حسين خوجلي يكتب: فريقان وعميد ودم وشهيد    شاهد بالصورة والفيديو.. "بلوغر" سودانية حسناء تخطف الأضواء بجمالها الملفت    شاهد بالصورة والفيديو.. دخل معها في وصلة رقص مثيرة.. الفنان محمد بشير يتعاقد مع "راقصة" مصرية لإشعال حفل عيد ميلاده    شك بورم في الرئة.. نجل عبد الرحمن أبو زهرة يكشف تفاصيل جديدة    نظرة على مؤتمر WWDC 2026.. نظام iOS 27 وSiri المدعوم بالذكاء الاصطناعي    ميزة جديدة فى أندرويد 17 تمنح المستخدم سيطرة كاملة على إشعارات التطبيقات    تحديثات جديدة في إصدارات "أبل" بمميزات متطورة    الزمالك فى مواجهة قوية أمام المصري بافتتاح منافسات مجموعة التتويج بالدوري    على غرار روسيا.. إيران تطالب فيفا بتجميد عضوية إسرائيل    مصر تستضيف بطولة أفريقيا لناشئي البادل فى يونيو المقبل    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    باسم سمرة: الدنيا بقت عين سحرية والمسلسل واكب العصر والحداثة    إطلالة جديدة للفنانة كارولين عزمي بالفستان الأبيض    أعمال جمعت بين دنيا وإيمي سمير غانم قبل تعاونهما المسرحي الجديد    ماذا يحدث عند شرب القهوة يوميا لمدة 14 يوما؟.. فوائد لا تتوقعها    كيف تقيس ضغط الدم في المنزل؟.. أخطاء شائعة قد تُفسد دقة النتائج    الفواكه والخضروات مفيدة إذا عرفت كيف تأكلها.. تعرف على أفضل الطرق الصحية    شاهد بالصور.. بإطلالة أنيقة الفنانة إيمان الشريف ترد على هجوم النشطاء بشأن التسجيلات المسربة لها: (التجاهل صدقة جارية علي فقراء الأدب)    شاهد بالصورة والفيديو.. دخل معها في وصلة رقص مثيرة.. الفنان محمد بشير يتعاقد مع "راقصة" مصرية لإشعال حفل عيد ميلاده    شاهد بالفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تفاجئ جمهورها بظهورها "عروساً" مع ممثل مصري معروف    المدير العام لقوات الشرطة يتفقد مكان حادثة الإنفجار ببرى ويطمئن مواطنى المنطقة    هزيمتا السعودية.. ونظرية البروف..!!    الجمعية العمومية تجيز تكوين اللجان العدلية برفاعة    يفتتح اكاديمية اساطير المستقبل بكندا المهندس.. فكرة الاكاديمية لتطويرة الكرة السودانية ودعم المنتخبات    وزير الداخلية يبحث مع نظيره المصري تعزيز التعاون الأمني وتبادل الخبرات    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    شاهد بالفيديو.. من هو مجاهد سهل رئيس نادي المريخ؟ تعرف على مجال عمله والشركات التي يديرها!!    قوات الدفاع المدني تنفذ حملة واسعة النطاق لمكافحة نواقل الأمراض وإصحاح البيئة بمحلية جبل أولياء    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مراجعة أخرى لكتاب "غزو كردفان .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
نشر في سودانيل يوم 05 - 12 - 2014

مراجعة أخرى لكتاب "غزو كردفان: استيعاب الأطراف والتحول الاجتماعي في مناطق أفريقيا المسلمة"
Kordofan Invaded: Peripheral Incorporation and Social Transformation in Islamic Africa: A Book Review
Professor Robert S. Kramer بروفيسورروبرت كرامر
ترجمة بدر الدين حامد الهاشمي
نشرت مراجعة بروفيسور روبرت كرامر (أستاذ تاريخ الشرق الأوسط وأفريقيا بكلية سانت نوربينت بولاية وسيكنسون الأمريكية، والمجيد للعربية)للكتاب الذي أشرف على تحريره اندريه ستانسين ومايكل كيفان"غزو كردفان: استيعاب الأطراف والتحول الاجتماعي في مناطق افريقيا المسلمة" في مجلة Sudanic Africa، العدد 11 والصادرة عام 2000م. وهذا الكتاب (والذي نشرته دار نشر بريل الهولندية الشهيرة عام 1998م) هو مجموعة من المقالات المتنوعة عن التطورات الاقتصادية والسياسات المحلية وعمليات الأسلمة في واحدة من أكبر أقاليم السودان هي كردفان.
