ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ان الرعية تبع للراعي


الشخ الأمين الحاج محمد احمد
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أمَّا بعد.. فالرعية تبعاً للراعي، إن كان صالحاً صلحت الرعية، وإن كان فاسداً فسدت الرعية،، وإن كان ظالماً ظلمت الرعية، وإن كان عادلاً عدلت الرعية، وإن كان وقافاًعند حدود الله كانت رعيته كذلك، وإن كان مضيعاً لها، ضيَّعتها الرعية.
إن كان متخوضاً في مال الله بغير حق هان على الرعية ذلك، وإن كان محباً للإيثار مبغضاً للآثرة ذاع الإيثار واشتهر. إن كان ناصحاً لله، ولكتابه، ولرسوله، ولرعيته، سادت النصيحة وساد الأمر والنهي، وإن كان مستنكفاً عنها، ومعاقباً لمن أسداها له، ضيعت هذه الشعيرة.
إن كانت همة الراعي في جمع المال، وبناء القصور، وفي تحقيق شهوات البطن والفَرْج، شاركته أمته في ذلك.
وإن كانت همته في معالي الأمور، وكان مترفعاً عن سفاسفها تكون الأمة كذلك.
إن كان مدنياً ومقرباً للعلماء والفقهاء أعزت أمته العلماء وقدَّرتهم حق قدرهم.
إذا احتضن ورعى أهل البدع والمعاصي انتعشت البدع، وعمَّ الفساد، وهكذا فالناس على دين ملوكهم.
قال الحافظ بن كثير رحمه الله وهو يترجم للخليفة الاموي الوليد بن عبدالملك رحمه الله ناقلاً عن ابن جرير: (كان الوليد بن عبدالملك عند أهل الشام أفضل خلفائهم، بنى المساجد بدمشق، ووضع المنائر، وأعطى الناس، وأعتنى بالمجذومين، وقال لهم: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مُقعدٍ خادماً، وكل ضرير قائداً، وفتح في ولايته فتوحات كثيرة عظاماً، وكان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد الروم، ففتح الهند والسند والاندلس، وأقاليم بلاد العجم، حتى دخلت جيوشه إلى الصين وغير ذلك. قال: وكان مع هذا يمر بالبقال، فيأخذ حزمة البقل بيده، فيقول: بكم تبيع هذه؟، فيقول: بِفلْس، فيقول: زد فيها فإنك تربح. وذكروا أنه كان يبر حَمَلَة القرآن ويكرمهم، ويقضي عنهم ديونهم.
إلى أنْ قال:
وقالوا: كانت همة الوليد في البناء، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: ماذا بنيت؟، ماذا عمرت؟ وكانت همة أخيه سليمان في النساء، وكان الناس كذلك، يلقى الرجلُ الرجل، فيقول: كم تزوجت؟ ماذا عندك من السراري؟ وكانت همة عمر بن عبدالعزيز في قراءة القرآن، وفي الصلاة والعبادة، وكان الناس كذلك، يلقى الرجلُ الرجل، فيقول: كم وردك؟، كم تقرأ كل يوم؟، ماذا صليت البارحة؟.
والناس يقولون: الناس على دين ملوكهم: إن كان خماراً، كثر الخمر. وإن كان لوطياً فكذلك. وإن كان شحيحاً حريصاً، كان الناس كذلك. وإن كان جواداً كريماً، شجاعاً كان الناس كذلك. وإن كان طماعاً ظلوماً كان الناس كذلك. وإن كان ذا دين وتقوى، وبر وإحسان، كان الناس كذلك. وهذا يوجد في بعض الأزمان وبعض الأشخاص.
إلى أن قال: بنى الوليد الجامع الأموي، فلم يكن له في الدنيا نظير، وبنى صخرة بيت المقدس، عقد عليها القبة، وبنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ووسعه حتى دخلت الحجرة التي فيها القبر فيه، وله آثار حسان كثيرة جداً.
إلى أنْ قال: وكانت وفاته يوم السبت، للنصف من جمادى الآخرة، سنة 96ه، وكان عمره بضعاً وأربعين سنة، واستمرت خلافته لعشر سنوات. صلى عليه عمر بن عبدالعزيز لغياب أخيه سليمان، وقال حين أنزله في قبره: لنُنزِلنَّه غير موسد ولا ممهد، قد خلفت الأسلاب، وفارقتَ الأحباب، وسكنتَ التراب، وواجهت الحساب، فقيراً إلى ما قدمت، غنياً عمَّا أخرت) (البداية والنهاية للحافظ بن كثير – المتوفى 774ه - المجلد الخامس/ ج9/164-165).
قلت: ما قاله الحافظ بن كثير رحمه الله يكاد يكون مضطرداً في الأزمان والأشخاص إلى حد كبير؛ لأنَّ الحكم للغالب. لا شك أن الله عز وجل عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، فلا تزال طائفة من هذه الأمة كما أخبر الصادق المصدوق، ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا خذلهم حتى تقوم الساعة، أو يأتيَ أمر الله، وهم على ذلك.
