ما حقيقة أسر العميد محمد منصور قائد اللواء 16 مشاة بالكرمك؟    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    القنصل حازم مصطفى يجتمع بلاعبي سيد الأتيام بالمنتخب في جدة    جان كلود يُسجّل هدفًا رائعًا ويقود بوروندي لانتصار ثمين أمام تشاد في تصفيات أمم إفريقيا    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. التيكتوكر "تجاني كارتا" يزور الفنانة مروة الدولية في منزلها ويطالبها بالعدول عن قرار الاعتزال: (لن أتزوج ولن أكمل ديني لو ما غنيتي في عرسي)    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    حتى لا نخسر ما كسبناه    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مراجعات:الوجود الصيني في إفريقيا.. منافع وأضرار
نشر في السودان الإسلامي يوم 31 - 01 - 2007

وضعت الحرب الأهلية الأنجولية التي استمرت 3 عقود أوزارها في عام 2002 والتي جعلت الشعب الأنجولي، وتعداده 12 مليون نسمة، يعيش تحت وطأة الفقر رغم أن أنجولا تعد ثاني أكبر دولة إفريقية من حيث حجم العوائد النفطية.
وقد حمل السلام في طياته فرصا كبيرة للحكومة ومنظمات المساعدات الأجنبية لإعادة بناء الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية النفطية المنهارة. وقرر صندوق النقد الدولي إقناع الحكومة بإقرار إجراءات تضمن توجيه العوائد النفطية للبرامج الاجتماعية والحد من الفساد.
وفي مطلع عام 2005 اعتقد الصندوق أنه على مشارف إبرام اتفاق تاريخي مع أنجولا، لكن في اللحظات الأخيرة أوقفت الحكومة الأنجولية المحادثات، وأعلنت أنها ستتلقى بدلا من ذلك قروضا من الصين لإعادة بناء البنية التحتية بعد أن عرضت الصين عليها قروضا وائتمانات بقيمة 5 مليارات دولار دون أي من الشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي.
وتمثل أنجولا من المنظور الصيني نافذة للعلاقات الصينية/الإفريقية؛ حيث إن الصين أصبحت من الجهات المانحة والمستثمرة الكبرى بمختلف أنحاء القارة الإفريقية، بل وشرعت في إقحام نفسها في الحياة السياسية المحلية، واستغلت المنتديات الدولية، مثل القمة الصينية/الإفريقية في نوفمبر 2006 لتعزيز أواصر الصداقة بينها وبين طبقات الصفوة الإفريقية.
وقد نجحت بكين في رسم صورة إيجابية لها بإفريقيا بسرعة كبيرة بدرجة جعلتها تنافس الولايات المتحدة وفرنسا والمؤسسات الدولية المالية على النفوذ، لكن هذا الوجود الصيني بالقارة يمكن أن يقوض التناغم القائم بين الدول الأجنبية والوكالات الدولية المانحة التي شرعت في استخدام المساعدات لنهوض إفريقيا من حالة الجمود الاقتصادي والسياسي طويلة الأمد.
لقد اضطلعت بكين بدور في إفريقيا من قبل، حيث أولت دعمها للثورات اليسارية بالقارة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. إلا أن بكين أبدت تجاهلا تجاه إفريقيا منذ أواخر السبعينيات وحتى مطلع القرن الحدي والعشرين. وغالبا لا تظهر القارة السمراء على خريطة الدبلوماسية الصينية إلا عندما تحتاج بكين لفرض العزلة على تايوان.
بيد أن السنوات الخمس الماضية شهدت اتباع الصين سياسة خارجية أكثر نشاطا تركز على نفوذها الاقتصادي، بدلا من القوة العسكرية. وركز النشاط الصيني العالمي بادئ الأمر على الدول النامية بإفريقيا ووسط وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، بناء على الاعتقاد بأن هذه الدول التي تحتاج الكثير من المساعدات والتجارة، من
اليسير نسبيا إخضاعها للنفوذ الصيني؛ فالصين بإمكانها اللعب على وتر أنها لا تزال دولة نامية صديقة لنظرائها وأفضل من القوى الغربية.
