والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ساتي ماجد: مؤسس سوداني للدعوة الإسلامية في أمريكا .. عرض وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
نشر في سودانيل يوم 21 - 09 - 2013


ساتي ماجد: مؤسس سوداني للدعوة الإسلامية في أمريكا
Satti Majid: A Sudanese Founder of American Islam
باتريك د. بوان Patrick D. Bowen
عرض وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
نشر هذا المقال في الجزء الثاني من العدد الأول للدورية الأمريكية "مجلة الديانات الأفريقية"
Journal of Africana religions عام 2013م التي تصدر عن دار نشر جامعة بنسلفانيا. لم تذكر المجلة كما هي العادة دوما في المجلات الأكاديمية وغيرها عنوان المؤلف و/أو جهة عمله، بيد أنه بحسب المعلومات الموجودة بالشبكة العنكبوتية من مقال لذات الكتاب عن "ملون عبقري" من الزعماء التاريخيين للمسلمين الملونين (من أصل افريقي) في أمريكا يتضح أن المؤلف هو طالب دراسات عليا في مدرسة اللاهوت في جامعة دينفر بالولايات المتحدة.
يدندن المؤلف في هذا المقال عن ذات ما كتب ونشر من قبل عن ساتي ماجد (مثل ما جاء في عملين سابقين لمحمد عبد الحميد أحمد وكتاب للدكتورة رقية م. أبو شرف عن أوائل المهاجرين السودانيين لأمريكا، ومقال للدكتور أحمد أبو شوك وآخرين عن "ساتي ماجد" في دورية "سودانك أفريكا" الصادرة عام 1997م) بيد أن باتريك بوان يسجل على أنه قد ركز في مقاله الحالي على الانجازات المؤسسية والتأثيرات الفكرية التي خلفها ذلك الداعية الإسلامي الأول في أمريكا منذ سنوات الحرب العالمية الأولى وحتى عام 1929م، وبنجاحه في أن يجعل من الإسلام في أمريكا ديانة معترف بها في سنوات عشرينيات القرن الماضي، وفي خلقه لمنظمات خيرية اجتماعية خدمت جمهرة المسلمين في تلك القارة (وكثير منهم كانوا من فقراء الناس) وألفت بين قلوب عدد كبير من الأمريكيين من أصل أفريقي للإسلام السني، وترك من بعده من هؤلاء عددا من قادة العمل الدعوي الإسلامي من أمثال داؤود أحمد فيصل. من مناقب "ساتي ماجد" التي خصها المؤلف بالذكر هي قدرته على مجادلة ومناظرة خصومه من القساوسة وغيرهم (بالتي هي أحسن).
لتبرير قيامه بهذا البحث يقرر الكاتب بثقة وجزافية ويسر في مبتدأ بحثه أن ما سبقوه بالكتابة عن "ساتي ماجد" لم يسجلوا إلا شذرات متفرقة وصورة غير مكتملة عن العشرين عاما التي قضاها "ساتي ماجد" في أمريكا، ويزعم أنه بمقاله هذا سيكشف عن أن الدور الذي لعبه "ساتي ماجد" في جعل الإسلام "دينا مؤسسيا وعاما ومهما" في أمريكا أكبر مما سجله من سبقوه بالكتابة عن الرجل، ويقرر في الجملة التالية أن الجمعيات الأمريكية الانسانية والدعوية التي أنشأها "ساتي ماجد" قد اضمحلت واختفت في نهاية المطاف وأن عمله قد طواه النسيان!
