حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قمة الافلاس.. وآخر "البليلة حصحاص"..!!    شكوى الهلال تربك «الكاف».. والتأجيل لغدًا الثلاثاء    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فى اشكالية الحبيب والحبيبة: رسالة مريم ومقال رباح ... بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
نشر في سودانيل يوم 06 - 01 - 2010


[email protected]
(1)
اذا كان الفضول قد سيطر عليك وغلبك، أعزك الله، فلم تُطق صبراً حتى تقرأ رسالة السيدة الفضلى الدكتورة مريم الصادق المهدى فلا عليك؛ إذهب اليها، أعنى الرسالة، لا مريم نفسها، فإنك لا بد واجدٌ نص مكتوبها فى ذيل هذا المقال. ولكننى ربما اختزلت عنك بعض العبء فأنبئتك من فورى أن مريماً بادرت فوافتنى برسالةٍ الكترونية حملت من فوق سبعة أسافير براءة صديقنا المستشار الاعلامى والكاتب الصحفى محمد محمد خير، وأزاحت رأسه سالماً من فوق نطع السياف، وأجازت له مخاطبة بنات البيت المهدوى بلقب (الحبيبة). ثم أضافت انه اذا كان طلاب حزبها وكيانها الانصارى فى الجامعات قد خاطبوا بعضهم البعض بصفة الحبيب ثم استنكفوا مخاطبة الطالبات بلقب الحبيبة، فإنما مردٌّ ذلك "الاستحياء الثقافى" الذى غلب عليهم، وهو استحياءٌ يستصحب فى الوعى الجمعى – بحسب مريم- "نداءات المحبين فى المسلسلات المصرية". كما أشارت الى ان ألقاب الامير والاميرة، لا يحملها داخل الكيان الانصارى الا من حاز مقامها وأجازه مجلس الحل والعقد. وهو مقام لم تنله هى ولا غيرها من حرائر البيت المهدوى، وان كانت تأمل وتتطلع، من خلال المجاهدة والبلاء الحسن، الى ان تناله يوما ما. ثم ذكّرتنى مريم – فى مسعاها لتأثيل لفظة الحبيبة فى تراثنا القومى- بالقول المعلوم: (الماعندو محبة ما عندو الحبة، والعندو محبة ما خلى الحبة). وأنا أشكر السيدة الفضلى الدكتورة مريم اذ أنعمت علىّ أنا نفسى بصفة الحبيب فاستهلت بها رسالتها الى شخصى.
وقبل ان أمضى قدماً فى اى اتجاه آخر أود ان ابادر فأتوجه على الفور بنداءٍ صادق الى مجلس الحل والعقد فى كيان الانصار وأطلب اليهم التفضل بترقية الدكتورة مريم على الفور الى مقام الأمارة. دافعى الى ذلك هو اننى شهدت بعض ساحات الحوار السياسى السودانى، فى الداخل وفى المهاجر، تتداول اسمها الكريم تداولاً جاداً لخلافة والدها الأمام الصادق المهدى فى قيادة حزب الامة، بعد عمرٍ طويل مبارك باذن الله، اقتداءً بتجارب معلومة للديمقراطيات الاسلامية الراسخة فى باكستان وبنغلاديش وديمقراطياتٍ اخرى أكثر عراقة فى الهند وغيرها. ولما كانت رئاسة حزب الامة تؤذن باحتمال تولى شاغلها لمنصب رئيس الوزراء فى أية حكومات مستقبلية، فإنه – واصدقك القول ايها الأعز الاكرم – شقّ علىّ فلم يقع منى موقعاً حسناً أن يكون لقب رئيس وزراء بلدى هو (الحبيبة رئيسة الوزراء). الأسلم عندى، والادنى الى عقلى ووجدانى، ان يكون اللقب فى حالة تولى مريم للمنصب هو (الأميرة رئيسة الوزراء).
