"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبد الله علي ابراهيم: مثقف ضخم ينتظر التكريم .. بقلم: خالد موسي دفع الله
نشر في سودانيل يوم 29 - 05 - 2016

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
اثارت سلسلة التكريم لبعض الشخصيات القومية التي اهتم بها ونشط فيها المجتمع المدني مؤخرا حفيظة بعض الكتاب والمراقبين، اذ احتجت بعض الاقلام المنسوبة للإسلام السياسي علي تكريم الدكتور منصور خالد واعتبرته حاملا لثقافة مغايرة وعميلا للغرب ، مساندا للتمرد ومتآمرا علي السودان العربي المسلم. و انتهت فصول تكريم منصور خالد رغم أصوات الاحتجاج في أبهي حلة حيث شارك باحثون واصدقاء في تقديم أوراق وقراءات عميقة لمجمل كسبه الثقافي والسياسي والفكري. فكما تميز مشروع الشيخ الراحل حسن الترابي بلازمتي التجديد والتوحيد، فقد تميز ايضا المشروع النقدي للدكتور منصور خالد بلازمتي الحداثة والوحدة الوطنية.
ما ان هدأ قسطل معركة تكريم الدكتور منصور خالد حتي نهضت اقلام اخري تحتج علي تكريم الدكتورة سعاد الفاتح ونعت هذه الاقلام مجمل كسبها بالهرج في سوق السياسة، واشتط البعض ليقول ان ما قدمته المرأة المكافحة عوضية سمك لدعم افطار دور الأطفال يرجح ما قدمته سعاد الفاتح طيلة خمسة عقود من العمل العام. ونسي هؤلاء انه لولا كفاح سعاد الفاتح وفاطمة احمد ابراهيم واخواتهن في قيادة حملة الوعي والانتصار لحقوق المرأة لما انتصب للسيدة الفاضلة عوضية صاج يهدر في سوق الموردة لبيع السمك وإطعام الأطفال. ويتغافل هؤلاء ان سعاد وفاطمة وإضرابهن كسرن ثقافة الحريم الوافدة مع الاستعمار التركي والفقه الحنبلي المرافق لها، وكافحن في ظروف قاهرة ومجتمع ذكوري متسلط ، وثقافة اجتماعية تضطهد كسب المرأة وتؤخره، وهذا ما دعي جيهان السادات ارملة الرئيس المصري الراحل أنور السادات لتعلن في برنامج (شاهد علي العصر) بقناة الجزيرة مع احمد منصور ان السادات حاول الاستفادة من تجربة المرأة في السودان، مما دفع احمد منصور ليقول متهكما ساخرا ( ليه اصلو السودان ده امريكا) و لما أغرقه السودانيون بخطابات الاحتجاجات والنقد اعتذر لاحقا.
ان ما تتمتع به المرأة السودانية الان من حقوق ونجاح وتميز في كل جوانب وأنشطة الحياة المختلفة يعود في الأصل الي التراث التاريخي القديم منذ عهد الملكات في تاريخ كوش حين كان الملك يرتبط بآصرة الأمومة حتي جاء عبدالله برشمبو من أصلاب العرب المولدين حسبما تقول أشهر روايات التاريخ. مرورا بالتاريخ المشهود للمرأة في ممالك دارفور والوسط النيلي الذي أنتج بنونة بت المك وشغبة المراغبية. ولعل رائدات النهضة الحديثة من لدن سعاد الفاتح وفاطمة احمد ابراهيم وخالدة زاهر وغيرهن بعثن من جديد تراث السودان التاريخي في الانتصار لقضايا المرأة بعد ان أسهمت الثقافة التركية الاستعمارية الوافدة وديوان الحريم والفقه الحنبلي في اضعافها والقضاء عليها.
لم اجد في تاريخ السودان المعاصر من اهتم بتحرير المرأة بعد بابكر بدري مثل الزعيم والمفكر الراحل الدكتور حسن الترابي الذي قدم مقاربات هامة اعتبرها البعض ثورة في هذا المضمار، لكني في المقابل لم اجد باحثا ومفكرا أولي قضية المرأة ونهضتها الحديثة اهتماما في مباحثه ودراساته مثل الدكتور عبد الله علي ابراهيم في إطار نسق فكري متكامل عن جذور النهضة والحداثة في السودان.
