مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    شاهد بالفيديو.. نجمة السوشيال ميديا السودانية هبة الجندي تعود للظهور بعد غياب طويل بتقرير إخباري عن الأحداث السودانية وتطورها    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صدور المجموعة القصصية (درب العافي) للأستاذ سيدأحمد العراقي من مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي
نشر في سودانيل يوم 12 - 05 - 2015

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
وجه قمر القرية الآخر .. تقديم: البروفسير/ عبد الله علي إبراهيم
هذا الكتاب حكايات عن الوجه الآخر من قمر قرية منحنى النيل للشايقية والبديرية التي تخلدت فينا كموئل للطيبة والحنان في غناء المنطقة الشعبي من لدن إسماعيل حسن ود حد الزين تجسده الأمهات من أمثالها حاملات "الحليلي إلى المراح" في دغش الصبح. وبالطبع لن تصمد رومانطبقية هذا القرية الشايقوبديرية في وجه حفريات بشرية مثل التي ستجدها في حكايات سيد أحمد العراقي.
فالحزازة فاشية في القرية ومحاورها تملك الأرض و الخلو منها، والأصل في الرق أوغيره. بل لربما كان اكتشافي الأول للموهبة العجيبة في الأخرنة (جعل الآخر موضوعاً لتمييز الذات بتبخيس الآخر) يوم وجدت من هم بقرى غرب النيل يسمون مثلي، من شرق النيل، ب"الشراقة" بنكهة من الدونية. وسار في عطبرة اسم "الشراقة" على نادي الشاطيء الرياضي الذي عصبته من قرية مورة من قرى شرق النيل. ويسمونهم "الفرانة" كذلك لأن استثمار تلك العصبة أكثره في الأفران.
وجدت هذه القرية الشايقوبديرية مغازيها الغراء، كمركز للكون السوداني، في سرد الطيب صالح. ولكنه وإن جاء بمثل جده كرموز لقمر هذه القرية إلا أنه لم يغفل عن الوجه الآخر من قمر القرية. فقد كانت عوالمه من المستضعفين من عبطائها والرقيق السابقين في "الدوحة"، موضوع المتعة المسترقة، مادة لمقالة حسنة لهذر شاركي، المختصة بتاريخ السودان الحديث، عنوانها "عبيد السودان السابقين: دراسة عن عرس الزين للطيب صالح". وجعل الطيب الزين، عبيط القرية، كاباً يستظل به مستضعفو القري مثل الحنين الصوفي المتجول وموسى الأعرج وعشمانة الطرشاء وبخيت المشلول الأشرم.

أوضح سمة في مستضعفي القرية أنهم خلو من ملكية لأي أرض بها. ف"ولد البلد" قرين بهذه الملكية. فمن ليس له أرضاً فهو "عربي" ساكت يطلقونها على البدو من أي إثنية أو عرق كانوا: عرباً أو بجة. وقد نشأت في أهلي أسمع أن جدنا باع أرضه "ومرقنا عرب ساكت". وحز ذلك في نفس أبي فاستعان بما وفره من أجر الحكومة في المدينة ليشتري أرضاً استرد بها هوية "ود البلد" بعد لاي. وقد صدمني في الهرج بالهوية ضارب الطناب بالسودان أن أجد من حقن السياسة المعاصرة ونزاعها في مصطلح "ودالبلد" المشار إليه. فقد حملَّ المصطلح سخيمة ليست أصلاً في حزازاته التقليدية. فقال إن الشماليين يعتقدون أنهم أهل البلد وما عداهم من نوبة وغرابة وغيرهم أجنبي. ووسع ضيقاً.
المرأة في خطاب الرجل بالقرية "حويان أو حيوان" وجمعها "حوايانات" ومتى ورد ذكرها أعقبوا ذلك ب"الله يكرم السامعين". وبينما يأخذ البعض على الشريعة جعلها المرأة نصف الرجل نجد شريعة القرى الذهبية تستبعد المرأة من الأرث جملة واحدة.
