رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المثقف السوداني: هل هو كلب حراسة للسلطة؟! ... بقلم: صلاح شعيب
نشر في سودانيل يوم 06 - 01 - 2010

لغرامشي كل الشكر، ولكن للأسف ليس أمامنا من سبيل لإعلامه بنص هذا الإيميل: (إن المثقفيين العضويين يعدون بأصابع اليد في تاريخنا الإنساني المعاصر. ونكاد، من فرط تشككنا، أن نكذبك على ذلك التجريد المتصوف، كما نرى. أما صديقك بول نيزان، غفر الله له، فيحتاج إلى من يبعث له في قبره تذكيرا بأنه لم يصف المثقف، غير العضوي حق وصفه، فجنى على الكلاب، ومهنتهم الشريفة والوفية للإنسان)!
مناسبة هذا التجديف هو أن بعض ذهننا القومي يفترض أن المثقف مثقف، والسياسي سياسي، وما بينهما إلا التنائي. وهذا الإفتراض النظري أشبه بمقولة الشاعر الإنجليزي روديارد كبلنغ التي فحواها أن الشرق شرق، والغرب غرب. وبرغم أن تفكير كبلنغ الإستعماري لم يقف عند حد مقولته، إلا أن بعض حراس نظرية التصادم الثقافي من العرب والمسلمين توافقوا معه على عدم اللقيا بين الجغرافيتين، وذلك في محاولة آيدلوجية، منه ومنهم، تكرس قطع الوصل الحضاري بين الأمم، برغم أن الواقع يكذب كبلنغ ومن لف لفاته.
إذا حاولنا تجسيم علاقة المثقف بالسياسة، أو السياسي بالثقافة، فمرجو فينا الإستعانة بعنوان ديوان شاعرنا الفيتوري (شرق الشمس، غرب القمر)، مع بعض التحوير في المعنى. فالسياسي يستمد من شمس الثقافة وضوحها القاطع، فيما يأخذ المثقف من قمر السياسة (القدرة على المداورة دون الخفوت في ظلام السلطان). ومن ما بين مزايا الشمس والقمر يتواصل غرف السياسي والمثقف من معين سلطة المقدرات السياسية، وسلطة المقدرات الثقافية، من دون أن يعني ذلك أنهما يسيران في خطين متتوازيين. فما قلنا السياسي إلا لأن وسائل عمله تختلف عن وسائل عمل المثقف. سوى أن هؤلاء المثقفين، وأولئك السياسيين، يمتحون من بئر واحدة: الإستقامة في النظر للمصالح العليا للبلاد، والأقليم، وقيل ثم من قيل كل الدنيا.
طبعا لا يختلف إثنان على أن طبيعة العمل السياسي البراغماتية لا تستهوي الكثير ممن نسميهم مثقفين، وبالتالي يبتعدون عن الإنتماء لمنظومات العمل السياسي، خصوصا المؤدلجة. وفي ذات الوقت لا تسعف القدرات الإبداعية المكتسبة بعض ممن نسميهم سياسيين في إحراز الصيت نظير العمل عبر المنتجات الثقافية.
هناك مثقفون جربوا العمل السياسي، ولكن النجاح الذي أصابوه ضئيل للغاية، وكثيرا ما يخرج المثقف نادما من هذه التجارب. وفي العالم المتمدين عرفنا رؤساء ووزراء جاءوا إلى هذه المناصب من خلال بوابة الثقافة ونذكر على سبيل المثال الرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان الذي كان روائيا، وكذلك وزير الخارجية السابق فرانسوا دينيا شاعرا، ووزير الدفاع السابق فرانسوا ليورنارد، ووزير العمل السابق ميشيل نوار يكتب الشعر، وكان الوزير دومنيك دوفليبان كاتبا مسرحيا وشاعرا. ونذكر أيضا الكاتب المسرحي هاتسلاف هافيل الذي صار رئيسا لتشيكوسلوفاكيا. ويذكر في هذا الصدد المثقف توماس جيفرسون، والذي هو واضع الدستور الاميركي وكاتب مسودته وكان يبلغ حينها 32 عاما، ولا يقلل مناهضة جيفرسون لتحرير العبودية، عبر الدستور الجديد، من مرجعياته الفكرية التي مهدت للولايات المتحدة حسما للصراع الداخلي التي كاد ان يفرق ولاياتها ايدي سبأ. ومثال جيرفرسون، والذي صار فيما بعد رئيسا لدورتين، يندر بين السياسيين ذوي الخلفية الثقافية فهو فيلسوف، ومهندس معماري، وعالم حفريات، وعالم آثار، وبستاني، ومخترع، ومؤسس لجامعة ولاية فرجينيا وزعيم سياسي، فضلا عن أنه درس القانون ثم صار محاميا.
