مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





العر- نوبية: "بيت أبوك كان خرب شيل ليك منه شيلة" .. بقلم: الأستاذ/ محمد أدروب محمد
نشر في سودانيل يوم 30 - 03 - 2017

صحيفة برؤوت العدد 203- السبت 6 يوليو 2013 الموافق 27 شعبان 1434ه- صفحة 8
العر- نوبية: "بيت أبوك كان خرب شيل ليك منه شيلة"
(يمكنك خداع كل الناس بعض الوقت، ويمكنك خداع بعض الناس كل الوقت.. لكنك لا يمكنك خداع كل الناس كل الوقت)
" الرئيس الأمريكي الأسبق أبراهام لنكولن"
بقلم الأستاذ/ محمد أدروب محمد
عضو جمعية الثقافة البجاوية
نشرنا قبل فترة في بعض الصحف السيارة ورقة بعنوان "نحو كيان جديد: العرنوبية: أهرامات وكنائس وقباب". ووعدنا بنشر آراءنا ومناقشتنا لما هو مطروح في تلك الورقة، وننتظر آراء الآخرين في ما هو مطروح.
والمقال الذي نشرناه كان عبارة عن فكرة تطرحها مجموعة من المتعلمين السودانيين حول الأوضاع في السودان. وما تطرحه تلك المجموعة هو دعوة لإنشاء دولة يقتطعونها من السودان اقتطاعا. وهم يختصرون اسما لهذه الفكرة هو: (عر- نوبية) والاسم في أصله دمج للاسمين: (عرب ونوبه). ويطرحون (كوش- نار) اسما للدولة، والاسم دمج للإسمين: (كوش وسنار).
وقوام قاطني تلك الدولة، حسب اختيارهم هم، هم النوبيون والعرب والبجا، وذلك لما لاحظوه هم من أن المجموعات الثلاث- النوبيين والعرب والبجا- من ناحية أن أصولها واحدة، ومن الناحية الثانية أنها أقرب لقبول بعضها، ومن ناحية ثالثة أنها قد تعايشت مع بعضها عبر السنين في سلام.
وكما لاحظوا فإن أطراف السودان تسعى للإنفصال: دارفور والجنوب. ويعتقدون بأن أهل الوسط قد صمتوا طويلا، ويرون بأنه قد جاء وقت الصحوة والايجابية.
وفي سبيل مناقشة الآراء التي يطرحها أصحاب العرنوبية، ومن قراءتي للورقة لاحظت أنها قد إعتمدت على عدد من المؤشرات لدعم طرحها، ووصولا لما ورد في دعوتهم. من ذلك:
بعض الملاحظات التاريخية.
بعض الاقتباسات.
وتحمل الورقة دعوة للصحوة والايجابية.
والهدف النهائي للورقة هو (بلورة أساس فكري لبناء دولة أو أمة مستدامة).
في البداية سأتجاهل ما ورد في مقدمة ورقتهم من قول الدعاة من (فنأمل منكم أن تطلعوا عليها وتفيدوننا بتعليقاتكم ومقترحاتكم ان وجدت صدى ايجابيا لديكم). وبغض النظر عن صدى الذي يطرحون، فالواضح أنهم، بقولهم هذا، يقولون بأنهم لا يريدون أن يسمعوا إلاّ ما يرضيهم، ويرفضون، ومن حيث المبدأ، الرأي الذي يختلف مع اطروحتهم، ألم تلاحظ بأنهم يطلبون تعليقات ومقترحات، فقط، ممن تجد الفكرة "لديهم صدى ايجابيا".
وتجاهلي لذلك وعدم الاستجابة له يأتي من فهمي بأن ما هو مطروح ليس دعوة لتناول المرطبات أو ما شابهه، يمكنني أن أحضرها أو ألاّ أحضرها، بل المطروح شأن يهمني كسوداني وكفرد من البجا، وانتمائي وواجبي الوطني يحتم علي ان أسمع الدعاة رأيي في دعوتهم وإن لم يك ذلك ليعجبهم.. فقد طال صمت "الكثيرين" كما قالت الورقة نفسها.
ولنبدأ بنقاش الأطروحة على أساس الترتيب الذي وضحناه لتلك المؤشرات التي اعتمدت عليها:
وأهم ما ترتكز علية الفكرة هو التاريخ. فقد ذكرت الورقة عايدة وتاجوج والكنداكة والنجاشي وبعانخى. وتبين الورقة أهمية التاريخ السابق للإسلام في المنطقة بقولها: (نعم نحن نهمل جانباً مهماً في هويتنا ونفكر وكأنما تاريخنا بدأ بمملكة الفونج).
ولاشك عندي من أن للتاريخ أهميته، ولاشك عندي بأن تاريخنا لم يبدأ بمملكة الفونج، ولاشك عندي، أيضاً، في أن تلك الأبعاد التاريخية، في مجملها، تعمل في خلفية ثقافة الأفراد والمجموعات بحيث تؤثر وتشكل سلوكها في حياتها وفي علاقاتها بالأشياء والناس وبإستمرار.
هذا جانب من الحقيقة، غير أن الجانب الآخر من الحقيقة هو أن المجتمعات البشرية ليست جامدة. وفي حالتنا "السودان"، وبالرغم من ذلك التاريخ، فقد ثبت تعايش ذلك (الهجين): الطيف الثقافي السوداني وبكل محمولاته التاريخية: (كوش، ممالك نبتا ومروي النوبية، التجمعات العشائرية في المنطقة، سنار، المهدية، التدخلات الخارجية في المنطقة وما تركته من آثار)، والتشكيل الإثني: (قبائل البجا، وهُم " البڊاوِيت"- الحرف التالي لحرف الباء في الاسم يسميه اللغويون الدال المرتجع d" Retroflex " وينطق بوضعك طرف اللسان على سقف الحلق ووراء الأسنان العليا مباشرة، أو بثنيك طرف اللسان في ذلك الموضع- بالاضافة إلى النوبيين والعنصر الأفريقي من نوبا وفور والقبائل النيلية وغيرهم، العرب في هجراتهم قبل الإسلام ثم بعد الإسلام)، والمحمولات المعتقدية: ديانات ما قبل الديانات الإبراهيمية، الديانات الأفريقية ثم المسيحية ثم الإسلام، وما رفدت به هذه الديانات المنطقة من معارف ومحمولات ثقافية. لقد ثبت تعايش ذلك (الهجين) على هذه الأرض ولمدة تزيد على القرن من الزمان.
ولعل في ذاكرة الكثيرين من الذين عايشوا فترة الستينات من القرن الماضي الكثير الذي يجعل حواجبهم مرفوعة وأفواههم مفغورة دهشة من الذي يجري اليوم، ذلك إن لم نقل بأنهم ظلوا يصابون بصدمة في كل لحظة خلال السنين الماضية.
ولكن ما الذي جرى حتى تفككت، أو كادت، الفسيفساء السودانية؟
إن أسباب ذلك التفكك تصرخ في وجوه مفكري ودعاة (العر-نوبية) ومفكري أمثالها من الدعوات، ولا شك في أن هنالك غيرها، مما يماثلها، يسعى بين الناس. وأعتقد بأن الكثيرين قد سمعوا بما اصطلح على تسميته "مثلث حمدي".
إذا أردنا سببا للذي جرى، فيمكننا اختصار ما حدث في عبارتين: "الإحساس بالظلم"، سواء كان ذلك الإحساس حقيقيا او سواء كان متوهماً.
ويوفر علينا أصحاب (العر-نوبية) الكثير في ذلك، إذ يرد في الورقة صراحة (نحن فقط ننبه أن أجزاء من القطر في سبيلها إلى الانعتاق وقد حملت السلاح وأن لها أسباباً موضوعية)، وبقولهم: (فهنالك أذن أساس لتلك النزعة الاستقلالية شجعتها سياسة حكومة الإنقاذ القاهرة).
فإذا كان من يريد (الإنعتاق من الظلم) له (أسباب موضوعية)، أليس حريا بمن يسمون أنفسهم "مفكرين" أن يتأملوا في تلك (الأسباب الموضوعية) لمحاولات (الإنعتاق) هذه، وأن يحاولوا إيجاد الحلول التي يمكن أن ترتضيها الأطراف؟ بدلا من الهروب للأمام، والمشاركة في ماراثون طرح أفكار مشابهة لما يطرحه بعض أصحاب الأيديولوجيات العمياء والمهومة في عالم من خيالها لا يمت بصلة للواقع الذي نعيشه ونعيش حقائقه، أو ما يطرحه بعض الذين يئسوا من إحقاق عدل على هذه الأرض من أهل الأطراف والذين يدينهم مفكرو (العر-نوبية).
