شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حوار حول الوضع الراهن في السودان مع الشيخ عبد الحي يوسف
نشر في السودان الإسلامي يوم 10 - 03 - 2010

يمر السودان بأكبر اختبار في تاريخه، وقد تفرز انتخابات أبريل 2010م، أوضاعاً قاسية على هذا البلد المسلم الذي يعيش منذ خمس سنوات حالة من السلام الهش، بموجب اتفاق السلام بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية المتمردة في يناير 2005م.
ويقضي هذا الاتفاق بإقامة انتخابات عامة في على المستوى الرئاسي والبرلماني في السودان عامة وفي جنوب السودان في ذات الوقت، وينص الاتفاق أيضا على استفتاء الجنوبيين السودانيين على اختيار الوحدة أو الانفصال في يناير من العام المقبل 2011م، ويجمع المحللون على أن الانتخابات المقبلة تؤثر بصورة مباشرة على اختيار الوحدة أو الانفصال.
فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف، أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الخرطوم وأحد أبرز علماء السودان ومن فقهائه المعدودين، وقد نال درجة الماجستير في موضوع "الدولة في الإسلام" وتناولت أطروحته للدكتوراة قضية " الاستبداد السياسي في القرآن الكريم". ولا اشتغاله فكراً ودراسة بموضوع الفقه السياسي واطلاعه الدقيق لمجريات الواقع في السودان؛ قدم الشيخ عبد الحي إجابات صريحة ودقيقة حول الموقف من الانتخابات القادمة وحيثيات الواقع ومآلات الأوضاع والموقف الشرعي الواجب على المسلمين في هذا البلد والدور المنوط بالعلماء في هذه المرحلة.
تمر البلاد بفترة حرجة من تاريخها ولكن السودانيين منقسمون فإلى أي شيء تردون انقسامهم؟
السودانيون فيهم المسلم والكافر والبر والفاجر، وهم على اختلاف أديانهم وأعرافهم وثقافاتهم مختلفون فيما بينهم؛ لا على أساس الدين في الغالب بل على لاختلاف الأهواء والأغراض؛ ولذا قل أن تجد حزباً أو جماعة أو طائفة إلا وقد انشطرت على قسمين أو أكثر؛ وهذا الانقسام ليس بالأمر الجديد عليهم؛ فهذا هو العهد بهم منذ الاستقلال بل ما قبله؛ ومردُّ ذلك إلى اختلاف الأهواء؛ فالسودانيون من زمان بعيد لا تجمعهم مرجعية واحدة، بل هم شيع وأحزاب وطوائف، والعجب أن بعضهم ما زال ينتمي إلى أفكار وأحزاب صارت من تاريخ الغابرين الشيوعيون والناصريون كمثال وما زال حزب البعث له أنصاره ومروجو خرافاته في الجامعات وغيرها، ولذلك تجدهم مختلفين فيما بينهم ومع غيرهم حول قضايا مصيرية.
والإسلاميون في الأعم الأغلب ليسوا بأحسن حالاً؛ فلا توحدهم وجهة ولا تجمعهم أهداف مشتركة، بل يكيد بعضهم لبعض ويبدون العداوة والخصامَ، إلا من رحم الله، والذي يمكن عمله بالنسبة للإسلاميين أن يتفقوا على مرجعية شرعية مستقلة يصدرون عنها في تقرير مواقفهم؛ لا أقول في الأمور التفصيلية بل في القضايا العامة التي ما ينبغي أن يختلف عليها الناس.
