أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاستتابة في محاكم التفتيش الإسلامية: قضية مريم يحيى .. بقلم: عشاري أحمد محمود خليل
نشر في سودانيل يوم 25 - 06 - 2014


تقديم
فأتناول في هذا المقال بعض دلالات تعامل السلطة القضائية مع قضية مريم يحيى.للتنبيه لخطر السلطة القضائية التي تتصنع أنها محايدة وأنها لا علاقة لها بالسياسة.بينما هي السلطة القضائية جزء أصيل في منظومة المؤسسات الحكومية التي تكرس القهر والطغيان والفساد. وتثبت حكم الإنقاذ. ونحن اليوم في منعطف تعززت فيه قوة هذه السلطة القضائية وجبروتها، وتصاعد فيه خطرها.وتمددت سلطتها في جميع المؤسسات. وفي جميع شؤون حياتنا. فلا تحسبن أن أثر طغيان السلطة القضائية لا يتجاوز حدود تلك مبانيها القبيحة.
فأريد أن أنطلق من قضية مريم يحيى لأبين أهمية مقاومة المواطنين لهذه السلطة القضائية. مقاومتها، بتخريب ذلك معمارها الطاغوتي الذي أعرِّف ملامحه الأساسية في المقالات اللاحقة. وأقرر، من وحي البحث العلمي في السلطة القضائية السودانية، خلال الأعوام الستة الماضية، أن السلطة القضائية، في "استقلاليتها"، خادمة الطبقة الإسلامية المستحوِذة على مفاصل الحكم في السودان. وهي تستخدم القانون والتدابير القضائية في تلك خدميتها للإسلاميين المتنفذين في المؤسسات الحكومية المتعددة. وفي قهر الفقراء. وفي تأديب المعارضين.وفي تكريس المشروع الحضاري بإضافات عنصرية انطوت عليها قضية مريم يحيى.
فأعرض أولا إلى خواطر تستدعيها اليوم ذاكرة الكتابة. ويستدعيها التناص مع حالنا الراهن في السودان. حال أصبح يستعصي على التركيز. بينما التركيز هو ما ينبغي علينا أن نتمثله. للتعامل مع وضعيات الخبل السياسي المحلي التي أنهكت السودان وجعلته أضحوكة العالم. تحكمه هذه فئة من الإسلاميين من أكثر الفئات الحاكمة في العالم مدعاة للاحتقار وللازدراء. وهم الإسلاميون ذاتهم يعترفون بأنهم كذلك لا يكن لهم العالم إلا الاحتقار والازدراء.
ونجد مثالا للاعتراف الضمني بواقعهم غير المرغوب في بيان وزارة الخارجية بالأمس عن قضية مريم يحيى، التي تصر وزارة الخارجية متأسية بالسلف المعروف على تغيير اسمها وهي الضحية المتمكنة المنتصرة تغير الخارجية اسمها إلى أبرار محمد الهادي.
(1) السيدة مريم يحيى والسلطة القضائية
فبيان وزارة الخارجية عن مسألة مريم يثبت عكس ما أرادته الوزارة. يثبت أن الحكومة السودانية لم تجد من العالم غير الاستهجان. وهو استهجان مستحق بجدارة، في تقديري. بسبب سلوكيات السلطة القضائية السودانية. موضوع هذه تدخلاتي في المحادثات عن مسار مستقبل السودان.
وأقصد بالسلطة القضائية ذلك "النظام القضائي"، و"القضاء"، و"القضائية". ذلك الجهاز الحكومي السياسي ذا الاستقلالية النسبية. استقلاليته في عمل كل شيء، مهما كانت عدم أخلاقيته ومخالفته للقانون. لتمكين نظام الإنقاذ. ولحماية النظام ضد كل مقاومة لمشروعه الحضاري الخائب. بينما تتصنع هذه السلطة القضائية أنها محايدة.
وهذه مفهمتي أعلاه عن أن السلطة القضائية ذراع سياسي للحاكم لا تتفق مع خطاب المتوهمين أن القضاء السوداني عادل ونزيه بصورة مطلقة أو نسبية. وأنه محايد. وأنه إسلامي. وأنه لا علاقة له بالسياسة.
فكلها هذه الأوهام تنتجها السلطة القضائية السودانية. يشاركها في الإنتاج المحامون المفيدون من ريع إيجارة المحاكم بقضاتها. وكذا يشارك في إنتاج الأوهام المؤسسات الحكومية المتعددة. مثالا لها تلك وزارة الخارجية في بيانها الأخير عن الشابة مريم. البيان المخصص أغلبه للدعاية للسلطة القضائية السودانية.