وبالتجارب العربية، والإسلامية، والافريقية، والسودانية، هناك من جمع بعض النجاح في العملين السياسي والثقافي، سواء على مستوى المنظومة الحزبية، أو من خلال تجارب حكومية. والحال هكذا فإن مثقف الحزب، وسياسيه، يكملان بعضهما البعض. كما أن سياسي السلطة ومثقفها يلعبان نفس الدور، سواء في الحكومة الديمقراطية، أو الشمولية. وإذ يسعى الأديب العربي القومي، أو الماركسي، أو الإسلاموي، أو الأنصاري، أو الختمي، لدعم حزبه فإنه إذن يؤدي دورا سياسيا. وإذ يجمل السياسي تماثيل المشاريع السياسية المنحوتة بأزاميل ثقافية في عيون المواطنين، فإنما هو يخدم، إن كان يدري، أو لا، آيدلوجيا الثقافة التي وظفته أميرا، أو وزيرا، أو ملحقا إعلاميا. والأمر ينطبق أيضا على المستقلين من السياسويين والثقافويين. فالإستقلال يعني أنه درجة من الوعي بعدم وجود مبرر للقناعة بفكرة سياسية ما. وعندئذ يغدو السياسي اللامنتمي، والمثقف اللامنتمي، عنصرين فاعلين في نقد خطأ التجارب السياسية المؤدلجة. ويصدق المفكر بول نيزان أن كثير من المثقفين، غير العضويين، يقومون بدور كلب الحراسة بالنسبة للسلطة. وربما لا يصدق نيزان حرفيا إذا عرفنا أن الكلب أكثر وفاء لمخدمه حين مقارنته ببعض المثقفين الذين كوفئوا بالتوزير. إذ أن الكثير منهم، حين ينقلبون على السلطة، يعضون اليد التي أطعمتهم سابقا.
في حوار مع الاستاذ حيدر قاسم رأى أن للثقافة "محيطها الحيوى المتصل والمختلف نوعا وكما عن السياسة...وهي بهذا وبحكم تقديري مؤسسة لها تدوارها الخاص، وللمثقف طرائقه المختلفة في التعبير عن أحوال وهموم المجتمع ...عن الناشط السياسي." وحاولت أن أبين له وجهة نظري المعارضة لرأيه فقلت له:
"1 التصور الذي إنطلق منه مؤداه أن هناك رابطا عضويا بين الثقافة والسياسة، خلافا لقناعاتك التي إحترمها. بيد أن الضرورة تلزمنا توضيح هذه الفروقات بين الفعلين السياسي والثقافي، والنظر إلى جوهريتهما، إن كان لا بد من ذلك، لنرى حجم التضاد، أو حجم التواءمأ التجاذب.
2 لا أحاول هنا العودة إلى المراجع لتحديد ماهية الثقافي، أو معرفة تخوم السياسي كي أتلمس إمكانية الفصل أو حد التضام بينهما، أو حتى عدم الإمكانية. ولكني أفضل أن أنطلق هنا لتحديد علاقتهما الضمنية، من خلال إستقلاليتي، للنظر إلى كليهما، بوصف أنهما ( السياسة والثقافة) يحددان لي، مجتمعين، مجالا للنظر أقر بقناعتي به: المجال السياثقافي، حيث به أعني مجال التشابك العميق بين فعل المثقف وسياسته، مبدأيته وإبداعيته، إنسانيته وإنتهازيته، وطنيته وشموليته، إلخ. مع الرجاء ألا تفهم (لا وطنية) المثقف في إطار الفهم السائد الذي يخون المثقف في تفكيره ومواقفه، عنيت وطنيته في مقابل شموليته بحسب أن هناك مثقفين يخدمون (السلطة الوطنية الشمولية) دون الإعتبار إلى قناعتهم بمقاومتها من أجل إحداث التنوير، والحرية والديمقراطية، وغيرها من الرغائب التي نريدها لشعبنا.
