريعية فعالة و متوائمة مع التطور القانوني الدولي الخاص بمسألة مكافحة العنف الأسري.
العنف الأسري في الإسلام:
نبحث هذا الجانب، لأغراض نفي أي صلة بين أحكام الشريعة الأسلامية و أي شكل من أشكال العنف الأسري، إذ أن العديد من وجهات النظر الرافضة للتدخل التشريعي لتنظيم العلاقات داخل كيان الأسرة و حمايتها من مظاهر العنف، تستند إلى مفاهيم خاطئة لأحكام الشريعة الإسلامية، و للأسف تحظى تلك المفاهيم بقدر من الإنتشار و التعميم ، لأنها تحمي الثقافة و العادات الإجتماعية الداعية لممارسة العنف الأسري بين أعضاء الأسرة.وتغلب التقاليد والأعراف السائدة على القيم الإسلامية الحقيقية في أكثر المجتمعات الإسلامية ، مع انتشار مفاهيم خاطئة تنسب إلى الإسلام خطأ أو عمداً أو جهلاً .
وقد عني الإسلام بالأسرة ودعا إلى الحفاظ عليها وحماية حقوق أطرافها ، وأقام علاقاتها على قاعدتي المودة والرحمة واعتبرها بيت السكينة وليس فقط بيت التساكن. كذلك ضمن الإسلام للأسرة أحكامها الخاصة، ونظَّم العلاقة بين الزوجين ووضع لكل منهما حقوقا وواجبات. قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة، 228] . كذلك ضبط العلاقة بين الأولاد وآبائهم وأمهاتهم وضبط توارثهم بأحكام إلهية. وجعل طاعة الوالدين في المرتبة الثانية بعد طاعة الله والامتناع عن الإشراك به.
العنف الأسري في الوثائق الدولية:
العديد من الوثائق الدولية أعطت إهتماماً خاصاً للعنف الأسري و لا شك الجانب الخاص بالعنف ضد المرأة و الطفل و كبار السن و ذوي الإحتياجات الخاصة و المتعايشين مع مرض نقص المناعة الطبيعية / الأيدز.
و كان الإهتمام الدولي قد بدأ أولاً بالموضوعات المتصلة بحماية المرأة من العنف، من خلال العديد من الوثائق الدولية، و من بعد ذلك قاد التطور القانوني الدولي إلى تبني أحكام خاصة بالعنف الأسري بشكل أشمل. و لبيان هذا الجانب نرصد بعض الوثائق و الإتفاقيات الدولية التي تعاهدت فيها الأمم على الحد من العنف الموجه ضد المرأة، و بعدها نبحث في التطور الذي أحدثه تعريفمنظمة الصحة العالمية في العام 2002م للعنف الأسري، و الذي حدد أنماط و أشكال العنف الأسري الناتجة عن ذلك التعريف. و ذلك كما يلي:
7. اتفاقية " الغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة " ( سيداو) التي صدرت في العام 1979م. ودخلت في حيز التنفيذ في العام 1981م.
8. مؤتمر نيروبي 1985م. الذي اعتبر أن العنف ضد المرأة هو من أهم معوقات السلام والتنمية والمساواة. وقد طالب المؤتمر بالقيام بخطوات قانونية تمنع العنف المؤسس على النوع، أي الجندر، وتضع آليات للتعامل مع هذه الظاهرة .
9. الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة 1993م. الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي يُعتبر أول أداة عملية تتناول موضوع العنف ضد المرأة.
10. مؤتمر السكان والتنمية في القاهرة عام 1994م. الذي حرص في وثيقته الختامية على إدانة العنف الموجه ضد المرأة وبشكل خاص الاغتصاب ، وتجارة الرقيق الأبيض، وتجارة الأطفال من أجل الدعارة، والعنف الجنسي بشتى انواعه .
11. مؤتمر القمة الاجتماعية في " كوبنهاجن" عام 1995م. الذي نادى باتخاذ آلياتلمنع العنف ضد المرأة.
12. مؤتمر المرأة في بكين عام 1995م. والذي عرف العنف ضد المرأة بأنه "أي عمل من أعمال العنف القائم على الجندر يترتب عليه أو من المحتمل أن يترتب عليه أذى بدني أو جنسي أو نفسي أو معاناة للمرأة، بما في ذلك التهديد بالقيام بأعمال من هذا القبيل، أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة ".
