بحث تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين السودان واليابان    حاكم دارفور : يطالب بإنزال عقاب شديد على الجناة بجريمة الاغتصاب الجماعي التي هزت السودان    مفوضية حقوق الإنسان تكون لجنة تحقيق في أحداث القيادة العامة    بيان من حركة/ جيش تحرير السودان (عبدالواحد) حول أحداث إحياء ذكرى مجزرة فض الإعتصام    اجراءات عاجلة على خلفية إطلاق النار على المتظاهرين    سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الاربعاء 12 مايو 2021 في السوق السوداء    محلل اقتصادي يدعو لإعداد سجل جيد لأداء السياسات الاقتصادية المالية    تفاصيل جلسات مؤتمر باريس المرتقب لدعم السودان    بروتوكول عابر القارات: ما بين ارتباك الأطباء وحيرة المرضي .. رسالة فى بريد مجلس الصمغ العربي السوداني .. بقلم: د. أحمد آدم حسن    بيرني ساندرز يصدع بكلمة الحق والجامعة العربية والحكام العرب مازالوا يناضلون بالإدانة والشجب !! .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    الاتحاد الأوروبي يأسف لاستخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين    ضبط كميات من العملات الأجنبية بالسوق العربي    براءة أجنبي من تهمة خيانة الأمانة    من قاموس أغنية الحقيبة: الخُنتيلة اسم للمشية أم صفة للموصوف؟ .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    حِلِيل الزمان، محمد أحمد الحِبَيِّب & معاوية المقل!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    التسامح وتطهير الروح .. بقلم: أمل أحمد تبيدي    فى رحاب التصوف: الاستدلال على وجود الله .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه/باريس    "شروط واتس أب" الجديدة التي أثارت الجدل.. ماذا سيحدث إذا لم توافق عليها؟    رونالدو في عزلة بغرفة ملابس يوفنتوس لهذا السبب    صحة غرب كردفان تعلن تسجيل حالة جديدة بكورونا في النهود    خطر يهدد صحتك.. احذر تناول المشروبات المخزنة في علب الألمنيوم    القوات المسلحة السودانية: كل من يثبت تورطه في قتل الثوار سيحاكم    الشعر والموسيقى على تلفزيون السودان اليوم    هل اقترب راموس من الرحيل عن ريال مدريد؟    المريخ يخوض تجربتين في يوم واحد .    الأمانة العامة بنادي الهلال تُصدر بياناً تؤكد فيه عدم صحة حرمان النادي من التسجيلات    إخراج عدد خيالي من القطع المعدنية والمغناطيس من بطن رضيعة    الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم وزوجته    الخارجية تدعو لوقف التصعيد الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني    تغيير يفرح مستخدمي واتساب ويب    المؤتمر السوداني يطالب بمساءلة كل من وقف خلف احداث قيادةالعامة    سعر بيع وشراء الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الاربعاء 12 مايو 2021 في بنك السودان المركزي    لا تغفلي عنها.. نصائح تجنبك المشاكل الصحية في أول أيام العيد    أمريكا تدعو السودان لإجراء تحقيق وتقديم جُناة أحداث 29 رمضان إلى العدالة    النيل الأبيض تجدد عزمها لتوفير إمداد مائي مستقر لجميع المحليات    المجلس الاعلي للشباب و الرياضة بطلا لدورة المؤسسات الرمضانية لكرة القدم بالقضارف    صندوق النقد الدولي يقرّ خطة تمويل لتخفيف ديون السودان    مرض "غريب" يطارد أثرياء العالم.. قائمة تضم 5 مليارديرات    في ذكرى فض الاعتصام ..    ليستر سيتي يهدي لقب الدوري الإنجليزي لمانشستر سيتي بعد بالفوز على مانشستر يونايتد    نتنياهو يتوعد الفصائل الفلسطينية بأن "تدفع ثمنا باهظا، وحماس "مستعدة" للتصعيد الإسرائيلي    مباحث شرطة ولاية الخرطوم توقف شبكة إجرامية تخصصت في السرقات و تسترد مسروقات قيمتها اكثر من 115مليارجنيه    برشلونة يغلق أول صفقات الصيف    صور دعاء اليوم 30 رمضان 2021 | صور دعاء اليوم الثلاثين من شهر رمضان    محمد رمضان يرد بصورة على أنباء انفصاله عن زوجته    فنانة سعودية تعلق على مشهد مع زوجها في مسلسل"ممنوع التجول"..    