بدأ المؤلف مقاله بتاريخ موجز لتاريخ "ساتي ماجد"، وذكر أنه عاش في أمريكا بين عامي 1904 – 1929م، متنقلا بين مدن كثيرة أهمها ديترويت وبيترسبيرج ونيويورك وبفلو، وحمد له نظرته الاستراتيجية للإسلام في أمريكا وضرورة تقديمه بصورة "عصرية" وعدم تكرار الأساليب الدعوية لإسلام القرون الوسطى "التقليدي" واعترافه بحرية الأديان ومحاربته للعنصرية، بل ونقله لكل تلك الأفكار والممارسات "الجديدة" لأفريقيا عند عودته لها! كرر الكاتب ما هو معروف الآن من أن "ساتي ماجد"، مولود في 1883م في دنقلا العجوز لعائلة معروفة بالتدين عمل كثير من أفرادها في القضاء (الشرعي) والإفتاء، ودرس العلوم الشريعة في الخلاوي بمنطقته، وكان يأمل في الاستزادة من العلوم الشريعة في الأزهر بمصر فشد الرحال إليها في نهاية القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين. يبدو أن من حفزه أكثر لمغادرة السودان هو رغبته في نشر الإسلام خارج السودان وما تناهي لسمعه من دعاية مضادة للإسلام في نيويورك، فشد الرحال أولا إلى بريطانيا حيث بدأ الدعوة (ذكرت د/ رقية أبو شرف في كتابها المذكور آنفا أن سبب ذهابه لبريطانيا أولا هو رغبته في تعلم الإنجليزية "على أصولها").
لا يعرف على وجه الدقة – بحسب الكاتب- التاريخ الذي حط فيه "ساتي ماجد" على الأرضي الأمريكية ، فهو يذكر في مقابلة صحفية له في العشرينيات أنه وصل لأمريكا في 1912م أو 1915! بيد أن بطاقة السفر التي عثرت في مقتنيات الرجل تفيد بأنه وصل لميناء نيو أوليانز البحري في 1904م، ويتحدث الرجل في مقابلة أخرى أجريت معه في عام 1935م عن عمله الدعوي الإسلامي بأمريكا في سنوات 1908م و1912م. وثق "ساتي ماجد" من علاقاته مع المسلمين في الساحل الشرقي للولايات المتحدة في العقدين الأولين من القرن العشرين، خاصة مع "شيخ محمد علي" إمام سفارة الإمبراطورية (الخلافة) العثمانية بواشنطن، والتي قامت في عام 1910م باستئجار شقة في الطابق الثالث بشارع ريكتور في مانهاتن لاستخدامها كمقر لمسجد "ساتي ماجد" ولنشاطه الدعوي. كان للشيخ التركي "محمد علي" مكانة كبيرة عند المسلمين في أمريكا إذ التف حوله عدد من الأتباع والمريدين في مختلف المدن الأمريكية والتي كان يداوم على السفر لها. يزعم الكاتب أن نجاح الشيخ التركي قد أثار اعجاب "ساتي ماجد" فمضي يحاول محاكاته متنقلا بين المدن الأميركية بين عامي 1912 – 1913م، وخاصة بعد نهاية الحرب العالمية الأولي وسقوط الخلافة العثمانية (والتي تحالفت مع الحلف النمساوي – المجري الذي خسر الحرب). بدأ "ساتي ماجد" في العمل الاجتماعي فأنشأ "الجمعية الخيرية الإسلامية" وساعد في شراء أكثر من 200 مقبرة إسلامية في مدافن المدن المختلفة، وفي ديترويت أقام فرعا لجمعية "الهلال الأحمر"، وفي نيويورك وغيرها حاول مساعدة من فقدوا وظائفهم من البحارة المسلمين (من السودانيين واليمنيين والآسيويين الجنوبيين) الذين كانوا يعملون في سفن بريطانية بالكتابة إلى القنصلية البريطانية لإعادتهم للعمل. وفي ديترويت أنشأ "ساتي ماجد" جمعية أخرى سماها "الجمعية الخيرية الإسلامية" كان من نوازع إقامته لها هو النقد العنيف الذي كان يلقاه الإسلام وجماعات المسلمين في صحف تلك البلاد المحلية باعتبارهم جماعات تؤمن بالعنف والراديكالية السياسية، بينما كان هو يؤمن بأن مرد ذلك هو ما كان يقوم به "الأمبرياليون الأوربيون" تجاههم من عسف وجور واضطهاد.
لعب "ساتي ماجد" أيضا دورا في التوسط بين الجماعات الإسلامية المتشاكسة في ديترويت من أمثال "الأحمدية" و البربر (Moorish) والمسلمين الأوائل من أصل أفريقي، وكان يسعى جاهدا لتوطيد الإسلام السني في أمريكا كدين جامع لكل المسلمين في أمريكا.