بعض النماذج التي تؤيد هذه المقولة
سنذكر في هذه العجالة بعض النماذج التي توضح وتبين صدق هذه المقولة: (الناس على دين ملوكهم).
أولاً: في عهد النبوة، والخلافة الراشدة حيث كان الإسلام حاكماً، والعدل قائماً، ومصدر التشريع واحداً –الوحي–، وراية الجهاد مرفوعة، وشعار الامر والنهي خفاقاً، وإيثار الباقية على الفانية ظاهراً.
دخل الناس في دين الله أفواجاً. وفي ظرف مائة سنة، فتح المسملون جل العالم القديم إلاَّ قليلاً.
كانت الغنائم والفي والجزية، الكسب الأساس لجل المسلمين، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "وجُعل رزقي تحت ظل رمحي" (الحديث). لكثرة الغزو والجهاد، فقد غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدة عشر سنوات تسعة عشرة غزوة، وأرسل خمساً وثلاثين سرية.
سادت المسلمين الأخوة الإيمانية. تمكنت عقيدة الولاء والبراء في نفوس الأمة. زالت الفوارق الإجتماعية بين الراعي والرعية. ظهرت السنة، وقُمِعَت وخُمِدَت البدعة. انتشر العلم وفشا، وانقشع الجهل واختفى. استتب الأمن، فكانت الظعينة تسافر من حضرموت إلى صنعاء لا تخشى الله.أضحت جزيرة العرب للإسلام خالصة، أجليَ منها اليهود، ورُدَّ بيت المقدس إلى أهله.
ثانياً: في عهد المأمون، والمعتصم، والواثق العباسيين عندما أزاغ بعض أئمة البدع هؤلاء الخلفاء عما كان عليه المسلمون من قبل، واعتنقوا بدعة الاعتزال، واستجلب المأمون كتب الفلاسفة الأقدمين، وتعددت مصادر التلقي، بعد أن كان المصدر واحداً هو الوحي، أضحى العقل والفلسفة اليونانية مصادرين لأولئك المبتدعة، فتحققت نبوءة أحد المطارنة الخبثاء في الأئمة. قال ابن نباتة رحمه الله: (قال أحد المطارنة لملك قبرص وذلك عندما طلب المامون منه أن يرسل له كتب الفلاسفة، وقد استشاره هل يرسلها له أم لا؟، فأمره أن يعجل بإنفاذها للمأمون؛ معللاً ذلك: [ما دخلت هذه العلوم العقلية دولة شرعية إلاَّ أفسدتها وأوقعت بين علمائها]). وقال القفطي في أخبار العلماء، قال أحد رهبان الروم لملكهم: (سيرها فإنك تثاب عليه، فإنها ما دخلت في ملة إلاَّ زلزلت قواعدها) (نقلاً من كتاب: الحياة العلمية في العراق في العصر السلجوقي – للدكتور مريزن سعيد عسيري ص11).
لقد تحقق ما قاله هذان الخبيثان الحاسدان، فقد خربت هذه الكتب عقائد كثير من المسلمين ولا تزال، ونتج عن اعتناق هؤلاء الخلفاء الثلاثة لهذه العقيدة –عقيدة الاعتزال–، وتبنيهم لها أن شاعت بين الناس، لكن الله عز وجل حمى هذا الدين بثبات بعض أهل العلم، ووقوفهم في وجهها عندما أحدثوا بدعة خلق القرآن، وامتحنوا علماء أهل السنة فيها، فمنهم من قتل، ومنهم من سجن وضرب، ومنهم من ضيق عليه، وكان في مقدمة هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل حيث لقب بعد انقشاع هذه الفتنة بإمام أهل السنة والجماعة، إلى أن رفعها الله عن هذه الأمة على يد الخليفة العباسي المتوكل رحمه الله. فليس هناك أخطر على هذا الدين، وعلى أمة سيد المرسلين من أن يتبنى الحاكم أهل البدع، ويعتقد عقيدتهم، أو يمكن لهم.
ثالثاً: في عهد دولة الفونج الإسلامية في السودان (910-1245ه) هذه الدولة قامت بعد القضاء على الدويلات المسيحية التي كانت قائمة في السودان، فوحدت المسلمين، وقضت على النصرانية في السودان، لكن الدولة الخديوية، لا بارك الله فيها هي التي مكنت لإعادة النصرانية إلى السودان مرة ثانية.