المرتكزات التاريخية والثقافية
ما أود أن ابين رأيي حوله هنا هو تاريخ البڊاوِيت والعلاقات التاريخية في المنطقة، فالورقة في تاريخيتها تعتمد عل فرضية وهي أن (النوبيين والبجا والعرب يمكن إرجاع أصلهم العرقي إلى واحدة من هاتين المجموعتين)، وعليه تقيم دعواها لقيام كيان جديد (عرب- نوبي) ودولة يسمونها (كوش-نار).
وقد أوردت الورقة عن البڊاوِيت التالي (حدود مملكة علوة امتدت حتى بحيرة تانا مما يدخل البجا في تجانس مع النوبة).
ولست أدري كيف، من ناحية الجغرافيا، أن امتداد مملكة علوه إلى بحيرة تانا، هذا إذا صحت تاريخية المعلومة، كيف أن ذلك يدخل البڊاوِيت في تجانس مع النوبة. والأحرى أن يقولوا بأن مملكة علوة قد أمتدت للبحر الأحمر. وهذا مما لا نجده في التاريخ، بل أن هذا اختلاق للتاريخ. بل إن ما نجده في تاريخ المنطقة هو أنه (كانت بين البجة والنوبه حروب عدة سجلت على هيكل كلابشة)- كتاب تاريخ السودان- نعوم شقير، نشر دار الجيل، بيروت، تحقيق أبو سليم- ص 42.
وعن علاقة البڊاوِيت بالنوبة الواردة في مقولتهم بأن (البجا قد عاشوا على شواطئ النيل والبحر الاحمر وتزاوجوا وكانوا يمثلون قطاعا كبيرا من مملكتي نبتا ومروي وهم بذلك جزء من الشعوب الكوشية) فهذه قضية يحسن التعامل معها بمنهج طرحته الورقة نفسها من أننا (بحاجة إلى البحث أكثر في هذا التاريخ) وليس اختلاقه اختلاقا.
وهنالك آراء مازالت دائرة حول موضوع علاقة البڊاوِيت بالنوبيين من ناحية، وعلاقتهم بالعرب من الناحية الأخرى.
وعندما أسمع رأيا لعلاقة ما بين البڊاوِيت وأي مجموعة أخرى، فإن أول ما يخطر ببالي هو العلاقة بين لغة تلك المجموعة والبڊاوِيت- اللغة. صحيح أن هنالك عوامل ثقافية غير اللغة، مهيبة وحاسمة، يجب التمحيص فيها عند زعم كهذا لأخذها في الاعتبار. لكن تظل اللغة هي أوضح عامل من عوامل الثقافة، يساعد في الكشف عن الكثير من الحقائق.
ويعتقد البعض بأن البڊاوِيت نوبيون، ويرون بأنهم ولأسباب تاريخية إقتصادية إجتماعية سياسية قد نزحوا شرقا، ومن ثم فإنهم يرون بأن النوبيين قد إنقسموا إلى نوبيين نيليين ونوبيين صحراويين- من حوار للكاتب مع البروفسور عالم الآثار على عثمان محمد صالح- جامعة الخرطوم؛ وانظر المسعودي: كتاب تاريخ شرق السودان، ممالك البجة، محمد صالح ضرار: الجزء الأول صفحة 36، دار الإتحاد العربي للطباعة، أو نسخة توزيع مكتب أبكس- القاهرة.
والقضية لم تحسم بعد، ولست أدري من اين يأتي هكذا يقين لمفكري (العر-نوبية) في قضية كهذه بحيث يرون بأن (غالبية سكان مناطق وسط السودان الحالي يمكن إرجاع أصلهم العرقي إلى واحدة من هاتين المجموعتين)- يقصدون المجموعة العرقية النوبية والمجموعة العرقية العربية.
فأول ما ننظر إليه في دعوى وحدة أصل أية مجموعتين هو اللغة، وأول ما يختلف فية النوبيين والبڊاوِيت هو اللغة. والبڊاوِيت- وهي لغة البجا- تختلف عن اللغة النوبية اختلافا واضحا وبينا لن تمحوه محاولات الترقيع أو الإقحام.
أما من حيث الثقافة فمحمولات البڊاوِيت الثقافية ومحمولات النوبيين الثقافية مختلفة. فالأخيرون زراع، استقرار حياتهم وطرق كسب عيشهم ومعتقداتهم القديمة قد اثرت في طريقة تفكيرهم وتصورهم للكون ولابد، والأول رعاة رحل، لمعتقداتهم القديمة وحياة الرعي وعدم الاستقرار تأثير في معارفهم وتصوراتهم والتي تختلف نوعا عن تلك التي للنوبيين.
وما ننصح به في هذا السياق هو أن يحاول الآخرون معرفتنا من الناحية الثقافية: عاداتنا وتقاليدنا ومعتقداتنا وأعرافنا وحتى لغتنا وفنوننا، بدلا من إلقاء الكلام مرسلا، هكذا، على عواهنه وبهذا القدر من عدم المعرفة. إذ انه من البديهي أن لعاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا ولغتنا وفنوننا، بديهي أن لكل ذلك علاقة بالمعاملات فيما يتعامل فيه الناس معنا، وبديهي أن لذلك علاقة حتى بالتشريع الأحادي الذي تشرعه الحكومات لتحكمنا به. نحن دعاة تعايش قائم على التفاهم لمن أراد، ورفضنا سياسات الخداع والتدليس ولي الذراع، وسنرفضها. إننا ننصح الآخر المعايش لنا بذلك، وبخاصة من يحاولون إنشاء الدول.
وتواجهنا فيما يتعلق بالبڊاوِيت، من الناحية الأخرى، دعوى عروبتهم.
فقد ورد عنهم الكثير حول ذلك. والمؤرخ محمد صالح ضرار يرى (أنهم أمة سامية وأنهم عرب)- كتاب تاريخ شرق السودان- ممالك البجة، المصدر السابق. ومن ذلك ما ورد من أن (ملامح البجة وعاداتهم واخلاقهم فجميعها عربية محضة)- كتاب تاريخ السودان- نعوم شقير- مصدر سابق، وأنظر أيضا كتاب ‘العروبة والإسلام بالقرن الأفريقي' ص 37- محمد سعيد ناود. ولكن نعوم شقير نفسه يعارض مقولته هذه ويقول: (ولقد انقسم البجه الآن إلى عدة قبائل جسيمة.. وكلهم يدينون بالإسلام ويدعون النسبة للعرب وماهم بعرب بل ربما كان في بعض خاصتهم دم عربي أما عامتهم فلا مشاحة في أنهم بجه وكلهم يتكلمون اللغة البيجاوية ولا يعرفون لغة غيرها إلا مشايخهم والذين يخالطون العرب منهم على النيل فإنهم يتكلمون العربية أيضا) نعوم شقير، كتاب تاريخ السودان- المصدر السابق- ص 90.
بل إن ما أعرفه هو أن بعض قبائل البڊاوِيت في قصصهم الشعبي ينسبون أنفسهم للعرب، ولا أعرف مجموعة واحدة من البڊاوِيت تنسب نفسها للنوبة، ومن اليسير تفهم ذلك بما للأمر علاقة بإعتناق البڊاوِيت للإسلام.
وبعض القبائل النوبية في قصصها الشعبي تنسب نفسها للعرب أيضا، والورقة تورد بأن ".. الدناقلة من الجانب الآخر بهم مكون عرقي عربي (من الجنس السامي) كبير" وأنه (للمحس صلة قوية بالخزرج). ولعله من الواضح، أيضاً، أن ذلك من تأثير أشواقهم الدينية. ولا أعرف مجموعة واحدة من النوبيين تنسب نفسها البڊاوِيت.
والبحث في الثقافة المشاهدة لهذه المجموعات يمكن أن يفيدنا في معرفة الكثير.
فيما تعلق بالبڊاوِيت فإنهم يختلفون عن العرب، في بعض ما يختلفون فيه عنهم، في لغتهم. ولعله من المفيد هنا ذكر بعض التفاصيل.