الانتخابات القادمة تعد فاصلة في تحديد مصير السودان، فكيف يراها العلماء وأين يقفون منها؟
بالنسبة لي ولا أتحدث نيابة عن غيري ليس لديَّ تحفظ شرعي على الانتخابات كوسيلة مناسبة وفق المتاح ليختار الناس من يحكمهم، بدلاً من الاحتكام للبندقية التي انتشرت ثقافتها والتي أفضت إلى المآسي المتمثلة فيما يحدث في دارفور وجنوب السودان، وهي بديل مناسب عن الحكم الاستبدادي الديكتاتوري الذي لا ينال الناس من ورائه خيراً، وغايته إذلال العباد ونهب ثروات البلاد؛ هذا مع علمي بأن الانتخابات تشوهها ندوب وتعتريها جملة محاذير، لكنني أقول: هذا هو المتاح الآن وليس أمام الناس إلا أن يشاركوا، كما أن للانتخابات في السودان فائدة مهمة في هذه المرحلة، وهي أنها ستبين الأوزان الحقيقية لسائر الكتل والأحزاب السياسية التي يدعي كل منها أنها الممثل لأهل السودان أو لجهة منه، وهذا لا يتحقق إلا إذا كانت هذه الانتخابات نزيهة حرة، وصار لدي الناس وعي بحيث يكون التصويت لمبادئ وبرامج لا لأشخاص وأحزاب. وحبذا لو اجتمعت كلمة العلماء على موجهات عامة ومنها:
1. وجوب مشاركة المسلمين في هذه الانتخابات، وعدم جواز التقاعس واللامبالاة؛ لئلا يفضي ذلك إلى أن يثب على الحكم من لا يرجو لله وقارا
2. أن يصدر تصور شرعي عام فيما ينبغي عمله في هذه النازلة من حيث حرمة شراء الأصوات وبيعها، وأنه لا يجوز تزكية ولا انتخاب من أحاطت به أسباب الفسق وخوارم المروءة، ووجوب وحدة أهل الإسلام ودعمهم لمن كان لله أقرب وهو على شعائر الدين أحرص
3. حبذا لو كانت هناك قائمة للمرشحين مزكاة من قبل أهل العلم والفضل حتى يريحوا كثيراً من الناس ممن يصدرون في مواقفهم عن رؤية شرعية، وليس هذا من باب الوصاية على اختيار الناس، بل من باب التعاون على البر والتقوى، ومن باب تعديل من يجهل كثير من الناس قدره
كثير من الإسلاميين يرون أن اتفاق نيفاشا – الذي أوقف حرب الجنوب- كان جائراً بحق الشمال وحق المسلمين، وهو السبب في أكثر الأزمات السياسية التي يمر بها السودان .. ما هو الموقف الشرعي من اتفاق نيفاشا الذي يقترح أن يكون مثلاً لحل مشكلات التنوع الديني والعرقي في العالم الإسلامي وإفريقيا على وجه الخصوص؟
المعلوم أن مفاوضات نيفاشا وقبلها ميشاكوس وقبلها أبوجا جرت في ظل غياب إسلامي عربي تام، وكانت تتم تحت إشراف الأمم المتحدة ومعها النرويج وإيطاليا وبريطانيا وأمريكا وما يسمى بدول الإيقاد، وهي كما ترى مجموعات صليبية يهودية، ليس فيها جهة إسلامية معتبرة، وكان العرب والمسلمون وخاصة الدول المجاورة وكأن أمر السودان لا يعنيهم، ولم يتكرم أمين الجامعة العربية إلا بحضور التوقيع النهائي، بعدما قضي الأمر؛ فكان شاهداً على أمر لا يدرك أوائله ولا مآلاته، وهذه الاتفاقية لا تخلو من حسنات من ذلك أنها أوقفت الحرب ولو إلى حين، وأقرت حكم الشمال بشريعة الإسلام، وأتاحت نظرياً التبشير بدين الإسلام في الجنوب؛ لكنها مع ذلك اشتملت على جملة من الطوام التي تكلم عنها الناس في حينه في مناصحات سرية وعلنية، ومن ذلك:
أولاً: أخطر ما في نيفاشا أنها ألزمت الحكومة بسحب معظم الجيش السوداني القومي من الجنوب؛ وبالتالي صار الجنوب عملياً تحت رحمة عصابات وميليشيات الحركة الشعبية، التي لا تبالي بقتل وسحق وإيذاء كل من يخالفها في قليل أو كثير، وقد أثر ذلك على المسلمين وغيرهم في الجنوب
ثانياً: اتفاقية الترتيبات الأمنية ألزمت الحكومة في حال اختيار الجنوبيين للوحدة أن يكون الجيش السوداني نصفه من الحركة الشعبية التي تعادي الإسلام وتتبنى العلمانية، مع أن هذه النسبة جائرة وظالمة جداً؛ إذ ليست الحركة الشعبية هي نصف السودان من أجل أن تعطى نصف الجيش؛ فإذا تصورنا أن الحركات المسلحة في دارفور ستطالب حال الاتفاق معها بشيء مثل هذا أو قريب منه، وهي حركات في أغلبها قائمة على أسس علمانية؛ فانظر كيف سيكون حال الجيش؟ معنى ذلك أن الجيش السوداني ستكون أغلبيته معادية للإسلام وشريعته وللعروبة.