و من بين أهم الوثائق الدولية الحديثة التي أسست لمبادئ الحد من العنف الأسري، كانت اتفاقية حقوق الطفل هي أول صك دولي ملزم قانونا يضم مجموعة كاملة من حقوق الإنسان القائمة على الحقوق المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. في عام 1989، قرر قادة العالم أن الأطفال بحاجة إلى اتفاقية خاصة لهم لأن فئة الأطفال تحتاج إلى رعاية خاصة وحماية قد لا يحتاجها الكبار.
من خلال الموافقة على القيام بالتزامات الاتفاقية (عن طريق التصديق عليها أو الانضمام إليه)، الزمت الحكومات الوطنية نفسها بحماية وضمان حقوق الطفل وأنها وافقت على تحمل مسؤولية هذا الالتزام أمام المجتمع الدولي. وتلتزم الدول الأطراف في الاتفاقية على تطوير واتخاذ جميع الإجراءات والسياسات في ضوء المصالح الفضلى للطفل.
ومن الوثائق الدولية الهامة التي تعني بحماية أفراد الأسرة من العنف، إتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لسنة 2006، و التي صادقت عليها جمهورية السودان في 24 أبريل 2009. و كذلك الإعلان السياسي حول فيروز نقص المناعة الطبيعية، و الذي إعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من يونيو 2011.
أشكال العنف الأسري بحسب إتفاقية الصحة العالمية:
أطلقت منظمة الصحة العالمية في العام 2002م تعريفاً للعنف الأسري، و بموجبه عرفت العنف الأسري بانه " كل سلوك يصدر في إطار علاقة حميمة ويسبب أضرارا أو آلاماً جسمية أو نفسية أو جنسية لأطراف تلك العلاقة".
إن العنف الأسري هو سلوك يتم في أغلب الأحوال داخل حدود المسكن الأسري، و بعيد عن مراقبة ممثلي السلطة العامة، فتكمن خطورته في إنه غير خاضع للمراقبة، و يصعب إخراج حادثة العنف من السياق المنزلي إلى نطاق مؤسسات السلطة العامة مثل البوليس و النيابة و القضاة و مؤسسات حماية حقوق الإنسان و ما إلى ذلك من مؤسسات عامة ، و بالتالي يتخذ العنف المنزلي صوراً و أنماطاً متعددة، بتعدد البيئات الاجتماعية و الثقافية التي ينتج في ظلها العنف، و بإختلاف جنس و عمر الضحية. وحسب تعريف منظمة الصحة العالمية، فان أشكال العنف في إطار العلاقات الأسرية تتحدد في التالي:
1- العنف النفسي/ العاطفي.
2- العنف الجسدي/ المادي.
3- العنف الجنسي / الإضطهاد الجنسي
1. العنف النفسي: و هو كل فعل ينتج عنه إيذاء لنفسية الشخص المعنف و لعواطفه، و دون أن يكون لذلك الفعل أثار جسدية ملموسة. إلا أن الإيذاء النفسي يجب أن يكون مؤثراً في نفسية المعنف – بحيث يتجاوز مجرد تسبيب الإحراج و الخجل – وأن تكون للآثار النفسية السلبية صفة الإستمرارية للمدى الذي قد يؤثر في ثقة المعنف في نفسه و في المحيط الإجتماعي الذي يعيش فيه. ومن مظاهر هذا العنف ( الإساءة / التجريح/ التحقير، التمييز، النعت بألفاظ بذيئة أو بصورة تمييزية، الاتهام بالسوء/ إساءة الظن، التخويف). و يتضمن العنف النفسي العديد من الصور التي يتعايش معها المجتمع العربي الإسلامي، مثل الحرمان من الزواج من عائلة أو قبيلة أو طبقة إجتماعية بسبب التباين الطبقي، المقاطعة العائلية للرجل / للمرأة في حالة الزوج من دون رغبة الوالدين. نفي البنت بعيدأ – مع أحد أقربائها – لإبعادها من حبيبها، التزويج دون إرادة الطرفين لتحقيق مصالح أسرية (إجتماعية أو إقتصادية) و التهديد بالطلاق، الشتم أو النعت بأوصاف تمييزية.