فيما يتعلق باللغة، ومن ناحية الأصوات، فهنالك 11 صوت من العربية تنعدم في البڊاوِيت، وهي: الثاء، الحاء- الخاء- الذال- الزاي- الصاد- الضاد- الطاء- الظاء- العين- الغين. بالإضافة لصوت الجيم والذي نعتقد بأنه صوت جديد على البڊاوِيت.
واختلاف آخر بين العربية والبڊاوِيت وهو التأنيث وصيغه. ففي العربية أدوات للتأنيث وهي التاء (رأي البصريين) أو الهاء (رأي الكوفيين)- انظر كتاب "الكتاب" لسيبويه. والألف المقصورة، والألف الممدودة- وهي بناء الاسم على همزة في آخره وقبلها حركة طويلة بالفتح. وفي البڊاوِيت أداة تأنيث واحدة وهي التاء.
واختلاف ثالث بينهما، فإنه وعلى غير ما في العربية، فإن في البڊاوِيت أداة للتذكير وهي الباء. فتقول في الأعداد، مثلا: (مَلُوبْ): إثنان، (مْهَيْبْ): ثلاثة، (أيْبْ): خمسة مذكراً، وتقول: (مَلُوتْ)، (مْهَيْتْ)، (أيْتْ): مؤنثاً الأعداد- لاحظ أن الباء في آخر الأسماء في المجموعة المذكرة قد تحولت إلى تاء في المجموعة المؤنثة، وأصل هذه الأعداد في اللغة هو: (مَلُ)، (مْهَيْ) (أيْ) بدون باء التذكير أو تاء التأنيث. وليس في العربية أداة للتذكير.
واختلاف رابع بينهما وهو أن صيغة التصغير الرئيسية في البڊاوِيت هي أننا لا نصغر من الأسماء إلا ما كان في تركيبته حرف راء أو كان في تركيبته صوت لام أصلية. فنحول الراء فيما فيه راء إلى لام على سبيل التصغير، ونحول اللام فيما فيه صوت لام أصلية- بمعنى ألا تكون اللام لاما ناتجة عن راء حولت إلى لام على سبيل التصغير- ويتم تصغير الاسم بتحويل اللام فيه إلى نون. كما وأن تأنيث الاسم صيغة لتصغيره في اللغة.
واختلاف خامس هو "التعريف"، ففي العربية أداة تعريف واحدة هي (أل)، وفي البڊاوِيت تسعة عشر أداة تعريف تعملها في الأسماء بشروطها حسب طول صوت الاسم وحسب موقعه في الجملة.
واختلاف سادس بينهما في النظام العددي. فالنظام العددي في اللغة العربية نظام عشري، والبڊاوِيت نظامهم العددي خمسي، بالإضافة إلى أن أسماء الأعداد وتراكيبها في البڊاوِيت تختلف عن أسماء الأعداد وتراكيبها في العربية.
وإختلاف سابع يتمثل في تركيب الجمل، فالعربية تركب جملها: "فعل- فاعل- مفعول" فيقولون: (ضرب الولد الجمل)، والبڊاوِيت يركبون جملهم: "فاعل- مفعول- فعل"، وما نقوله للتعبير عن المعنى المذكور يكون ترتيبه (الولد الجمل ضرب)، وتركيب جملتهم هذا هو ما يظهر عندما يضطر البڊاوِيت أن يتحدثوا بالعربية.
واختلاف ثامن بين اللغتين هو أن البڊاوِيت لا تعرف صيغة للمثنى، والبڊاوِيت اقرب لاستيعاب صيغة التثنية في الانجليزية أكثر من استيعابهم لصيغة العربية في ذلك، إذ يوردون العدد "اثنين" قبل الاسم المراد تثنيته، ثم إيراد الاسم في "صيغة جمعه" لا في صيغته المفردة.
واختلاف تاسع هو أصوات الإمالة الطويلة في اللغة. فإلى جانب أصوات الفتحة والضمة والكسرة القصيرة، فهنالك الصيغة الطويلة لهذه الأصوات، أي فتح وكسر وضم مع مد. بالإضافة إلى ذلك هنالك أصوات الإمالة الطويلة والتي لا ترد في العربية المعاصرة المتداولة. ففي البڊاوِيت صوت لكسر طويل ممال للفتح كما في العبارة: (بڊاوِيّت): اسم القبائل واللغة، والصوت على الواو صوت كسر طويل ممال للفتح، وكما في العبارة: (دِيّتْ) بمعنى: أم. والصوت مماثل لنطقك للباء البادئة في العبارات: (بيت) و(بيض) في السودانية الدارجة. وفي اللغة صوت ضم طويل ممال للفتح كما في العبارة: (دُوّفْ) بمعنى: قطعة لحم، فالصوت على الدال البادئة صوت ضم طويل ممال للفتح. وإذا نطقنا الحركة على الدال في العبارة: (دُوّفْ) بمد وبدون إمالة في العبارة: (دُوفْ) فإن المعنى سيتغير إلى: "عَرَقْ". والصوتان كثيران في اللغة، وأكثر ما يظهران يظهران في أدوات التعريف. فالعبارة: (أوّ كامْ)- بضم ممال للفتح على الألف هي أداة التعريف: (أوّ)- تعني "مطلق جمل" أو "جمل مفعولا"، غير أن (أو كامْ)- بضم بمد عادي على الألف- سيتغير المعنى إلى جمل "فاعلا".
واختلاف عاشر وهو أن اللغة العربية في تراكيبها لا تبدأ فيها العبارة بصوت ساكن. ويقول الدكتور إبراهيم بركات إبراهيم: (ولا تبتدئ اللغة العربية بساكن، بل لابد البدء بمتحرك)- انظر كتاب: "التأنيث في اللغة العربية ص 68)- الطبعة الأولى- الهيئة العامة لكتاب الإسكندرية- دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة.
وإذا كان صحيحا أن الكلمات لا تبدأ بصوت سكون في كثير من اللغات، فإن البڊاوِيت تختلف عن ذلك. وبالبحث سنجد أن عددا وافرا من الكلمات فيها يبدأ بصوت ساكن، إذ نجد عبارات مثل: (بْأنِ) بمعنى صقر- فهي ليست (بَأنِ) بفتح الباء حيث تعني "أنا راقد" في لهجة البعض؛ ولا هي مكسورة الباء، ولا هي بمضمومتها حيث ستعني "أنا أحجم"- من الحجامة، إذن فهي ساكنة. والعبارة: (مْأقِ) بمعنى "عنق أو رقبة"؛ و(فْءِ): بطن، (دْآيْ): غيرة، (مْهِيّلْ): دواء، (سْآيْ): رطوبة، (مْهَقايِ): صيف.. وهكذا.
وبعض اللغويين يرى أن السكون ليس بصوت بادئ للكلمة، ولا يعدون السكون في عداد الأصوات إذا ورد في أول العبارة. وبغض النظر عن نقاش طويل حول الموضوع نوضح بأن اللغويين غالبا لا يعدون السكون صوتا لأنه يأتي في اللغات في وسط الكلمات أو في أواخرها، بمعنى أنه ليس بصوت بادئ للكلمة.
في نقاشنا نحاول دوما توضيح أنه من الخطأ الدخول للبحث في البڊاوِيت، أو أية لغة، بخلفيات معارف من لغات أخري، وكنا نقترح أن تدرس وتستنطق البڊاوِيت كما هي، وأن يعتمد الباحث ما يثبت عبر دراستها الفعلية.
وفيما يتعلق بجملة الاختلافات اللغوية التي أوردناها، فلا أظن أن أي باحث جاد يمكنه أن يتصور بأن اختلافات كهذه تحدث هكذا "صدفة"، وفيما أرى فإن اختلافات كهذه ليست مسألة يمكن تجاوزها أو غض الطرف عنها.
وفيما تعلق باللغة النوبية فهناك اختلاف اللغتين في "التعريف"، فالنوبية ليس بها أداة تعريف. في ذلك يورد المرحوم الدكتور/ مختار خليل كبارة في كتابة (اللغة النوبية كيف نكتبها) أن الحرف النوبي (λ) وصوته معادل لصوت (L) وأسمه (لمدا) عندما يرد في نهاية الاسم فان مؤداه تعريفي أي أنه أداة تعريف- أنظر الحروف ص 28. ويورد المرحوم الأستاذ/ محمد متولي بدر في كتابه (اللغة النوبية)- درس النكرة والمعرفة ص 55 بأنه (ليس للتعريف علامة خاصة).