ثالثاً: الاتفاقية أفضت إلى إنشاء مفوضية لغير المسلمين في الشمال؛ مما أضعف الحكم الإسلامي غاية الضعف؛ لأن هذه المفوضية التي يرأسها جنوبي غير مسلم ظلت تمارس الضغط على حكومة الشمال، بدعوى عدم تضييع حقوق غير المسلمين؛ مما أفضى إلى التفلت الذي يظهر بادياً للعيان في الشوارع، وقل مثل ذلك في التعامل مع الخمور وغيرها من القضايا التي ما كانت تظهر قبل عشر سنوات مثلاً؛ إذ كانت الحشمة والوقار والتزام آداب الشريعة ظاهراً للناس، وقد أدى ذلك أيضاً إلى أن يطل المنافقون برؤوسهم ثانية تحت دعاوى الحرية والتحول الديمقراطي فظهر الجمهوريون أتباع الهالك محمود محمد طه، وتمدد الشيوعيون والعلمانيون في فضاء الجامعات والمدارس، وإلى الله المشتكى
رابعاً: هذه المفوضية التي أقرت لغير المسلمين في الشمال، ليس هناك مثلها في الجنوب بمعنى أن المسلمين في الجنوب لا بواكي لهم مما أفضى إلى إلغاء كثير من مظاهر الإسلام التي كانت قائمة في الجنوب؛ فأغلق فرع جامعة القرآن وديوان الزكاة والبنوك الإسلامية، بل عطلت بعض المساجد ومنع الأذان، ومنع المسلمات من الحجاب، وصار التعليم في المدارس قائماً على المنهج الكيني وهكذا
خامساً: أعطت الاتفاقية للحركة الشعبية حكم الجنوب كله؛ ولك أن تتصور أن حكومة الجنوب فيها اثنان وعشرون وزيراً ليس من بينهم مسلم واحد، ومعظمهم نصارى مع أن أغلب الجنوبيين وثنيون وليسوا نصارى، وفي الوقت نفسه تشارك الحركة الشعبية في حكم الشمال، والآن بلغ بهم الاستخفاف والأماني أن يرشحوا شيوعياً شمالياً هو نائب الأمين العام للحركة لمنصب رئيس الجمهورية
خامساً: التناقض والتشاكس الحاصل في الحكومة المركزية من جراء مشاركة الحركة الشعبية العنصرية؛ حتى إنه ليبدو للناظر أن في الشمال حكومتين لا حكومة واحدة، ففي بعض القضايا المصيرية كقضية المحكمة الجنائية الدولية ترى للحكومة رأيين وكلمتين؛ فبينما رئيس الجمهورية ونائبه ومعظم أعضاء مجلس الوزراء والمجلس الوطني يرفضون قرار الجنائية الدولية تسمع من وزراء الحركة الشعبية وعلى رأسهم سلفاكير ووزير الخارجية ما يخالف ذلك إن تصريحاً أو تمليحاً، وهو وضع لا تكاد تجد له مثيلاً في الدنيا.
هل ترى أن وحدة السودان ضرورية للبلاد ومستقبل الإسلام ولماذا؟
المسلم لا يرفض الوحدة بل يسعى إليها ويحرص عليها؛ لكن في ظل المعطيات الحاصلة الآن يحتاج الأمر إلى نظرة فقهية قائمة على نظرية المصالح والمفاسد؛ والواقع الآن أننا أعني المسلمين في الشمال والجنوب معاً ضعفاء، وكفار الحركة الشعبية ومن يسارعون فيهم من منافقي الشمال يحاولون من خلال الوحدة المدَّعاة أن يفرضوا العلمانية على السودان، فيقولون: لا بد من محفِّزات حتى تكون الوحدة جاذبة، وأولى هذه المحفِّزات عندهم أن تتاح حرية الكفر والفسوق والعصيان، وأن تُعطَّل القوانين الشرعية، وهم في ذلك مدعومون من قوى إقليمية ودولية تحت عناوين شتى، ولذلك يرى بعض الناس أنه في ظل التشرذم الإسلامي والضعف والتخاذل من قبل الدول العربية فإن الأفضل أن يضحى الناس بالوحدة في مقابل الحفاظ على أصل الدين في الشمال.