ويعد القادة الصينيون باتخاذ صف الدول النامية داخل المنتديات الدولية والمحادثات التجارية، مع التعهد بمنع تهديد سيادة الدول الأخرى. أما الدول النامية خاصة الإفريقية منها فبإمكانها توفير الموارد الطبيعية التي تحتاجها بكين بشدة. ويعتقد المسئولون الصينيون أن بلادهم بمقدورها زيادة وارداتها من النفط والغاز من إفريقيا التي توفر حاليا 30% من إجمالي واردات البلاد. والآن أصبحت أنجولا أكبر ممد بالنفط للصين، حيث تشحن إليها 522.000 برميل يوميا، وتشارك شركات النفط الصينية ب20 دولة إفريقية، وعلى امتداد السنوات الخمس الماضية أنفقت هذه الشركات 15 مليار دولار على شراء حقول النفط والشركات المحلية.
وتسعى بكين أيضا وراء أهداف أخرى، بخلاف النفط، حيث يتطلع رجال الأعمال الصينيون نحو فتح أسواق جديدة لمنتجاتهم، كما ترغب بكين في قطع علاقات تايوان بالدول الأخرى؛ لأن تايوان لها خمسة حلفاء رسميون داخل إفريقيا، بل إن الصين يمكنها من خلال القارة السمراء أن تدعي أنها قوة عظمى تؤثر في أحداث بعيدة للغاية عن منطقة جوارها.
المساعدات الصينية وأهدافها
لقد طورت الصين إستراتيجيات وأدوات أكثر تعقيدا لجذب الدول الإفريقية نحوها، فبينما صدرت منذ 40 عاما الفكر الماوي، تصدر الآن صورة خاصة بها من الرأسمالية التي تعمل على تحويلها إلى نموذج تنموي معقد. وتعمل بكين على نشر الدعاية لنموذجها التنموي الخاضع لتوجيه الدولة الذي قد يروق لقارة لم تثمر الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية الجديدة عن تقليص معدلات الفقر بالمستوى المرجو.
وترتبط هذه المساعدات بصورة أساسية بالأهداف السياسية والإستراتيجية الصينية داخل القارة، وليس لاعتبارات إنسانية. وتكشف الإحصاءات الصينية عن أن بكين قدمت مساعدات بقيمة 107 ملايين دولار فقط لإفريقيا عام 1998. ووصلت هذه المساعدات بحلول عام 2004 إلى 2.7 مليار دولار، ما يعادل 26% من إجمالي المساعدات الدولية الصينية، رغم أن دولة كاليابان لم تقدم لإفريقيا سوى مساعدات قيمتها 11 مليون دولار؛ الأمر الذي يضع الصين في مصاف الدول المانحة الكبرى للقارة.
وعلى خلاف الجهات المانحة الأخرى، تفضل بكين تقديم قروض لإفريقيا، وليس منحا. ويعود ذلك إلى أن هذا يمكنها من استغلال هذه القروض فيما بعد لبسط نفوذها على الدول المتلقية لها. وتشير الدلائل القائمة إلى أن الدول تنمي علاقاتها السياسية والاقتصادية مع بكين، ثم تسقط الأخيرة القروض التي حصلت عليها هذه الدول طبقا لجدول زمني مرتب، كما تربط الصين القروض التي تقدمها بمتطلبات تفرض تخصيص نسبة كبيرة من العقود لشركاتها. على سبيل المثال، في إطار قرض صيني لأنجولا عام 2004 بقيمة ملياري دولار، تم تخصيص 70% من العقود للشركات الصينية؛ إذ إن الصين توزع هذه القروض بصورة ثنائية ومباشرة مع الحكومات المتلقية من خلال بنك الصين للتصدير والاستيراد أو السفارات الصينية أو جهات أخرى. والملاحظ أن الصين لم تقدم من قبل مساعدات لمنظمات غير حكومية، ويبدو أن المسئولين الصينيين يشعرون بالقلق من تصميم مشروعات لمساعدات تدعم هذه المنظمات.