وكما قلت سابقا، فهذا هو خطر المؤسسات. في إنتاجها لعلاقات القوة والهيمنة والتطبيع. بالخطاب. باللغة. بالكتابة. بمثل هذه أداة البيان القصير. الممرر خلسة وكأنه بيان صحفي عادي وصادق. وهو هذا بيان وزارة الخارجية يدرك كاتبوه أنه لن يقنع أحدا. وأنه لن يصدقه أحد.فلا يعدو كونه تحصيل حاصل. لتسجيل موقف تعرف الوزارة أنه بدون أساس. وللوزارة تاريخ منذ أيام الصادق المهدي في التدليس بالبيانات الرسمية. مثالا، بيانها تنفي فيه للعالم وجود الرق في السودان. ليخذلها الصادق المهدي فينصاع صاغرا إلى الاعتراف بوجود الرق، لكنه "رق قبلي"، قال!
وهو بيان الخارجية عن قضية مريم يحيى يأتي أيضا لتزويد أعوان النظام في حالة الاضطراب والترقب. تزويدهم ب "اللغة". لغة الرد على السخرية المتوقعة التي سيتعرض لها انصياع حكومة الإنقاذ للضغوط من ديفيد كاميرون. وإلغاء القرار القضائي الجائر. ويأتي البيان كذلك لتثبيت وقائع زائفة بقوة صوت وزارة الخارجية. وقائع عن السلطة القضائية. موضوع هذا المقال.
(2) في استحواذ السلطة بالقضائية بالردة وبالفارغة
فأقصد بهذا المقال عن السلطة القضائية السودانية إلى إرسال التحية إلى مريم يحيى. لفعل مقاومتها للطغيان. وإزالتها الغشاوة عن البصر بشأن هذه المؤسسة الخطيرة. مؤسسة السلطة القضائية. التيبرزت في الآونة الأخيرة مجددا بألوانها الحقيقية. ليراها مرة أخرىالسودانيون وكل العالم، في مشهد مريع. مشغولة بالردة والزنا وبجلد النساء وبالرغبة الدفينة في تعليقهن في المشانق.
.
في السابق كان موضوع استحواذها هذه القضائية هو تلك الأستاذة البريطانية والدب، في مدرسة الاتحاد العليا. الاستحواذ القضائي المتناغم مع حشد سلطة الإنقاذ للبسطاء جاءوا بالسيوف يهددون بريطانيا دون علم أن بينها بريطانيا وبينهم مسافات وبحور. وتمكنوا من إشعال حريق في السفارة الألمانية في شارع الجمهورية حسبوها سفارة ألمانيا لندن.
.
وبعدها، جاء موضوع الصحفية لبنى حسين. واستحواذ القضاة في القضائية السودانية بوقائع ملابسها الداخلية الظاهرة تحت البنطلون. فيجب جلدها. قالوا في نص القرار القضائي.
.
وهذه المرة نجد المشهد القضائي للاستتابة في محكمة الحاج يوسف. في قضية مريم يحيى. قاضيهامثيل سابقه المكاشفي طه الكباشي الذي اغتال قضائيا المفكر محمود محمد طه. وكان هيأ لاستتابة أصحاب محمود. بذاتها علة الردة.
.
وهو قاضي محكمة جنايات الحاج يوسف مثيل رصيفه قاضي المنيا المصري، سعيد يوسف صبري الذي ظل يصدر مئات أحكام الإعدام ضد الإسلاميين المعارضين. ولا تخفى هذه المفارقة ودلالاتها على الإسلاميين المؤيدين لحكومة الإنقاذ.
.
لكن الدلالات الحقيقية لمفهمة قضية مريم تتجاوز أشخاص القضاة في المحكمتين الابتدائية والاستئنافية. لتعرفنا بالكيفية التي تعمل بها السلطة القضائية في المنعطفات السياسية في وضعيات انتقالية التغيير السياسي. وهذه الحالات ليست معزولة. وهي ليست نشازا. فهذه هي السلطة القضائية السودانية. تمارس طغيانها.يوميا. ضد الفقراء. ضد النساء. وضد كل من تصنفه على أنه ليس من جنس الإسلاميين.
.
(3) السلطة القضائية تجرب حظها مع مريم يحيى
فلقد رأت السلطة القضائية أن تجرب حظها في هذه القضية البسيطة المعقدة. قضية الشابة مريم يحيى التي نشأت في ظل نظام الإنقاذ بمشروعه الحضاري الخائب. فبسبب أن الشباب يغيرون ذاتيتهم ويركبونها تركيبا عبر هذه الفترة الحرجة في حياتهم. بالمفاوضة مع وجودهم في أسيقة اجتماعية مادية ليست من اختيارهم. ولعلة أن الإنسان يتصرف في حياته وفق ما يمليه عليه وضعه وتفكيره، بكل محدداتهما القارة والطارئة. لذلك كله، فعلت مريم بذاتيتها ما فعلته. أيا كان هو. دون أن تسبب ضررا لأحد.