3 إذا فهم أن هناك خلافا بينا ً بين (المنتجات الثقافية: شعر، أدب، نقد، غناء، تشكيل، إلخ) و(المنتجات السياسية: عمل الأجهزة التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، الإعلامية، إلخ) فإن ذلك الفهم من جوهر الحقيقة. فللمثقف المنتج أدواته، ومجال بحثه، وللسياسي المحترف أيضا ما للمثقف.
5 لكن السؤال الأساسي هو: من أين يستمد المثقف المنتج، والسياسي المحترف مرجعيتهما الإخلاقية والمعرفية؟ وهل من الإهمية لكليهما أن ينطلقا من هاتين المرجعيتين؟
قناعتي الخاصة أن المثقف، وما دام هو المحكوم بالمرجعية المعرفية والأخلاقية، فهو سياسي، بواقع حاله ككائن حي يتأثر بما حوله، وكمبدع يواجه السلطة دائما في منتصف الطريق: يواجهها حين تحرم عليه الديمقراطية، وحين تفسر عمله لتكون ضده في الحياة والممات، وحين تفرض عليه شروطا للكيفية التي تأتي بها أعماله، وحين تفرض إطارا فكريا صمدا للمؤسسات الثقافية التي تطرح عمله. آنئذ على المثقف أن يوافق على هذه الشروط والمطبات ويقنع، أو عليه أن يقاوم هذه السلطة.
6 ولئن كان المثقف، أي مثقف نتفق على حيازته هذا التمييز وسط مواطنيه، كائنا معرفيا، بالدرجة الأولى، فإنه يبقى سياسيا من الطراز الفريد، سواء إتخذ موقفا من السلطة أو لم يتخذ. والمثقفون الذين تراهم يا صديقي يبتعدون عن السياسة إنما هم سياسيون بمكر وحذاقة معا، ما برحوا يؤمنون على حرص على سلامتهم الأسرية، والمعيشية، والفردية، والوظيفية، إلخ.
4 أما إذا لم نمارس تجريدا في العلاقة بين ما تسميه (المحيط الثقافي، الحيوي، المتصل) و(المحيط السياسي) وبالتالي تحدثنا عن واقع السياسة والثقافة في السودان، فإن الإنفصال، أو الفصل بين المؤسسات الثقافية، والمؤسسات السياسية غير مرئي البتة، على طول تاريخ وجودنا السودانوي.
الغوص على السطح، وما تحته بأمتار، قد ينبئ عن ثمة علاقة مفتقدة بين عمل مؤسساتنا الثقافية والسياسية، ولكن حين (التحفير الآركيلوجي) يتضح لنا علاقة أنظمتنا الثقافية بمستوى تفكيرنا المجتمعي، والعكس. وبالنسبة للثقافة الشعبية، أو مجهودات المبدعين الفردية التي لا تجد طريقا للعرض في الأجهزة الثقافية الرسمية، فإن الملمح الأساسي لهذه الإبداعات إنما يعبر عن تاريخ صراع البيئة مع الزمان. هذا الصراع، إذا تفحصناه بمنهج علم الإجتماع، فهو جدل الإنسان مع أنظمته المعرفية لتحقيق السعادة التي يرنوا إليها. إنه جدل الدين، والسحر، والفن، والمسدار، والحكايا، والأسطورة، والنحت، مع فضاء المكان السياسي، مهما كان تواضعه.