شرطة ولاية الخرطوم تنهي مغامرات شبكتين لتزوير المستندات الرسمية والسرقات النهارية    فيفا يعلن مواعيد تصفيات بطولة كأس العرب و السودان يواجه ليبيا    حزب التحرير في ولاية السودان: تهنئة بحلول عيد الفطر المبارك    قصص قصيرة .. بقلم: حامد فضل الله /برلين    الصاروخ الصيني والكيد الغربي .. بقلم: نورالدين مدني    نتنياهو يتوعد حماس بهجمات لم تتوقعها والمقاومة ترد بأكبر ضربة صاروخية    ختام فعاليات أسبوع المرور العربي بالنيل الأزرق    استمرار حملة التطعيم بلقاح كورونا بولاية القضارف    كورونا تؤخر وصول شركة تدوير النفايات الأمريكية للجزيرة    الكشف عن حقيقة انتشار"السلالة الهندية" في مصر    توقيف أخطر شبكة متابعة بالعمارات    لنا آلهة كما لهم آلهة ..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في تفكيك السلطة القضائية السودانية (3) .. بقلم: عشاري أحمد محمود خليل
نشر في سودانيل يوم 21 - 07 - 2014

في تفكيك السلطة القضائية السودانية (3) .. كيف تعمل عصابات القضاة في الجريمة المنظمة
عشاري أحمد محمود خليل
[email protected]
أعرض في هذا المقال إلى الكيفية التي تعمل بها العصابات الإجرامية برئاسة قضاة. وسأخلص في نهاية هذا المقال القصير إلى دعوة إلى جهاز الأمن والمخابرات الوطني لاعتماد الفساد القضائي في مؤسسة السلطة القضائية كواحدة من أولوياته الرئيسة. وقبل أن يسن البعض السكاكين، أذكر القراء بالأداء المتميز من قبل موظفي جهاز الأمن في المكتب الاقتصادي في كشف الفساد في مؤسسة الأقطان. وكيف أن تلك الواقعة المفصلية في ظلام الإنقاذ خربت على الفاسدين بعض مشروعاتهم. وفتحت الباب للصحف لتتناول موضوع الفساد في السودان، في مؤسسات عديدة. ولست غافلا عن الحيثيات "الأخرى" المتعلقة بأفعال جهاز الأمن لا أحتاج لتفصيلها، ولا عن الوقاع المتعلقة بمآل فتح الباب للكتابة عن الفساد وما حدث للصحف وللصحفيين الذين كتبوا عن الفساد.
.
فإلى صور عن الكيفية التي تعمل بها العصابات الإجرامية في مؤسسة السلطة القضائية السودانية:
.
الصورة الأولى
في واحدة من مدن في السودان. في محكمة الأحوال الشخصية. القاضي (أو القاضية)، يعمل في المجال القانوني القضائي. يُصرِّف أمور المتقاضين. لقاء أجر معلوم يتحصل عليه من الحكومة.
لكن القاضي يعمل أيضا كرئيس ذلك العمل الإتجاري غير القانوني الموازي الذي يديره في ذات المحكمة. بأدوات المحكمة وبمواردها المؤسسية الرسمية. للتكسب المالي غير المشروع.
هذا القاضي، بضاعته المعروضة للبيع والمرغوبة من المتقاضين هي "القرارات القضائية الفاسدة". تلك المنسوجة بالكتابة الاحتيالية لنص القرار القضائي. بالانحراف المتعمد عن القانون وبالكذب والتزوير واختلاق الوقائع وبإغفال الوقاع وبالتدليس. كله بالرشوة.
و"القرارات القضائية الصحيحة" يتم بيعها أيضا. بالابتزاز للمتقاضي صاحب الحق. أو يصدرها القاضي الفاسد صحيحة مجانا، بغرض بث انطباع زائف أنه قاضي نزيه في جميع الأحوال.
القاضي معروفة طريقتها في تمرير الفساد القضائي. يتصنع التقوى. بينما هو رئيس العصابة الإجرامية.
.
الصورة الثانية
مكتب المحامي الكبير. معه شريكته الأساس، المحامية. أنثى، لتسهيل التعامل مع قضايا الأحوال الشخصية أغلب المتقاضين فيها من النساء. ومحامون ناشئون. وموظفون. هذا المكتب الخارجي للمحاماة له تجارته الإجرامية بجانب عمله القانوني في العقود والمحاماة. يتعاون معه القاضي رئيس العصابة في المحكمة الابتدائية، وقضاة آخرون في درجات المحاكم الأخرى.
