د. عثمان البدري يكتب.. مؤتمر باريس وفرص السودان    استبعاد "سودانير" من التحليق في سماء باريس.. ما وراء الكواليس!    إسماعيل عبد الله يكتب.. اتفاق جوبا بين النظرية والتطبيق    مؤتمر باريس.. بشريات إنقاذ الاقتصاد    ختم تجاربه بالفوز على "كسكادا".. الهلال ينهي معسكره    المريخ يفقد خدمات كردمان في القمة    في حوار مطول مع الصيحة (1).. د. مدثر خيري: من ينتظرون "التطبيع" أو "التجميد" يطيلون أمد مجلس المريخ    رقم كبير لا يمكن تجاوزه مطلقاً.. عثمان النو.. الموسيقار العبقري    محمود الجيلي.. شاعر عصر!!    بشير عبد الماجد.. شاعر كنوز محبة    لجان مقاومة أركويت تطالب بالسماح لأسر الشهيدين ومحامي الاتهام بحضور التحريات    الشيوعي السوداني ينتقد مواقف أحزاب الحكومة من التطبيع والعدوان على غزة    نبيل أديب: لم نتلق دعوة للاجتماع مع رئيس الوزراء بشأن تسريع التحقيق    تدهور بيئي مريع بمحلية أمبدة    مؤتمر باريس يربك سوق العملات في الخرطوم    ناشطون يطلقون دعوة لوقفة تضامنية مع القضية الفلسطينية بالخرطوم    حتما ستنتصر إرادة الشعب الفلسطيني ..    أبرز عناوين الصحف السياسية السودانية الصادرة اليوم الثلاثاء الموافق 18 مايو 2021م    العاهل السعودي يوجه بدعم السودان لتخفيف أعباء ديونه بصندوق النقد الدولي    الصحة العالمية: ساعات العمل الطويلة "تقتل" 745 ألف شخص سنويا    بالفيديو| ماكرون: تفخر فرنسا بأن السودان هنا يقدم نفسه اليوم كنموذج لأفريقيا والعالم    الهند ل"واتسآب": سياستكم الجديدة تنتهك قوانين تكنولوجيا المعلومات    إتحاد الكرة يناقش ملف ملعب المريخ    بايدن يقول إنه سيتصل بنتنياهو اليوم لبحث النزاع مع الفلسطينيين    الطيب مصطفى: آخر ما كتبته قبل أن تدهمني الكورونا    وزير المالية يكشف عن وجود احتياطي مقدر من النفط    5 مليارات دولار.. فرنسا تعلن إلغاء ديون السودان    الخط السريع ونجم الدين يفاجآن مدرب توتي    الطيب مصطفى: آخر ما كتبته قبل أن تدهمني الكورونا    الهلال ينهي معسكر القاهرة ويعود للخرطوم    في تجربته الودية الثانية الشرطة القضارف يتفوق على منتخب نجوم مدني بسداسية    الموت يغيب الإعلامي الرياضي الكبير عدلان يوسف (الرادار)    بريطانيا ترصد 1979 إصابة و5 وفيات جديدة بكورونا    أحمد السقا يخرج عن صمته ويرد على اتهامات مها أحمد وهجومها العنيف عليه    توافق مصري فرنسي على التهدئة بغزة.. والسيسي: بأسرع وقت ممكن    تاور:دعم الحكومة لجهود مكافحة المخدرات من أجل حماية المجتمعات    عقب عطلة العيد: الكساد يضرب أسواق الخرطوم    وليد زاكي الدين : مايحدث الآن مجرد فقاقيع والأغنية ستعود لسابق عهدها    حصريا على عربسات .. إرتياح واسع لأنطلاقة قناة النيل الأزرق الثانية    ظروف بتعدي ما تهتموا للايام قصة أغنية جاءت بسبب سيول وأمطار جرفت منزل الشاعر عوض جبريل    عميد الحكام جهاد جريشة : الجمهور السوداني راقي ويعشق الكرة بجنون    مدير بنك الصادر الأفريقي : سنقدم كافة أنواع الدعم للسودان حتى يتمكّن من النهوض بأوضاعه    حرائق السواقي بالشمالية.. النخيل يحتضر    رسمياً.. النيابة تتسلَّم المُتّهمين بقتل شهداء 29 رمضان    القطاع المصرفي.. مطالب للتنفيذ    استقرار الأوضاع الصحية بمستشفيات النيل الأبيض    مصرع 10 أشخاص وإصابة آخرين بحوادث