5 وإذ تضع أنت (الناشط السياسي) كمقابل لمن هو يحرك العمل الثقافي فإن ما يلزم هذا الناشط السياسي هو المعرفة عامة، والسياسية خاصة. ولكن للأسف وجدنا أن المثقفين هم الذين حكمونا وحكموا السياسة، وأن السياسيين هم الذين حكمونا وحكموا الثقافة. بهذه الخلفية يكون من الصعب أن أكون مثقفا للتنوير دون أن أكون قادرا على فهم السياسة وتنوير الناس ب (مخالب قططها). كما أنه من الصعب يا صديقي أن تكون سياسيا عاملا للتقدم المجتمعي دون أن تكون قادرا على فهم الثقافة، وتنوير الناس بها وتوظيفها في عملك، وإلا فإن (السياسيين/المثقفين) متدرعين بشذى الثقافة ومعرفة السياسية سيهزمون مشروعك. وعليه يبقي الفصل التجريدي بين هذين المحوين الإجتماعيين اشبه بالحرث في النهر، وتفضح سياستنا وثقافتنا محاولات الفصل الواقعي بينهما."
بتفسير ما يمكن القول إن أزمة العالم الثالث تتعلق بفشل المثقفين أكثر من السياسيين، وكذلك يصح القول أنها تتعلق بفشل الساسيين دون المثقفين. هاتان المعادلتان لاسباب الفشل الملاحظ في غياب المشروع السياسي الوطني، المتفق عليه، منذ الاستقلال لا تعطي المثقف صك براءة لما تم إهداره من وقت لخلق الوطن الديمقراطي. وفي ذات الوقت لا تعفي السياسي من مسؤوليته، من موقع أنه من النخبة التي تسايس وجودها بالمعرفة، أو الكياسة.
يقول الدكتور خالد محمد فرح، الكاتب النشط وسفيرنا بالسنغال، إن "ثمة ملاحظة جوهرية في نظري أود أن أبديها هاهنا، وهي أنَّ ضحايا الاضطهاد من ممثلي " التيار العام " من المثقفين وأصحاب الرأي عموماً، لا يجدون حظهم عادة من التنويه بهم، أو الاستشهاد بما يحيق بهم في سبيل الدفاع عن آرائهم، في سياق الخطاب الطاغي النبرة الذي يتناول موضوع العلاقة بين المثقف والسلطة بإلحاح في الوقت الراهن، وخصوصاً في مجتمعاتنا العربية الإسلامية. إذ لا يكاد أولئك الذين يتطرقون بكثرة لمسألة العلاقة بين المثقف والسلطة يذكرون على سبيل المثال ما تعرض له الإمام أبو حنيفة النعمان، والإمام مالك بن أنس من تعذيب وضرب وحبس على أيدي العباسيين، كما لا يكادون يذكرون البتة مكارثية المعتزلة الحقيقية وتحريضهم الخليفة المامون على اضطهاد الإمام أحمد بن حنبل وحبسه وضربه بسبب مجرد اعتراضه على مقولة "خلق القرآن" ، ومحاولة فرضها على جماهير المسلمين بواسطة السلطة الزمنية القائمة يومئذ. وهاهنا تلوح شبهة التطفيف واللامبدئية في النظر والتناول"
الحقيقة أن الكاتب إذ هو يلوم المثقفين لعدم الإشارة إلى نماذج المثقفيين العضويين في العالم العربي إنما يلحقه اللوم أيضا لكونه لم يشمل في ملاحظته الجوهرية الظروف التي عاني منها المثقفين السودانيين على أيدي المثقفيين الإسلاميين. وهو إن قصر الإشارة إلى فترة الإستعمار، فتاريخ ما بعد إستقلالنا يعج بنماذج الحرب الداهسة للبلاد بين هؤلاء المثقفيين. وليس هناك مثال أسطع من المواجهة التي تمت بين الاستاذ محمود محمد طه والأصولية الدينية التي قتلته، وعادت للجلوس على عرش الحكم السوداني لتذيق المثقفين الذي يخالفونها الرأي سوء العذاب. ومهما كانت الوسيلة التي إتبعتها هذه الأصولية سياسية إلا أن المرجعيات التي إنبنى عليها حكمها الماحق على المثقفين ثقافية بالدرجة الأولى، وأن الذين طبقوا هذه المرجعية (الإسلام السياسي) إنما هم مثقفون بحكم تلقيهم للعلوم الثقافية والسياسية، وبحسب أنهم طرحوا أنفسهم كدعاة للتغيير عبر الأدوات الثقافية. بل أنه ليس هناك ما يمنع الترابي، ويس عمر الإمام، وعلي عبدالله يعقوب، وأحمد عبد الرحمن، وغيرهم، من حيازة لقب المثقف بمعناه التقليدي، وليس بالمعنى الذي يعرف به غرامشي المثقف العضوي.