2. العنف الجسدي:وهو أكثر وضوحاً بالمقارنة بالعنف النفسي، إذ هو أبرز أنواع العنف الأسري لسهولة إدراكة و تلمسه، وهو الذي يتعلق بالأذى المادي لجسد الشخص المعنف و ناتج عن إستخدام القوة المادية، و يتخذ صوراً عديدة غير قابلة للحصر. و تشمل بجانب أنواع أخرى، الإجهاض و الختان والتعذيب و الجلد و غير ذلك.
3. العنف الجنسي:العنف الجنسي داخل نطاق الأسرة، يعني ممارسة الجنس أو أي أفعال جنسية بالقوة أو بالتهديد أو بالإستدراج أو التحرش. و تعد كل تلك الإفعال جريمة عنف جنسي إذ مورست بواسطة شخص بالغ ضد الأطفال من الجنسين ، و لو تم ذلك برضاء أو موافقة أو حتى طلب الطفل أو الطفلة. مثلما لا يعتد الرضاء بالممارسة الجنسية ضمن الأسرة إذا كان ضحية العنف الجنسي يخضع تحت وصاية أو قوامة و مسئولية الفاعل (مرتكب فعل العنف الأسري/ في صورة العنف الجسدي). و لما كان النشاط الجنسي المشترك بين الزوجة و الزوج، و القائم على أساس الرضا و الحب، هو أساس الأسرة و عمادها، فإن كل نشاط جنسي بين الزوجين قائم بموجب رضا غير معيب لا يعد عنفاً جنسياً، و كل الأفعال الجنسية التي يتم ممارستها تحت القهر و الغصب و التهديد و القوة المادية تعد عنفاً أسرياً، و من بين ذلك الهجر الجنسي، الاجبار على ممارسة الجنس، او الاجبار علىالقيام بافعال جنسية لا يقبلها الطرف الآخر. و قد وردت في بعض الكتابات و التفسيرات الفقهية للعنف الجنسي، مصطلح "إغتصاب الزوجة بواسطة الزوج" في إطار شرح الممارسة الجنسية بدون رضا الزوجة، و أجدني أفضل إستخدام مصطلح "العنف الجنسي" بين الزوجين في إطار العنف الأسري، حيث إن عبارة ممارسة الجنس بدون رضا بين كل من "الزوج" و "الزوجة" تطرح خصوصية تختلف عن ممارسة الجنس بالإكراه بواسطة شخص غريب غير "الزوج أو الزوجة".
و يحتمل أن ينطوى الفعل الواحد على أيذاء نفسي بجانب الإيذاء الجسدي و الجنسي، كما في فعل الإغتصاب.
العنف الأسري في القانون السوداني:
البيئة الإجتماعية السودانية، تشابه في العديد من جوانبها – المتصلة بالعنف الأسري – المجتمعات المحيطة العربية/ الإسلامية و الإفريقية، و يشمل محور التشابه الجانب الثقافي و العقائدي و الإجتماعي و الإقتصادي و السياسي، مما يجعل مسألة العنف الأسري مسألة ناتجة من تداخل تلك العوامل مجتمعة و إسقاطاتها على الأسرة. أنتجت تلك البيئة الإجتماعية السودانية العنف الأسري كسلوك مؤذي و ضار و غير معلن، و غالباً ما تكون المرأة و الطفل – في تلك البيئة - من أكثر الفئات تعرضاً للعنف الأسري و ذلك لإحتلالهما المكانة الدنيا و الضعيفة في التركيبة الإجتماعية السائدة، و داخل بناء الأسرة، ووفقاً لتلك الوضعية تشهد الأسرة السودانية أشكالاً متباينة من السلوكيات العنيفة، بين أعضاء الأسرة.
إن من المهم النظر إلى العنف الأسري في السودان، في سياق الثقافة المجتمعية السائدة، و القائمة على أساس ديني أو عادات و أعراف قبلية، أو ثقافة إجتماعية تراكمية، بالتالي هو عنف شمولي من منظور علم الإجتماع، هو أوسع من المنظور القانوني، حيث أن الأخير يقتصر على الفعل الجرمي، مغفلاً في أحايين كثيرة الظروف البيئية و المجتمعية التي قادت الى ظهور العنف، إضافة إلى أن المنظور القانوني للعنف الأسري الموجه ضد المرأة غالباً ما يغفل العديد من أنماط العنف المنتشرة في المجتمع و لكنها غير مجرمة قانوناً، لأنها تتمتع بوضعية إجتماعية و ثقافية لا يمكن للقاعدة القانونية التصدي لها بمعزل عن تطور ثقافي و إجتماعي ملازم مع تبني القاعدة القانوية.