.
لكنه الغل وغياب الرحمة في أسرة مريم وجدت فيهما السلطة القضائية الإنقاذية ضالتها أتتها في مكانها. فنصبت مشنقتها المُعدة أصلا من قبل الإسلاميين للمعارضين.من الذين يتحدون المشروع الحضاري الإسلامي. وأعدت السلطة القضائية عدتها، بالقرار القضائي، للتمثيل العلني بجسد مريم تهريه بمائة جلدة. فجسد المرأة هو هوس الإسلاميين يريدون ضبطه بالحجاب القسري وبالجلد وبالشنق. وفي عدتهم الرجم بالحجارة.
فلم يكن من سبب معقول أو سائغ يخول تحشر حكومة الإنقاذ عبر هذه خادمتها المطياعة السلطة القضائية. تحشرها فيما لا يعنيها. اختيار المواطنة التي وجدت نفسها بالصدفة المحضة في ظل نظام الإنقاذ اللعين. اختيارها لعقيدتها أيا كانت. وهي مريم لم تكن أتت من موقعها في الحاج يوسف، مدينة جون قرنق، تناكف الإسلاميين في مكانهم. بشأن استيلائهم بالعنف وبالاحتيال على السلطة. ليكون مشروعا لهم الانتقام ضدها بترويعها وحبسها والحكم عليها بالجلد ومن بعد بالشنق. مما هو تاريخهم الدموي في التنكيل بمعارضيهم.
ويكفي الإسلاميين من ربائب حكومة الإنقاذ أن قضاتهم وشيخهم حسن الترابي ومثقفيهم وعلمائهم هم قتلة الأستاذ المفكر محمود محمد طه. لم يكسب الإسلام في السودان أو في العالم قوة باغتيال هذا المفكر العظيم. بل ضعف الإسلام بتلك الجريمة النكراء. وهي ذاتها جريمة الإسلاميين ضد محمود الحاضرة دائما التي سهلت على كثيرين في العالم وعلى عدد مقدر من شباب السودان، مثل مريم، أن يتصوروه الإسلام دين الشنق لا يريدون أن يسمعوا سيرته.
دين يقول عنه قضاة السلطة القضائية صنيعة الإنقاذ الممسوخة إنه دين الإسلام سيعلقك في المشنقة لمجرد حملك لفكرة ما في دواخل دماغك.فيا ويلك إن أنت عبرت عنها تلك فكرتك اليوم.ولن يغير من قرار شنقك أنك قد تغير رأيك بعد شهر أو بعد عام. فالاستتابة مقيدة بأيام معدودات. غرضها استفزازك عند أقصى درجة إحساسك بالإهانة من قبل هؤلاء قساة المسلمين الطغاة. فأنت الشاب ستعاند وتركب رأسك ترفض إسلام جلاديك.فالقرار القضائي. تعليقك في حبل المشنقة.
وأنتِ الشابة في نزق الاستقلال والتساؤل والاحتجاج لا تدركين أن هؤلاء الإسلاميين في السلطة القضائية غير جادين بشأن الإسلام. وأن أمرهم كله خداع. يستعينون في المحكمة بشيوخ الاستتابة.وأنت تقررين أن لا تنكسري. فترفضين أن تقولي لهم ما يريدونك أن تقوليه إنك رجعت عن عقيدتك الخاطئة وإنك امتثلت لعقيدتهم هم الصحيحة.
.
إن الذي لا يفهمه الإسلاميون في غلقهم هو أن الشباب المتفتح في القرن الواحد والعشرين، وخاصة من البنات، لن يقبل بهذه مفهمتهم المتخلفة للحريات. مفهمة يثبتها القضاة في السلطة القضائية بالاستتابة وبالتهديد بالشنق والجلد.
(4) مسألة العنصرية القضائية في قضية مريم يحيى
فمسألة مريم لم تكن عن الإسلام أو عن الردة. وحين هي مريم رفضت الدين الإسلامي فلأنها كانت ترفض المشروع الحضاري الخائب. مشروع حكومة الإنقاذ. وهو حقها أن ترفضه المشروع الحضاري، بدينه الإسلام. متى ما رأت ذلك. ولا قيمة للجدل في القرن الواحد والعشرين بالنصوص القديمة عن الردة. ولم تعد حدود الدولة القطرية تقيد تشكيل ذاتية الفرد. ولم يعد كل فرد في المكان المحدد جزءا من تلك عصبة المسلمين العربية النمطية التقليدية. يحاكيها بالمبالغة في التماهي إسلاميو الإنقاذ. كسِّر كل أسود منهم مرآته فأصبح يعتقد جازما أنه عربي أبيض معززة عروبته بالإسلام.