(2)
واذا كانت لبنات البيت المهدوى مسوغاتهن التراثية من شاكلة ما بسطت مريم فى رسالتها، وتبعتها فى مقال منشور سأدلف اليه بعد هنيهة المهندسة رباح، فى الترحيب بخطاب "الحبيبة"، وحث الطلاب من أعضاء حزبهن فى الجامعات والمعاهد وتشجيعهم على مناداة الفتيات من بنات الانصار وغيرهن من عضوات الحزب بتلك الصفة، فاننى – وبغير مداورة- اصارحهن وانصح الكيان الانصارى فى جملته ان يعيد البصر كرتين فى أمر هذه الدعوة. تراث الصوفية على العين والرأس، ولكن الثابت فى الوعى العام هو ان معانى الالفاظ والمصطلحات فى مجرى الحياة اليومية ورباط المعايشة الاجتماعية والثقافية لا تضبطها جذور التراث ومكنوناته، ولا تحكمها النوايا الشخصية وخفايا الضمائر، بقدر ما تبذلها مدلولات محددة يشفٌّ عنها الفهم العام السائد عند الناس فى سياقات زمانية معينة، وفق ما يسميه علماء اللغة (التحول الدلالي) أو التحول السيميائي بلغة بني ثقيف، وهو واحد من اكثر مباحث علم اللغة جذباً للمدارسة والنظريات الجديدة، وتستعين به علوم أخرى تعنى بدراسة المجتمعات الإنسانية. هذه المدلولات وتلك المفاهيم هى التى تمنح الألفاظ حيويتها وتسبغ علي المصطلحات شرعيتها، حتى وإن تعددت معاني الكلمة الواحدة. فاللغة تنشأ بالتوافق بين مستخدميها، وهي كأداة مشاعة للإستخدام المتساوي بين البشر بغض النظر عن طوائفهم الدينية وغيرها تستعصي على كل مسعى لفرض معانٍ محددةٍ لها من لدن جماعة بعينها.
وأقول لمريم ورباح بغير كثير حذر أنه، وفى بيئة اللغة العربية الاكثر تداولا اليوم فأن ألفاظاً من شاكلة "حب" و"حبيبة" و"حبيبى" و"حبيبتى"، لا سيما عند استخدامها فى أمتنة جسور ومعابر ذكورية انثوية مشتركة، تنصرف مباشرةً فى الوعى السائد، وبغير إبطاء، الى المعانى العاطفية الإنسانية التقليدية المصطلح عليها عالمياً فى العلاقة بين الجنسين. وفى المقابل فإنه يصعب الى حد كبير – مع التسليم بأقصى درجات السلامة الوجدانية والاتساق الاخلاقى - تصور انصراف ذهن المتلقى عند سماع مثل هذه الالفاظ، فى اتجاهها الانثوى، الى فكرة المحبة فى الله ومضامينها الصوفية. ولكننا نعفى من القاعدة العامة بطبيعة الحال فئة قليلة من أهل الصلاح، هم الاستثناء فى كل المجتمعات، وفى زمرتهم بلا شك صديقى وصديق البيت المهدوى، محمد محمد خير، كونه عرف بين الناس بالورع والطهر والزهد والعفة وتقوى الله.
ويزيد من اشفاقى وتحفظى على الدعوة لمخاطبة الفتيات بصفة الحبيبة، ان الأمر فى حالة حزب الامة– وفقا لمريم ورباح - لا يقتصر على المنتمين للهويتين العقيدية والسياسية لكيان الانصار وحزب الامة تخصيصاً، كما هو الحال بالنسبة للجماعات والطوائف السياسية الاخرى التى تجعل خطاب المناداة قصرا على منسوبيها، حيث يرتبط خطاب عضويتها لبعضها البعض بسياق ثقافى وبروتوكولى وتنظيمى يخص كل حزب او طائفة. الشيوعيون لا ينادون بصفة "زميل" او "زميلة" شخصا من خارج عضوية الحزب، وكذلك البعثيون عندما يستخدمون "رفيق ورفيقة"، ومثلهم الاتحاديون فى توظيفهم لكلمتى "شقيق وشقيقة"، ثم الحركة الشعبية لتحرير السودان عندما ينادى اعضائها بعضهم البعض رجالا ونساءً بلفظة "كاماراد". الا أنه فى الحالة التى بين أيدينا فإن السيدتين مريم ورباح يفتحان الباب على مصراعيه لكل الرجال، من كافة الأصناف والأخياف، لمخاطبة نساء الأنصار وحزب الامة بصفة الحبيبة، ومن هنا كان ترحيبهما باستخدام محمد، الذى لا ينتمى لكيان الانصار، لعبارة (الحبيبة رباح) ثلاث مراتٍ فى مقاله.