كل ما ذكر مسجل – وباستفاضة – في ما كتب من قبل عن تاريخ "ساتي ماجد" الدعوي في أمريكا، ولم يأت فيه المؤلف بجديد سوى تسجيله لصوت لوم للرجل من أنه خاض في الصراعات بين الجماعات المسلمة (المتباينة) في أمريكا ونافسها في الحصول على إعانات من الدولة، وأنه كان يعمد أحيانا لتضخيم انجازاته حتى يثبت نجاح مجهوداته. لم يبذل الكاتب هنا مجهودا يذكر ليدعم هذا الزعم بوقائع ووثائق محددة توضح أين وكيف ومتى ضخم "ساتي ماجد" من مجهوداته، وعن أي "مجهودات" يتحدث المؤلف، فلساتي ماجد "مجهودات" متنوعة في مختلف ضروب العمل العام الاجتماعي والديني والسياسي، كما أشار كاتب المقال نفسه. اكتفى المؤلف بإيراد ما جاء في صحيفة تصدر في مدينة بفلو في شرق الولايات المتحدة في عام 1924م من أن "ساتي ماجد" زعم أنه وحتى عام 1924م قام بإدخال ألف فرد في الإسلام منهم امرأة واسعة الثراء عالية التعليم في نيويورك، بينما زعم في موضع آخر أنه نجح في إدخال ما يزيد على 45000 فردا للإسلام (بحسب ما جاء في كتاب الدكتورة رقية أبو شرف ومقال أبو شوك وآخرين). كذلك أشار المؤلف لطموح "ساتي ماجد" الزائد والذي تعدى وظيفته كشيخ لديترويت، ورغبته العارمة في أن يغدو شيخا لكل الأراضي الأمريكية، وهذه خوض بالغيب في النوايا ودعوى عريضة لا يؤيدها ما أورده المؤلف من أن "ساتي ماجد" أنشأ "جمعية المسلمين المتحدة" والتي يدعي أن عضويتها تبلغ مائة ألف أو يزيدون، بينما كانت عضويتها الحقيقية لا تزيد على بضعة آلاف. رغم ما زعمه مؤلف المقال من أن "ساتي ماجد" بالغ في تقدير قوته وضخم دوره أكثر مما يجب، إلا أنه يعترف بأنه كان أول من سعى لإنشاء كيان (ديني) جامع للمسلمين في أمريكا، معارضا بذلك من يزعمون أن عبد الله اقرام / اجرام القاطن في مدينة سيدار رابد (في ولاية أيوا) هو أول من سعي لتكوين مثل ذلك الكيان في غضون سنوات الحرب العالمية الثانية.
سجل المؤلف طرفا من تاريخ "ساتي ماجد" في مدينة بفلو بولاية نيو يورك فذكر أنها كانت مكانا مثاليا لساتي ماجد ليثبت جدارته وقدرته على قيادة المجتمع الإسلامي في تلك المدينة، والتي تقاطر عليها منذ بداية القرن العشرين عدد كبير من المهاجرين المسلمين. كان المهاجرون هؤلاء يتجمعون في مقهى يملكه أحدهم، وكان "ساتي ماجد" يقيم (ربما مع عائلته) في شقة تقع فوق ذلك المقهى نفسه بين عامي 1924 – 1927م منها كان يدير عمله الخيري في أوساط المسلمين ومساعدتهم بأعمال الترجمة لهم وتعليمهم اللغة الإنجليزية والعادات الأمريكية.