في هذا السياق نورد فيما يلي ملاحظات حول المعالجات التي نصت عليها التشريعات السودانية، و المتعلقة بمكافحة العنف الأسري، و من ثم نؤشر الإصلاحات و التدابير الواجب إتخاذها بواسطة المشرع السوداني لمواجهة مشكلة العنف الأسري في السودان، و ذلك كما يلي:
ملاحظات حول المعالجة القانونية للعنف الأسري في السودان:
2. إن المشرع السوداني لم يقم بإجازة قانون خاص بالحماية من العنف الأسري،لا سيما أن بعض الدول على الصعيد العربي شهدت إجتهادات تشريعية لإنجاز مثل القانون، و منها من لها قوانين نافذة.
3. إن الإستجابات التشريعية، و بخاصة تلك الواردة في القانون الجنائي/ الاجراءات لسنة 1991 و قانون الطفل لسنة 2010 و قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991، و قانون الإثبات لسنة 1994، لم تستطع جميعها أن تضع أحكاماً تشريعية تحد من إنتشار ظاهرة العنف الأسري في المجتمع السوداني، بل انها صارت متزايدة بفضل عدم مواكبة التشريعات لتطور الظواهر الإجتماعية المتصلة بالعنف.
4. إن من أبرز أشكال العنف الأسري، تلك الموجهة ضد الأطفال، و المرأة و التي تتخذ أحياناً صور العنف المادي و العنف الجنسي، و تكتسب عملية الأصلاح التشريعي في هذا الخصوص أهمية خاصة، للتزايد العالي لجرائم التعدي على الإطفال في البيئة المنزلية، سواء بواسطة الأقارب، أو العاملين في الخدمة المنزلية، مثل المربيات ، المدرسين الخصوصيين، السائق الخصوصي، و غيرهم. و يتخذ العنف صورته المعاقب عليها بموجب القانون الجنائي السوداني، في شكل جرائم الإغتصاب (المادة 149 من القانون الجنائي لسنة 1991) و جرائم التحرش الجنسي (المادة 151 ).
5. يواجه التشريع السوداني معضلة حقيقية، تتمثل في إفتقاره لآلية إثبات فاعلة في إثبات جرائم العنف المنزلي، إذ لا يميز في تشريعاته الاجرائية بين بين طرق الإثبات في الجرائم الجنائية العادية و الجرائم الموجهة لفئات المجتمع الهشة و الضعيفة، إذ يطالب الشاكي في الحالتين بإثبات الفعل الذي يدعيه في شكواه، و هذا لا يوفر عدالة كافية للفئات الهشة و ينآي بهم من الذهاب إلى العدالة، و يفاقم الوضع بأن يجعل الفاعل متحصناً بفعل عدم كفاءة التشريع الإجرائي.
6. الإشكالية القانونية الماثلة في جرائم إغتصاب الاطفال أنه في كثير من الحالات لا تتوفر البينة المبدئية لجريمة الاغتصاب فتحول التهم هل لافعال الفاحشه – التحرش الجنسي – و هنا يمكن الإفراج عن المتهم بالضمان و لاتتعدى العقوبة إن أوقعت الجلد بما لا يجاوز اربعين جلدة او معاقبته بالسجن مدة لاتجاوز سنة أو بالغرامة.
7. لم يفرد القانون الجنائي عقوبة خاصة على مرتكبي جريمة إغتصاب الاطفال حيث جاء النص في المادة 149 مواقعة (شخص) بغض النظر عن جنسه أو عمره أو لونه، و هذا تعميم لا يتفق مع الإتجاه التشريعي الدولى المنادي بإعتماد تدابير عقابية خاصة بالجرائم التي ترتكب ضد الأطفال.لذلك فإن التشريع السوداني يعاني قصوراً في حماية الطفل من جريمة الإغتصاب، لما في نصوصه من غموض في تأكيد حماية الأطفال من الجرائم الجنسية.و كان أولو قانون قد صدر بخصوص الطفل هو قانون رعاية الطفل 1971 و كان الغرض منه تنظيم عمل المؤسسات الرسمية و الطوعية العاملة في مجال رعاية الطفل، ثم تلاه قانون رعاية الاحداث لسنة 1983 الذي هو أيضاً جاء لتنظيم العلاقة الإجرائية بين المؤسسات ذات الصلة بالأحداث.