(3)
ثم نأتيك – يا هداك الله - الى مقال المهندسة رباح، كما قرأناه فى زاويتها الاسبوعية الراتبة بصحيفة الاحداث يوم الاحد الماضى، واختارت له عنواناً جانبه التوفيق من الوجهتين المعرفية والمصطلحية، وهو (ملاسنات خير والبطل). ولم اقرأ قط او أسمع فى حياتى كلها من وصف مساجلات صحفية منشورة بأنها "ملاسنات". الملاسنة كلمة عربية فصيحة تحمل فى المصطلح الاجتماعى مضموناً رديئاً يلقى من حوله ظلالاً قميئة، اذ تفترض ان شخصين او اكثر تلاحيا وترادحا، وجهاً لوجه، فى الحياة الواقعية وسبّ كل واحد منهم رصيفه مخاطبةً باللسان او ذكره بما يسوءه. وأنا ومحمد لم نلتق وجهاً لوجه، ولم نتلاح او نترادح، ولم يسبّ أحدنا الآخر، حاشاى وحاشاه. وهو ليس "غريماً" لى كما زعمت رباح، بل هو فى شخصه محل حبٍّ ومودة. وانما كتب هو مقالاً، وسطرتُ أنا فى معرض التعقيب عليه مقالاً ساخراً يصنف فى تعريفات الفرنجة تحت مصطلح (Satirical). وقد فهمه كثيرٌ من قرائى الأفاضل فى إطاره الصحيح، بينما طاش آخرون فى فهمه طيشاً بعيداً. ومن مثل هؤلاء قارئ من المملكة السعودية، يبدو انه ينتمى الى حرفة تقطيع وبيع اللحوم، كتب الى يشتمنى وينعى علىّ وصفى لمحمد بالقصّاب ومما كتب:(وما عيب القصّاب؟ أليس القصّابون بأفضل من أهلك النوبيين الذين لا يتقنون الا أن يكونوا طباخين وسفرجية وشماشرجية وبوابين)؟ وجلىٌّ أن القارئ الثائر لا علم له بمئات الأوراق المنشورة التى حرّرها محمد يتغزل فيها بمهنته الاصلية، التى ورثها أباً عن جد والتى يهيم بها ويتعشقها، ويعبر بين سطورها عن ولعه بالأغنام واللحوم و"الشيّات" ومتعلقاتها وتوابعها، حتى عرف بين أحبابه فى سنى معارضته للانقاذ باسم "محمد القصّاب"، وهو اللقب الذى صحَّفه لاحقاً بعض من ثاروا عليه منهم، بعد أن صبأ عن ملّتهم ودخل فى دين الانقاذ، فجعلوه: "محمد النصّاب"!