إن النشاط الاقتصادي الأساس لمكتب المحاماة هو السمسرة والمقاولة والتسويق.لتوفير بضاعة القاضي للمشترين الراغبين. أغلبهم من فسدة المتقاضين ليست لهم قضية عادلة، وليس لهم حق.
المحاميان الفاسدان. عضوان في عصابة القاضي.ثابت اقترافهم التزوير المستندات وتقديمها إلى القضاة.ليتم استخدامها كبينات مختلقة لتسهيل الأحكام لصالح موكليهما. ولصالح القاضي رئيس العصابة.فتزوير المستندات، بالاتفاق مع القضاة، من التقنيات التي يستخدمانها. يدركان أن الفساد القضائي محكوم بمحددات. ولابد فيه من الاجتهاد. لاختلاق الوقائع. لأن القرار القضائي يعتمد بالدرجة الأولى على الوقائع. التي يتم تطبيق القانون عليها.
إن القاضي لا يفسد لوحده جالسا وحيدا في قاعة محكمته. وكنت عرَّفت الفساد القضائي بأنه لا يكون إلا في سياق اتفاق جنائي بين القاضي مصدر القرار القضائي، وآخرين من محامين وقضاة وموظفين ومن المتقاضين الفاسدين بالطبع.
فهكذا يدور الفساد في حدود المحكمة الابتدائية. بين هذه الأطراف.
لكن العمل الإتجاري الإجرامي لأعضاء العصابة الأساسيين في المحكمة الابتدائية، لا يمكن له أن ينجح إلا بوجود شركات إجرامية أخرى في الدرجات الأعلى للمحاكم: الاستئناف، والنقض في المحكمة العليا، ودرجة المراجعة في المحكمة العليا أيضا. فيجري التعاون المشترك بين القاضي في المحكمة الابتدائية والقضاة في الدرجات الأعلى.
.
الصورة الثالثة
دائرة الأحوال الشخصية في محكمة الاستئناف، بقيادة القاضي وزميليه في مجلس القضاء الثلاثي. ثلاثتهم شكلوا عصابة إجرامية. لهم شركة أيضا في المحكمة. يعملون جنبا إلى جنب مع زملاءهم النزيهين في مجلس ثلاثي آخر في ذات محكمة الاستئناف ذات المجالس القضائية المتعددة. فيدير القاضي الفاسد رئيس العصابة في المجلس القضائي الثلاثي في محكمة الاستئناف مشاورات سرية مع القاضي رئيس الشركة الإجرامية في المحكمة الابتدائية للأحوال الشخصية. بشأن القضايا التي أصلا كان القاضي الأول باعها للمحاميين وللمتقاضين المشترين.
لأنه لا قيمة تجارية لبضاعة "نص القرار القضائي الفاسد" بالنسبة للمتقاضي المشتري، إذا كانت البضاعة ستكون مهددة بحيازتها وبمصادرتها أو بإتلافها عند طعن الخصم الضحية لدى محكمة الاستئناف.
هذه حقيقة اقتصادية بدهية. ويتطلب العمل القضائي الإتجاري الفسادي أن تكون حلقات الفساد متمددة ومتشابكة عبر جميع مراحل التقاضي الأربع. بشأن أية قضية مستهدفة بالإفساد الأولي في المحكمة الابتدائية. فبدون هذا الاعتماد للتمدد العصاباتي الفسادي عبر درجات المحاكم، لا يمكن أن تنجح تجارة الفساد بأية صورة جادة في المحكمة الابتدائية.
هذه من خصوصيات الفساد في السلطة القضائية. لا يمكن للفساد أن ينحصر في محكمته الابتدائية المحددة. لأن التقاضي يدور عبر أربع درجات. الابتدائية، والاستئناف، والنقض في العليا، والمراجعة في العليا.وضحية الرشوة سيطعن في القرار الفاسد في أية مرحلة قبل الأخيرة.
فيأتي دور هذه الشركة الإجرامية في محكمة الاستئناف. بقيادة ذلك القاضي أو تلك القاضية. في هذا المنعطف، يدور التنسيق الدقيق بين شركة القاضية في المحكمة الابتدائية، من جهة، والشركة في محكمة الاستئناف، من جهة أخرى. كله في السر مخفيا عن المتقاضي المستهدف. بالهاتف. وباللقاءات المباشرة. وبالمراسيل. وبالمخاطبات الرسمية. وبالفهم المشترك بدون أي كلام.
