شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مع الوليد مادبو وحسين خوجلي في أنداية نِعمة بمدينة الضعين .. بقلم: د. عشاري أحمد محمود خليل
نشر في سودانيل يوم 09 - 09 - 2014


(1)
كل من يغشى الأنداية، عليه أن يتوقع الاستفزاز من قِبل الشُرّاب. جاء ذلك في سابقة قضائية رائعة. رفض بها القاضي السوداني تعلل القاتل بأن القتيل كان استفز مشاعره عندما كانا في الأنداية يشربان. لابد تحت تأثير مفعول الكونقرا، العسلية المعروفة.
فالسابقة تنطبق على د. الوليد آدم مادبو في مقاله في سودانايل بعنوان "رقصة الموت أو الرقصة الأخيرة". وتنطبق السابقة عليَّ، أنا أيضا. (أترك حسين خوجلي للنهاية).
كلانا، أنا والوليد،وجدنا نفسينا في مساحة أنداية نعمة في مدينة الضعين. حاضرة دار الرزيقات وعنوان القبيلة.
كنت ذهبت إلى الأنداية بهم الكتابة عن وقائع قتل أهلي الدينكا وحرقهم في مدينة الضعين. ولأجد تفسيرا لذلك الذي جعل الرزيقات، وهم أهلي أيضا، يرتكبون تلك المجزرة الفظيعة. ويبتهجون أثناء تنفيذها. يقفزون ويطلقون الأعيرة النارية في الهواء ويبشرون فوق رؤوس المسؤولين المجتمعين تحت النيماية. على أنغام زغاريد نساء الرزيقات يغنين لموت الدينكا.
وجاء الدكتور الوليد مادبو إلى الأنداية بأجندته المعروفة في مجمل خطابه في سودانايل. بما في ذلك ما يظل يقصيه من النص ومن المحادثات، بعناية فائقة. والذي يقصيه الوليد من خطابه هو ما أظل أستدعيه وأستحضره في كتاباتي.
وفي ذلك استفزاز عظيم، لا يُقبل إلا في الأنداية. المساحة الوحيدة في السودان للتعبير الحر عن الرأي المخالف، ولاستفزاز الفكر، لتظهر أفكار جديدة، في جو يسوده المرح.
استفز رأيي الحر المخالف مشاعرَ الوليد، لا فكرَه. اعتاد على الهِتِّيفة المعجبين. لا يعرفون كيف يكون تفكيك خطاب الوليد وانتقاده وكشف تهافته وترنحه تحت ثقل تناقضاته. وبيان منطوقه بلسانين وأكثر. الوليد معجب بملك الأردن وبشيوخ الإمارات وبحكم الأسر، بعلة الشبه بحكم أسرة مادبو. ويغازل الراديكالية، يحسبها لعبة تنتهي بمشاغبة مع أولاد الصادق المهدي في نادي الفروسية. أو بمضايقة خفيفة من ضابط الأمن في الضعين. لا يعرف أنها المقاومة اليومية المتطرفة ضد القهر والطغيان، مدفوعة الثمن في الإفقار، والملاحقة، وفي التعرض لمثل خطاب الوليد.
(2)
أنداية نعمة
وردت سيرة أنداية نعمة في كتاب مذبحة الضعين. 1987. في أقوال الشاهدة الدينكاوية أقول كول، يسميها الرزيقات حوا إدريس. كانت السيدة أقول كول تعمل خادمة في الأنداية. وسمعت ناس عمر الحلبي وعبد الله موسى وعبد الله إدريس يتحدثون مع شارب آخر عن تخطيط الرزيقات لقتل جميع الدينكا في الضعين. للانتقام. وأخطرت أهلها الدينكا الذين لم يصدقوا كلامها. قبل أسبوعين من وقوع المذبحة المدبرة.
فتم قتل أكثر من ألفين منهم وحرقهم في مسارح متعددة للجريمة العالمية في مدينة الضعين.
كان الانتقام بسبب الهزيمة التي تلقتها للمرة الأولى الميليشيات الرزيقية على أيدي شباب الدينكا المسلحين في معركة في سفاهة لاسترداد الأبقار المنهوبة. لم يرض الرزيقات تحدي العبيد (لغة الدكتور الوليد في عبارته المقتبسة "العبد جودا راسا") وجرأتهم على حرق قائد المليشيا الرزيقي "الفارس"عمر قادم (الذي كان مختبئا داخل الدبابة مع قائد كتيبة القوات المسلحة).