8. عدد قانون الطفل لسنة 2010 في المادة 45 الأفعال الجنائية الموجهة ضد أمن و سلامة الطفل، و حصرها في أفعال خطف الاطفال، بيع و نقل أعضاء الأطفال، إغتصاب ألأطفال، التحرش الجنسي بالاطفال، الترويج لمواد أباحية متعلقة بالاطفال ، إستخدام الاطفال في انشطة جنسية. و هذا الحصر يعد أحد أبرز العيوب التي لازمت صدور هذا القانون إذ أغفل عدداً مقدراً من أشكال العنف المادي/ الجسدي و أشكال العنف النفسي / المعنوي و أشكال العنف الجنسي، و بعض تلك الأشكال تشهد تكرراً و تطوراً كبيراً في المجتمع السوداني، مثل الضرب و التعذيب و الختان و الاستغلال في أفعال جنائية (مثل ترويج المخدرات) و الإتجار في الأطفال، التهجير القسري و غير ذلك.
9. و أبرز ما غفل عنه المشرع السوداني، هو تخصيص عقوبة خاصة للإغتصاب عندما يقع في سياق تعذيبي، و هو الإتجاه الذي تواضعت عليه المواثيق الدولية، و الأحكام القضائية الحديثة.
مؤشرات في التطور التشريعي
1. لقد شهد التشريع السوداني تطورات ملموسة في بعض جوانب حماية أفراد الأسرة من العنف، و على نحو أكثر وضوحاً، حماية المرأة و الطفل، و قد تأتى ذلك بعد أن واجهت الحكومة ضغوطاً سياسية و دبلوماسية لتعديل تشريعاتها على النحو الذي يتواءم مع المواثيق و المعاهدات الدولية.
2. تمت إجازة قانون الطفل لعام 2004 و الذي معه تم تبنى العديد من السياسات لحماية الطفل ، من بينها تكوين شرطة خاصة بالأطفال، و وجوب التحري مع الأطفال في حضور ممثل قانوني و ممثل من الرعاية الإجتماعية و في حضور والديه، و غيرها من التدابير التي كانت تُعد،على محدوديتها، تطورا تشريعيا لمصلحة حماية الطفل.
3. تلى ذلك التطور صدور قانون الطفل لسنة 2010، كتطور تشريعي يتسق مع التعهدات الدولية التي إنخرطت فيها دولة السودان، لاسيما بعد إقرار الاعلان العالمي لبقاء الطفل ونمائه ورفاهيته لسنة 1990م والذي صادقت عليها حكومة السودان فى يوليو 2008 م. عدد قانون الطفل لسنة 2010 في المادة 45 الأفعال الجنائية الموجهة ضد أمن و سلامة الطفل، و حصرها في أفعال خطف الاطفال، بيع و نقل أعضاء الأطفال، إغتصاب ألأطفال، التحرش الجنسي بالاطفال، الترويج لمواد أباحية متعلقة بالاطفال، إستخدام الاطفال في انشطة جنسية. و هذا الحصر يعد أحد أبرز العيوب التي لازمت صدور هذا القانون إذ أغفل عدداً مقدراً من أشكال العنف المادي/ الجسدي و أشكال العنف النفسي / المعنوي و أشكال العنف الجنسي، و بعض تلك الأشكال تشهد تكرراً و تطوراً كبيراً في المجتمع السوداني، مثل الضرب و التعذيب و الختان و الاستغلال في أفعال جنائية (مثل ترويج المخدرات) و الإتجار في الأطفال، التهجير القسري و غير ذلك.
4. أجرى المشرع السوداني في عام 2010 تعديلاً جوهرياً في القانون الجنائي و قانون الإجراءات، بأن إضاف في القانون الجنائي قائمة من الجرائم التي ترتكب في سياق النزاعات المسلحة مثل جرائم الحرب و جرائم ضد الإنسانية، و قد جاء هذا التطور التشريعي نتاج عاملين أساسيين و هما، فرض ولاية المحكمة الجنائية الدولية على الجرائم المرتكبة في إقليم دارفور في سياق النزاع المسلح الجاري في الإقليم، و العامل الثاني ، مصادقة السودان على إتفاقية جنيف و التي تحمل في طياتها كل مبادئ القانون الدولي الإنساني و ما أرساه العرف الدولي من قواعد خاصة بحماية المدنيين لا سيما الشيوخ و المسنين و المصابين و النساء و الأطفال. و هذا التعديل في القوانين الجنائية وضع أحكاماً تضمن حماية للأطفال و النساء من كافة أشكال العنف، و وضعت معايير جديدة للعدالة الجنائية يجب على الدولة ان تراعيها عندما يتعلق الأمر بالعنف ضد الأطفال و النساء .