.
الصورة الرابعة
يمتد الفساد إلى المحكمة العليا، أو محكمة النقض. وحتى دائرة المراجعة في المحكمة العليا. ففي كل واحدة من الدرجتين في المحكمة العليا ينشئ القضاة الفاسدون جماعات عصابية إجرامية صغيرة تتحلق حول قاض فاسد كبير. فيديرون أعمالا قضائية غير قانونية، فسادية، بجانب أعمالهم القانونية كقضاة في محكمة القانون. بضاعتهم هي ذاتها القرارات القضائية الملفقة، للنقض وللمراجعة. يبيعون الرد والإلغاء والشطب والإعادة، والتأييد، والقرار الجديد، كيفما يتفق. ويلفقون القرارات القضائية أحيانا لغرض حماية القضاة الفاسدين وللتستر عليهم. ولحماية السلطة القضائية ذاتها المتورطة في جرام القضاة، أيضا بالتستر عليهم وبحمايتهم.
هؤلاء القضاة يجلسون جنبا إلى جنب مع القضاة النزيهين في المحكمة العليا.
ينبغي أن لا ننخدع بالقول إن المحكمة العليا تميل إلى أن تكون الأقل فسادا. فتلك قلة الفساد المتصورة فيها مسألة نسبية تتساوق مع عدد القضاة وعدد القضايا. مقارنة بالمحكمة العامة وبمحكمة الاستئناف.
إن النقطة الجوهرية التي أثيرها هنا هي أن تمدد الفساد عبر درجات المحاكم، حتى المحكمة القومية العليا، ضروري لوجود الفساد القضائي. وبدون هذا التمدد العصاباتي للفساد عبر درجات المحاكم، لا تقوم للفساد في المحاكم الابتدائية قائمة. فلا يكون الفساد إلا بوجود عصابات إجرامية في درجات المحاكم الأربع.
لأن المتقاضي الفاسد الراشي ليس غبيا ليبدد موارده في دفع الرشوة لقاضي المحكمة الابتدائية. في سياق علمه أن القرار الفاسد المشترى قد يتم رده وإلغاؤه عند الطعن في المحكمة الأعلى هدفها أصلا تصحيح الخطأ القانوني. وكل قرار قضائي فاسد يقوم على الخطأ القانوني المتعمد، في معية الخداع والتدليس في نص القرار.
وكذا نعرف أن القاضي رئيس العصابة في المحكمة الابتدائية ليس غبيا. بل هو تاجر عقلاني يفكر ويتدبر لإنجاح تجارته في المحكمة-الشركة. فينشئ علاقات تجارة خارجية مع قضاة فاسدين في الدرجات الأعلى للمحاكم. لضمان حماية قراراته مدفوعة الثمن في المحاكم الأعلى.
.
حماية القضاة رؤساء العصابات
يبقى موضوع "الحماية الأمنية" لتلك الشركات القضائية الإجرامية الكبيرة والصغيرة. والحماية الأمنية تكون لدرء أية مخاطر قد تعطل الأعمال التجارية الإجرامية. ولمنع الملاحقة الجنائية والمدنية لأي من أعضاء العصابة، خاصة القضاة. هذه الحماية الأمنية الضرورية لهذه شركات الجريمة المنظمة في النظام القضائي، يوفرها مكتب رئيس الجهاز القضائي. بفنيات معروفة وثابتة. مثل القرار بحفظ الشكاوى. وبتصنع عدم الفهم. وبالمماطلة.
وحراس بوابة رئيس القضاء، نجدهم يتصنعون الهمة في استلام الشكاوى ضد القضاة، ويسجلونها في دفاترهم، ويعطون الشكوى رقما، ويثيرون إعجابك بدقتهم وبحفاوتهم وبإبداء تعاطفهم معك. لكنهم يمطون لك لسانهم بمجرد خروجك من مكتب الحقانية. وستكتشف لاحقا أنهم خدعوك عندما كانوا سلموك رقما متسلسلا لا معنى له. وهم سيغيبون موضوعك ولن يتصلوا بك إطلاقا. ولن تلق شيئا بمراجعتهم. فهي من خدع السلطة القضائية السودانية.
وضباط الشرطة في مراكز الشرطة يذهب إليها الضحايا لفتح البلاغات ضد القضاة والمحامين الفاسدين فيردونهم خائبين.
وكلاء النيابة المتمكنون في الإفساد لا تتحرك القضايا بدون أمرهم.