مرورية    حاضرة ولاية الجزيرة.. (أغلق أنفك أنت في ود مدني)    غارات جوية إسرائيلية جديدة على غزة وصواريخ على جنوبي إسرائيل    الزراعة : مشاورات لفتح صادر الذرة    السعودية تمنع مواطنيها من السفر إلى 13 دولة دون إذن مسبق    مصر.. وفاة الفنانة نادية العراقية متأثرة بإصابتها بكورونا    دراسة لمنظمة الصحة: العمل لساعات طويلة يقتل مئات الآلاف سنويا    حريق يقضي يلتهم 15 متجرا في المالحة بشمال دارفور    النوافل.. غابت عن حياة معظم المسلمين    بتوجيه من رئيس الوزراء: تعزيزات شرطية لولاية جنوب دارفور    زوجتي عصبية فماذا أفعل؟    لا تغفل عنها.. موعد البدء بصيام الست من شوال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الذكري ال 57 لانقلاب 17 نوفمبر 1958م .. بقلم: تاج السر عثمان
نشر في سودانيل يوم 16 - 11 - 2015

تجربة الاضراب السياسي والعصيان المدني ضد الديكتاتورية العسكرية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مرت 57 عاما علي ذكري أول إنقلاب عسكري في السودان وهو إنقلاب 17 نوفمبر 1958م، الذي قضي علي اول تجربة للحكم الديمقراطي التعددي الوليدة بعد عامين من الاستقلال في العام 1956م، قاوم شعب السودان بمختلف فئاته ذلك الانقلاب الذي إستمر لمدة ست سنوات حتي قيام ثورة اكتوبر 1964م التي اطاحت بذلك النظام ، وتم استعادة الحكم الديمقراطي التعددي.
والواقع أن ثورة اكتوبر لم تكن حدثا عفويا أو تلقائيا ، بل كانت نتيجة منطقية لتراكم نضال شعبنا بمختلف فئاته منذ صبيحة الانقلاب، عندما سلم عبد الله خليل(رئيس الوزراء يومئذ) الحكم للجيش، بهدف مصادرة الديمقراطية والقضاء علي الحركة الديمقراطية في البلاد، ومصادرة نشاط الحزب الشيوعي الذي كان متناميا وتصفيته، وكبت حركة الطبقة العاملة ، ومنع تطور حركة المزارعين، والركوع للاستعمار الحديث ووقف الثورة الديمقراطية في البلاد. وبالفعل كانت أول القرارات صبيحة الانقلاب هي : حل جميع الأحزاب السياسية، ومنع التجمعات والمواكب والمظاهرات، ومنع صدور الصحف حتي اشعار آخر، وفي نفس يوم الانقلاب أعلن النظام حالة الطوارئ، وايقاف العمل بالدستور وحل البرلمان، كما صدر قانون دفاع السودان لعام 1958 ولائحة دفاع السودان لعام 1958م، وتمت بموجبهما مصادرة ابسط حقوق الانسان، بجعل عقوبة الاعدام أو السجن الطويل لكل من يعمل علي تكوين أحزاب أو يدعو لاضراب أو يعمل علي اسقاط الحكومة أو يبث الكراهية ضدها، كما تم حل النقابات والاتحادات، ومصادرة جريدة " الطليعة" التي كان يصدرها اتحاد العمال واعتقال القادة العمال وعلي رأسهم: الشفيع أحمد الشيخ ورفاقه وتم تقديمهم لمحاكمات عسكرية ايجازية.
وكان الهدف من الهجوم الشامل علي الحريات تجريد الشعب من كل أدواته الرئيسية في الصراع لانجاز مهام التطور الوطني الديمقراطي
وصدر أول بيان للحزب الشيوعي بتاريخ: 18 نوفمبر 1958 يدعو لمقاومة الانقلاب العسكري واسقاطه واستعادة الديمقراطية، بعنوان "17 نوفمبر انقلاب رجعي"
وبعد ذلك استمرت مقاومة الشعب السوداني للانقلاب والتي وثقها كتاب "ثورة شعب" ( اصدار الحزب الشيوعي 1965م) توثيقا جيّدا عن طريق: البيانات والعرائض والمذكرات والاضرابات والمواكب والاعتصامات، والصمود الباسل للمعتقلين في السجون والمنافي وأمام المحاكم وفي غرف التعذيب ، والاعدام رميا بالرصاص.