(4)
عبّرت رباح فى مقالها، عن عدم رضائها من كونى تناولت بعض أمورٍ وردت بمقالى فى قالبٍ ساخر يختلط الجد فيه بالهزل. وانا أحترم رباح واقدر مشاعرها حق قدرها. غير أننى لا أرى فى شخصها الكريم استثناءً يمِيزها عن غيرها من المشتغلين اختياراً بالعمل العام، بحيث يتحاماها قلمى ويتحاشاها مدادى فيتحسّس مواقع حروفه كلما دنا من مرابعها. لا قدسية لرباح عندى تلزمنى بأن أضع لنفسى ضوابط تضبط حروفى وتلجم سطورى عند تعرضى لشخصها الكريم، او عند تناولى للقضايا التى تخص الكيان الوطنى الذى تنتمى اليه. ولطالما تعرّض هذا القلم، بذات الاسلوب الذى يعنُّ له أن يكتب به، لرؤوسٍ تنخفض لها الهامات، وقامات تهتز لها المحافل، دون وجل او خشية. ورباح وعشيرتها من عترة البيت المهدوى هم منى فى حدقات العيون. ولو شاءت رباح أن تقر مصونةً فى بيتها فهى وما تشاء. أما اذا أرادت أن تتخذ لنفسها مكاناً صدرياً فى قلب المسرح السياسى والثقافى الوطنى، فتطلب المعالى السياسية كفاحاً وتنهدُ الى المجد الثقافى غلاباً، وتغشى المنابر وأسواق الكلام، تدافعُ وتنافحْ، وتعاظل وتقاتل، كما أراها تفعل، فإنه يجمُلُ بها أن تعلم أن المرابطين فى سوح الحياة العامة ودروبها سواسيةٌ كأسنان المشط، لا فضل لمرابطٍ على مرابط الا بالتقوى.
ما الذى يجعل رباح تظن بأن لغة الخطاب الموجه اليها فى الفضاء العام المفتوح من ناحية، والمتداول بين عضوية حزبها السياسى من ناحية اخرى، منطقة محظورة لا يجوز لأحد ان يتعرض لها بقلمٍ ساخر؟ لقد أشارت الاختان، مريم ورباح، الى مصاعب جمة اكتنفت قضية الخطاب بين عناصر الكيان والحزب. وكتبت رباح عن حالة أحد كوادر الانصار الذى اعتذر لها عن عدم رغبته مخاطبتها بالحبيبة، فردت عليه بالقول: (لو كان الاحباب فى هذا الزمان لا يستطيعون استخدام اللقب الا مع الحرج فإنه فى حل من أن ينادينى به، ويمكنه ان يجترح احد الالقاب الدارجة مثل مهندسة وسيدة واستاذة). كما نوهّت بشئ من التفصيل الى مساعٍ اجتهادية لحسم أمر لغة الخطاب، وتطرقت الى مبادرة بعض الطلاب باحلال لقب "اميرة" بدلاً عن "حبيبة" عند مخاطبة زميلاتهم الطالبات بسبب تحرجهم من استخدام اللقب الاخير. بل أنه حدث فى زمن مضى ان قام طلاب الاتجاه الاسلامى على سبيل المكايدة لزملائهم من حزب الامة والانصار فى جامعة الخرطوم فنادوا عبر مكبر الصوت (أيها الأحباب والحبيبات)، فثار الطلاب الانصار ثورة عارمة وهجموا، وهم يتميزون غيظاً، على طلاب الاتجاه الاسلامى، ودارت بينهم معركة حامية استخدموا فيها الطوب والعصى والخراطيش والبراطيش. وصاحبى محمد كان يعلم ذلك كله وهو يخاطب رباح فى مقاله. لماذا اذن لا يصلح الامر مادة لمعالجةٍ ساخرة فى مقالةً سائرة؟!