دارت تلك المعركة المفصلية في منطقة سفاهة. مساحة آمنة للأندايات والاستفزازات المميتة في دار الرزيقات. لم تغير سفاهة أخلاقها وسلوكياتها العبر حدودية وممارساتها التحتانية والظاهرة.حتى بعد تغيير عمر البشير لاسمها المعبِّر، والجميل، إلى قبيح التسمية، "سماحة".
(3)
أقوالي الاستفزازية في أنداية نعمة
أما وقد غشي دكتور الوليد مادبو أنداية نعمة التي لها موقع جوهري في قصة المذبحة، كان عليه أن يتوقع، كمثقف، أن يتعرض للاستفزاز. عندما وجدني في ذات الأنداية أتحدث عن الموضوعات المحظورة، وهي:
أولا،
استحواذ أسرة مادبو بالسلطة القبيلية في "دار الرزيقات" منذ القرن التاسع عشر، أو خلال فترة الأربعمائة سنة التي يحتفي بها الدكتور الوليد. عالم العلوم السياسية المتأثر بأمريكا. يريد سنوات إضافية بعد الأربعمائة سنة لتتمكن أسرة مادبو، بالهداوة، من الانتقال من السلطة القبيلية إلى السلطة المدنية التي لا تعرف حكم الأسر. هكذا كتب في مقاله.
ثانيا،
دعوتي إلى رفض لغة القبيلة، "الرزيقات". اللغة التي تُكرِّس ثقافة العنف الجماعي،وتمجد خرافة "الفرسان"، وتبرر بالمغالطات تقتيل ميليشيات الرزيقات للمدنيين وحرق مساكنهم. الثقافة التي توطِّن التطهير العرقي، بطرد الأسر بأطفالها من مدينة الضعين ومن "دار الرزيقات". بحجة الحاكورة والهوية العرقية الصافية التي لا مكان فيها للزرقة أو لأي آخر.
ثالثا،
فتح ملف الرق. جريمة عالمية، أيضا. الرق ذاته. الذي تمثل في الغزوات الرزيقية لدار الدينكا، لجلب الرقيق إلى دار الرزيقات. لرعي الأبقار والأغنام، وللزراعة، للخدمة المنزلية، وللخدمات الجنسية. وللتسهيل للأسر الرزيقية المسترِقة إرسال أطفالها إلى المدرسة.
يصمت دكتور الوليد في مكثار خطابه عن هذا الرق. رغم أن قريبه عيسى محمود موسى مادبو، الأستاذ السابق معلم الدينكا في مدرسة ماريال باي، كان حرر السيدة أبوك مشام أنقوي. التي كان خطفها من أسرتها في أشورو واسترقها عضو الميليشيا الرزيقي آدم عبد الرحمن. الذي استغلها لتخدم زوجاته وأطفاله. لترعى بالأبقار ولتزرع ولتطحن. في قرية سوق بَيِّن. في دار الرزيقات. أبوك التي كانت زوجة دينق دينق ماقوت. شقيقها باك مشام كان ضابطا في القوات المسلحة، وكان لها شقيق آخر طالب دراسات عليا في المغرب.
يحتفي الوليد بأفضال أسرة مادبو، في مجالات شتى. باستثناء تحرير أفراد الأسرة للأرقاء.
ولأسرة مادبو دور مقدر في تحرير الأرقاء الدينكا من الأسر القوية ذات الشأن في شمال بحر الغزال.
تماما كما لهم دور مقدر في تجارة الرق التاريخية والحديثة. وفي تجارة الرق الحديثة، ثابت دعمهم للغزوات لجلب الرقيق. وحمايتهم وتسترهم الجنائي على قادة الميليشيات وعلى أفراد القبيلة المعروفين لهم الذين كانوا يحتفظون بأطفال الدينكا ونسائهم أرقاء في دار الرزيقات. وثابت رفضهم لدعم لجنة أبناء سلاطين الدينكا لتحرير الأرقاء.