تابع الكتاب نضالات العمال والمزارعين والطلاب والمثقفين والمرأة السودانية ومقاومة الشعب النوبي ضد اغراق حلفا وتدمير ثقافة القومية النوبية وارثها التاريخي العظيم، وتنصل الحكومة من الوطن البديل بجنوب الخرطوم. ونضال جبهة أحزاب المعارضة، وحرب الجنوب التي تفاقمت، ودفاعات المناضلين أمام المحاكم، كما وضح موقف الحزب الشيوعي من المجلس المركزي وانتخابات المجالس المحلية
تجربة الاضراب السياسي والعصيان المدني:
كانت تجربة الاضراب السياسي والعصيان المدني من أهم دروس وتجارب ثورة اكتوبر، جاءت فكرة الاضراب السياسي العام في بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي حول "الاضراب السياسي العام" في أغسطس 1961م، و الذي نشر في العدد ( 109) من مجلة الشيوعي ( المجلة الفكرية للجنة المركزية) الصادر بتاريخ: 29/ أغسطس/ 1961م.
وفي 4/1/ 1961م اصدر المكتب التنظيمي المركزي كتيبا بعنوان في " سبيل تنفيذ شعار الاضراب السياسي العام: لنرفع عاليا رآية التنظيم، "خطة من المكتب التنظيمي المركزي".
والجدير بالذكر أن الحزب الشيوعي طرح فكرة الاضراب السياسي لاحزاب المعارضة، ولكنها لم تتجاوب معها، وبعدها انسحب الحزب من جبهة احزاب المعارضة، وطيلة الثلاث سنوات ظل الحزب الشيوعي يعمل بصبر مع الحركة الجماهيرية الي مستوي تنفيذ الاضراب السياسي ، الي نقطة الانفجار الشامل.
وجاءت دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في 6 يناير 1963م، والتي اكدت علي شعار الاضراب السياسي وعالجته بالمزيد من الوضوح السياسي والفكري والتنظيمي، واجابت اللجنة المركزية علي السؤال: ماهو الاضراب السياسي العام؟ علي النحو التالي:
" أنه توقف الجماهير الثورية عن العمل ، ويتم تنفيذه عندما تصل الجماهير الثورية الي وضع لاتحتمل فيه العيش تحت ظل النظام الراهن، ولهذا فهو يمثل تغييرا كيفيا في وضع الجماهير الثورية وعقلياتها، انه عملية وسلسلة وليس ضربة واحدة، عملية من الدعاية والعمل الفكري الدائب ضد تهريج النظام الراهن من أجل تعميق الاتجاهات الثورية لدي الجماهير من التعليم والتجارب، من المعارك اليومية المختلفة والتآزر حولها، من بناء قوي ثابتة للجبهة الوطنية الديمقراطية ، من نضال قانوني وغير قانوني، من تحسين وتأهيل للحزب الشيوعي ووضعه في القيادة، وارتقاء لنفوذه الأدبي، وكل مايسير في طريق هذه العملية ثوري ومفيد ويقرب الناس من الاقتناع بالاضراب والاستعداد له ثم تنفيذه" (ثورة شعب، ص 435
وتابع الحزب الشيوعي تطور الحالة السياسية حتي توصل الي لحظة الانفجار الشامل ونضج الأزمة الثورية، كما يتضح من البيان الذي اصدره الحزب الشيوعي بتاريخ 20/ 10/ 1964م، بعنوان " أزمة النظام الراهن تتفاقم مزيدا من اليقظة والوحدة".
أشار البيان الي أن النظام تقلصت قاعدته الاجتماعية وفقد كل سند له غير بعض المنافقين من كبار الموظفين ورجال الادارة الأهلية، وانحسر حتي تأييد طائفة الختمية له، اضافة الي تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية، واتجاه السلطة الي القاء الأزمة علي عاتق الكادحين.
كان ذلك قبل يوم من أحداث الندوة الشهيرة في جامعة الخرطوم حول قضية الجنوب، والتي هاجمها البوليس واطلق النار علي الطلاب المتظاهرين مما أدي الي استشهاد أحمد القرشي ورفاقه، وكانت ندوة جامعة الخرطوم "القشة التي قصمت ظهر البعير" ، بعد أن وصلت البلاد الي لحظة الأزمة الثورية والانفجار الشامل.
واصدر الحزب الشيوعي بيانا بتاريخ: 22/10/ 1964م بعنوان " ضمير شعبنا ينزف دما" ، بعد استشهاد احمد القرشي ورفاقه، ودعا البيان الي "الاتحاد في جبهة ديمقراطية تستهدف القيام باضراب سياسي عنيد لايتراجع أمام مظاهر القوي الكاذبة حتي يطيح بالنظام الرجعي الراهن".
كما صدر خطاب داخلي من السكرتارية المركزية للحزب الشيوعي بتاريخ: 22/10/1964م، دعت فيه عضوية الحزب لتنظيم الاضراب السياسي العام احتجاجا علي مجزرة جامعة الخرطوم".