وعبر نقاشات كثيرة حول المادة في المركز النوبي للدراسات والتوثيق- القاهرة، قد تم الوصول إلى أن النوبية لا تعرف التعريف ولا تحتاجه.
فالنوبية، وكبعض اللغات النيلية، تستعمل أداه بمعنى (قد) أو أداة إشارة لأداء المعنى التعريفي المطلوب. فإذا قسنا لغة المحس، كمثال، فإنهم يقولون لتبيان عبارة مثل "الرجل خرج" يقولون فيها: (إدْ فَلُوسُ). وبتحليل العبارة فإن (إدْ) تعني: رجل، و(فَلُو) هي الفعل خرج، و(سُ) عبارة بمعنى: (قد). أي أن ترتيب العبارة سيكون: (رجل- خرج- قد) وليس ‘الرجل' معرفا. بل أن ما سيقوله المحسي للعبارة: ‘خرجت المرأة' هو: (إدين فَلُوسُ). وبتحليل العبارة فإن (إدين) هي إمرأة، و(فلو) هي الفعل خرج، و(سُ) هي (قد)، وسيكون ترتيبهم للعبارة هو (إمرأة- قد- خرج)- لاحظ "نوع الفعل" من حيث التذكير والتأنيث.
وفيما يتعلق بصوتيات اللغة النوبية يورد د. كبارة صفحة 28 من كتابه المذكور ستة وعشرين حرفا، نلحظ فيها أصوات الجيم- وصوت ينطق ذال أو زاي أو ظاء- وصوت ينطق سين أو صاد- وصوت ينطق هاء أو حاء. وكما أوضحنا فإن أصوات الجيم- الذال- الزاي- الظاء- الصاد- وصوت حاء اصوات منعدمة في البڊاوِيت.
وفيما يتعلق بالنظام العددي فالنظام العددي النوبي نظام عشري كما العربي، ولكن النوبية تختلف عن العربية والبڊاوِيت في أسماءها للأعداد.
والنوبية لا تعرف صيغة المثنى، وللتعبير عن المثنى، فهم مثل البڊاوِيت، يسبقون الاسم بالعدد إثنين. ففي البڊاوِيت وللتعبير عن عبارة مثل (رأيت ولدين) سنقول ما ترتيبه: (اثنين أولاد رأيت) بتقديم العدد وإيراد المفعول في حالة الجمع بعدهما الفعل.
والنوبية تركب جملها: ‘فاعل- مفعول- فعل' مثل البڊاوِيت وليس كالعربية ‘فعل- فاعل- مفعول'.
ومن حيث التذكير والتأنيث فالنوبية تنعدم فيها فكرة الفرز بين مذكر ومؤنث. ومن هنا يأتي ما يجعلنا نعتقد أنه تذكير لمؤنث أو تأنيث لمذكر، بل ونضحك عليهم عندما يحاولون الحديث بالعربية. ففي كلام مكون من عدة جمل قد يذكر في كلامه مؤنثا ولكنه في الجملة التي تليها قد يؤنث مذكرا وفي التالية العكس وبشكل يحدده هو.. وهكذا، فهو، وحسب لغته وبرمجة عقليته، ليس في حاجة لتأنيث أو تذكير الاسم.
والاختلافات التي ذكرناها عن اللغات تعد كل منها سمة تميز كل مجموعة عن الأخرى.
ومن حيث الثقافة فمحمولات البڊاوِيت الثقافية ومحمولات الثقافة العربية مختلفة. صحيح أن هنالك، عموما، مشتركات ثقافية بينهما. فالبڊاوِيت، وحسب ما نعلم، مسلمون كلهم، والعرب غالبيتهم مسلمين- نستحضر هنا يهود اليمن ومسيحيي الأردن ونسبتهم حواي 6% من عدد سكانها البالغ حوالي 6,500,000- راجع ويكيبيديا، الموسوعة الحرة. والعرب رعاة رحل وكذلك البڊاوِيت، وكلتا المجموعتين ترعى الإبل بالأساس. ولكن وبالنظر إلى واقع البڊاوِيت المشاهد اليوم، أو بتتبع ذلك في تاريخهم، فمن الجلي أن البڊاوِيت يختلفون عن العرب في عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم مما له اثر واضح في حياتهم وفي طريقة تفكيرهم وتصورهم للكون، وفي تعاملهم مع الأشياء والناس، بل وحتى في تدينهم.
وبين المجموعات الثلاث من الاختلافات الثقافية ما ذكرنا. إذن لا مجال من ناحية الثقافة ومن ناحية اللغة، لا مجال للقول بوحدة أصل بين هذه المجموعات إلا أن يكون أماني أو أوهام أصحاب (العر-نوبية).
عقدة عميقة من اللون الأسود:
والاسم 'السودان‘ اسم قديم قدم التاريخ، وهو ترجمة، فيما أعرف، للإسم (أثيوبيا) الذي أطلقه اليونان القدماء على كل البلاد جنوب مصر، ويعني: الوجه المحترق من أشعة الشمس أو الأسود أو المتفحم، ولا يعني ‘عبد' إلا لمن أراد أن يستغله لذلك المعنى بربطه بتجارة الرقيق الأسود في مرحلة من مراحل تاريخ الإنسانية. ومما لا يحتاج لدروس خصوصية في التاريخ هو أن الرق ليس أصلا في إنسانية البشر السود.
ويبدو واضحا التطفيف و(لملمة) الأفكار في قول مفكري (العر-نوبية): (هذا اللفظ السودان في أحسن أحواله هو وصف للون بشرة المجموعات التي تعيش في وسط وشرق إفريقيا وفي أسوأ حالاته يعني "عبيد".. وإذا كنت في دول المشرق العربي وطلبت من صاحب مسحنة أن يبيعك " فستق عبيد" فسيناولك ما تسمية أنت " الفول السوداني).
ومن الواضح، ومن الذي المسه في الورقة، تلك الحساسية المفرطة للغاية، بل وعقدة عميقة من اللون الأسود، وإحساس بدونية بعيدة المدى.
ومسألة التعالي العرقي برمتها أشبه ما تشبه بحالة أمواج البحر. كل موجة منها- وهي نفسها لا تدري من أين أتت- إلا أنها "تدفع" الأخرى دفعا إلى مجهول، وتلك تدفعها أخرى.. ولا تنتهي الحالة إلى أن تتكسر على شاطئ ما. فمجموعة ما تمارس تعالي عرقي ضد أخرى، وتجد أن هنالك من يمارس التعالي العرقي عليها، والأخيرة بدورها تمارس ذلك على غيرها.. وهكذا. فأهل العرنوبية لا يرضيهم سواد الفور والنوبا والجنوبيين، في حين أن "أهل المشرق العربي" يمارسون تعالي عرقي على العرنوبيين إلى أن أصيبوا بعقدة واضحة من لون البشرة الاسود نكاد نلمسها لمسا.
وما أود أن أقوله لكل من الدكتور والمهندس، من دعاة العرنوبية، في هذا السياق هو: هون عليك أخي فأنت، وإن كنت أسود اللون- مسألة محتملة، فأنت لست عبدا لأحد- مسألة مطلقة. وليس هناك أدنى سبب لشعورك بهكذا دونية حتى لو أسمعوك في الخليج بأنك عبد، وقد حدث ذلك لكثيرين، ودونك الكثير من القصص التي تروى حول ذلك، وذلك لا يرجع إلا لمستوى تفكير الشخص الذي يتم التعامل معه. بل ويمكنني أن أأكد لك، وبكل طريقة، بأنك لست عبدا لأحد.
الصحوة والايجابية:
ويرد في مقدمة الورقة (قبل سنوات كتبنا داعين قادة الرأي الشمالي ساسة ومفكرين ومثقفين إلى الصحيان ومواجهة صورة المستقبل فكرياً وعملياً).
وحاولت، من باب العلم بالشيء، البحث عن المادة التي كتبت في (Sudanile) في 12/6/2006، أي قبل سنتين ونصف فقط، ولم أتمكن من العثور عليها.