وقد ركزت المساعدات الصينية الموجهة للقارة الإفريقية على أربع قضايا:
أولا: تعرض بكين قيامها بتمويل مشروعات البنية التحتية التي توقف البنك الدولي ومعظم الجهات المانحة الثنائية عن تمويلها منذ عقود مضت. وتشير الدراسات إلى أن الشركات الصينية تنفذ مشروعات البينية التحتية بتكلفة تعادل 25% من تكلفة الشركات الغربية؛ وهو ما دفع البنك الدولي ومؤسسات أخرى لتمويل مشروعات بناء الطرق من جديد، رغم مخاوف مسئولي البنك من تعرض هذه الأموال للاختلاس.
ثانيا: تفضل الصين بناء علاقات مع المصارف الإقليمية، مثل بنك التنمية الإفريقي؛ نظرا لأن بمقدورها الاضطلاع بدور أكبر داخل المصارف الإقليمية عنه داخل البنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية الكبرى الأخرى.
ثالثا: ركزت بكين على تدريب مهنيين أفارقة، خاصة بمجال الإدارة الاقتصادية، فقد أنشأت صندوق تنمية الموارد البشرية الإفريقية الذي يساعد في تدريب 3.800 مهني إفريقي سنويا. رابعا: حاولت بكين تأسيس كليات لتعليم اللغة الصينية بالجامعات الإفريقية، وأبرمت اتفاقات تعاون مع 27 جامعة إفريقية.
واستغلت بكين شكوى الدول الإفريقية من الحواجز التجارية الغربية للإعلان عن أنها لا تفرض تعريفات على صادرات 25 دولة من أكثر الدول الإفريقية فقرا. كما تفاوضت مع الدولة الأكثر أهمية، جنوب إفريقيا، للحد من الصادرات الصينية إليها من المنسوجات لحماية الصناعات المحلية. وجاءت هذه الخطوة الصينية لتجنب الشكاوى من أن منسوجاتها وسلعها الإلكترونية الرخيصة تضر بالصناعات الإفريقية. يذكر أن دراسة شملت 96 شركة إثيوبية صغيرة كشفت عن أن 28% منها تضطر لإشهار إفلاسها بسبب المنافسة الصينية. وإلى جانب ذلك، تستثمر الصين بدول إفريقية لا تسترعي الانتباه، فقد هيمنت شركات التعمير الصينية على دول مثل سيراليون وليبريا، وإجمالا ارتفع مجمل الاستثمارات الأجنبية الصينية المباشرة بإفريقيا من 20 مليون دولار سنويا، إلى ما يفوق 6 مليارات دولار اليوم، كما يهاجر رجال الأعمال الصينيون إلى إفريقيا، ويتألفون بصورة أساسية من تجار نشاطهم ضئيل لا يظهر في الإحصاءات التجارية والاستثمارية. على سبيل المثال، ارتفعت أعداد الصينيين المهاجرين إلى زامبيا من 3000 إلى 30.000 خلال السنوات العشر الماضية، بينما ارتفعت أعدادهم بجنوب إفريقيا من صفر منذ 20 عاما إلى 300.000 حاليا.
النجاحات والإخفاقات
أبدت الكثير من الدول الإفريقية ترحيبها بالوجود الصيني، فبلغ حجم التجارة الصينية/الإفريقية 40 مليار دولار في عام 2005، بارتفاع 35% عن عام 2004، وارتفع حجم الصادرات الإفريقية إلى آسيا بنسبة 20% خلال السنوات الخمس الماضية، وتخطط بكين للوصول بحجم تجارتها مع إفريقيا إلى ثلاثة أضعاف بحلول عام 2010؛ وهو ما يضعها في مصاف الولايات المتحدة وأوروبا كشريك تجاري للقارة، وأصبحت بكين ثاني أكبر مستهلك للموارد الإفريقية ووقعت على اتفاقات جديدة ضخمة بمجالي النفط والغاز مع نيجيريا وأنجولا وغيرهما.