المترجم
******** ***** *********
في الوقت الذي تقف فيه كثير من الدول الإفريقية (والسودان من بينها) على شفا جرف التمزق والتشرذم والذوبان، يصبح من المهم إعادة البحث في كيفية بناء الدول والأوطان. ويستطيع المرء أن يفهم سبب اعتبار الخبراء لهياكل الدولة أهم محور للتحليل في عملية البناء تلك. وهذا، كما يزعم محررا هذا الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته، من شأنه أن "يدخل الدولة كعنصر من عناصر المجتمع، ويصورها كشيء ضروري وكاف ولا مفر منه" ويقدم لنا محررا الكتاب دراسة متعددة الجوانب لكردفان، والتي وصفاها بأنها "إحدى أكبر المناطق الهامشية / الطرفية في أفريقيا المسلمة"، ويبحثا في الطرق العديدة والمتباينة التي تفاعل بها وتداخل المركز والهامش، والولاية والدولة عبر السنين.
ويتكون الكتاب من 11 فصلا تترابط كلها بصورة مدهشة، وتركز على قضايا بالغة الأهمية مثل القبائل والطرق (الصوفية) والاتحادات والنقابات وتجار الشتات (trade diaspora) والهويات العرقية، وجميعها مكتوبة بشكل جيد. وركز كتاب مقالات هذا المؤلف على العمليات الديناميكية المعقدة والمتعددة التي شكلت ماضي كردفان وحاضر السودان ككل.
وصاغ المحرران بعناية فائقة مقدمة لهذه الدراسات ووضعاها في إطار الثقافة المعاصرة حول السودان وأفريقيا، قبل أن ينتقلا إلى "الغزوات" والتي غيرت وشكلت كردفان خلال القرون الأربعة الماضية. وبدأت أول غزوة عسكرية ضد كردفان في القرن الثامن عشر، حين غزت سلطنتي كيرا (في دارفور) والفونج (في سنار) كردفان، واستمرت تلك الغزوات في بعض سنوات عهود التركية والمهدية والحكم الثنائي (البريطاني – المصري) والاستقلال والحكم الإسلامي (حيث انتهجت الحكومة سياسة "التهدئة/ إعادة السلام pacification" بجبال النوبة. وجاء "الغزو الثقافي" الثلاثي المكون من عناصر الدين والدولة والقبيلة، والتي تضافرت سويا لتغيير الهويات، وجذب كردفان نحو ثقافة وادي النيل. وتمثل الطرق (الصوفية) هناالدين الإسلامي و"تجاوزها للواقع المحلي" (صفحة 23)، بينما أكد المحرران على الديناميكية الحادثة بين الممارسة الدينية ومصالح الدولة والتنافس على الموارد. ويمكن ملاحظة دور الدولة في الغزو الثقافي في إصرارها على قيام مجتمع وحيد (غالبا ما يكون المجتمع الإسلامي)، لا نظير له ولا منازع، وفي مؤسساتها (مثل كلية غردون) والتي دعت وشجعت بعض مظاهر الحداثة بالبلاد. وحظيت قضية دور القبائل في تغيير الهويات - ومناورة وتلاعب الحكومة بهذه الهوية - بمناقشة عميقة في كثير من مقالات هذا الكتاب. فكتب المحرران في إيجاز عن "إعادة معالجة الهوية العرقية" (صفحة 31)، وأشارافي هذا الجانب إلى فصل بديع في الكتاب عن الشنابلة/ الحمر في غضون سنوات المهدية والاستعمار الثنائي. وأخيرا يتناول الكتاب أمر "غزو السوق" في كردفان، وينتقد النماذج المهيمنة (dominant paradigms) للتحليل الاقتصادي، ويدعو لاقتصاد يتميز أكثر بالاستمرارية (continuities) أكثر من التشويش والبعثرة والتقطعات(dislocations). وذكر المحرران في مقدمتهما أن تجارة الصمغ العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين كانت هي محور نقاشات الكتاب عند مناقشة قضية "غزو السوق". وفي ختام المقدمة تناول المحرران كيف أن عدم الاستقرار المؤسسي وما صاحبه من ركود اقتصادي قد أضر بكردفان، وضرب لذلك بأمثلة منها إخفاق "أسلمة "الصناعة المصرفية، والآثار الضارة التي وقعت بسبب التعبير عن "الهوية الوطنية" على المستوى المحلي. وفي ختام المقدمة، وفي نبرة حزينة وتقييم متشائم لخيارات السودان ومستقبله يلخص المحرران معظم ما جاء به كتاب فصول الكتاب عن الكيفية التي شكلت بها غزوات المركز مجتمع كردفان، وأيضا (وربما بأهمية أكبر) كيف ساهمت كردفان نفسها في تكوين السودان.