قدم البروفيسور عبد الله علي ابراهيم لحركة الوعي والثقافة في السودان انضر سنوات عمره باحثا ومنقبا وعاملا ، وكشف نبوغه المبكر منذ سني تدريبه الأكاديمي بجامعة الخرطوم وقيادة حركة الثقافة والوعي في ابادماك وغيرها عن نزعة عارمة لحفريات مغايرة في مساقات الثقافة السودانية. وارجع حسب تقديري الشخصي نبوغ وتميز البروفيسور
عبد الله علي ابراهيم المبكر لعاملين، الاول هو قربه من أستاذه الراحل عبدالخالق محجوب ، وقد فتح له ذلك آفاق التفكير الماركسي الحر، ومنحته تجربة الاختفاء والعمل تحت الارض نضجا سياسيا وفكريا مبكرا. وقد استقي من تجربة الاختفاء والقرب من عبدالخالق معارف جديدة وهو يسهم في صياغة ومناقشة عدد من الوثائق الهامة منها وثائق الموتمر الرابع، وتجربة الخطأ في العمل الجماهيري. وهي وثائق أشبه بالنقد الذاتي وتصحيح المسار خاصة بعد حل الحزب الشيوعي من داخل البرلمان. كما وقف علي المراجعات العميقة التي اجراها الراحل عبدالخالق محجوب من قضية الدين وهو العامل الذي استغلته قوي اليمين السياسي لطرد الحزب من البرلمان. وقد اكملت هذه التجارب نضجه الفكري علي قاعدة متماسكة من نهج التفكير الماركسي، وهو ما هيأه للعب دور قيادي رفيع وهو يشرف علي عمل المكتب الثقافي للحزب الشيوعي، مساهما في تحرير الوثائق والبرامج والأفكار وتوسيع صف الحزب بالمبدعين والفنانين والمثقفين. اما العامل الثاني اضافة لقربه من زعيم الحزب الراحل عبدالخالق فهو اكتمال تدريبه الأكاديمي علي يدي نخبة من استاذة جامعة الخرطوم وعلي رأسهم البروفيسور يوسف فضل وتأسيس معهد الدراسات الافريقية والاسيوية. ويقف كتابه الاول عن (الصراع بين المهدي والعلماء) نسيج وحده وعمدة في مجاله ولم يستطع اي باحث في تخطيه او القفز فوق مباحثه ونتائجه. كما شارك في سن مبكرة في جمع التراث والفلكلور وسبر غور دراسات الثقافة السودانية ، كما شارك في مؤتمر الدراسات الافريقية بالخرطوم في نهاية عقد الستين من القرن السابق وعكف علي تعريب وترجمة اوراقه ووثائقه ولعل منها ورقة البروفيسور الراحل علي مزروعي التي قدم فيها الوصف الشهير عن التهميش المزدوج للسودان multiple marginality ، وتوسعت أبحاثه الميدانية في بادية الكبابيش ليقدم دراسات أنثربولوجية وتاريخية ولغوية عميقة عن الكبابيش وفروع النوراب ودور السير علي التوم في المنطقة.
وفي سياق آخر أوغر صدر رفاقه وقف مع صديقه د. خالد المبارك في معركته الشهيرة ضد مثقفي الحزب اثناء تقلده عمادة معهد الموسيقي والمسرح وهو يفتح أبواب مؤسسته لاستقبال جعفر نميري. .
لم اعثر علي اي رواية موثقة تكشف ملابسات خروج البروفيسور عبدالله علي ابراهيم من الحزب الشيوعي، لكن سياق الأحداث يوضح ان انتقال القيادة بعد إعدام عبدالخالق الي الراحل محمد ابراهيم نقد قد احدث تحولات كبيرة في البنية الداخلية للحزب، فصعدت وجوه جديدة تبنت منهجا مغايرا عن الثقافة السائدة تحت قيادة عبدالخالق. وأرجح ان عبدالله علي ابراهيم لم يجد نفسه وسط تفكير النخبة الجديدة، لأنه يري ضرورة التمسك بالنهج الماركسي رغم المسغبة والجراحات والتضييق والانتقال الي تجسيد رؤي وافكار الراحل عبدالخالق بدلا من البكاء علي اطلال فقده وسكب الدمع الهتون علي قبره والتعلق بقصائد مدحه وجسارته.
خرج الدكتور عبدالله من الحزب الشيوعي ربما في النصف الثاني من عقد السبعين ، لكن بعد ان استنفد طرق المراجعات الداخلية والاستقامة علي النهج الماركسي، وهو يري أساليب البرجوازية الصغيرة تطل برأسها في قلب اعرق الأحزاب الشيوعية في المنطقة. ومن يقف علي كسب الحزب الشيوعي السياسي والفكري بعد أربعة عقود من خروج عبد الله منه يكاد يلمس صدق حدسه ودقة تقييمه لثمار منهجه الذي تنكب الطريق عن النهج الماركسي.