من قصص الصراعات (المثيرة) التي خاضها "ساتي ماجد" مع غيره من قادة العمل الإسلامي في أمريكا في تلك السنوات التي وردت في المقال قصة خصومته مع مسلم اسمه "أحمد علي" ويبلغ من العمر 47 عاما (لم يذكر عنه غير اسمه وعمره) والتي هدد فيها المذكور "ساتي ماجد" بالقتل، وتمت محاكمته لهذا السبب وأدين وحكم عليه بالسجن لنصف عام. كان الشاهد في المحكمة رجل مصري اسمه رمضان أحمد شهد بأن المتهم أحمد علي قد أعطاه مبلغ 300 دولارا في القهوة التي يتجمع فيها المسلمون في "بفلو" لقتل "ساتي ماجد"، وأيد رجل آخر ما ادعاه ذلك الشاهد. قال المتهم في دفاعه عن نفسه أن "ساتي ماجد" دعي (faker) اختلق أنه رجل دين وإصلاح ويخدع بني وطنه. ذكر المؤلف أن الصحيفة التي غطت تفاصيل تلك المحاكمة ذهبت إلى أن لذلك الصراع بين "ساتي ماجد" و"أحمد علي" جذورا عنصرية وربما دينية أيضا، وصورت الأمر كله على أنه صراع حول قيادة "ساتي ماجد" للعمل الإسلامي في أمريكا ومحض منافسة له. قال القاضي الذي نطق بالحكم "يجب على هؤلاء الرجال عند مغادرتهم لأرض العرب ( sicهكذا وردت) ووصولهم إلى هنا أن يتركوا صراعاتهم (السابقة) خلفهم. يجب أن نوقف هذه الانتفاضة المسلمة". كانت تلك أول مرة تفصل فيها المحاكم الأمريكية في أمور تتعلق بالقيادات الإسلامية بالبلاد. يعتقد المؤلف أن قسوة الحكم الصادر قد يعبر عن تخوف (مبكر) من ذلك الدين القادم ومن أن تتطور الصراعات بين المسلمين إلى ما هو أسوأ. لم تغب تلك الحقيقة عن "ساتي ماجد" والذي عين له محاميا (وكان اسمه صمويل فلايشمان) ليمثله في تلك المحكمة. من طريف (بل غريب) ما ذكره ذلك المحامي هو أن "ساتي ماجد" هو سليل مباشر (رقم 29) للعترة النبوية الشريفة، وهو من "السادة الأشراف". كانت تلك أول مرة – بحسب المؤلف- تتناول محكمة أمريكية أمر النظر في سمعة وقوة حجة الشخصيات القيادية للمسلمين في أمريكا.
أفرد المؤلف الجزء الأخير من مقاله لمناقشة تركيز "ساتي ماجد" في دعوته الإسلامية السنية على الأميركيين من أصل أفريقي، وعبر عن إيمانه بأن نجاح الرجل في ذلك المسعى سيبقى هو إرثه (legacy) الأكبر. تشير سجلات مكتب التحقيقات الفيدرالي أن عضوية الجمعيات التي أسسها "ساتي ماجد" كانت تتألف أساسا من الأمريكيين من أصل افريقي مع قليل من العرب المهاجرين. كان من أهم أسلحة "ساتي ماجد" في دعوته للفئة الأولى هو محاربة الإسلام للتفرقة العنصرية المبنية على العرق واللون. لعل أبرز من نجح "ساتي ماجد" في خلقهم كدعاة وتابعين لدعوته هو " داؤود أحمد فيصل" ذلك الرجل الملون الذي ولد مسيحيا باسم ديفيد أ. دونالاد في جرينادا (جزيرة في الكاريبي) وهاجر لأمريكا وعمره 21 عاما، وكان حينها موسيقيا بارعا وبحارا أيضا. عمل الرجل ك "ممثل" لساتي ماجد في حي هارليم بنيو يورك، وساهم معه في إدخال عدد من البحارة للإسلام، وورث لاحقا أعمال شيخه "ساتي ماجد" بعد مغادرته لأمريكا في 13 يناير 1929م، وظل يقود العمل الإسلامي في منطقته حتى ستينيات القرن الماضي حيث صرم سنواته في الدعوة والعمل الخيري والتأليف والنشر أيضا.