ويورد العرنوبيون: (فهنالك أذن أساس لتلك النزعة الاستقلالية شجعتها سياسة حكومة الإنقاذ القاهرة). وحين كتابتهم تلك الدعوة كان (قهر الإنقاذ) قد بدأ في دارفور، وقبله كان في جبال النوبة، بعد (القهر) في الجنوب، وما بينهما في الشرق.
الصحوة..
ولا أقول، فقط، بأن تلك الصحوة قد جاءت متأخرة، بل الواضح أيضا أنها ليست صحوة بأي معنى، بل بالأحرى هي مجرد ‘حردة'. فإذا طالب وعمل المظلومون على رفع الظلم عنهم، ونحن نعرف بأن أسبابهم موضوعية، وكما قالوا، ، فليس صحوة بأي حال أن نقول لهم (خوة فرتك، إذا إنتو ما عايزين نحنا كمان ما عايزين)، هكذا وببساطة، ونلملم من أوهامنا ما نسند به ‘حردينا'.
.. والايجابية..
يورد أصحاب العرنوبية: (لقد انتهى زمن الفرجة منذ زمن وعلينا ان نبدي شيئا من الايجابية وان نقوم نحن المثقفون بواجبنا الذي ندين به لاطفالنا واهلنا. وواجبنا هو النظر في الامر وبلورة اسس فكرية لبناء دولة قومية مستدامة من المعطيات المتاحة)
أهي الفاظ نطلقها هكذا بدون معاني؟
أين الإيجابية في موقف مفكري (العر-نوبية) مما جرى ويجري للبلاد والعباد الآن؟
وكما أسلفنا فلقد اعترفت الورقة بسلبية حاملي الفكرة. يقول مفكرو (العر-نوبية): (فيما يختص بهذا الأمر نحن عموماً مستسلمون، تحركنا الأمواج حيث تشاء. فالخارطة التي تلقيناها من المستعمر نحارب كل من يحاول تعديلها حتى لو كان من أهلها ونرى أن ذلك سيكون نهاية العالم).
ألا يذكرني هذا بالمثل القائل: (سكت دهرا، ونطق كفرا).. بلى.
وإذا تجاوزنا الكيفية التي إستدل بها مفكرو (العر-نوبية) حول (أساس النزعة الإستقلالية) عند أهل الأطراف، مع اختلافنا مع فكرة (النزعة الإستقلالية) هذه، ونبني اختلافنا ذلك على واقع عايشناه في هذا الوطن.
لقد سعى هذا (الهجين)، قبل خمسين سنة ونيف من الزمان، لنيل استقلاله من المستعمر في تضامن لا مجال لنكرانه، مع الاحتفاظ لكل طرف بمواقفه وآرائه، ولكن من الواضح أنه كانت في كثير من الحلوق غصة. وفيما قبل الاستقلال نعرف عن التعايش الذي ساد المنطقة على علات ذلك التعايش. وكمثال عايشه الكثيرون، وهم ما زالوا أحياء، فقد تعايش هذا (الهجين) في الستينات والسبعينات وما قبله من القرن الماضي. فماذا حدث بعد تلك المرحلة وهي الفترة التي يعيش الوطن تداعياتها الآن؟
وإذا تجاوزنا الكيفية التي تم الوصول بها الإستدلال حول ذلك، ونكران ذلك الإستدلال لحقائق التعايش، فلا يمكننا أن نتجاوز موقفهم من الدور الذي لعبته (حكومة الإنقاذ) التي وصفوها، وبعضمة لسانهم، ب(القاهرة)، فماذا كان موقفهم من ذلك القهر؟
ولا أعتقد أن قهر الإنقاذ المذكور قد وقع على طبقة الأوزون أو على أقمار كوكب زحل، لقد وقع ذلك القهر على بشر في السودان. و(قهر الإنقاذ) ليس شيئا نظريا أو مجرد ‘طق حنك'، فذلك قهر قد أدى لموت مئات الآلاف من الشباب والشيوخ والنساء والأطفال، وأدى لتهجير مئات الآلاف؛ دعك عن تداعيات أخرى لذلك من معوقين، وتفكك أسري يعاني منه المجتمع اليوم، ودمار أضاع من الإمكانات ما أضاع. بإختصار (قهر الإنقاذ) قد أدى إلى الحالة التي نحن فيها اليوم. وبدلا من مواجهة كل ذلك وتحديد آرائهم وطرح بدائلهم حوله، أرى لسان حال مفكري (العر-نوبية) يقول: (بيت ابوك كان خرب شيل ليك منه شيلة).
فإذا رفض آخرون القهر، واختاروا أن ينازلوا (الإنقاذ القاهرة)، وقد دعتهم جهارا ودون مواربة إلى ذلك، فما هو الموقف المنتظر من كل وجدان سليم؟ ما هو الموقف المتماسك منطقيا ووطنيا حيال ذلك؟
وإذا وجد ذلك القهر رفضا من آخرين من غير بني جلدة المقهورين، وإذا دعم هؤلاء بني جلدتنا المقهورين الذين تقاعسنا نحن عن، ليس دعمهم، بل تقاعسنا عن مجرد قول الحق، وصرنا شياطين خرس، فهل الموقف السليم حيال ذلك أن نقول (وتلقفت الامر الجماعات الليبرالية الغربية التي كانت تبحث عن قضايا تتبناها فوجدت ضالتها في قضية دارفور، وفعلت ذلك بهستريا)؟ إذن سينطبق علينا المثل القائل (لا نرحم ولا نخلي رحمة تنزل). فالظلم- كقيمة- مستهجن ومرفوض في كل ديانة وفي كل معتقد، مستهجن ومرفوض عند كل وجدان سليم.
وما هي حقيقة مقولة ان ‘الجماعات اللبرالية' كانت تبحث عن قضايا، وهل هي غلطة تلك الجماعات إذا وفر (قهر الإنقاذ) لتلك الجماعات قضايا تتبناها؟
بلورة أساس فكري لبناء دولة أو أمة:
وما يطرحه مفكرو (العر-نوبية) هو بحث عن أسس جديدة لبناء دولة أو أمة، وتورد الورقة: انه (بالرغم من المثاليات فما زالت الأسس لبناء الأمم هي ما قال عنه علماء السياسية (من أبن خلدون إلي حسن نافعة): (تجانس في اللغة والدين والتاريخ والمصالح بدرجات متفاوتة. كذلك أكد علماء الاقتصاد أنه كلما زاد التجانس (النموذج ألأمريكي) كلما زاد النمو والازدهار الاقتصادي (Adelman & Taft, 1971).
قد يكون ذلك في غالبه صحيح، ولكن كان ذلك في زمان آخر.
فالواقع الدولي يبين بأن الدولة القائمة على مجموعة عرقية واحدة نادرة الوجود في عالم القرن الحادي والعشرين، هذا من جهة. ومن الجهة الأخرى فإن نفس الواقع الدولي يبين بأن الشعوب الحية تسعى لتكوين أجسام كبيرة تستطيع من خلالها أن تؤثر وتنافس في عالم اليوم الذي تشابكت فيه المصالح لدرجة لم يكن ليحلم بها إبن خلدون. ولا نعتقد أننا بحاجة لضرب أمثلة في ذلك. ولكن، المثالي والذي يصعب تحقيقه في زماننا هذا هو ما يقول به أصحاب (العر-نوبية). فالدول في عالمنا اليوم نتاج من حركة قديمة، ولم تتوقف، للبشر من منطقة لأخرى ولأسباب مختلفة: المجاعات، الحروب، الأوبئة والكوارث الطبيعية من زلازل وخلافه، باحثين عن مستقر يوفر لهم الأمن ويسر الحياة. وفي تحركهم من منطقة لأخرى يتم إستقرارهم وإختلاطهم بالمجموعات التي يفدون إليها. وعلى المدى تتأسس لهم حقوق وواجبات فيما يسمى اليوم في الفكر الإنساني بالمواطنة.
والمجموعات الوافدة لمنطقة ما تسعى لمشاركة الآخرين في إدارة أمورها هي أولاً ولا تتركها للآخرين، ومن ثم تسعى للمشاركة في إدارة أمور المنطقة التي تفد إليها. وهنا يجتمع الحراك البشري وتتفاعل الثقافات والأفكار.