.
وما هذه قضية الردة ضد مريم يحيى إلا اختبار جربه الإسلاميون من ربائب حكومة الإنقاذ. لكن خربه عليهم تجريبهم ديفيد كاميرون بتهديداته ووعيده لهم بالويل إن هم لم يخلوا سبيل مريم. الشابة القوية الجميلة التي رفضت الاستتابة من قبل شيوخ الإسلاميين المتخلفين.
.
والذي أراه هو أن السلطة القضائية السودانية قدمت لنا في قضية مريم صورة واضحة للكيفية التي يعمل بها قضاتها هم القضاة كل منهم مؤسسة في ذاته. وعرفتنا السلطة القضائية بالكيفية التي بها تستخدم هذه المؤسسة القرار القضائي سلاحا فتاكا للإرهاب وللقهر والقمع. ولتطبيع العلاقات العنصرية المشدودة إلى فرض المشروع الحضاري الذي مات وشبع موتا. وهو مشروع ذو أبعاد عنصرية عرتها حرب الجنوب والحرب في دارفور.
فمريم يحيى. بزواجها من دانييل. تحدت عصائب الإنقاذ في جوهر مشروعهم الحضاري.فأضحت مريم في هذيانهم ليست إلا أبرار المرأة المسلمة من أب "عربي" مسلم اسمه بالنسبة لهم محمد الهادي. ومريم في كامل وعيها اتخذت قرارها الشخصي أن تتزوج دانييل. الزنجي غير العربي أسود اللون الكافر.في التصنيف في مخيلة هؤلاء الإسلاميين المستعربين. فكيف لها ابنة العربي المسلم تتزوجه دانييل وتلد منه طفلين؟
.
لم ير الإسلاميون المستعربون في هذه القضية الأسرية الكيدية إلا التهديد لمنظومة أفكارهم وأوهامهم وهذيانهم بسودان عربي مسلم محض. سودان سخيف عديم الألوان خرط الإسلاميون حدوده في الأرض بعجزهم عن الكرم والسماح لإبقاء السودان موحدا. وخرط الرئيس عمر البشير في دماغ الإسلاميين حدود هذا السودان السخيف بدون لون ولا طعم في تلك كلمته في القضارف وفي منابر أخرى.
.
وأمام تحدي هذه الأم الشابة مريم يحيى، لم يجد الإسلاميون المستعربون إلا سلاحهم الفتاك في سكين القضائية وفي سوطها وفي حبلها للمشنقة. فهذه هي القضائية السودانية. هي سوطها للتعذيب. وهي سكينها للقصاص ولتقطيع الأطراف من خلاف.وحبلها للشنق.وحجارتها المعدة للرجم. كله مكتوب في قوانينها الإسلامية السارية المفعول. وفي السوابق القضائية. وهي ليست صدفة أنهم قضاة السلطة القضائية كانوا حكموا برجم مريم أخرى في دارفور قبل أعوام قليلة (انظر السابقة في الأنترنيت).
إن السلطة القضائية ستنزوي مؤقتا تلعق جراحها. بسبب الفضيحة التي تسببت فيها لحكومتها. وبسبب الهزيمة الماحقة التي جرتها على نفسها وعلى أربابها. ولكن، حذارى من أن نحسب أن القضائية ستعي الدرس.أو أنها ستغير من أخلاقياتها. أو أنها ستدمر سلاحها المتمثل في تلك قوانين الجلد والاستتابة والشنق في قضايا الفكر والتعبير والعقيدة.
.
ولنتذكر أن ذات سلاح السلطة القضائية المتمثل في تلك قوانين الجلد والاستتابة والشنق يظل موجودا. وهو من الخدع القضائية. وسيتم استدعاؤه في قرارات قضائية ستأتي. ضد المعارضين. وضد الفقراء، لتخويف المعارضين. فالفقراء ظلوا يحملون فوق ظهورهم نتائج أفعال المعارضين.