بعض العلمانيين يرون أن من محفزات الجنوبيين على الانفصال هو مواقف الحركات الإسلامية من تأييد تطبيق الشريعة الإسلامية ومناصرة الهوية العربية الإسلامية للسودان، باعتبار أن تطبيق الشريعة يبعد غير المسلمين من رئاسة الجمهورية من حيث المبدأ ويجعلهم بالتالي مواطنين من الدرجة الثانية فهل هذا صحيح؟
إنني أسأل هؤلاء: هل من الديمقراطية التي تبشرون وتتبجحون بها أن تحكم الأقليةُ الأغلبيةَ؟ أين نجد ذلك؟ هل في البلاد التي هي مثلكم الأعلى كأمريكا وبريطانيا يتاح للمسلم أن يحكم؟ ألم يتعرض أوباما حين تقدم للترشيح للرئاسة الأمريكية لحملات عاتية لمجرد أن أباه كان مسلماً بالانتماء؟ مما اضطر معه أن يؤكد مراراً نصرانيته المتأصلة، وأنه حريص على الصلاة في الكنيسة كل أحد، وهل من الديمقراطية أن تفرض الأقلية رؤاها على الأغلبية؟ ثم إنهم يلجئون إلى المغالطة كثيراً حين يزعمون أن الناس معهم؛ فلماذا لا يحتكمون إلى صناديق الاقتراع ليروا إن كان الشعب المسلم يريد للشريعة أن تحكم أم لا؟ وأنا أقول ذلك تنزلاً لا إقراراً مني بأن الحكم بالشريعة متوقف على رضا الناس. وهذه الفرية يروج لها المنافقون الداعون إلى العلمانية في سائر البلاد لا في السودان وحده؛ ليجعلوا من وجود غير المسلمين تكأة لرفض حكم الله جل جلاله (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر)
من كنسية بجوبا دعا سلفاكير الجنوبيين إلى التصويت لصالح الانفصال في 2011م حتى لا يظلوا مواطنين من الدرجة الثانية، من واقع معايشتكم للأوضاع في السودان بحكم انتسابكم إليه هل هناك تمييز بين المواطنين لهذه الدرجة التي عبر عنها رئيس حكومة الجنوب؟
لو طرحنا جملة أسئلة لأمكن من خلال الجواب عنها معرفة قيمة هذه الفرية؛ هل الجنوبيون محرومون من فرصهم في التعليم في المدارس والجامعات؟ هل هم محرومون من سكنى أحياء بعينها مثلاً؟ هل يُمنعون من ركوب المواصلات العامة؟ هل هم محرومون من تولي المناصب العامة؟ ألم يكن نائب الرئيس جنوبياً منذ عهود بعيدة؟ ألم يكن في مجلس السيادة عقيب الاستقلال عضو من الجنوب؟ هل تعرض مواطن شمالي لأي جنوبي في الشمال بالعدوان في أي يوم من الأيام حتى في أيام الحرب؛ لما سقطت الطائرة التي كان يستقلها الشهيد بإذن الله الفريق الزبير محمد صالح نائب رئيس الجمهورية وزعمت الحركة الشعبية من خلال إذاعتها كاذبة أنهم من فعل ذلك، هل عدا المواطنون من أهل الشمال على الجنوبيين فأحرقوهم أو قتلوهم أو آذوهم؟ اللهم لا، لكن بالمقابل ما الذي حصل يوم الاثنين الذي هلك فيه قرنق؟
ما هو واجب العلماء والدعاة في هذه المرحلة؟
أعظم واجب عليهم هو الدعوة إلى الوحدة الإسلامية القائمة على أخوة الدين لا الحزب ولا الجماعة وتغليب مفهوم الولاء والبراء على مفاهيم القبلية المنتنة والعنصرية المقيتة والعصبية الجاهلية، ومن الواجبات كذلك تذكير الناس بأن العاقل لا من يعرف الخير من الشر، بل العاقل هو من يعرف خير الخيرين وشر الشرين، مع تذكيرهم بنعمة الله علينا في فتح أبواب الدعوة وإتاحة الحريات للناس بقدر مناسب
إذا اختار الجنوبيون الانفصال؛ كيف ترون مستقبل المسلمين في جنوب السودان والواجب تجاههم؟
المسلمون الجنوبيون هم الطرف الخاسر حال الوحدة أو الانفصال؛ لأن الاتفاقية ابتداء لم تتعرض لهم بشيء مذكور؛ ولا شك أن مستقبلهم حال الانفصال أكثر ظلاماً؛ لأن الحركة الشعبية تحركها عنصرية بغيضة تجاه غيرها من الأعراق الأخرى، بالإضافة إلى عداوة شديدة تجاه المسلم أياً كان عرقه، أي حتى لو كان من بني جلدتهم، وهم لضيق أفقهم ينظرون إلى المسلم الجنوبي وكأنه طابور خامس أو جاسوس لأهل الشمال؛ هذا في الوقت الذي يتباكون فيه على الحريات ويطالبون غيرهم بها! وليس أمام المسلمين الجنوبيين حال الانفصال إلا أن ينافحوا عن دينهم ويدافعوا عن وجودهم، ويصبروا على ما يصيبهم في سبيل ذلك حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً؛ والواجب على إخوانهم في الشمال أن يدعموهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وإذا تعذر ذلك فليهاجروا كما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ عملاً بقول ربنا سبحانه (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا).
جزاكم الله خيرا فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف ونفع الله بكم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.