والعرب الذين وفدوا للمنطقة التي نحن بصددها ‘السودان' قد وفدوا إليها للعمل في أرض المعدن في وادي العلاقي وما حوله، بل إنهم قد حاولوا الدخول للمنطقة، وقد حاولوا الدخول للمنطقة وبالقوة. يقول الدكتور جعفر ميرغني عن هجرات العرب للمنطقة: (خرج جماعة منهم كثيرون من جزيرتهم رأسا واستقروا في أرض المعدن بين عيذاب وبين أسوان في وادي العلاقي، وتربصوا هناك يعملون في المعدن وفي التجارة يتحينون فرصتهم لدخول السودان، ومنهم عرب الحجاز قريش وبنو هلال وغيرهم وعرب جهينة وقحطان وعرب ربيعه، وقد كانت لهم محاولات صادقات في الدخول عنوة تحت قوة السلاح إلا أن النوبة والبجا صدوهم مرارا فلبثوا في أرض المعدن قرونا، وهناك خالطوا البجا وتزاوجوا معهم ومن خلال المعايشة والتزاوج والتوالد تمت سودنتهم). ويضيف: (فأنا أسمي بلاد البجا المصفاة السودانية الكبرى لأنه لم يتجاوزها عربي فيدخل السودان إلا مسودنا قد تخلق بأخلاق أهل البلاد وتزيا بزيهم وعرف لغتهم وامتزج بمزاجهم)- مقالة "المعربات السودانية"، دكتور جعفر مرغني- مجلة "حروف" العدد (2/3) مزدوج 1991. وعن ميناء "باضع" يورد د. صلاح الدين الشامي التالي: (ويؤكد جغرافيو العرب أن عرب باضع وأصحابها كانوا متأثرين من حيث الصفات العامة بسكان الظهير من البجاة.. وكأنهم يتشبهون بالهندوة والبني عامر) ، ويضيف: (ويقوم ذلك دليلا واضحا على أن العرب في باضع كانوا على علاقات قوامها الود والصداقة وربما التزاوج والاختلاط مع سكان منطقة الظهير)- كتاب: الموانئ السودانية ص 66- الدكتور صلاح الدين الشامي، نشر مكتبة مصر 1961، سلسلة الألف كتاب، العدد (378).
فالعرب قد قدموا للمنطقة صيادي رزق، والواضح انهم قد حاولوا الدخول لأرض النوبة والبڊاوِيت، بل وحاولوا الدخول إليها عنوة تحت قوة السلاح. وبفشل محاولات الدخول عنوة، بدل العرب من أساليبهم فعملوا على معاشرة هؤلاء الناس وعملوا على الزواج منهم، وليس التزاوج معهم، ففي الغالب لم يتزوج البڊاوِيت والنوبيون من نساء العرب إذ انهم، أي العرب، لم يأتوا بأسرهم للمنطقة، وهذا بديهي. والواضح أنه كان وراء زواج العرب من نساء أهل المنطقة غرض، وذلك طبعا، بعد ملاحظة العرب الوافدين لعادات هؤلاء الناس من توريث إبن البنت وإبن الأخت عوضا عن إبن الصلب.
وإبن خلدون- نفسه- الذي يستشهد به العرنوبيون في (الأسس لبناء الأمم) يقول: (ثم انتشر أحياء العرب من جهينة في بلاد النوبة واستوطنوها وملكوها وملأوها عيبا وفسادا، وذهب ملوك النوبة إلى مدافعتهم فعجزوا ثم صاروا إلى مصانعتهم بالصهر.. وصار ملكهم لبعض أبناء جهينة من أمهاتهم- لأن أمهاتهم من بنات ملوك النوبة- على عادة الأعاجم في تمليك الأخت وابن الأخت فتمزق ملكهم واستولى أعراب جهينة على بلادهم).
ويقول دكتور عبدالله الطيب (هذا ويقال إن سبب غلبة العرب على الوسط آخر الأمر نشأت من المصاهرة. وعُرف من كانوا هم أهل الدولة بغرب النيل من جعل وراثة السلطة والملك لأولاد البنات، خلافا للعرب الذين كانوا عند كثير منهم الأخذ بقول القائل:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا **** بنوهن أبناء الرجال الأباعد
مقالة: العربية فى السودان، د. عبدالله الطيب- مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة- عام 89، ص 57.
والعرب، مثل أية محموعة تفد لأرض أخرى، لم يكونوا ليقبلوا أن يعيشوا على درجة أقل من المجموعات التي تعايشها، أو أن يتركوا أمورهم ليديرها غيرهم، هذا إذا لم يتطلعوا إلى السيادة وفرض رؤاهم على الآخرين.
ولن يخلق تفكير رغائبي، مثل الذي يتعاطاه مفكرو (العر-نوبية)، أمة ولا دولة. فالعرب ومن يدعي أنه عربي سيظل ولفترة طويلة على إعتقاده، والنوبيون سيظلون نوبيين والبڊاوِيت سيظلون بڊاوِيت، وقد ظلوا على ذلك على مدى آلاف من السنين.
وإذا أخذنا بتعريف الأمة القائل بأن الأمة (مجموعة من البشر لهم لغة مشتركة، وثقافة واحدة وعادات وتقاليد واحدة، وينحدرون من أصل واحد ويقطنون بقعة إقليمية محددة، وتحدوهم آمال ومصالح مشتركة، ويشعرون بالحاجة إلى أن تحكمهم سلطة واحدة ذات سيادة)، فقد أثبتنا هنا إختلاف اللغات بين المجموعات الثلاث، ووضحنا إختلاف الثقافات، وإختلاف العادات والتقاليد. وأصحاب (العر-نوبية) أنفسهم يعترفون بوجود أصلين لهذه المجموعات وليس أصل واحد.
أما عن الآمال والمصالح المشتركة فلا أرى آمالا واحدة أومصالح مشتركة لهذه المجموعات إلا في إطار الدولة التي جمعتهم وتجمعهم اليوم- السودان.
تجربة المجرب:
ولن يسمح البڊاوِيت أن "يتأبطهم" آخرون لتحقيق طموحاتهم الصغيرة، إذ تكفيهم تجاربهم السابقة. فالبڊاوِيت واحدة من المجموعات الطرفية في السودان، كما يرى أصحاب (العر-نوبية)، والذين حملوا السلاح في وجه (قهر الإنقاذ)، ولم يكلف مفكرو (العر-نوبية) أنفسهم حتى مغبة السؤال: لماذا حمل البڊاوِيت السلاح؟. ولم يقل أصحاب (العر-نوبية) شيئا عن التهميش وظلم الدولة منذ نشأتها للبڊاوِيت.لم ينبسوا بكلمة، ولا يفعلون، عن الجهل والمرض والفقر يطحنون البڊاوِيت. أليس من مكارم الأخلاق التي يدّعون قولة الحق؟ دع عنك قولة الحق في وجه إمام (قاهر).
والآن، يريدون أن يتأبطونا لتحقيق أحلامهم الصغيرة.
لقد أدى البڊاوِيت دورهم في مسار تاريخ المنطقة، وشاركوا بفعالية في حرب المستعمر، وتكفيهم في ذلك شهادة عدوهم. إقرأ في ذلك قصيدة: (Fuzzy-Wuzzy) لشاعر الإمبراطورية التي كانت لا تغرب عنها الشمس: (Rudyard Kipling).
وعن شهادة غيرهم نقتبس من ذات القصيدة التي إقتبس منها، وعلى سبيل (البروباقاندا)، مفكرو (العر-نوبية) أبياتا، والنص من نشيد: "يقظة شعب" للفنان وردي وشاعر القصيدة هو مرسي صالح سراج، والتي نعتقد أنهم قد قرأوها بمنهج (ويل للمصلين). ولمجرد إثبات إنتقائية أصحاب (العر-نوبية) وتطفيفهم نقتبس ومن نفس القصيدة التالي:
شرقنا يوم اللقاء كيف سعى **** حين داعي البذل بالروح دعا
كيف بالسيف تحدى المدفعا
ودما بذلوها ثرة لا تستكين **** للقنا .. للقيد.. للعيش المهين
والبڊاوِيت قد حملوا السلاح في وجة الدولة للتهميش والظلامات التي يعيشها أهلوهم، ورفضا للقنا.. وللقيد.. وللعيش المهين. وهم، فوق ذلك، على يقين تام من أن حلول مشاكلهم لن تنجز بمعزل عن حل كل قضايا السودان سواء كانت في بواديه أو وسطه، فالاطراف لا يمكن ان تصح ويستقيم امرها اذا كان القلب مريضا ومعتلا.