ومما تأخذه علىَّ رباح أننى استخدمت اسم شقيقها، السيد البشرى الصادق المهدى، في ما لا تجوز معه المداعبة والسخرية. وأنا أعرف كما تعرف رباح ان الركبان كانت قد سارت فى الحضر والمدر بأخبار تعدّيات شقيقها على بعض أفاضل المواطنين لأسباب يصلح بعضها للنشر ولا يصلح بعضها الاخر للنشر. وانا أُدرك تمام الادراك انها انما كانت فى جملتها حادثات عابرات لعلها من تشاقيات فورة الشباب، تخطاها الرجل ومضى بعدها ساعياً فى دروب المكرمات. والبشرى فى مقام أخى الأصغر، ومحبته عندى من محبة أبيه الامام الحبيب، الذى تشرفت بأن عملت الى جانبه حقبةً من الزمان كنتُ فيها أمتح من بئر علمه حتى كاد رأسى ان ينشق، فينفلق الى نصفين، من هول العلم وهزال سعة التخزين فى يافوخى. ولكن البشرى، مثل شقيقته، لا يملك حصانةً تحول بينه وبين قلمى أن ينتاشه كما انتاش غيره من الخلق، فى قالبٍ ساخر او غير ساخر، فانما هو بشرٌ من طين مثل سائر الناس. لا هو من نار ولا هو من زجاج.
(5)
بقيت نقطة لفتت نظرى فى المقال وددت ان اقف عندها متفحصاً ثم متأملاً. وقد بدا لى أن فكر رباح استقر على عقيدةٍ مؤداها أن الاصل فى كلمات ومعانى "الحب" و"الحبيبة" هو المنشأ الصوفى المتسق مع محبة الله، كما جاء فى الأدب المهدوى وغيره من تراث الصوفية، ويستتبع ذلك – بحسب رؤية رباح - ان كل معنى يخالف ذلك انما هو من قبيل الابتذال. وقد رأيت قبساً من تلك الرؤية فى رسالة الدكتورة مريم كذلك. اقرأ رباح فى مقالها: (الريب حول لفظة الحبيبة هو من صنع عقول لوثتها ثقافة الابتذال التى لطخت الحب كعاطفة خالية من الريب فى المسلسلات وغيرها). ثم اقرأ مريم فى رسالتها: (أما أبناءنا الطلاب فكانوا يستخدمون اللقب بصورة فيها بعض الاختلاف فقد كانوا ينادون بعضهم كطلاب بالحبيب، أما الطالبات فينادوهن الأميرات، واعتقد أن السبب هو الاستحياء الثقافي المتأثر بنداءات المحبين في المسلسلات المصرية). وهناك شئ من الاعتدال فى عبارات مريم، مقارنة بكلمات شقيقتها، وان كانت الفكرة واضحة من انها هى أيضاً تظن ظن السوء باستخدامات ومعانى لفظتى "الحب" و"الحبيبة" فى المسلسلات المصرية. أما عبارات رباح التقريرية القطعية فإنها لا تترك مجالاً لمتشكك، فالثابت عندها هو أن أى استخدام لألفاظ ومعانى الحب فى غير معنى المحبة فى الله هو من قبيل الابتذال الذى يلوث العقول. وبعبارات اخرى فان الحب الذى هو (عاطفة خالية من الريب) إنما هو المحبة فى الله، فقط لا غير. وأنا أجدُ صعوبةً بالغة فى استيعاب مثل هذه المقولات، فالذى عليه جمهور الانسانية فى مشارق المعمورة ومغاربها هو أن هناك عاطفةٌ نبيلة – لا تداخلها الريب بالضرورة - بين الرجل والمرأة تعبر عنها لفظة الحب، وأن التقارب والانجذاب العاطفى بين أى رجل وأية امرأة تتولد عنه تلقائياً مشاعر معينة يجوز تمثّلها من خلال ألفاظ ومعانى "الحب" و"الحبيب" و"الحبيبة". وان هذا النوع من التقارب والانجذاب إذا اكتملت شروطه ونضجت، فاستولد التعبيرات اللفظية المشار اليها، فانه فى غالب الثقافات الاجتماعية الانسانية، يكتسب مشروعيةً ذاتيةً كاملة. وفى البيئات المحافظة، ذات القيم الأخلاقية الأكثر صلابة، فإن تلك الحالة تتمدد بالضرورة لتستكمل تجلياتها الطبيعية من تعايش مشترك وتزاوج، فتهتز وتربو وتنبت من كل زوجٍ بهيج. ولما كانت فنون الدراما بمختلف مظاهرها انعكاساً لصور الحياة الاجتماعية فقد كان من الطبيعى أن تحمل الأعمال الفنية الدرامية فى السينما والمسرح والتلفزيون أشكالاً فنية تعبر عن معانى الحب العاطفى الانسانى المعتاد. وإنكار هذا النوع من المشاعر والتعبيرات الانسانية وادانته جملةً واحدة، وتعميم أوصاف اطلاقية تعسفية عليها من قبيل (العواطف المبتذلة الملوثة للعقول)، واتخاذ الاعمال الدرامية فى المسلسلات المصرية مطيةً للتأسيس لمثل هذا النوع من التنظير يبعث عندى كثيراً من علامات الاستفهام حول اطروحة الاختين.