وغالبا ما يبدي أفراد الصفوة والجماهير الإفريقية ترحيبهم بالتواجد الصيني، وكشف استطلاع للرأي أجراه برنامج توجهات السياسة الدولية عن أن 62% من أبناء جنوب إفريقيا يعتقدون أن الصين تخلف تأثيرا إيجابيا على العالم.
بيد أنه في بعض الجوانب، تختلف طبيعة المشاركة الصينية داخل القارة عن مشاركة القوى والمؤسسات المالية. ورغم أن القوى الغربية تتحمل بعض اللوم في علاقاتها مع الدول الإفريقية جراء دعمها للحكام المستبدين، فإن الجهات المانحة اتفقت اليوم على أن الحكم الصالح يشكل أهمية حيوية للتنمية، وأقامت الولايات المتحدة "شركة تحدي الألفية" لتقديم مكافآت للدول الفقيرة التي يجري حكمها على نحو ملائم.
وللمرة الأولى منذ عقود، تجذب إفريقيا أنظار الشركات العالمية والحكومات الغربية نتيجة تحقيق الكثير من الدول الإفريقية أكبر معدلات نمو لها منذ نيلها الاستقلال، وتبدو القارة مهيأة لتسوية الحروب الأهلية التي تعصف بها منذ أمد بعيد. لكن بمقدور المشاركة الصينية تهديد هذه النهضة الإفريقية، حيث بإمكان القروض الصينية المتزايدة لإفريقيا، خاصة المرتبطة بمعدلات تجارية مرتفعة، تهديد المليارات التي أسقطتها مبادرة الدول المثقلة بالديون التابعة لصندوق النقد والبنك الدوليين. وفي حال تمكن بكين من استغلال المساعدات المرتبطة بالاستثمارات في الفوز باتفاقات كبرى بمجالي النفط والغاز، فإن ذلك قد يقنع الدول الأخرى الناشئة مثل الهند باتباع النهج ذاته؛ الأمر الذي ربما يقوض دعائم الحكم داخل القارة السمراء ويشعل الحروب الأهلية من جديد حول الموارد. ويذكر أن مبيعات الأسلحة الصينية للدول الإفريقية لا تزال تؤجج الصراعات بها، ولا تنشر الصين إحصاءات حول قيمة هذه المبيعات، إلا أن دراسة أصدرتها مؤخرا منظمة العفو الدولية أشارت إلى أن 17% من الأسلحة الصغيرة التي جمعها جنود حفظ السلام بالكونغو صينية التصميم.
وقد تسهم الاستثمارات الصينية في تدمير البيئة بشكل بالغ وتدني ظروف العمل؛ نظرا لضآلة خبرة الشركات الصينية بمجالات سياسات الحفاظ على البيئة وتكوين النقابات على الصعيد الداخلي.
الأسوأ من ذلك، أنه إذا ما عرضت بكين المساعدات دون أي شروط، فإن هذا قد يؤثر بالسلب على العلاقات بين إفريقيا والجهات الأخرى المانحة؛ الأمر الذي يحدث الآن فعليا ليس في أنجولا فقط؛ إذ أعلنت تشاد في أكتوبر 2006 أنها قد تطرد شركتي "تشيفرون" و"بترونا" الماليزيتين العاملتين بمجال النفط من مشروع يدعمه البنك الدولي الذي أصر على إنفاق جزء من العوائد النفطية بالبلاد على تحسين مستوى الرفاهية الاجتماعية، وربما تقوم تشاد بإحلال شركات صينية محل الشركتين، خاصة في ضوء قطع علاقاتها بتايوان وإقامتها علاقات مع بكين. وبالمثل، جاءت المساعدات الصينية لكينيا لتعين حكومتها على تجنب انتقادات البنك وصندوق النقد الدوليين لفشلها في تنفيذ إستراتيجية شاملة لمكافحة الفساد.