العرنوبية.. نظام الحكم:
يحلم (العرنوبيون) بدولة قائمة على المكونات التي ذكروها، ولكنهم نسوا أن يتحدثوا عن النظام الذي يريدونه لدولتهم، وعن الحقوق والواجبات فيها. ولكن يبدو أنهم لم ينسوا الحدود، حدود تلك الدولة: (أما ما حدود هذه الدولة فأعترف أنه لن يكون سهلاً وسيخضع للتفاوض ولكنها حتماً ستضم أواسط السودان الحالي (الشمالية والجزيرة والبطانة وشمال كردفان والشرق "كسلا والبحر الأحمر").
فهل مثلا ستكون الدولة ملكية يتوج فيها ملك نوبي، أم هي عربية إسلامية يحكمها ‘أمير مؤمنين عربي'، أم هي عشائرية سيرتضون فيها بحكم شيخ من البڊاوِيت؟ مركزية، فدرالية أم لا مركزية؟ هل هي ديموقراطية سيتم تداول السلطة فيها سلمياً؟ وكيف؟ هل تنبني الحقوق والواجبات فيها على العرق أم الدين أم كليهما، أم على خلاف ذلك؟ ويبدو أن الأحزاب في دولة (كوش-نار) ستقوم على أساس عرقي.. أم هل سيمنع قيام أحزاب في الدولة؟ وما هي أسس التنمية في الدولة.
مساهمة في التأصيل للاسم:
وعجبا، لقد اضطلعنا في مقترح (العر-نوبية)، وفي فقرة كاملة منه، على تأصيل جامع شامل حول (الإسم) وأهمية الحرص على إختياره من حيث معناه أو دلالاته.. وأول من لم يلتزم بذلك "التأصيل" هم مفكرو (العر-نوبية)، فما هي دلالات الإسم: (عر-نوبية) فيما يتعلق بحقوق الناس وبالتنمية، وأين نصيب البڊاوِيت في الاسم نفسه. والبڊاوِيت أقدم في المنطقة من الذي بدئ به الإسم؟ أم سيطال التهميش البڊاوِيت أيضا في تلك الدولة العنصرية وحتى قبل قيامها؟ والجواب يكفيك من عنوانه كما يقولون.
ويبدو أن التأصيل الذي قرأناه عن (الاسم) وأهميته، وأهمية دلالاته، يبدو إن تلك المحاضرة لم تكن أكثر من لزوم ما لا يلزم. فما رأي العرنوبيين في أن نساهم معهم في اقتراح للاسم ؟ عسى بل لعل. ونقترح أن نأخذ الحرفين الأولين من (عرب)، كما فعلوا، نعقبهما بالحرفين الأولين من (بجا) ثم نكمل ذلك بالأداة أو اللازمة (ية)- الياء والهاء أو التاء المربوطة- التي ينتهي بها الاسم: (عرنوبية).
ويبدو أنه سيتم تأبط البڊاوِيت، أرضهم وثروات ظاهرها وباطنها، وبحرهم وإستراتيجيته وثرواته ظاهرة وباطنة، وحوالي مليوني إنسان، ومن ثم تهضم حقوقهم تلبية لأحلام هؤلاء، ويبدو أن المطلوب منا أن نبدأ نضالنا منذ الآن لإحقاق حقوقنا في دولة أبارتايد جديدة.
يجب أن تكون هذه المسائل واضحة في ذهن أي "مفكر" دعك ممن يريد أن يقيم دولة.
وربما سيقول قائلهم بأن دولة (كوش-نار) جمهورية. وأن الفكر العرنوبي يؤمن بأن الحقوق والواجبات في الدولة ستقوم على أساس المواطنة، وإنه يدعو إلى دولة فدرالية ديمقراطية تعددية، تقوم السلطة فيها على تداول سلمي بين أحزاب، ولن تقوم الأحزاب السياسية في الدولة على أساس آيدولوجي ولا جهوي ولا عرقي ولا ديني ولا مذهبي، وأن الأحزاب ستتنافس بطرح برامجها على الجماهير، ولا سلطة عليها غير ما رأته الجماهير. والتنمية ستكون متوازنة مع إنحياز إيجابي للمناطق الأكثر تخلفا وبالشكل الذي لا يخلق خللا، ويمكِّن، في ذات الوقت، المناطق الأكثر تخلفا من اللحاق ببقية أجزاء الوطن.
حسنا، في هذه الحالة سنقول لأصحاب (العر-نوبية) انه إذا كان ذلك كذلك، فهذا عين ما يريده أهل الأطراف أو المهمشون في السودان اليوم دون أية زيادة أو نقصان. وإذا كان ذلك حقيقة، كذلك، فلماذا لا يشمر أصحاب العرنوبية عن سواعدهم ويعملوا بجد، وفي (الزمن الضائع) الذي نلعب فيه، مع كل الذين يؤمنون بأفكارهم هذه في سودان اليوم؟ لماذا؟
وما يحلم به أصحاب (العر-نوبية) قريب مما جرى في السودان منذ نشأة الدولة في تاريخها الحديث.
إذ أنه وبعد الحكم التركي ثم الثنائي التركي الإنجليزي واتت ظروف محلية وإقليمية ودولية مختلفة فتم إستقلال البلاد. والسودانيون اليوم يتفقون بكل مشاربهم، غير أهل (العرنوبية) ومن لف لفهم، على أنه في تلك اللحظة التاريخية، لحظة الاستقلال، لم يتم التأسيس لاتفاق على شروط تعايش رضائي بين مكونات الوطن.
وحسب علمنا فإن من ينادي الآن بالإنفصال أو تقرير المصير أو ماشابه ذلك- فيما عدا أصحاب (العر-نوبية)- فإنه يطالب بعدالة وتأسيس لتعايش رضائي. وتلك هي (الأسباب الموضوعية) لأهل الهامش والتي رآها أصحاب (العر-نوبية) أنفسهم، فإذا تم رفض ذلك من (العرنوبيين) وغيرهم، فما الذي يتبقى؟.
ولن يؤثر الغبار الذي يثيره أصحاب (العر-نوبية) حول أطروحات الهامش في أي متابع. ولن تؤثر فينا الصفات والأسماء من عيار: (الحركات الانفصالية).. (الاستقلالية)، وعن أهل الهامش أن (يعودوا إلى رشدهم ويبقوا في دولة الوحدة بدون أي تفكير)، وعن دارفور: "متحدث باسمهم يقول لنا "تقرير المصير لدارفور طلب جدي وليس مناورة". وعن السودان (أننا ركام متنافر خلقة الاستعمار).. الخ. فقد أشبعتنا خمسون سنة من ذلك، حتى أتخمنا.
ما هو واضح اليوم هو أن كل الطيف السياسي السوداني قد أعاد التفكير فيما جرى، سواء كان مجبرا أو كان ذلك عن قناعة. فالأحزاب السودانية المجتمعة في المعارضة وفي اتفاقات أسمرا 1995 قد أقرت أسساً لمبادئ التعايش الرضائي وإن كان ذلك، فيما يبدو، من باب "فقه الضرورة"، أو لنقل بأنها قد أقرت بخطئها التاريخي. ودولة (الإنقاذ) ومنذ ‘إتفاق السلام من الداخل' 1997 تراوح المعاني التي تحدثنا عنها حول التعايش الرضائي، ولكن هذه الدولة لم تكن جادة لا في توجه أعلنته ولا في إتفاق أبرمته، على كثرة تلك الإتفاقات، وكل ما يجري كان، فقط، مراوغة لكسب الوقت بغرض التمكين. والعرنوبيين لم يفتح الله عليهم بكلمة في ذلك.
والقضية عندي أكبر وأوسع من مجرد ‘حردِ' وتطفيف بلملمة كل سلبي في (سلة) دعما لفكرة أو تبرير عجز، بغض النظر عن موضوعيته أو عدمها.
القضية قضية وطن. والقضية هي: كيف نضع أسسا لتعايش نرضاه كلنا في هذا الوطن ونعمل جادين على تحقيقها.