ويمثل مقالي جيي اسبولدينق وكيرت بيك دفتي هذه المقالات. فقد كتب اسبولدينق عن تاريخ كردفان القديم، وتتبع تاريخها منذ الزمن القديم وحتى سقوط مملكة كير عام 1821م، واستعرض الوثائق المتوفرة والأدلة اللغوية والأثرية المؤيدة لنظريته. وكانت الفكرة الأساس (theme) في الفصل الذي كتبه اسبولدينق (وكما هو معتاد في غالب كتاباته) هي التغيرات الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية التي حدثت نتيجة لظهور طبقة وسطى من التجار في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وفي هذا الفصل عبر اسبولدينق عن فكرته بأسلوب واضح وثقة تنتزع الاعجاب. وواصل كيرت بيك في ذات فكرة اسبولدينق الأساس (والتي طورها آخرون فيما بعد) وكتب عن هيمنة ثقافة وادي النيل والتي استوعبت معظم كردفان، بعد أن استعرض الموروثات الثقافية لجلابة العهد المصري – التركي، ولسياسات المهدية الاجتماعية. وتوسع كيرت بيك في ذكر تفاصيل كثيرة عن "المشروع الحضاري" للنظام الحاكم المدعوم من الجبهة الإسلامية القومية، وعمليات "أسلمة الحياة اليومية في كل جوانبها" (صفحة 257) من قبيل الملبس والكلام والأكل والعادات الشخصية وغيرها. وبالنظر إلى التكلفة الاقتصادية اللازمة لمقاومة هذا "المشروع الحضاري" وعمليات "الأسلمة"، إضافة إلى نجاح الجبهة الإسلامية القومية في سَوْق(توجيه/ قيادة) الخطاب الوطني إلى لغة الإسلام، لا يسع المرء إلا أن يفترض أن نجاح تلك العمليات سيكون مضمونا.
وأتت المقالات التسعة الباقيةعلى وجه التقريب بحسب الترتيب الزمني. فكتب استيانسن عن "تجارة الصمغ العربي في كردفان"، ودرس التغيرات التي حدثت في انتاج الصمغ وتجارته في القرن التاسع عشر، وميز بحرص ودقة بينفِعال الحكومة المصرية من جهة، وبين الاستغلال الذي كان يمارسه التجار من جهة أخرى(وسماه الإمبريالية "الرسمية" و"غير الرسمية"). ويعير مقال استيانسن، كغيره من مقالات الكتاب، اهتماما خاصا بتعقيدات قضية حيازة الأراضي. وهنالك مقال مصاحب لمقال استيانسن عن حيازة الأرض بكردفان في بدايات القرن العشرين بقلم مصطفى بابكر عنوانه: "حيازة الأرض في كردفان: الصراع بين جماعية الإداريين المستعمرين وفردية الحمر". وانتقد مصطفى النظريات الاكاديمية عن حيازة الأرض عند المستعمر، وقدم دراستي حالة وضحت حقائق الاستيطان والتنظيم وإنتاج الصمغ في دار حمر. ومقال مصطفى مثله مثل مقال دالي، يقدم دررا ثمينة حول الأفكار البريطانية العنصرية، وولع المستعمر باختراع التقليد(inventing tradition).
وتناول مقال ديفيد ف. ديكر عن "الإناث والدولة بكردفان في عهد المهدية" قضية تدخل الدولة المهدية في شئون كردفان الاجتماعية، وتطرق لمحاولات الدولة المهدية لتقسيم النساء بحسب وضعهن القانوني (ملك يمينchattel، وميرم حرة ‘captive free' mayram، وزوجات)، وضرب مثلا لتدخل الدولة عندما زعم بأن الخليفة قام في 1890م فيما يبدو بضم نساء حُرَّات(freeborn wives)لنصيب الدولة من الغنائم التي توزع على الجنود في أمدرمان. كانت تلك فكرة الخليفة، ولا ندري إن كانت قد نفذت بالفعل. وكذلك أشار ديكر إلى أن الخليفة كان يحدد حتى مَنْمِنالأفراد أو الجماعاتيمكنه/ يمكنها الزواج، ومتى يطلق/ تطلق (صفحة 99). ولطف بابكر بدري في مذكراته في الجزء الأول (صفحتي 213 – 214) من ما جاء في مقال ديكر عن نيةالخليفة توزيع نساء حُرَّاتكغنائم حرب (سبايا) بعد مجزرة المتمة في 1897م غير أنه تخلى عن تلك الفكرة لخطورتها السياسية. وكنت قد قمت (هنا يتحدث مراجع الكتاب عن نفسه. المترجم) من قبل بالكتابة عن محاولات الخليفة الفاشلة لتزويج أفراد مختلف القبائل من بعضها. ومهما يكن من أمر فالثابت من كثير من الوثائق أن دولة الخليفة عبد اللهكانت قد أوغلت في التدخل بالشئون الشخصية للأفراد العاديين. ويجب القول أيضا أنه بينما كان الخليفة يقوم استراتيجيا بإسكان الكثير من أتباعه في وادي النيل، كانت كثير من المجتمعات الكردفانية تقيم لها أحياء في أمدرمان، وتحافظ على ترابطها الاجتماعي القديم، متجاوزة الخطوط الدينية والعرقية.