وايضا صدر بيان من مكتب النقابات المركزي التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني بتاريخ: 24/ 10/ 1964م دعا فيه الي الاضراب العام، ووجه الدعوة الي جميع العمال و الموظفين والمحامين والاطباء والقضاء والمعلمين وكل من استنكر هذه الجريمة النكراء الي الاشتراك في هذا الاضراب".
وصدر بيان من الحزب الشيوعي بتاريخ: 25/ 10/1964م دعا فيه الي الالتفاف حول جبهة الهيئات التي اعلنت الاضراب السياسي العام والعصيان المدني ( محامين، عمال، قضاء، معلمين ، اطباء مزارعين..) وجعلها قيادة لحركة الاضراب.
وبعد اعلان الاضراب السياسي العام صدر بيان الي جماهير الشعب السوداني باسم عبد الخالق محجوب عثمان عن الشيوعيين السودانيين، دعا فيه الي مواصلة الاضراب السياسي العام حتي : التصفية النهائية للحكم العسكري الرجعي، والغاء حالة الطوارئ فورا والغاء كافة القوانين المقيدة للحريات، وقيام حكومة انتقالية تمثل قوي ثورة 21 اكتوبر المجيدة، واطلاق سراح جميع المعتقلين والمسجونين السياسيين فورا.واستمر الاضراب السياسي العام حتي نجحت الثورة في الاطاحة بالحكم العسكري واستعادة الديمقراطية.
وبعد ذلك اصبح الاضراب السياسي العام سلاحا قويا في يد الشعب السوداني، فقد اطاح شعبنا بديكتاتورية النميري في انتفاضة مارس- ابريل 1985م عن طريق الاضراب السياسي العام والعصيان المدني. وسوف يطيح شعبنا ايضا بنظام الرأسمالية الطفيلية الاسلاموية الفاشي الدموي الحالي الذي فرط في وحدة البلاد وافقر شعبنا ونهب ممتلكاته ومارس ضده كل صنوف القهر والقمع ايضا عن طريق الاضراب السياسي والعصيان والمدني وحماية نهوضه الجماهيري
علما بأن البلاد تمر بالاوضاع نفسها التي قادت الي تفجير ثورة اكتوبرمن زاويا: أزمة اقتصادية طاحنة، ومصادرة الحريات(اعتقالات وتشريد وتعذيب وحشي للمعتقلين السياسيين، واطلاق الرصاص علي المواكب السلمية كما حدث في هبة سبتمبر 2013م ، ومصادرة الصحف واعتقال الصحفيين وقمع حرية التعبير)، وحرب طاحنة في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ،بحيث اصبحت الحياة لاتطاق تحت ظل هذا النظام ، واصبح النظام معزولا بعد فشل مهزلة الانتخابات الأخيرة المزورة ومسرحية مايسمي بالحوار،بهدف ايجاد مخرج له لاطالة عمره ، اضافة للتناقضات والصراعات الداخلية التي تعيشها الفئة الطفيلية الاسلاموية الحاكمة التي اثرت علي حساب قوت الشعب وعلاجه وتعليم ابناءه وخدماته العامة، وكدست الثروات علي حساب الكادحين ونهبت ممتلكات الشعب، وعم الفساد البر والبحر والذي رشحت أخباره في الصحف من أغذية وادوية وتقاوي ومبيدات فاسدة، ودفن النفايات المسرطنة في البلاد، وتفشي امراض السرطان والفشل الكلوي وغيرها من اساليب إبادة شعب السودان التي يمارسها النظام الفاسد حتي نخاع العظم.
وبالتالي توفرت الظروف الموضوعية نفسها التي ادت لاندلاع ثورة اكتوبر 1964م، ويبقي ضرورة توفير الظروف الذاتية لتي أهمها وحدة وتلاحم قوي المعارضة، لقد خاضت جماهير شعبنا بمختلف فئاته معارك ضارية وراكمت تجارب في مقاومة نظام الانقاذ الدموي وآخرها هبة سبتمبر 2013م التي هزت اركان النظام، كما تستند جماهير شعبنا علي رصيد نضالي تاريخي مجيد ، مثل تجربة الاضراب السياسي والعصيان المدني في ثورة اكتوبر 1964م، والتي لابد من استلهامها في كطريق لهزيمة ديكتاتورية الرأسمالية الطفيلية الاسلاموية الحاكمة التي اذاقت شعبنا سوء العذاب، ورميها في مزبلة التاريخ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.