غير اننى فى الوقت نفسه أرى فى ذات الاطروحة ما يفسر ويلقى بضوءٍ كثيف على طبيعة الخلاف بين الاختين من ناحية، وبين تلك العناصر من كيان الانصار وحزب الامة التى وجدت نفسها على غير وفاق مع النداء باتخاذ لقب للحبيبة فى مناداة النساء من ناحية اخرى. المهندسة رباح ترى ان الحب النقى الطبيعى غير الملوث والخالى من الريب إنما هو المحبة فى الله، ولا شئ غيره. والآخرون، ونحن من زمرتهم، نرى ان الحب فى الله موجود ومطلوب ومجزىٌ عنه باذن الله فى الارض وفى السماء. ولكن الحب الآخر، الذى يبدو لى من ظاهر كلماتها ان رباح لا تعترف به، سيبقى أيضاً خبز الحياة وملحها، ما بقيت الحياة وبقى الانسان، ذكرا وانثى، يعمران الكون ويشيعان البهجة فى اركانه. هذا النوع الاخير من الحب هو الذى عناه نزار عندما قال:(الحبُّ فى الأرض بعضٌّ من تصّورنا / لو لم نجده عليها لاخترعناه).
(6)
فيما يلى أيها الأعز الاكرم نص رسالة الدكتورة مريم الصادق المهدى: ( الحبيب الأستاذ مصطفى: التحيات المباركات من عند الله وصالح الدعوات أن تكون والأسرة الكريمة وكل الأهل بخير وعافية، وكل عام وانتم بخير وأعاد الله ذكرى استقلالنا ونحن لمعاني الاستقلال أقرب وفي رضى ومشاركون جميعنا حاكمين ومعارضين في صنع واقع بلدنا الموحد بطواعية الناس والذي نحن أصحاب الكلمة فيه. آمين.
قرأت مقالك بعنوان (الحبيبة رباح: القصاب ولغة الخطاب)، ويهمنى أن أشارك معك بجزئية جاءت في هذا المقال وهي موضوع مناداة الحبيبة رباح بلفظ الحبيبة. في واقع الأمر كنا في جيش الأمة للتحرير قد أحيينا هذا الأمر بصورة أساسية أي مخاطبة بعضنا بأسم حبيب، ولما كنت الضابطة الوحيدة فقد كنت أصر على مناداتي بالحبيبة على أساس أنها المحبة في الله ولا أريد أن أحرم منها. أما ابناءنا الطلاب فكانوا يستعملونه بصورة فيها بعض الاختلاف فقد كانوا ينادون بعضهم كطلاب بالحبيب، أما الطالبات فينادوهن بالأميرات، واعتقد أن مصدر ذلك هو استحياء ثقافي متأثر بنداءات المحبين في المسلسلات المصرية. لذلك عند عودتنا من العمل العسكري وتولي مسئولية قطاع تنمية المرأة كان أحدى الأشياء التي عملت على ترسيخها هي تعميم نداء الحبيب والحبيبة لكل عضوية الحزب وليس الحبيب للرجال والأميرة للنساء، لأن مقام الأمارة هذا مقام يحوزه الواحد أو الواحدة بموجب معايير وأداء متميز بصورة يحددها الامام ومجلس الحل والعقد وبالتالي يستحق هذا اللقب والمقام. وعلى حد علمي فإنه لم تحظ حتى الآن أي أمرأة بشرف نيل هذا اللقب أي أميرة. وآمل أن تستحقة إحدانا في المستقبل القريب. أما المحبة في الله فهذا شأننا جميعنا رجالاً ونساءً ومانسعى إليه : الاسلام، الايمان، والمحبة في الله. وقد خاطب الإمام المهدي عليه السلام الشيخة أمنة بالحبيبة في الله. والقول المعلوم "الماعندو محبة ما عندو الحبة، والعندو محبة ما خلى الحبة". هذا ما لزمني شرحه وتوضيحه.