ورغم هذه الصورة الإيجابية للصين في إفريقيا، يدرك بعض المسئولين الصينيين أنهم يواجهون مخاطر كبيرة بإفريقيا؛ فمثل القوى الغربية من قبل، تخشى بكين اليوم أن تنفق استثمارات لا طائل من ورائها داخل القارة لاجتذاب الدول الإفريقية الإستراتيجية، وستواجه بكين اختيارا في علاقاتها المستقبلية مع إفريقيا سيساعد في تحديد كيف ينظر العالم إلى سياستها الأكثر نشاطا. وفي إطار هذا الاختيار، قد تعزز الصين علاقاتها بأنظمة دول مثل أنجولا والسودان؛ الأمر الذي ربما يثير سخط قطاعات عريضة من الرأي العام ويسفر عن زعزعة الاستقرار بدرجة تهدد المصالح الصينية.
في مواجهة هذه التداعيات المحتملة، بإمكان بكين بناء نمط أوسع من النفوذ عبر استغلال شعبيتها لدى المواطن الإفريقي العادي، بدلا من قصر اعتمادها على الأنظمة الاستبدادية، وهذا يعني العمل مع المبادرات القائمة المصممة لتعزيز الاستقرار والتنمية بإفريقيا.
والأمر الذي قد يثير دهشة الكثيرين من صانعي السياسات الغربية أن بكين لديها الآن قوات حفظ سلام عاملة تحت راية الأمم المتحدة أكثر من أي عضو آخر دائم بمجلس الأمن. كما شرعت في التعاون مع الدول الإفريقية في التصدي لمرض الملاريا، كما أنها شرعت في تحديث برامج المساعدات الخاصة، وبدأت تشارك مع مجموعات التنسيق داخل الجهات المانحة، وإن كانت لا تلتزم دوما بإستراتيجيات هذه المجموعات، بل إنها شرعت في وضع آليات لمراجعة كيفية استخدام الدول المتلقية لمساعداتها.
وإذا كانت الولايات المتحدة وأوروبا والمؤسسات المالية الدولية ترغب في أن تغير بكين سلوكها، فعليها عرض بديل عليها الآن. لقد صرح "روبرت زوليك" نائب وزير الخارجية في سبتمبر 2006 أن على الصين أن تصبح "شريكا مسئولا في العالم". لكن إلى جانب هذه الدعوة، على القوى التقليدية عرض حوافز على الصين للنظر إلى مصالحها داخل العالم النامي بشكل أفضل، وإذا ما فشلت الصين في استغلال هذه الفرصة، فبإمكان الدول الغربية انتقاد حق تواجدها بإفريقيا.
ومن أجل دمج الصين في أطر العمل القائمة للمساعدات التنموية الخارجية، على الدول الأخرى العمل بنشاط على تشجيع المسئولين الصينيين على المشاركة في برامج التنسيق بين الجهات المانحة داخل الدول الإفريقية الفردية، علاوة على منح الصين صوتا أكبر بالمؤسسات المالية الدولية. ومن الممكن أن تساعد واشنطن والمؤسسات المالية بكين على إصلاح أدواتها لممارسة النفوذ ومنعها من عرض قروض تجارية على دول تعاني من أعباء بالغة بسبب الديون.
لكن للأسف يبدو أن واشنطن والقوى الأخرى تتحرك في الاتجاه المضاد. فبدلا من ضم الصين لمجموعة الثمانية، استجابت المجموعة لشكاوى اليابان وروسيا وأبقت على بكين خارجها. وبدلا من إعطائها صوتا أكبر على طاولة تنسيق المساعدات، لا يعلم الكثيرون داخل المنظمات الكبرى المانحة مجرد أسماء المسئولين الصينيين عن توزيع المساعدات.
المصدر: إسلام أون لاين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.