"ففي الكثيرون منا يفعلون ذلك" يضيق أحد العامرين، الحظيين في الرزق، بوعظ الذي وعظهم في الجامع بالقسط مع النساء في الميراث. ونرى في الحكاية تفتت جبهة النساء. الأم تظاهر ابنها ليستأثر بإرث الوالد دون البنات حتى لا يتشتت بين النسابة بواسطة الأخوات. وسعت الأم لحمل بناتها الثائرات على التنازل عن حقوقهن للابن متحالفة مع زوجة ولدها التي رغبت في أن يكون مال زوجها لولده.
والقرية محصنة ضد وهمات المدينة متى تعلقت بالمرأة في "قالو ياها الديمقراطية يا بخيتة". ففي نوبة مما أسمته سوندرا هيل ب"أنثوية الدولة"، أي الحالات التي تفرض الدولة تحرير المرأة ومساواتها من عل جداً.
فقد قررت الحكومة بعد حل الإدارة الأهلية قيام مجالس للقري حجزت للنساء ثلاثة مقاعد فيها بالقانون. ولم تقاوم القرية جهراً لأنها ماكرة تعرف من أين تؤكل الكتف. فوقع اختيار الرجال مكرهين على بخيتة بت عيسى لأنها "بتعرف تقرأ تريحنا من أقرأوا وأكتبوا" وضموا إليها اسمين آخرين تنزلاً عند وهم الحكومة. وكانت نفيسة والأخريات لا يجتمعن حقاً مع الرجال إلا من وراء حجاب. فمجلسهن في صالة الديوان حتى في الزمهرير لا في الديوان. وهن في الداخل في الصيف وهم في الحوش. وانتهز الرجال كل سانحة لمحو الحس الذي أرادت الحكومة إعطائه للنساء. فمتى قيل لبخيتة أن تقرأ أردفوا ذلك ب"أقري القر ينفخك". ومتى تكلمت قيل لها "أحشية يتحشي ليك". وفسدت أنثوية الدولة وتركت بخيتة اللجنة واسمها ما يزال في دفتر الحكومة عضواً بلجنة القرية بينما هي في واقع القرية "حويان ضمن حوايانات" .
الرقيق من وجه قمر القرية الآخر. و غضت القرية الطرف عن مسألة تحررهم بقولها "بقو أخوانا ما فارقونا" ولكن تحرير الحتيلي في "الحتيلي" بواسطة سيدها لم يتم إلا بعد أن استنفدت أغراضها. ثم حج سيدها وعتقها لوجه الله وبلغ بها الكبر عتيا
فاشتغلت بعد تحريرها رسمياً من سيدها بصنع المكروه وبيعه تطلب دخلاً مستقلاً. ولم يعتبر إبن سيدها بذلك فكان يعزم أصدقاءه ليعبوا من شرابها "وحليفتو حرم" مجاناً.. وخرجت إلى الحرية معاقة بصورة مطلقة. فأضطرب عقلها وصارت تهذي : "قال إنت حرة، أروح وين، اقع وين؟ مصيبة جاتك يا الحتيلي". ووجدوها ميتة ذات صباح فبلغوا الشرطة. وكان بلاغ للشرطة أول مدخل لها، وهي التي عاشت كجنحة،إلى سجل الحكومة.
ولا تجد تكذيباً لزعم القرية أن من أقام بين ظهرانيهم بعد التحرر "بقوا أخوانا ما فارقونا" مثل ما تجده في حكاية "العافي". فالعافي، بنت السرية، أخت حقيقة لبنت العربية. ولكن لم تتمتع بهذه الأخوة. فأختها سيدتها. وبلغت العافي ذروة تمردها من هذا الوضع غير الآدمي يوم انتقلت اختها إلى منزل ما ولم تعرض عليها أن تحل محلها فيه فتخرج من سكن الخرائب. بل عرضت على آخرين أن يحلوا محلها لأنها لم "تتخيل أن العافي وأمها يمكن أن يسكنا بمنزل مثل الآخرين". ووصف الكاتب هربها بأنه خروج من "حصارنا" الذي تبقى به مستعبداً واقعاً وحراً شعاراً. وكانت خدمتها حراسة السنابل من الأغنام في الحقل للنوريق. وهي عرضة للعقاب إن فرطت بعد التحذير. واكتشفت القرية هشاشة حيطان حصارها يوم ارتكبت العافية سفر الجفا. وويؤرخ لهروبها في القرية بمثل هو"مسك درب العافية" وبأغنية عن شغور محلها في حراسة العيش:
الله ياجرك ياعمتي العافي جنب العيش ما ها في
ونرى من ضعاف القرية "زين" الطيب صالح نفسه في شخص الفعج. و الجواب من عنوانه. فتسمية أحد بالفعج دلالة في بوار التجارة. فالفعج هو المصران الكبير ويستبعد من الأكل دون أجزاء البهيمة الأخرى لأنه "مخزن الشيط". لكنه حظي الفعج بربع ساعته في الأضواء، كما يقولون، حين ترامت الأخبار عن غناه بعد هجرته للأبيض. بل قيل إنه يركب ملاكي. وفكر ابن عمه أن يلحق به فالمدينة التي سخت مع الفعج ستغنيه حتى جنى الجنى. ولكن ابن العم "فجع" في المدينة حين وجد الفعج يسوق عربة كارو فارهة في المدينة. ما تغير شيء. فالفعج فعج ولو طالت غربته.