وثابت دور أسرة مادبو في إنكار الرق. تماما كما يفعل دكتور الوليد آدم مادبو. بإقصائه من مجمل خطابه لتفاصيل ممارسة قبيلته الرزيقات، كقبيلة، للرق. دون الاعتراف بأية مسؤولية لتضميد الجراح، أو لدفع التعويضات، أو لضمان أن القبيلة لن تعود مجددا لممارساتها في تجارة الرق.
كقبيلة، مركبة تركيبا. بسبب وقائع القيادة في أسرة مادبو. وبسبب الخطاب الرزيقي، ينتجه أيضا د. الوليد، عن دار الرزيقات، وفرسان الرزيقات، وتاريخ الرزيقات، ومعارك الرزيقات. إلى آخر قائمة أشكال "العقلانية ذات الهذيان العرقي" (ترجمتي لتعبير العالم الفرنسي جاك سيميلين في كتابه طَهِّرْ فدَمّرْ، عن الاستخدامات السياسية للمذابح والإبادة. أي، طهِّرْ قبيلتك من دنس الآخر بتدميره وإبادته، لأسباب جذورها نفسية وفي تعبئتك للمعاني عبر الديلوجنال راشوناليتي).
يدرك الوليد أن أي حرف قد يكتبه عن أن أفرادا من أسرته حرروا الأرقاء الدينكا، يعني اعترافه بوقائع الرق في دار الرزيقات.والوليد، مثله مثل الصادق المهدي، لا يعترف بوقائع الرق. ولن يعترف بها. لأن واقع الرق يقوض مجمل خطابه الذي شاده بتركيب الصورة الحالمة الزائفة التي يريدها لقبيلة الرزيقات البريئة، عندها مشكلات بسيطة.
والدكتور الوليد عازف عن الانتقاد الحقيقي، الذي يتخلص به "المثقف العضوي" (لغته) من لجام القبيلة. وإلا أصبح المثقف ضابط علاقات عامة للقبيلة، ينتج الهراء ويتحذلق باللغة. لا يدرك الوليد أن مشروع اللسانيات التي يسخر منها هو تفكيك الهراء وفلفلة خيوط الحذلقة باللغة وتبيان ما يخفيه الكاتب.
رابعا،
تحدثتُ في الأنداية عن موضوع إدراج جميع أطفال الرزيقات في المدارس. في معية أطفال "الزرقة والعبيد"، في لغة الرزيقات التي سجلها الوليد أيضا في أحد مقالاته ("العبد جودا راسا") وهو يعشق مثل هذه اللغة الرزيقية ويتظاهر بابتعاده عن دلالاتها الحقيقية يعرفها.
قلت في أنداية نعمة إني أحلم بجيل جديد من السودانيين في "دار الرزيقات".يعرفون أصولهم العرقية وتاريخ آبائهم بما في ذلك التاريخ الماضي الإجرامي والعنف الجماعي والرق.
لكنهم أطفال وشباب مشدودون إلى مستقبل لا وجود فيه لحاكورة، ولا فرسان، ولا ميليشيات، ولا قبيلة. ولا زرقة عبيد أو عرب.
شباب المستقبل يتحركون بالثقة وبالأمل في مساحات العالم المتحضر من الضعين، مدينة المذبحة وقد شيد الشباب فيها نصبا تذكاري التييجوك دوت أنيي أمام بيت آل مادبو.
ومن أبو مطارق عاصمة الرق في دار الرزيقات، يكون فيها نصب تذكاري أيضا لمحرر الرقيق مانجوك جيينق مانجوك. صهر العمدة الرزيقي فضل النبي، أحد أعمدة تجارة الرق ودعم الميليشيات في دار الرزيقات.
إلى آخن في ألمانيا، بذكرى تظاهرتها الصاخبة قوامها عشرة أشخاص يهتفون ضد الرق في دار الرزيقات.
وإلى فلوريدا بأمريكا، مساحة التفكير، مجرد التفكير. بعيدا عن ذلك ضابط الأمن في مدينة الضعين الذي استنكر عليه الوليد أنه استدعاه لاستجواب. لم يكن استنكار الوليد إلا بعلة أن عسكري الأمن كان "واحد شايقي من حجر العسل"، كيف يتجرأ على استدعاء ولد ناس مادبو في عقر داره، حاكورة دار الرزيقات!