أما مقال مارتن دالي عن ماكمايكل، والذي سماه "الزعيم القبلي الأبيض العظيم" وقبائل كردفان، فهو ضربة قاصمة لفكرة وجود "قبيلة" سودانية حصرية وثابتة (ونذكر هنا نتائج الدراسة العلمية الشهيرة لبروفيسور منتصر إبراهيم الطيب مع آخرين، والتي أكدت انتفاء النقاء العرقي تماماً في السودان. المترجم) . وفي مناقشته الفاحصة لكتابي ماكمايكل "قبائل شمال ووسط كردفان" والصادر عام 1912م و"تاريخ العرب في السودان" والصادر في 1922م أشار مارتن دالي كيف أن قبائل كردفان كانت دوما في حالة تغيير مستمر (flux)، وهي النتيجة التي وصل إليها بعض كتاب فصول هذا الكتاب. وربما كان من المثير للانتباه أن نذكر أنه من المفارقات في أعمال ماكمايكل أن مناصرو سياسة "الحكم اللامباشر/ غير المباشر" كانوا يستشهدون بها لتبرير سياسة من شأنها تمكين قبائل سودانية تليدة (established)! ووصف دالي في بلاغة ساخرة أعمال ماكمايكل بأنها "وجدت قبولا حارا، رغم سوء فهم البعض لها، وربما محدودية عدد من قرأها فعلا!" (صفحة 110). ولعل هذا الفصل بقلم مارتن دالي عن الحياة الاجتماعية للبريطانيين بالسودان في عهد الحكم الثنائي هو من أفضل المقالات الأكاديمية القليلة التي يتمنى المرء قراءتها بصوت عال.
وتقارب المقالات الخمسة الباقية مسألة الهوية بدرجات متفاوتة. فمقال أحمد إبراهيم أبو شوك المعنون "كردفان: من قبائل لنظارات" يتناول سياسات وعملية الحكم اللامباشر، ويناقش قضيةالصراعات بين قادة قبائل كردفان من جهة و"أفندية" الخرطوم من جهة أخرى. وضرب أبو شوك لحالة السيولة (عدم التحديد)في أوساط قبائل كردفان بمثال عن الحمر والبديرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. غير أن القيمة الحقيقية للمقال تكمن في مناقشته لاستخدام الأنظمة المتعاقبة بدْءَابالحكم الاستعماري الثنائي، ثم عهود الحكومات الوطنية، للإدارة الأهلية.
وتناول مقال عوض السيد الكرسني الذي كان عنوانه "الدين والعرق والطبقة: دور الطريقة التجانية في مدينة النهود" أمر استيعاب كردفان في الثقافة النيلية، وقيام مجتمع موجه للسوق فيها. وهو أول بحث يجرى حول تأثير طريقة صوفية على الاقتصاد. ويدور بحث كرسني أيضا حول تحكم الطريقة التجانية في (مفاصل) اقتصاد غرب كردفان، وما ترتب على ذلك من نتائج، وأيضا عن فشل تلك الطريقة في أن تتطور وتغدو "منظمة وطنية". وتحدث الكرسني أيضا في مقاله عن خلق التجانية لما سماه هوية فوق العرقية (supra –ethnic identity) (صفحة 192) تضم عددا من القبائل. ولا يذكر الكاتب في روايته تفصيلا لكيفية وصول ثلاثة من التجار من أتباع الطريقة (لم يذكر اسمائهم) لمراكز عليا في إدارة شئون الطريقة الداخلية والخارجية في غرب السودان (صفحة 185)، رغم أنهقدم عرضا موجزا وممتازا لتاريخ الطريقة التجانية في كردفان.