صحيح أن الوضع الحرج الذي ينطلق منه كاتبنا السفير من الخطورة بمكان، حيث لا بد أن هذا الوضع يملي عليه أن يلوذ إلى الماضي العربي الإسلامي البعيد للحصول على أسماء علماء حتى يستند على محن إبن حنبل وأبو حنيفة والإمام مالك ليدلل على التعذيب الذي لاقوه على أيدي العباسيين. ذلك الوضع الحكومي إستلزم على السيد السفير عدم الإشارة إلى أسماء سودانية تعرضت في العقدين الماضيين إلى أنواع التعذيب التي لم يكن يحلم بها إبن حنبل. وربما لو أشار الدكتور الكريم بالإسم إلى المثقفيين الذين تناوبوا على بيوت الاشباح أمثال الدكتور فاروق أحمد إبراهيم، والذي عذبه تلامذته النافذين الآن، لكان مقاله أكثر قدرة في إقامة الحجة على شكل العلاقة بين المثقفيين والسلطويين المثقفين. وحقا لا تنقص ملاحظتي هذه من القيمة الطيبة لمقال الدكتور الفاضل الذي يوازن بين عطائه الدبلوماسي في زمن صعب وعطاء ذاته المستنيرة التي لا تقلق على التوليف الدائب بين التذهيين الدبلوماسي في الزمن الشمولي والتذهيين الثقافوي الشريف. ولكن، على أية حال، تنهض مجهوداته الكتابية الراتبة على طرح السؤال حول إمكانية الدبلوماسيين المثقفيين، أدبيا، وشعريا، في التوفيق بين خدمة الدبلوماسية التي (تزيتها وتشحمها) موجهات سلطوية عقائدية، وخدمة الذات المبدعة التي تعمقها المعرفة الحرة التي لا تحدها قيود.
حقا أننا أحيانا نضع مقاربات منهجية ونقول (علاقة المثقف بالسلطة) أو ( جذور الصراع بين المؤسسات السياسية والثقافية) وغيرها. ويكون لهذا الفصل الإجرائي لهذه المقاربات قيمته لو أنه حاول تنبيهنا للنظر نحو المثقف من زاوية دوره الذي رسمه له المفكر الأيطالي أنطونيو غرامشي (1891 –1937) والذي نادى بعضوية هذا المثقف على أعتبار أنه دائما يؤدي دورا نقديا مستمرا لأوضاعه المجتمعية حتى لو أدى ذلك إلى سجنه أو موته. ولكن يبدو أن القول بعضوية المثقف لا تعفي من القول بعضوية السياسي، ألهم إلا لو حسبنا أن السياسة ضرب من البراغماتية ما يعني أنه يمكن التركيز على نبل الغاية بواسطة الوسائل التافهة مثلا.
ففي عالمنا الحضاري الذي يستند فيه الأفراد والجماعات إلى منظومة عقدية أخلاقية تتم المطالبة دائما بالخلق القويم للوزير، والتاجر، والمهندس، والفقيه، وبائع الخضر. ولا يمكن، إنطلاقا من هذه القيم التي ننادي بها، أن نطالب التاجر بالأمانة، وعدم الجشع، والصدق في الميزان، ونحض المهندس المقاول بعدم الكذب، وفي ذات الوقت نعفي السياسي من تمثل مثل هذه القيم الدينية عند ممارسته للسياسة لمجرد أنه سياسي، وبالتالي يحق له هذا الإعفاء إتباع تخريجات المفكر الفرنسي نيكولو مكيافيلي(1469 -1527) والذي قال بتبرير الوسيلة عند نشدان الغاية.
salah shuaib [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.