عند وصول ساتي ماجد للقاهرة في طريق عودته النهائية للسودان اتصل بالأزهر لإصدار فتوى ضد أحد منافسيه السابقين في مجال الدعوة الإسلامية وهو نوبل درو علي، والذي قيل أنه أدعى النبوة، ونزل عليه وحي بقرآن جديد في عام 1927م. وبالفعل أصدر الأزهر فتوى باللغتين العربية والإنجليزية تؤيد ما قاله ساتي، ونجح الشيخ أيضا في استصدار ذات الفتوى من بلاده عند عودته لها. بيد أن تلك الفتوى كانت نصرا "فارغا عديم الجدوى" لساتي – بحسب قول المؤلف- إذ انها لم تصل أبدا للأراضي الأمريكية حتى كشف الباحثون النقاب عنها في تسعينيات القرن الماضي. كان "ساتي ماجد" يؤمل أن يعود للولايات المتحدة محملا بتلك الفتوى حتى يزيح من أمامه ذلك المتنبئ المنافس نوبل درو علي، وكان يؤمل أيضا أن يعينه الأزهر رسميا كإمام للمسلمين في أمريكا، بيد أن الأزهر رفض ذلك الطلب بذريعة أن الرجل غير متخصص (بطريقة نظامية) في علوم الشريعة الإسلامية (ورد في مصادر أخرى منها ما ذكره الأستاذ/ محمد عبد الحميد أحمد من أن في خروج "ساتي ماجد" من أمريكا وعودته لمصر والسودان شبهة خديعة لعل الأزهر كان ضالعا فيها، إذ كان رجالات الأزهر – بحسب زعم الأستاذ محمد عبد الحميد- يحسون بالغيرة والحسد من نجاح جهود "ساتي ماجد" الدعوية في أمريكا والتي لم يكن للأزهر فيها وجود في تلك الأيام ).
قضى "ساتي ماجد" سنوات الثلاثينيات متنقلا بين السودان ومصر ليشهد المؤتمرات ويلقي المحاضرات وشارك في إنشاء مجلة وجمعية إسلامية مقرها الأزهر بالقاهرة.
يقول المؤلف أن "ساتي ماجد" خرج من وطنه وهو في شرخ الشباب بعلم (شرعي) متواضع القدر وخبرة قليلة بهذا العالم، وعاد إليه بعد سنوات وهو متمكن من العلوم الشرعية وأساليب الدعوة الحديثة، وغدا (إلى أن توفي في عام 1963م) خطيبا مفوها وداعية ماهرا وقائدا اجتماعيا محنكا وصاحب قضية (apologist) أيضا إذ أدلى بدلوه في قضايا زمانه الملحة مثل نضال الدول الأفريقية (مثل أثيوبيا) ضد الاستعماري الأوربي وظل يتواصل مع أتباعه في أمريكا للتبرع المادي لتلك القضايا. كان "ساتي ماجد" سباقا أيضا للدعوة لإقامة نوع من التعاون الاقتصادي بين مصر والسودان وإثيوبيا والأمريكيين من أصل أفريقيا في الولايات المتحدة.
لا شك أن الاهتمام والعودة إلى تاريخ "ساتي ماجد" وغيره من الأفارقة في أمريكا (مثل ديوس محمد علي ]محمد علي دوس [وفيليكس دارفور وغيرهما) بالدراسة والتحليل (مثلما حاول هذا الطالب الأمريكي) أمر محمود ومطلوب، خاصة عندما يتناول الأمر بحيدة وموضوعية بعيدا عن التعظيم والإكبار والمشاعر العاطفية المتحيزة (إيجابا أو سلبا) ودون ميل أو هوى. وهنالك – مبلغ علمي- من الذين يمكنهم التوسع في التصدي لمهمة تتبع وتحليل تاريخ هؤلاء المهاجرين الأوائل والكتابة التاريخية الموثقة عنه، خاصة في أوساط الأكاديميين الأمريكيين من أصل سوداني. وأخيرا تجدر الإشارة لكتاب في ذات الموضوع لفت نظري له أحد الأصدقاء وهو كتاب "السودان والأفريقانية" للأستاذ الراحل/ عبد الهادي الصديق نشر عن مركز الدراسات الاستراتيجية بالخرطوم في عام 1997م، وهو يتناول سير بعض الأعلام من السودانيين الذين ساهموا بأقدار متفاوتة في "حركة الزنوجة" في أمريكا.
badreldin ali [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.