دمتم فى حفظ الله ورعايته).
نصائح القراء
بعث الىّ أحد أكارم القراء، ويبدو أن له صلةٌ ما بوزارة الخارجية السودانية، برسالةٍ ينهانى ويحذرنى فيها من تعقب منصب السفير. وكنت قد كتبت فى مقال سابق أننى أردُّ على عقبيه منصب الملحق، او المستشار، الاعلامى، الذى اتهمنى بعض مناضلى الكيبورد بالتطلع اليه، كونه دون مقامى. وكتبت اننى لو ارتهنتُ فى يومٍ ما لنظام الانقاذ وقبلت عطاياه، فإننى اقبل فقط بمنصب سفير السودان فى طوكيو على وجه التحديد. ولتحذير القارئ الكريم فيما يبدو أسباباً وجيهة، اوردها هنا كما جاءت فى رسالته الالكترونية:
( وبعد، ألا فأعلم يا رعاك الله أنك تطلب رخيصاً مبتذل ما جدّ أحدهم في طلبه إلا وجده بين يديه قد نزل. فالسفراء اليوم يعينون من كل ملة وجبلة. وكل "حيٍّ" وحلة. وكل صحيحٍ وعلة. فبعد أن نعُمت الخارجية بعد التمكين بما أجزل ربك من "بركة"، وبعد نيفاشا بما شاء من "حركة". وبينهما بما قدّر من أهل القربى من الانساب. ها هي تذعن لأهل الحظوة من الاحزاب، والأخلاّء على الأبواب. وفي كل صباحٍ جديد يستقبل أهل الخارجية "الخوارج" كما يستقبل الخليج البوارج. ومن عجب أن الكثير من هؤلاء لا يأبهون لعلم من تعلم، وكأنهم يخرجون من بطون أمهاتهم في حقائب دبلوماسية، كما يتندر أهل الخارجية، الذين تعلموا الحلم من التحلم. ومن نوادرهم مؤخراً أن أحدهم قد جاء بالتجنيس، تماماً كما يفعل جمال الوالي وصلاح ادريس. وأعلم يا رعاك الله أن من بين هؤلاء من يأكل الخريف تلو الخريف. لا يهمه أن يصلح أو أن يأثم، أو أن يحاكي كاملة العقل أم جركم).
نصوص خارج السياق
أخويا الأمير بزرميط الايرانى
بعت لى السنة دى عزمنى ودعانى
أنا قبلت طبعا ورحت العزومة
وكانت وليمة ما تحصلش تانى
ده ايه المحمّر
وايه المكّمر
وايه المشمّر
وايه الصوانى
أنا دماغى تعبت ولفت صراحة
من الفخفخة والهنا الاصفهانى
هناك يعنى مثلا اذا شربت طافية
تمز بكوارع وبسطرمة ضانى
ما شفتش هناك
ناس بتحقد عليهم
ولا ناس بتشتم فلان الفلانى
لأنه اشترى عزبتين من شطارته
وحكمة ادارته
وطلّع مبانى
( من قصيدة "بيان هام" لأحمد فؤاد نجم)
عن صحيفة ( الأحداث )
مقالات سابقة:
http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.