والطريق إلى المدينة يودي ويجيب. ففي "ألحق روحك يا قسم!" عن السقا الذي عاد إلى القرية من المدينة لمّا خسر زبائنه لفشو الصنابير في بيوت المدينة. وهؤلاء المنقلبون على أعقابهم مستضعفين ثقافياً. فهم عنوان لخيبة من "خانوا" القرية طمعاً في مجد المدينة. والعرجا لمراحها. وسمعت في بعض القرى من ينسبهم إلى ناد وهمي هو "نادي الماشين لورا" أي أنهم منذ يوم تلك الخيانة تردى حالهم لم تغنيهم المدينة ولم تغفر لهم القرية. صارت لهم حكاية هجين لا إلى هؤلاء ولا هؤلاء.
ولكن للمدينة نسائمها الرطيبة على القرية كما في "ماك تمباك يا عطانا". وهي قصة طريفة عن رجل صانع حبال وصديقه النجيض لا سروال له. جاء يستلف من صديقه صانع الحبال ، زوج عطانا ليتمكن من زيارة الكيك تاجر التمباك في زيارته السنوية للقرية. والتاجر يؤثر النجيض لأنه يحفظ شعر شاعره الشايقي المفضل المعروف: حسونة. وهو القائل في غي بت الفكي:
هوي يا أهل الشرق
وما تقولو المجنون غرق
ويكرم التاجر وفادة النجيض بعد أن لبس سرواله العارية. ويعود بطيبات المدينة فيقتسمها مع صانع الحبال وزوجته عطانا التي إنتظرت وتوقعت وفرحت لكنها تبخس مال التاجر الذي كسبه من التمباك قتقول لنفسها : "مال تمباك يا عطانا. لكن عندو طعم."
وتسكن إقليم الوجه الآخر لقمر القرية جماعة اسميها "الضعاف" تفصيحاً لوصف والدتي، التي كانت في سعة من الأرض، للذين لا أرض لهم: "زويلينن ضُعاف جونا بالدرب من وين ما بعرفو سكنو معانا". ولضعفهم الظاهر بين يدي الرب تتسع نفوسهم للبركة.
ومن أولئك ربما "ود بريمات" السقا. فعلى ضعفه كانت غيريته بينة في العناية بأزيار سبيل الماء فلا تجدها يابسة مطلقاً. بدأ ود بريمات المهنة طفلاً أخذها عن أمه. فكان كل لهو طفولته أن يتبعها حاملاً الماء "في علب العسل الخضراء وأسدها الإنجليزي":"الله ليك يا ود تريمات الذي يسقي لا ينتظر أجراً. يا ذا الرائحة العميقة "مثل الكسرة البايتة تحت غطاء سميك". ولهؤلاء الضعفاف بركة الحب.
فلود بريمات سكون قرآني إلى شريكة حياته لأن خيار الانقلاب عليها لا يوجد. فهو ينظر إلى شريكته في إشفاق وشوق: "مثل أي مخلوق ليس له القدرة على الكلام أو الحق فيه" .
ثم مات ود بريمات. لم يمر على الناس بالماء في يومه ذاك. وجدوه وزوجته ميتين. وكمثل ما يقع بعد موت هؤلاء الضعاف الصالحين ترعرعت كراماته بين الناس كأنهم يتخلصون بها من إثم إهمالهم الطويل لهم. فقالوا أن تربته كانت لينة. ثم طلعت من المقبرتين شجرتان هما كل ما في دافنة القرية من شجر. وصارتا موضعاً لزيارة النساء وندائهن (نديهتن) يا "بركة التحت الشدرتين". صار الضعيف ولياً وقبره ظاهر يزار.