أقول للمهندس بلة البكري إن الحاكورة، فوق كونها ظاهرة تاريخية واجتماعية واقتصادية، تظهر لنا عند الوليد مادبو بمادية بيولوجية، محفورة في عصبونات الدماغ القبيلي.
خامسا،
استفز الوليد تأييدي لتلك مقولة المهندس بلة البكري في أن الأرض فيما يسمى "دار الرزيقات" هي حاكورة الدولة، عليها أن تنزعها من الرزيقات وأن تعوضهم عنها بالخدمات الأساسية الكافية لهم وللمجموعات العرقية المتساكنة معهم، وأن تترك لجميع لقبائل المتساكنة في "دار الرزيقات" كل عائدات البترول والذهب.
لكن الوليد دغمس فكرة المهندس بلة البكري. في مقاله عن "وميض النار ..". وظهر خطابه مُلَجْلَجا بشأن موضوع واضح. مع الحاكورة والقبيلة والعنف الجماعي، أم مع الحداثة والمواطنة والسلام. فاختار الوليد الحاكورة بمذابحها، دون إفصاح مبين. لأنه الوليد يريد التوريث، كالمسار الوحيد لاستئثار أسرة مادبو بالذهب والبترول.
سادسا،
قولي إنه لا توجد "قبيلة" إلا في مخيال "رزيقي"، مثالا مخيال الوليد مادبو.في مقاله الدليل. يسيطر عليه الخوف من أعداء وهميين شيوعيين ومنظمات أجنبية وسرَقة وخُبث وخنازير يتربصون جميعهم بقبيلة الرزيقات وبأسرة مادبو.
....
تلك كانت هي أقوالي في أنداية نعمة بمدينة الضعين. وكنت قلت في الأنداية كتابة إني أقصد استفزاز فكر المثقفين الرزيقات. ليندرجوا مع الآخرين في تغيير السودان. بانتقاد القبيلة، وانتقاد حكم أسرة مادبو الحاكمة على مدى أربعمائة سنة، وانتقاد ثقافة الميلشيات. وبفتح ملف المذبحة، وملف الرق، في سياق إطار للعدالة الانتقالية.
وما كانت المذابح الأخيرة لتحدث إلا بسبب استمراء ميليشيات الرزيقات و"الفرسان" وقيادات القبيلة الإفلات من العقوبة حين كانوا نفذوا مذبحة الضعين الثابتة البينات. يخادعنا الوليد ويخدعنا بعبارته الخافتة، لتسجيل موقف لا يعتمده بصدق، كتب يقول "يجب التحقيق في مذبحة الضعين"! انتهي. أهكذا يكون التعامل مع الجريمة العالمية في حاضرة دار رزيقات، تحت سمع وبصر أسرة مادبو الحاكمة، في أربعة مفردات ليحتفل بها الهتيفة المرابطون؟
(4)
الدُّواس بلغة الحكّامة
لم أنجح في استفزاز فكر الوليد، كمثقف، ولا عقله. أصابت أقوالي المشاعر العميقة في عصبونات ذلك الدماغ القبيلي. فاستل الوليد سكين الرزيقي يريد الدواس بخطاب الحكامة.
وصفني في جريدة سودانيل باستعارات استدعاها باجتهاد لغوي مثابر. يقول ويلغي القول يتنصل منه، يفصح يسجل ويمسح ويعيد التسجيل، لا يستقر له قرار.يعرف هذه الأمور اللغوية جيدا لكنه لا يستوعب فلسفتها ومخاطرها.
لا يدرك أن التفكيك لمقاله الرائع يكشف بسهولة مقاصده المتروكة على سطح الأرشيف وتحته وبين تضاعيف العبارات المغلَّفة بالحقائق وأنصاف الحقائق وبإشارات التناص. مما سيكون مشروع مقال طويل أو كتاب صغير عن "خطاب الدكتور الوليد آدم مادبو".
فأقتطف من مقال الوليد في سودانايل عباراته التي تشير إليَّ شخصيا.
وأرى أن تناول الأشخاص كأشخاص، بأسمائهم، أو بالإشارات الواضحة لهوياتهم، والتعرض لحياتهم الخاصة، أمر مقبول. في الجدال. حين يكون ذلك متعلقا بالقضية المطروحة من قضايا الشأن العام. وحين يكون ذلك منتِجا. لأغراض الحجة والإثبات.