(5) قضاة الإفهام
وكنت كتبت في مقالي السابق عنها إنها السلطة القضائية السودانية جبانة بقانونها الجبان. ومن ثم، فهي تحت الضغط على حكومتها من ديفيد كميرون لحست قرارها القضائي سراعا. وأطلقت سراح الفتاة "المرتدة"، بقرار الاستئناف. كذلك هو "قرار الاستئناف" أحد الخدع القضائية المعروفة. تمت كتابته وإصداره في هذه حالة مريم، ب "الإفهام".
.
وسأفرد مقالا ل "قضاة الإفهام". هؤلاء قضاة كبار ذوو خبرة محددون ولهم أسماء. ويتم إرسالهم من قبل رئاسة الأجهزة القضائية ومن القضائية لتوجيه القاضي في المحكمة المحددة أن يحكم بطريقة محددة في القضية المحددة موضوع الإفهام. مما هو مثيل القضاء عبر الهاتف. والقضائية تجاوزت الهاتف لتجعل الإفهام مؤسسيا.فترسل أحد قضاة الإفهام ليفهم القاضي.مما أسميه مؤسسة "قضاة الإفهام".
(6) بيان وزارة الخارجية
فكل الكلام في بيان وزارة الخارجية، عن استقلال القضاء السوداني ونزاهته، وعن رفض الحكومة للتدخل في الشأن القضائي، كله محض هراء. والهُراء أسوأ من الكذب. لأن قائله لا يهتم للحقيقة مثلما يهتم لها الكذاب. وهو الهَرَّاء مشغول حصرا بمشروعه السري.لا يهمه الحق ولا الباطل. ومن ثم، فقد جاء بيان وزارة الخارجية خليطا من الحقائق وأنصاف الحقائق والأكاذيب وحركات إقصاء الوقائع الجوهرية ذات العلاقة. فهو بيان الهراء.
.
فصحيح قول وزارة الخارجية برئاسة على كرتي إنهم تعرضوا للضغط الدولي لعكس ذلك قرار السلطة القضائية أصفه بأنه الظالم المتخلف. وصحيح قول الوزارة إن العقوبات الدولية ضد السودان ظالمة. وأعزز مفهمة وزارة الخارجية بأن العقوبات ضد السودان كذلك مدفوعة بالبارانويا الأمريكية من الإسلام.
.
ولكني أقول لوزارة الخارجية إن بعض ادعاءاتها ليست صحيحة. حين تقول إن القضاء مستقل، وإن الحكومة السودانية لا تتدخل في القضاء، وإنهم كحكومة رفضوا الضغوط الدولية لأجل اعتقادهم في استقلالية قضاء السودان ونزاهته. وإنها الاستقلالية القضائية وراء حكم محكمة الاستئناف بإلغاء قرار محكمة الجنايات الابتدائية في الحاج يوسف.
.
وكذا أراها وزارة الخارجية تقصي من بيانها وقائع فساد السلطة القضائية. وهي وزارة الخارجية ووزيرها على علم. لكنا نعيش في زمان الهراء السياسي في دولة الإنقاذ الفاشلة.
.
فما جعل القضائية، وهي مؤسسة سياسية بالمعنى المتدني لعبارة السياسة، تلحس قرارها القضائي الحاقد إلا ذلك تهديد ديفيد كاميرون.هذا الخواجة الكافر. في رؤى الإسلاميين. وإلا لأن الإسلاميين الإنقاذيين اللاهثين وراء قبول العالم لهم كجزء في الأسرة الدولية صحوا من سكرتهم. ليجدوا أن العالم كله لا يكن لهم غير الاحتقار. تماما كما يحتقر العالم كله قضائية مصر الفاسدة.المؤتمرة لرغبات الفرعون بدل بدلته العسكرية. قضائية مصر التي أصدرت مئات الأحكام بالإعدام ضد الإسلاميين الحقيقيين الأبطال الفائزين بالانتخابات الصحيحة.باسم ما يدعون كذبا أنه الإسلام الصحيح، إسلام السيسي.
فالتحية لمريم يحيى.
السودانية المسيحية.
المتمثلة شجاعة الأستاذ المفكر محمود محمد طه، المسلم.
مثله محمود اختارت مريم يحيى حبل المشنقة بديلا لتغيير عقيدتها.
ومثله محمود هزمت مريم السلطة القضائية صنيعة الحاكم وخادمه المطيع.
وهي مريم قدمت مثالا رائعا لشباب السودان المسلم.
برفضها الاستتابة.
وبازدرائها شيوخ الاستتابة في محاكم التفتيش الإسلامية.
الاستتابة إحدى أدوات السلطة القضائية السودانية لقمع الفكر والعقيدة.
والتحية لمريم يحيى أن ذكرتنا بأن الفكر والعقيدة مما يستحق أن يدفع المرء حياته ثمنا لهما.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.