الهيئات الإدارية داخل رئاسة القضائية والمكلفة بالنظر في جرائم القضاة، ومكاتب التفتيش القضائي، ومثيلتها، أيضا في مكتب القضائية، للنظر في الشكاوى إزاء جرائم المحامين. جميعها مؤسسات تعمل متناغمة مع الجريمة المنظمة المتمددة عبر المحاكم وفي فضاءات النظام القضائي.
.
فلقد قدمت أعلاه في ثلاث صفحات ملخصا لأكثر من ثلاثة ألفا من الصفحات عن الكيفية التي يدور بها الفساد القضائي في المحاكم.
.
دعوة إلى جهاز الأمن والمخابرات الوطني
إن جميع الأفعال الإجرامية التي تقترفها شركات العصابات القضائية يمكن التحقيق فيها من قبل المتخصصين في منظمات المجتمع المدني. بتفكيك القرارات القضائية الفاسدة. لا من قبل نيابة ستكون بالضرورة متواطئة وعازفة عن ملاحقة الفساد القضائي في أشكاله الأكثر انتظامية تلف النظام القضائي بأكمله، كنظام.
.
لكني أعول بالدرجة الأولى على المدى القصير في هذه المرحلة على جهاز الأمن والاستخبارات الوطني، بالتعاون مع راسة المباحث الجنائية المركزية. لتوجيه ضربات استراتيجية موجعة إلى جسد السلطة القضائية الفاسدة. بإخضاع القضاة والمحامين أصحاب العصابات للمراقبة اللصيقة. ولاستخدام التدابير الاستخباراتية المعروفة وغير المعروفة ضدهم. بدخول مكاتبهم سرا وتصوير مستنداتهم. ومراقبة محادثاتهم الهاتفية. والاتفاق السري مع الموظفين العاملين في مكاتبهم لجمع البينات ضدهم وكشف أفعالهم الإجرامية، بما في ذلك في حياتهم الشخصية. وزرع قضاة ومحامين وأشخاص آخرين بينهم يحملون أجهزة تسجيل سرية بالفيديو. وتسريب المعلومات للصحفيين للكتابة عن هؤلاء القضاة. بغرض زعزعتهم ليقترفوا أخطاء للتستر على جرائمهم المنفضحة. وغير ذلك من تدابير المراقبة والتحقيق والمضايقة لا يحدها إلا الخيال، في إطار القانون.
بالإضافة إلى تحويل جميع قضاة جهاز الأمن، أيا كانت وضعياتهم التوظيفية، إلى غواصات لجمع المعلومات عن شبكات القضاة والمحامين الفاسدين. وهذه فرصة متاحة لقضاة الأمن لتصحيح أية أفعال غير قانونية أو غير أخلاقية كانوا اندرجوا فيها.
وكل الأفعال أعلاه التي أقترحها قانونية موضوعيا.وهي مما يندرج تحت المقترحات التي يتم تقديمها من قبل المتخصصين الدوليين وفي الأمم المتحدة في مجال مكافحة الفساد، تحت ما تتم تسميته بتخريب بنى الفساد أو تقويضها. وليس هناك ما يمنع استخدامها ضد عصابات قضاية.
وهي من التدابير التي تستخدمها دول أمريكا الشمالية وأروبا الغربية
.
سنسمع صراخا من السلطة القضائية عن استقلالية القاضي واستقلال القضاء. مما كله كلام فارغ. فالاستقلالية التي يتحدثون عنها هي استقلالية القاضي في الكتابة الاحتيالية المتدبرة لنص القرار القضائي. بالانحراف عن القانون وبالكذب والتزوير والتزييف والخداع وفبركة الوقائع وإغفال الوقائع. لأجل الرشوة.
وسنسمع صراخهم أيضا عن حصانة القاضي. وهي حصانته ليستمر في إفساد قراراته القضائية وفي بيعها وليظل مفلتا من العقوبة يتمتع بالمخصصات التي يدفعها الشعب من دم قلبه.
وسنسمع قيادات السلطة القضائية يعلو صراخهم عن حساسية القضاء، وعن أنه خط أحمر. كله من خطاب الخداع والاحتيال مقطَّع فوق رؤوسهم.
والتدابير التي أقترحها الآن كلها ممارسات في صميم اختصاص جهاز الأمن، في معية رئاسة المباحث المركزية. فالفساد القضائي من أخطر المهددات للأمن الاجتماعي وللتنمية وللحياة المجتمعية ذاتها.