5. على الرغم من أن التشريع الجنائي السوداني، لم يخصص للجرائم الموجهة ضد الطفولة عقوبة مشددة، لا سيما الجرائم الجنسية ، إلا أن تطبيقات المحاكم السودانية إجتهدت لملء هذا الفراغ التشريعي، و أقرت سوابق قضائية، تجعل صغر السن ظرفاً مشدداً في تحديد العقوبة الجنائية في جرائم الإغتصاب.
6. كان من المأمول لهذا التطور أن يشهد حراكاً تشريعياً أوسع، يصل مداه بتبني قانون خاص بالحماية من العنف الأسري ، و بعكس التعهدات الدولية الخاصة بالمجموعات الخاصة داخل المجتمع، فقد صادق السودان على المعاهدة الدولية لذوي الإحتياجات الخاصة و المسنين، إلى أن ذلك لم يتبعه إي تطور تشريعي. كما أن جهوداً قادتها وكالات الامم المتحدة و منظمات المجتمع المدني بغرض سن تشريع يحمى المتعايشين مع فيروس نقص المناعة الطبيعية / الأيدز، إلا أن ذلك لم يجد له صدى داخل أروقة المؤسسات التشريعية.
إصلاحات و تدابير واجبة للحد من العنف الأسري:
إن الإتفاقيات الدولية و المعاهدات التي وقعت عليها حكومة جمهورية السودان، تصلح لأن تكون الأساس الهادي في إعتماد تدابير إدارية و تشريعية تكفل حماية لأفراد الأسرة من العنف الأسري، و العديد من التجارب الأقليمية في المحيطين العربي/ الإسلامي و الإفريقي تبنت مناهج إصلاحية لتلبي الحاجة لإصدار تشريعات تكفل الحماية من العنف الأسري.
من بين تلك التدابير التي يجب أن تشملها أي إصلاحات تشريعية، ما يلي من تدابير:
1- إعادة صياغة التشريعات الجنائية و قانون الأحوال الشخصية بحيث لا تتعارض أحكامهم مع مقتضيات حماية أفراد الأسرة من العنف الأسري، و بما ينسجم مع التعهدات الدولية التي صادقت عليها جمهورية السودان.
2- ضمان تقديم المساعدة المتخصصة للأشخاص الذين تعرضوا للعنف المنزلي ، لا سيما الأطفال و النساء و ذوي الإحتياجات الخاصة. و تقديم خدمات إعادة التأهيل و الإعالة و العلاج و المشورة النفسية و الخدمات الصحية و الإجتماعية.
3- تبني مبادئ و قواعد إجرائية و عدلية خاصة ضمن إجراءات التحقيق في جرائم العنف الأسري، بما يجعل الشخص المعنف قادر على اللجوء الى الأجهزة المختصة دون خوف من الشخص مصدر العنف، أو حتى من ممثلي السلطات العامة. ومن بين تلك المبادئ الخاصة تلك التي أقرتها المحاكم الجنائية الدولية في يوغسلافيا و روندا و الخاصة بجعل عبء الإثبات على المشكو ضده في القضايا الخاصة بالعنف الأسري و ليس على الشاكي كما هو الحال في القضايا الجنائية العادية، و كذلك مثل مبدأ علانية الجلسات، و إنشاء محاكم خاصة للأسرة، و إيجاد طريقة لسماع شهادة الأطفال في جرائم العنف الأسري، غير ذلك.
4- تدريب الموظفين المنوط بهم تنفيذ القوانين الخاصة بالعنف بالحماية من العنف الأسري، و تمليكهم مهارات عدلية و إجرائية خاصة للتعامل مع موضوعات العنف الأسري.