من أعظم صور العقوق للقرية (والريف عامة) قول بعض الحداثيين إن حياة أهلها خلت من التسلية والمعنى معاً. برونق. ولم يحل دون هذه العقيدة الباطلة المجلس الذي صوره الطيب صالح في "موسم الهجرة إلى الشمال" وفيه أنس ضم بنت مجذوب أجرى دموع الرجال ضحكاً. ونوهتُ مرة بدفاع لدوين كابتيجن، المؤرخة للسودان، التي نقضت مثل ذلك القول وهي تعرض كتاباً لإنجليزي عاش في السودان واستفظع حياة الريفيين فيه. وتوقفت في هذه الحكايات عن وجه قمر القرية الآخر عند "كايدن" و" عوض نوبة" لأنه اجتمعت في حياتهما معان غريقة من الحب والطرب والمتع. ولا عزاء لمن أراد "تصحيح" حيواتهما بما يعتقد أنه الحياة المثال.
لا تبدو القرى موضعاً لحب رجل شيخ لزوجته من دون الناس. ولكن كايدن فُطر على حب زوجته ليلى التي غرقت في تساب 1988. فمج الدنيا، وهجر صنعة البناء. وظل يتربص بها في طريقها الأخير عند النهر الذي مشت عليه لحتفها. وأصبح في قول خالتك السرف: "كايدن ما ياهو. راح وراها". وأشتغل بصيد السمك. وحكى عن خيبته في السمك يوماً حتى نجح في جر كيان ثقيل قطع خيوطه وكسر سنارته. واتفق الناس أنه "كَرَّان"، اي ثقل ما من قاع النهر. ولكن في رواية كايدن نفسه أن الذي خرج له من النهر يومها هي ليلي حية من الماء لها لمعان وبريق. وكان ذاك يوم تصالحه مع محيطه واسترداد نفسه من ذهاب الخاطر. فسمع صوت الدليب فخف إليه لأول مرة وقد أخفى وجهه بشال لكي لا يعرف. ثم وجد حتى إمام المسجد هناك مقنعاً بهدمه. وكان ذلك بدء عهده بالمسجد طالما تكسرت الحواجز المصطنعة في روح القرية واجتمع الضعف والدين والطرب.
أما عوض نوبة فهو فنان يرسم للقرية إيقاعها. لم يدخل المدرسة فعمل جرسوناً. ثم اندرج في سلسلة أشغال عسيرة، عامل طاحونة، سقا، مساعد مراكب، ضارب دليب، فنوبة الختمية. وكانوا، أي الختمية،، كما قال الكاتب، "يسيرون خلفك نحو أفق كنت تراه وحدك" نحو شيء يحسونه ويحبونه ولا يرونه. ثم انتقل عوض للمزمار المعدني. ودرب عليه بعض شباب الختمية، وجاء بالمزمار الأبنوسي فأسفر عن لحون عظيمة استحق من الكاتب قوله:"الإيقاع داخلك أكبر مما نعرف"، "تضرب الدليب بروحك لا بالعصا" ،"هل تغير الدليب أم أن العوض عرف كيف يخرج أجمل ما فيه". وقالت إمرأة "رقيص البنات إتعدل مما جا العوض ومسك النقارة. مرق منهن البعرفن". واستمع مرة لتسجيل لدليبه على شريط فرقص "رقصا كما لم يرقص أحد من أنثى أو ذكر. رأينا كيف ينبغي أن يكون الرقص. وصارت رقصتك ختام حفلاتنا. اثناؤها يصمت الحضور. سكون عميق يطهر القوم من أوهامهم". ونلك رقصة زوربا. وهكذا جعل عوض نوبة من ساحة الحفل مركزاً تعنو له مراكز الجاه الأخرى. فالكل بإزاء صهيل الطبل سواء.