.
ويمكن لجهاز الأمن والمباحث المركزية أن يدرسوا عمليات الإف بي آي الأمريكية، التي يتعاونون معها بانتظام، ومع أختها قليلة الأدب المعروفة.بشأن الإرهاب. أن يدرسوا عملياتها وتجاربها في القبض على عصابات القضاة الفاسدين في شيكاغو وفي بنسلفانيا وفي ولاية مسيسيبي وفي غيرها من الولايات الأمريكية.
وكل هذه العمليات من قبل الأجهزة الأمنية الأمريكية عن ملاحقة عصابات القضاة الفاسدين كُتبت فيها تقارير وافية، وكتب ومقالات،وصُوِّرت وقائعها الدرامية في الأفلام الوثائقية وفي السينما.
.
انطوت عمليات الأجهزة الأمنية الأمريكية على مراقبة القضاة المشكوك في نزاهتهم. وإجراء تسجيلات صوتية وبالفيديو سرية للمحادثات بينهم والمحامين وموظفي المحاكم أعضاء العصابات. ومراقبة اتصالاتهم الهاتفية وبالبريد الإلكتروني. ومراجعة حساباتهم في البنوك. والتحقيق في مصادر ممتلكاتهم. وخدعهم بإرسال موظفين من الأجهزة الأمنية ينتحلون صفة متقاضين مستعدين لدفع الرشوة ثمنا للقرار القضائي في قضايا مصطنعة. وإغراء أعضاء عصاباتهم للانقلاب عليهم كشهود ادعاء ضدهم في المحكمة.
وانتهى الأمر بإيداع القضاة رؤساء العصابات في السجون الأمريكية.
.
وكلها أساليب قانونية معتمدة في مكافحة الفساد. لأن الفساد يعتمد على السرية. خاصة الفساد القضائي. فلا يمكن مكافحته إلا بنزع ستر السرية عنه. بالاختراق العميق إلى داخل أخص خصوصيات القضاة الفاسدين وأعوانهم من المحامين. فالموضوع لا يكون ما إذا كانوا فاسدين أم لا. كله يكون أصلا تم التعرف عليه من البيانات الاستخباراتية الأولية. بل الموضوع هو الإثبات القانوني الذي سيتيح تقديمهم إلى المحاكمة العادلة تمهيدا لإدانتهم وفرض العقوبات الزجرية الملائمة لفظاعة جرائمهم.
.
هذا هو نوع العمل الوطني الذي نريد من جهاز الأمن والمخابرات الوطني أن يضطلع به. وأن يبدأ به أيضا برنامجا متكاملا لتغيير أهدافه وقانونه وشخصيته وهويته وممارساته وسمعته السيئة. وهو عمل أكثر إفضاء إلى الفضيلة وإلى الجهاد في سبيل الحق. بديلا للاستحواذ الراهن بملاحقة معارضي نظام الإنقاذ. النظام الذي سيسقط لا محالة. دون أي فعل إضافي من أحد. بل إنه نظام الإنقاذ سقط فعلا، موضوعيا. بسبب فساد مؤسساته. بما فيها مؤسسة القضائية. وبسبب الغيبوبة الأخلاقية الممسكة بتلابيب أدمغة الإنقاذيين. بعد أن هزم الشباب بالمقاومة الشعبية في الحياة اليومية المشروع الحضاري الخائب.
فماذا بعد اندحار مشروعك الحضاري الخائب الذي لأجله وبه عذبت المواطنين، وقتَّلتهم تقتيلا، ولأجله وبه كنت أفسدت في الأرض؟ لا يبق لك شيء. غير تلك الغيبوبة الأخلاقية التاريخية.
.
على أقل تقدير، سيكون لدى جهاز الأمن بعض رصيد يدافع به عن نفسه في مستقبل الأيام والدنيا تدور.إن هو جهاز الأمن اعتمد فساد السلطة القضائية السودانية من بين أولوياته المستنيرة. مثل ذلك كشفه للفساد في مؤسسة الأقطان. عندئذ، يكون سائغا لجهاز الأمن أن يقول إنه لم يكن كشف لنا فساد شركة الأقطان فحسب، والتحية المتأخرة للمجموعة الصغيرة في وحدة الأمن الاقتصادي. بل يمكنه القول إنه كان له كذلك دور مقدر في تفكيك عصابات الجريمة المنظمة في مؤسسة السلطة القضائية.
عشاري أحمد محمود خليل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.