وطن نعلم علم اليقين بأننا قد تم حشرنا فيه بفعل محمد علي باشا، وتلبية لأطماعه وطموحاته الشخصية قبل حوالي القرنين من الزمان، وبأنه ليس من مجموعاته أو شعوبه من تمت إستشارته في أن ينتمي أو ألاّ ينتمي إليه.
وطن إذا لم نكن قد إخترناه، لكنه، قد أضحى قدرنا..
... وهل الناس عادة يختارون أوطانهم؟
وطن، وللأمانة، أحببناه ونحبه بكل مكوناته وإختلافاته. وليسمي مفكرو (العر-نوبية) هذه المكونات (ركام متنافر خلقة الاستعمار وبه نقاط انفجار خاصة في أطرافه الجنوبية والغربية) وسنسمي نحن تلك المكونات "تنوعا"- ولا نرى ذلك التنوع عيبا ولا نغمة، بل نراه ميزة تنتظرنا، ونعمة تنتظر حسن إدارتنا لها.
بلورة اسس فكرية لبناء دولة يحتاج لنظر حديد للتأمل في الحاضر والمستقبل:
ويقول العرنوبيون أن (واجبنا هو النظر في الامر وبلورة اسس فكرية لبناء دولة قومية مستدامة من المعطيات المتاحة علما بأن الأمر أصبح ملحا اكثر من اي وقت مضى)
الجزء الأخير من هذه المقولة، بأن الأمر قد أصبح ملحاً أكثر من أي وقت مضى، صحيح وبلا أدنى شك. فنحن نلعب في (الزمن الضائع) بعد نيفاشا. وبلورة اسس فكرية لبناء دولة يحتاج لنظر في الحاضر ومعطياته المتاحة الحقيقية وليست المتوهمة أو المنتقاة، ويحتاج لنظر في المستقبل بحيث نحقق النماء والإزدهار لشعوب هذه المنطقة.
ولمفكري (العر-نوبية) وأمثالهم نقدم هذا الإقتباس:
( .. وهكذا يصبح من الجلي أن قيام دول أفريقية مستقلة متحدة في إطار حكومة مركزية ديموقراطية، تمتد من شواطئ البحر الأبيض المتوسط الليبية حتى رأس الرجاء الصالح، ومن المحيط الأطلسي حتى المحيط الهندي، هو وحده الذي سيتيح للأفارقة إمكانية الإزدهار تماما وإثبات قدراتهم في مختلف مجالات الإبداع، وفرض أحترامهم- بل وحبهم- والقضاء على كافة أشكال الرعاية الأبوية، والإسهام في تقدم البشرية بإتاحة فرصة للتآخي بين الشعوب الذي سيكون أيسر خاصة لأنه سيكون تآخيا بين دول مستقلة بنفس الدرجة لا بين مسيطرين ومقهورين) ..
ويضيف الاقتباس: (من السهل أن نسترسل لكي نثبت أن استقلال مستعمرة السنغال الصغيرة، وكوت ديفوار، وتوجو، وداهومي.. الخ، لن يكون إلا وهماً لأنه سيتعين على هذة المستعمرات أن تخضع فورا لكافة أشكال الضغوط الخارجية وستدور آليا، بفعل القوى الإقتصادية، في فلك إحدى الدول الكبرى. والحل الفدرالي يقضي على مثل هذا الوضع).
كيف يري مفكرو (العر-نوبية) هذه الرؤية؟
مما ورد في فكرتهم المطروحة، الواضح أن فكرة وحدة أفريقية مرفوضة من قبل العرنوبين أو هي مستحيلة على إفتراض أحسن ظن فيهم، فهم على عجز تام عن مجرد التنظير للمحافظة على وطن قائم، وهم على تفتيت أكبر قطر أفريقي فقط لأن اسمه تاريخيا كان يعني "سود" أو كان يعني "عبيد" كما استنتج العرنوبيون من قضية (الفستق)، حيث لا أسباب أخرى موضوعية؟.
ويقول صاحب الاقتباس السابق: (.. هناك إذن واجب علينا أن نؤديه إزاء أوروبا: علينا أن نساعدها على التحرر من العادات القديمة التي إكتسبتها من خلال ممارستها للإستعمار، ودفعها إلى إدراك الوجهة الحقيقية لمصالحها التي لم تعد قادرة حتى على تحديدها. فأوروبا وحدها ضعيفة للغاية وفي حاجة إلى المساعدة للتوصل الى ذلك. غير أنها لن تتأخر في الإقدام على هذا الأمر وعلى أسس ديموقراطية حقا في اليوم الذي ستقتنع فيه بأنها فقدت أفريقيا نهائيا؛ وعندئذن سيبدو الإتحاد الفدرالي الأوروبي الحل بالنسبة لكل الذين كانوا يتساءلون حتى ذلك الوقت عن مصير بلادهم دون مستعمرات).
هذا رجل مفكر نظره حديد..
رجل أفريقي أسود يتنبأ بحيثيات ضرورة قيام (إتحاد أوروبي) قبل أكثر من خمسين سنة من إنشائه. بل وفي وقت كانت أوروبا خارجة لتوها من الحرب العالمية الثانية بكل فظائعها. انتهت الحرب الأوروبية- أو الحرب العالمية الثانية- في مايو 1945، وخلفت خسائر بشرية وبؤسا اجتماعيا لأوروبا خاصة. وتجاوزت الخسائر البشرية 55 مليون نسمة وجرح ما يقارب 90 مليون إنسان، بالإضافة إلى ملايين المعوقين والأرامل واليتامى، وتزايدت نسبة البطالة والفقر وانتشرت المجاعة وارتفع عدد المشردين. وذلك الرجل يتنبأ بحيثيات قيام (إتحاد أوروبي) في حقبة كانت المرارات على أشد ما تكون بين الدول الأوروبية، وفي وقت كان الأوروبيون يتساءلون فيه (عن مصير بلادهم دون مستعمرات)، وها هو الإتحاد الأوروبي حقيقة ماثلة للعيان.
وتبقى مشكلة أفريقا..
وستبقى مشكلة أفريقا، فقط، لأن أمثال أصحاب (العر- نوبية) بعض مفكريها!! وصدق من قال: "أننا نعاني محنة كبرى وإن أبرز معالم هذه المحنة هي " قصور المفكرين ونكوص المثقفين عن أداء دورهم في إعمال الفكر وضرب المثل في الاستقامة والسلوك الأخلاقي". ثم ألا ينطبق على منظري العرنوبية قولهم بأن "قليل جداً من له رؤيا مستقبلية تمتد إلى جيلين أو ثلاثة في المستقبل وما ينبغي أن تكون عليه الأمور أو ما هو الشكل المثالي للبلد الذي يمكن أن يدوم ويستدام".
و(الرجل المفكر) صاحب الإقتباس هو "شيخ أنتا ديوب" المؤرخ واللغوي السنغالي- هل لفت نظرك ما قاله عن استقلال "وطنه" السنغال الذي حدث بعد بضع سنوات من قوله هذا؟ لقد قال أنه: (من السهل أن نسترسل لكي نثبت أن استقلال مستعمرة السنغال الصغيرة... لن يكون إلا وهماً لأنه سيتعين... أن تخضع فورا لكافة أشكال الضغوط الخارجية وستدور آليا، بفعل القوى الاقتصادية، في فلك إحدى الدول الكبرى. والحل الفدرالي يقضي على مثل هذا الوضع)- ماذا لو اقترحنا عليكم أن تأخذوا جولة في الانترنت بحثا عن معلومات حول السنغال لتروا بأنفسكم مدى قوة فكر الرجل؟.
يتبقى أن نقول أنه يبدو أن مشكلة السنغال أنها، وفيما بعد استقلالها، قد وقعت في يد مفكرين من عينة أصحاب العرنوبية. ونضيف بأن "شيخ أنتا ديوب" قد كتب مؤلفه المذكور عام 1954، وأن اسم المؤلف هو: ‘الأصول الزنجية للحضارة المصرية'- توزيع دارالعالم الثالث للنشر- القاهرة، ترجمة: حليم طوسون.
من الضروري في الختام توضيح أن هذه المادة قد كتبت ردا على مجموعة "العرنوبية" في 19/01/2009، وأنها قد تم نشرها في موقع "سودانيز أون لاين". وأنه قد تمت بعض الإضافات إلى نصها الأساسي فيما بعد بغرض المزيد من التوضيح.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.