واعتقد جازما ان الانحراف التاريخي والاستراتيجي في منهج الحزب الشيوعي ، قد جاء بدافع الانتقام والانتهازية اكثر من الاستجابة الواقعية لنتائج التحليل الماركسي ، اذ انتقل الحزب من التركيز علي قضايا العمال والبوليتاريا والعدالة الاجتماعية، الي تبني قضايا الهامش السياسي والدخول في تحالفات مع الأقليات القبلية المغبونة وهي تحمل السلاح ضد السلطة المركزية. وخاب مساعي الحزب وهو يتعجل التكتيكي علي الاستراتيجي و ينتظر ان تشعل حركات الهامش ثورة الريف بدلا من تبني قضايا العدالة الاجتماعية والأجندة التقدمية التي جذبت اليه افئدة الشباب ونخب المجتمع.
اخرج الحزب الشيوعي من جرابه التاريخي كل أدوات القمع المعنوي ضد الخارجين عليه او المنشقين عنه ، وشاهدت بعيني بعض صغار الأحلام من منسوبي الحزب يتطاولون علي د. عبدالله علي ابراهيم ويسلقونه بألسنة حداد رغم كسبه الباذخ في سقي زهرة الماركسية في عنفوانها الاول، و ازال الحزب اسمه من كل وثائقه التاريخية ومنع تطلعه الطبيعي بأن يكون المؤرخ الاول للحزب الشيوعي والحركة الماركسية في السودان.
اصطدم د. عبدالله مع حزبه العتيد اثناء فترة الديمقراطية الثالثة وهو يخب الخطو الي السفارة الألمانية محتجا علي دعوة جون قرنق ليخاطب البرلمان الألماني، وكان جوهر اعتراضه ان قرنق يقود حركة متمردة علي نظام ديمقراطي وان الدستور والقواعد الراسخة في البرلمان الألماني تعارض هذا الصنيع. كان الحزب الشيوعي في غيبوبته التاريخية تلك قد دفع بكوادره وترسانته السياسية والفكرية لدعم الحركة الشعبية بقيادة قرنق باعتبارها حركة ماركسية ترتبط بحلف عدن في اثيوبيا منقستو واليمن الجنوبي .وساهم الحزب في كتابة المانفستو الاول للحركة الذي وصف سكان الوسط النيلي بأنهم عرب مزيفين. كانت نخب الخرطوم اليسارية تهرب ظهيرة كل يوم لتستمع الي راديو الحركة الشعبية وهو يزف بشريات الانتصار علي القوات المسلحة وبداية الزحف نحو الخرطوم. جعل د. عبدالله نقد العقل السياسي لليسار الجزافي شغله الشاغل ، ووطن نفسه علي اهمية عودة الوعي الماركسي لبقايا اليسار . وعندما جاءت حكومة الإنقاذ وبدأ حكم الإسلاميين للسودان انكشف للجميع ما كان يحذر منه عبدالله علي ابراهيم. وقال عبارته الشهيرة ( عقربا تطقكم).
شارك د. عبدالله في مؤتمر الحوار الوطني في بداية سني عهد الإنقاذ وسط انتقادات عنيفة من رفاقه التاريخيين، وانفتح علي آفاق جديدة من الدراسات والتحقيقات والبحوث عقب هجرته أستاذا للتاريخ الأفريقي في جامعة ميسوري بالولايات المتحدة الامريكية. حيث أنجز أعمالا كبيرة احدثت حراكا وتركت اثرا في حفريات الثقافة والفكر السوداني. كما كان وفيا لرفاقه في الحركة الماركسية حيث كتب خرائدا حسان عن مآثر شيبون، وحسن سلامة والشفيع وعبدالخالق واخرين. كما اختط نهجا مغايرا في دراسات الهوية حيث قدم نقدا عميقا وواعيا لاعمال ماكمايكل ، و القس تريمنغهام ودافع بشراسة عن خيارات الهوية لسكان الوسط النيلي في الانتساب للعروبة والإسلام رافضا نظرية الثقافة الهجين، وهو ما قاده للاصطدام بطلائع ورموز تيار الغابة والصحراء في ورقته الشهيرة عن تحالف الهاربين حيث انتقد هروبهم الي الدغل الأفريقي ابتغاءً للحرية و هروبا من الثقافة الحنبلية ناعيا ذلك الي تأثير أفكار تريمنغهام، و هو ما أنكره الشاعر الشفيف محمد المكي ابراهيم وقال له انه لم يطّلع علي كتاب تريمنغهام البتة. وقد دفع هذا الحراك محمد المكي لتحرير ونشر السيرة الذاتية للغابة والصحراء.كما تصدي لهذا الطرح ايضا الناقد الحاذق عبدالمنعم عجب الفيا مشيرا الي ان الغابة والصحراء هي ناظم جمالي، وليست هروبا من ضيق الصحراء الي طلاقة الغابة.