وتناولت استافني بيزويك ومارثا سافاديرا تجربة قبيلتين غير عربيتين في كردفان. فشرحت الباحثة الأولى في مقالها "دينكا انجوك: قيام وسقوط دولة نيلية في جنوب غرب كردفان"، مستعينة بمصادر شفهية عديدة، الظروف التي قام فيها، في القرنين التاسع عشر والعشرين، أفراد مجتمع لا دولة له بتقوية أنفسهم والتوحد سياسيا، واستعرضت العلاقات المعقدة بين الدينكا وجيرانهم البقارة. وهنالك عامل آخر في تلك القضية هو الزعم الشائع عند الدينكا – بحسب الكاتبة في صفحة 153 – بأن لزوجة المهدي مقبولة (والدة السيد عبد الرحمن المهدي) أصلا دينكاويا، بينما يعتبرها الكل – عدا دينكا نجوك- من الفور. (للعجب لم أقرأ لفرنسيس دينق في أي من كتبه ومقالاته أي شيء عن هذا الزعم). وليس هنالك من الشواهد التاريخية ما يؤكد أو ينفي هذا الزعم.
وتشرح مارثا سافاديرا في مقالها المعنون: "العرق والموارد والدولة المركزية: السياسة في جبال النوبة بين عام 1950 وسنوات التسعينيات" ما معنى أن تكون "نوباويا" في سياق السياسة الوطنية والإنتاج الزراعي. وناقشت الكاتبة أيضا في فصلها بالكتاب تاريخ الهوية العرقية للنوبة، وتكوينها من خلال الاتصال مع البقارة الحوازمة والمزراعين الجلابة. ولخصت أيضا نشاط النوبة السياسي منذ أخريات العهد الاستعماري، وتأثير الأنظمة العسكرية لمايو والإنقاذ على الاقتصاد السياسي في المنطقة. وتحذر مارثا سافاديرا في ختام مقالها من خطورة "تصلب الهويات hardening identities"في عملية سلام وتطور جبال النوبة.
ويختلف مقال هيزر شاركي، والمعنون "الأدب العربي والخيال الوطني في كردفان" عن بقية مقالات الكتاب في أنه يبحث فيمكان/ مكانة كردفان (أو بالأحرى مكان/ مكانة فكرة كرفان) في عملية خلق هوية قومية سودانية. ووصفت هيزر شاركي، مستعينة بأعمال أربعة من الكتاب الاستيعاب الأدبي لكردفان (صفحة 166) والطرق التي قام بها التراث العربي الكردفاني ومشهده الرومانسي من تعزيزلثقافة وادي النيل. ولا يحتاج المرء ليكون "خواجية" ليكتب التالي: "وهنالك اكتشفت عالما جديدا وساحرا. وفي وسط هؤلاء الرحل البسطاء عرفت الطهر والجمال والنبل. حسن نجلية، من "ملامح من المجتمع السوداني" 1964م، صفحة 305). ولا غرابة في أن الكردفانيين أنفسهم لا يشاركون هذا المؤلف مشاعره تلك.
وفي الختام لا بد من القول بأن هذا المؤلف الجيد التحرير يحوي للأسف بعض الهنات. فالصور التوضيحية الثلاث التي وضعت في هذا الكتاب – رغم أنها قد تكون مثيرة للانتباه- غير مفيدة تماما، وكان يجب أن تزال أو أن يضاف إليها ما يجعلها مفيدة للكتاب والقارئ. كذلك ينقص الكتاب خريطة تفصيلية لتوضيح الخصائص الطبيعية لكردفان. وهنالك أيضا العديد من الأخطاء الطباعية والتي يصعب التسامح فيها، غير أن هذه مسئولية وخطأ الناشر. وقد يلاحظ بعض القراء القليل من الأخطاء في الحقائق: فعلى سبيل المثال لم يقم المهدي مدينة أمدرمان عاصمة له (صفحة 18)، والفريق إبراهيم عبود كان عمره 58 سنة فقط عندما استلم (سُلِّمَ
؟ المترجم) السلطة، ولم يكن شيخا هرما كما زعم أحد كتاب المقالات في الكتاب (صفحة 238). إلا أن كل ذلك لا يقلل البتة من قيمةالكتاب، فهو من أهم الكتب التي تناولت قضية الهوية، ويصلح ليكون "مثالا model" ممتازا للدراسات الإقليمية.
ويتمنى المرء أن يغدو هذا الكتاب من القراءات الواجبة على كل متخصص (أو راغب بالتخصص) في الدراسات السودانية، وربما لدارسين آخرين في مجالات أخرى.
ويتمنى المرء أن تتم ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية وأن يوزع في السودان، حيث تزداد الحاجة لمناقشات وحوارات واسعة حول "الغزوات".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.