5- تكريس الوعي القانوني و الإجتماعي بأن الأسرة كيان متصل بالمحيط بالمجتمع ككل، وأن تدمير الأسرة بالعنف، يعني بالضرورة خلق تصدعات في المجتمع، و أن تدخل السلطة العامة لحماية الفئات الضعيفة داخل الأسرة هو تدخل لحماية الأمة و مستقبلها.
6- نشر الوعي بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان لأعضاء السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذيةو تخصيص جزء من الميزانية الوطنية لدعم جهود وآليات مناهضة التمييز و العنف.
7- إيلاء إهتمام تشريعي خاص بالفئات الإجتماعية التي تعاني من ضعف بحكم وضعها الذي فرضته ظروف الثقافة و المجتمع، مثل النساء و الأطفال و كبار السن و ذوي الإحتياجات الخاصة، و المتعايشين مع مرض نقص المناعة الطبيعية (الإيدز).
8- العمل على إنشاء مراكز لحماية و تأهيل ضحايا العنف مرتبطة بشكل مباشرة بالسلطات العدلية و تدعم بالإخصائيين الإجتماعيين و النفسيين و القانونيين.
9- إزالة المفاهيم الخاطئة الخاصة بالأحكام الدينية المتعلقة بالأسرة وإظهار وجهة نظر التشريع الإسلامي الرافض للعنف.
أصبحت مسألة حماية الأفراد و كفالة الحقوق الأساسية تحظى بإهتمام عالي شديد، و ذلك من خلال إهتمام منظمات المجتمع المدني و الناشطين في موضوعات حقوق الإنسان، بالموضوعات المتصلة بالحقوق الإجتماعية للأشخاص، و أصبحت العديد من الأحكام القانونية الدالة على ذلك الإهتمام تتوزيع بين الوثائق الدولية المختلفة. و في سياق ذلك الإهتمام ظل التركيز واضحاً تجاه الفئات الإجتماعية الأكثر ضعفاً و هشاشاً، لا سيما الأطفال و النساء، و تصاعدت حساسية المجتمع الإنساني تجاه المجموعات الأخرى – التي لم تحظي بإهتمام تشريعي مقدر - فصدرت المواثيق تجاه أفراد المجتمع من المتعايشين مع متلازمة نقص المناعة الطبيعية، و الأشخاص ذوي الإعاقة، بغرض حمايتهم من العنف و التعذيب و التجاهل.
إن هذا التطور القانوني في مسألة الحماية ضد العنف، خرج من نطاق القانون الدولي الإنساني – الذي يُعنى بحماية الأفراد المدنيين أثناء النزاعات المسلحة – إلى نطاق الحماية خلال الحياة المدنية، في زمن السلم، فنحى نحو الأسرة وأفرادها، فألزم الدول على القيام بإجراءات تكفل و تنظم الحماية للأشخاص.
إن تلك المبادئ، مثلما وجدت لها سنداً في الوثائق الدولية، فإنها كانت، و ما زالت تعبر عن الوجدان السليم للشعوب، و تعبر عن المبادئ و الأسس العقائدية الدينية، سواء كانت إسلامية أو مسيحية. لذا فإن مسائل الحماية من العنف في الأسرة ، لا تشكل تعارضاً مع مبادي دينية أو قيمية، لذا فإن عمليات الإصلاح التشريعي لن تجد أي إعتراضات تحد من إعتماد تشريعات لحماية الأسرة و أفرادها من العنف.
و المشرع السوداني، وبرغم الإجتهادات التي سعى إليها، لم يستطع أن يؤسس لواقع تشريعي يحد من مشكلة تنامي العنف داخل الأسرة، و لم يستطع أن يوفر آليات قانونية، ومساعدات فنية تحمى أفراد الأسرة من تواصل عمليات العنف، و على نحو خاص الموجه ضد الطفل و المرأة. فمازالت النساء و الأطفال يواجهون العنف الجسدي و الجنسي، فقط لان القانون لا يردع الفاعلين، و لا يشجع الضحايا للجوء للعدالة ، و لا يمهد لهم الطريق لتقديم قضاياهم أمام الأجهزة العدلية، و على الرغم من الواقع إلا إن ما أسس له المشرع السوداني في قانون الطفل لسنة 2010 و إنشاء مؤسسات جنائية خاصة بالأسرة و الطفل ( شرطة و نيابة) يعد تطوراً تشريعياً لا يمكن إغفاله.
///////////////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.