فلا شيء يمنع الوليد من تناول حياتي الشخصية الخاصة، وشخصيتي، وعملي، وتخصصي. وغير ذلك. وفق معياري العلاقة والإنتاجية. لكن ما سطره الوليد عني في سودانايل لا علاقة له بأي من الموضوعات الستة التي عرضتها أعلاه، كلها موضوعات في الشأن العام أثرتها. تركها وهرول إلى لغة الحكامات.
فأتذكر أني في الأنداية مع الدكتور الوليد، أنداية نعمة في مدينة الضعين. على كل من يغشاها أن يتوقع مثل خطاب الوليد.
هذه عباراته. أَقتطِفُها من مقاله لإعطاء فكرة للقارئ. وأحث القارئ على مراجعة المقال الكامل في سودانايل وفي أماكن أخرى سيرسل إليها الوليد ذات مقاله. عباراته عني، شخصيا دون الإشارة الضرورية بالاسم الكامل:
"الحزب الشيوعي"؛
"عصابة الأربعة" من بينهم "زوجته الخبيثة"؛
"تربية الخنازير"؛
"أحدهم"؛
"يريد ان ينفث سمه وأحقاده الطبقية"؛
""راعي الخنازير" والمشرف أحيانا علي "عشارها""؛
"يريد ان يتخذ من مذبحة الضعين وسيلة لإلحاق دمغة لونية بالكيان كله"؛
"أنا اعجب من استخدام "عالم لسنيات" لمصطلح "كَنْكَشة" في حق أسرة، بل أسر، بذلتروحها ودمها ومالها ..."؛
"كيد الكائدين أو حسد الحاسدين"؛
"رايات المكارم وبيرق المحارم"؛
"كما يدعي راعي الخنازير الذي ما انفك يشتم الرزيقات حتي سولت له نفسه الخبيثة إعلانهم آباء غير أكفاء. كي يتسنى له إرسال أبنائهم لمنظمات الرعاية القومية"؛
"هذه المنظمات التي نما منها سنامه وتغذت بالحرام منها عظامه".
....
لا يوجد رد على خطاب الوليد آدم مادبو. ليس لأنه لا يستحق الرد. بل أيضا لأنه مادة خام لتفكيك خطاب المثقف الرزيقي. في يوم آخر.
(5)
حسين خوجلي توأم الوليد مادبو
أعلاه كانت لغة الدكتور الوليد آدم مادبو، في المحاجة لدحض خطابي عن مذبحة الضعين والرق، وعن السودان بصفة عامة حين أتطرق ل "قبيلة الرزيقات"، في معرض حديثي عن العنف الجماعي والعنصرية والهوس الديني.
يذكرني خطاب الدكتور الوليد عني بخطاب الأستاذ حسين خوجلي، عني أيضا. حين التقيت مع حسين خوجلي، في ذات أنداية نعمة. بشأن ذات موضوع الرق والمذبحة والرزيقات. نشر حسين خوجلي صورتي في جريدة ألوان في يوم 6 سبتمبر 1999. وعلق بما يلي (صورة ضوئية من الجريدة مرسلة لسودانايل):
"الشيوعي دكتور عشاري.
أنفق زهرة عمره في الإساءة لشعبنا.وباسم التمسح بالعلمية والأكاديمية، كتب هو وبلدو عن الرق المفترى أخطر وثيقة ضد شعبنا.
ولم يزل في البلاد مدافعا عن جريمة الرق التي اخترعها وأمره بها أسياده.
بل التحق بهم موظفا في منظماتهم. يتنعم بعواصمهم. وأموالهم الحرام ... مستشارا لمنظماتهم المشبوهة وكادرا بالتجمع.
ناسيا أنه في الغد القريب سيصير جثة نتنة منسية في المنافي.
ويصعد شعبنا المسلم المراقي والمجد القادم، ولو كره الكافرون" (حسين خوجلي).
فيتضح أن الوليد مادبو بل يتفق مع حسين خوجلي، صنوه وتوأمه.
(6)
الرقص مع الجنجويد
تجد أقوال الدكتور الوليد آدم مادبو الترحيب مني لأنها تتمثل مادة خام قلما تتوفر. لتفكيك خطاب المثقف الرزيقي. خطاب القبيلية المستحوذ بالخوف وبالهذيان عن تاريخ ناصع يلطخه الأدعياء من نوعية الشيوعيين وعملاء منظمات الأمم المتحدة، إنه يقصد اليونيسف.