سبق هذا الجدل معركة اخري تعالي غبارها مع الدكتور منصور خالد عندما انتقده عبدالله في قوله ان ثقافة السودان وشتها وثنيات وهي اعادة انتاج لمقولات ماكمايكل وتريمنغهام، وكتب بعدها د. عبدالله ما يقارب الثلاثين حلقة في مجلة (الخرطوم الجديدة) منتقدا منصورا ودوره في مأسسة هجنة الثقافة السودانية. وامتدت المُلاسنات الي الوثائق التاريخية ومزاعم تورط منصور في التعاون والتخابر مع جهات اجنبية. ورد منصور علي هذا النقد بنبرة لا تخلو من حدة وشراسة لكن تنادي الركب لصلح المثقفين.
كتب د. عبدالله ايضا عن الديمقراطية وبخت الرضا والقضائية خاصة الفصام بين القاضي المدني والشرعي وهي سياسة هدفت الي خفض الديني ورفع المدني في إطار ترسيخ البنية العلمانية في الثقافة السودانية. واستفاد د. عبدالله من اعمال الدكتورة كارولين لوبان وزوجها ريتشارد لوبان عن وضع المرأة في قانون الأحوال الشخصية. وثار عليه ايضا حراس المقدسات الانجليزية بالسودان وهو ينتقد مؤسسة بخت الرضا.كتب د. عبدالله ايضا عن لاهوت الحداثة وكسب الدكتور الراحل حسن الترابي، واختط لنفسه مباحثاً شبيهة لدراسة الدكتور جون فول الاستاذ بجامعة جورج تاون عن الطريقة الختمية وعدها احد محركات الحداثة في السودان. وخرج الدكتور عبدالله من دراسته عن كسب الترابي وفكره الحداثي من إسار التفكير الماركسي الذي يكره ان يري الترابي المتهم بمناوأة وحل الحزب في موضع استحسان. ولكن خرج من تلك الدراسة بما ظلت تتجاهله قوي اليسار في السودان من ان الترابي ليس انتهازيا يتجر بالدِّين بل داعية للحداثة من أصول التفكير الاسلامي وقال د. عبدالله انه بعد نشر الترابي كتاب (الحركة الاسلامية: الكسب والمنهج والتطور) اكتشف اليسار بعد فوات الاوان ان هناك عقل مدبر وماكينة هادرة بالمبادرات وليست من اخوان حتحوت كما كان يقول محمد ابراهيم نقد وهو يقارب أوجه الشبه بين الحركة الاسلامية في السودان ونظيرتها المصرية. ويكفي د. عبدالله انه ظل ينبه النخبة الاسلامية للالتفات الي كتاب مالك عبدالمقيم الباحث الامريكي الذي قدم استشارات للحركة الاسلامية في طورها الديمقراطي عن جدل الاسلام والتخوم والحضر. .
تند المساهمات العميقة والقسيمة للدكتور عبد الله علي ابراهيم عن الإحصاء في مناحي الحياة الفكرية والثقافية والسياسية وكذلك كتاباته الإبداعية والنقدية والمسرحية، ونحن نقف امام مثقف شامل وموسوعي، اثري الحياة الثقافية والفكرية في السودان بعميق فكره ونضيد يراعه، لا يكاد ينافسه مثقف او مفكر معاصر في غزارة أنتاجه وتنوع موضوعاته وتعدد أبحاثه ودراساته. و ظل وفيا لدوره كمثقف عضوي في المجتمع حيث أوقف جل حياته لنشر الوعي وخدمة الحقيقة لا يضره عداء اليمين او حنق اليسار. كما انه لم يُبْصق علي تاريخه القديم أبدا ، بل ظل حفيا به مداوما علي نشر مآثر أستاذه عبدالخالق محجوب ورفاقه من أبكار دعاة الماركسية في السودان. كما ظل داعما ومساندا لشباب الباحثين ممن يترسمون خطي الاجادة والصبر علي مكاره الاستقصاء والبحث وقدم عدد لا يستهان به للقاريء والمكتبة السودانية والعربية. داخلته السياسة في بعض أطوار حياته فزجرها وهو يترشح لمنصب رئيس الجمهورية وكان هدفه هو ترسيخ النهج الديمقراطي في تبادل السلطة لا أزيز المدافع ورصاص البنادق.
يستحق دكتور عبدالله علي ابراهيم منا جميعا التكريم والتحية والتصفيق لدوره المستحق في نشر المعرفة والوعي وتحمل تبعاته والصبر علي محنة الثقافة والمثقفين في السودان. وليعذرني القرّاء اذا شاب عرضي بعض هنات الرصد التاريخي لأنني اكتب من الذاكرة، لكن وجداني علي حافة الصحو عامر بحب ما انتدب له عبدالله علي ابراهيم نفسه في هز المسلمات الثقافية لدولة ما بعد الاستقلال.
اتطلع ان اري لجنة قومية تنبثق لتكريمه ليري بعينه صدق الاحتفاء بإسهامه الباذخ في اثراء الحياة الثقافية والفكرية في السودان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.