وللقرية ثوارها بالطبع. فليس من موضع على الأرض لم يخرج ثواره من رحمه. وبعض ثواره "حرامية أو حرمنجية تلطيفاً" مثل الطفل في "دخري الصرمان" الذي حاكى سيزيف سارق سرق النار من أولمب الالهة ليهديها للبشر. أما طفلنا في الحكاية فهو يسرق "الأشميق" الجيد من سبيقة حاج الخضر ليفتل الحبال لعنزات دخري الصرمان بغير أن تعرف. أما جيفارا القرية فهو "ود الفرتكاني" في الحكاية بنفس العنوان. وهو من سنخ القرويين الهامش الذين صاروا مركزا. فكان اعتزل القرية لما رأى حرب داحس وغبرائها بين الفريقين فيها: ود الخير وود عبد الله. ومع أن جدهم واحد إلا أن قلوبهم شتى وبرغم أنه لا يفصل بينهما سوى التل والغابة. فأعتزلهما ود الفرتكاني عند القوز. ولا يرد السلام على أحد منهم ولكن إن لم تسلم سأل: "الزول منو؟". ولا ينتظر منك إجابة ليخلص إلى لازمته الثورية: "ما فيكم فايدة ما فيكم رجا. قالوا أولاد عم عمى دقاسة. المايفضل فيكم واحد". فاستعصم بالقوز حتى اجتمع حوله نفر من "الملاقيط ساكت" صاروا يعرفون ب"القوازة". وأقاموا مجتمعاً مستقلاً عن القرية. قطعوا الغابة لتوسيع رقعة لزراعة وساووا التل ليمنع التساب. وصاروا أمة لوحدهم. وجاءتهم مكافأة كل مبتكر للتغيير لنجاحهم: "والله سووها ود الفرتكاني والقوازة".
وهناك ثوار ذاكرة الوجع في القرية ودبيب وخارطته على الجسد. ففي "حدث يوم ختان بنات أم الحسن" نجد إمرأة تحرر بنتها من الختان التقليدي لتختن في المستشفي: خطوة صغيرة في طريق طويل. فكانت استعدت تفصيلاً للمناسبة وأعدت بنتيها للطهّارة حاجة الزلال. ولكن كان داخلها يغلي شفقة وخوفاً على بنتيها اللتان ستخضعان لما خضعت له هي في ختانها فأمضها. فتذكرت جرحها الغائر من ذلك اليوم. كان كأنه مزق الحشا وسرى حتى القفص الصدري. كانت موثوقة بنساء لتستسلم لشفرة حاجة الزلال التي اكتسى وجهها تجهماً وصرامة غير معتادة فيه لزوم الشغل. ولما استبدت بها ذكرى ذلك اليوم "كدخان خانق يحيط بدواخلك" كاشفت الرجال بقرارها فلم ينم أحدهم بإعتراض لأن منطق الجرح في الذاكرة غلاب. لقد أنقصت الأم بنتيها بعض الأذى لولائها لمدونة الألم فحملت الناس هوناً إلى الأمل. فلو جبنت وتصالحت مع الألم كطبيعة ثانية لما تغير شيء.
نشأنا في المدينة باحتجاج عميق على المدينة ربما تسرب لنا من جيل أهلنا الأول فيها. لم تستطعم أمي قمح المدينة مطلقاً وكانت لا تفتأ تذكرنا بالطعم الآخر للقمح في قمر القرى. نشأنا وكأن عيشنا في القرية اختلاساً حتى اليوم الذي تعود فيه الناس "إلى أوطان قرابا" كما عند الشاعر الرباطابي الفحل عبد الحفيظ محمد أحمد. وتضافر مع الشجن القروي أن أكثر أدوات التعبير عندنا كان الشعر لا التحليل الاجتماعي. فصارت القرية فينا حالة رومانطيقية خالصة من مثل با "رمال حلتنا". وحجب وجه قمر القرية المضيء الوجه الآخر له. وكتاب سيدأحمد العراقي الذي بين يديك حفر أدبي عميق في هذا الإقليم المحجوب يؤذن بمعرفة أفضل للقرية ننتقل بها من الشجن إلى التحرير. وأسفر سيدأحمد العراقي في هذا الحفر عن علم غزير بالقرية، وشعاب لغتها، وتعمق في حيوات مستضعفيها زلزل رومانطيقية القرى صارت به القرية ربما أمتع وأشف وجميلة بواقعية وجه قمرها الآخر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.