يقول عني أنا عشاري بشأنها: "المنظمات التي نما منها سنامه وتغذت بالحرام منها عظامه".لغة حسين خوجلي. الذي وصل مرحلة النضوج أخيرا. بتأثير العمر. وبسبب الصدمة المتأتية من اندثار المشروع الحضاري ونهاية دويلة سلالة الإنقاذ. فبدأ يحتج على مذابح الرزيقات في نزاعهم مع المعاليا. بعد سبعة وعشرين عاما من صدور أول انتقاد لثقافة العنف المكرسة في جسد قبيلة الرزيقات، في ذلك كتاب مذبحة الضعين. في الجزء عن مساعي الرزيقات لطرد الزعاوة، الزرقة، من الضعين. المساعي التي تمخضت عن معارك إضافية للإبادة المتبادلة بين الرزيقات والزغاوة.
...
أقول لأخي دكتور الوليد، إني أقبل خطابه ولغته الاستفزازية. امتثالا للسابقة القضائية. فقد كنت جئت لأنداية نعمة بمحض إرادتي. وعلي أن أقبل جميع الاستفزازات أعلاه.
بما فيها الاستفزاز بالضرب تحت الحزام بإيراد روايتة المتذاكية عن "عصابة الأربعة" و"الزوجة الخبيثة". فالحيثيات الكاملة موجودة في قضايا صدرت فيها أحكام من المحكمة العليا بعد جلسات في المحاكم حضرها الجمهور. فهي متاحة أصلا للجمهور. ولا حرج إن أراد الوليد أن يكتب عني بمزيد الإفصاح، وترك المداراة ولعبة أم غمتي، إذا كان ذلك يعين حجته في مشروعه البائس عن "القبيلة والحاكورة والتوريث والبترول".
واقبل أيضا الاستفزاز من الدكتور الوليد مادبو في صيغة المخاطب، بأنك يا عشاري "ما انفككت تشتم الرزيقات حتي سولت لك نفسك الخبيثة إعلانهم آباء غير أكفاء كي يتسنى لك إرسال أبنائهم لمنظمات الرعاية القومية"؛ "هذه المنظمات التي نما منها سنامك وتغذت بالحرام منها عظامك" (لغة الوليد مادبو).
فيا لروعة المادة الخام المتاحة لتفكيك خطاب المثقف الرزيقي، حامل الدكتوراه في العلوم السياسية، الشاعر، الكاتب. لا يمكن أن أشتم الرزيقات. أتشدد معهم لإزالة عار المذبحة والرق. قدمت البينات والحجج. يكون دحضها ببينات أقوى وبحجج أفضل.
...
لكني أذكِّر الوليد بأنيفي سياق عملي في اليونيسف سعيت لتخليص الرزيقات من ممارسة الرق ومن وصمة إنكاره. في المشروع الذي سعيت له بمبادرتي الشخصية ضد ممانعة اليونيسف. بطلب مليون دولار من الاتحاد الأوروبي استلمتها حكومة الإنقاذ البغيضة. وفي سياق ذلك المشروع نظمتُ مؤتمرا في الخرطوم لتحرير الأرقاء في دار الرزيقات (دعك من التسمية الكاذبة للمشروع وللمؤتمر، عند ناس الإنقاذ).
واجتهدت لتقديم الدعوة لأسرة مادبو الحاكمة ممثِّلة الرزيقات لتحضر إلى الخرطوم للمشاركة في المؤتمر. وقد كان. كنت مدير المشروع. وصاحب الفكرة، والدعوة. وترتيب العشاء الرسمي لممثل الرزيقات من أسرة مادبو. على أنغام موسيقي فرقة القوات المسلحة.
تقول اليونيسف، لأجل الأطفال نغني ونرقص مع الجنجويد والجينو سيدير ومع أسرة مادبو الحاكمة.
ولأجل أطفال الرزيقات، وأطفال الزُّرقة، يمكن أن أخصص"الرقصة الأخيرة"للوليد مادبو، إن أرادمزيد المراقصة.
عشاري أحمد محمود خليل
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.