كانت هذه الدولة تُحَكِّم الإسلام ولكن عندما دخل بعض ملوكها في الطريقة الصوفية القادرية، احتضنوا الصوفية وتبنوها، وقد زار تاج الدين البهارى السودان في ذلك الوقت، مما زاد من تمكين الصوفية، فظهرت البدع وانتشرت، ودخلت جل الرعية في هذه الطرق الصوفية، مجاراة أو منافقة لأولئك السلاطين، وقد صوَّر هذه الحقبة ود ضيف الله في طبقاته أصدق تصوير.
لقد غلا الشيخ المكاشفي في قصيدته (جلَّ جلاله) التي يؤصل فيها لسند العلم اللدني، الباطني، الذي ليس له أصل، في مدح تاج الدين البهارى، حيث قال فيه:
بهارى بهر بنور الكون من الله محروس بالصون أوتيَ الحرف الكاف والنون
أي، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. وقد قال الشعراني في طبقاته: هذه أقل مراتب الولاية نعوذ بالله من الضلال، والكفر، والعناد.
كان تبني هذه الدولة للصوفية من الأسباب الرئيسة في إضعافها، التي أدت إلى زوالها فيما بعد.
كذلك كان الامر للدولة العثمانية التي رفعت راية الجهاد، وأدخلت أوربا الشرقية في الإسلام، ووحدة المسلمين لمدة خمسة قرون في دولة واحدة، وكان الإسلام هو دستورها، لكنها عندما احتضنت الصوفية ورعتها، كان ذلك من الأسباب الرئيسة لضعفها وزوالها في نهاية المطاف.
فاعتبروا يا أولي الأبصار، واتعظوا بغيركم، وإلاَّ ستكونون أنتم المَثُلات.
رابعاً: تبني جل المسلمين للرياضة، والفن، لإلهاء الشباب عن معالي الأمور، بجانب التقليد الأعمى للكفار جعل جل الرعية تنشغل بذلك رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً، أغنياء وفقراء، حيث تقاسم الناس الفرق الرياضية، وأصبح بعضهم يوالي ويُعادي من أجل ذلك، وتنفق الأموال الطائلة، وتهدر الأعمار الغالية في التهريج والتشجيع، وفي استجلاب المدربين، وشراء اللاعبين، فالشباب الذين هم رجال المستقبل، وأمل الأمة، بعد الله عز وجل، أضحى شباباً لاهياً، لاعباً متشاغلاً عن معالي الأمور، وعمَّا يحتاجه في دينه ودنياه بالفن والكرة، وبقضاء جل الوقت في الاندية، وفي سماع الأغاني الساقطة، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
شباب قنعٌ لا خير فيهم وبورك في الشباب الطامحين
خامساً: عندما أصبح لبعض الملوك، والرؤساء، والوزراء سحرة ومشعوذون ودجالون، لتامين ملكهم والمحافظة على حياتهم جارتهم الرعية في ذلك، فهرع كثير منهم للسحرة والمشعوذين، وغلت سوقهم، وتعلق كثير من النساء والجهلة بذلك، فمامن فريق من الفرق الرياضية إلاَّ وله عدد من السحرة. على الرغم من تحذير ربنا لنا عن ذلك: "وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ" (سورة البقرة: 102). وقال رسول الإسلام: "من أتى ساحراً فصدَّقه بما يقول، لا تقبل له صلاة أربعين يوماً"، وفي رواية: "فقد كذَّب بما أنزل على محمد". فالسحر والإيمان لا يجتمعان في قلب واحد قط، فإذا دخل هذا، خرج الآخر. فسحرة فرعون كانوا في أول النهار من أئمة الكفر، وكانوا في آخره في أعلى الجنان عندما قتلهم فرعون، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما.
سادساً: عندما يتخوض ولاة الأمر ومن يليهم في المال العام بغير وجه حق يجاريهم من لا خلاق لهم من الرعية، سيما إذ لم يكن هناك قانون حاسم يردع هؤلاء المتلاعبين، واستهانوا بالحرام، وأضحى الحلال هو ما وقع في أيديهم من الرشا، والسحت، والغضب، والنهب، فتفشت الرشوة، وعمت البلوى، وتدهور الاقتصاد، وقلَّ الإنتاج، وغَلَت الأسعار، وفسدت الأخلاق، كما هو الحال عندنا في سوداننا الحبيب، وفي غيره من بلدان المسلمين.
سابعاً: عندما يتجرأ بعض أدعياء العلم والتجديد والإمامة، على إنكار ما هو معلوم من الدين ضرورة
ويشككون في الثوابت والمسلمات، ويدلسون على العامة، ويلبسون عليهم، يقلدهم في ذلك الجهلة، وأصحاب الأهواء. فعندما ينكر هؤلاء الكبار، المنتسبون إلى العلم الشرعي زوراً وبهتاناً، ويُنادون بنحو: خلط الاديان، وأن تكون المواطنة هي أساس الحقوق. يحاولون رفع الكفر عن إخوانهم من اليهود والنصارى. ينكرون حد الردة الذي هو السياج المنيع، والحصن الحصين لهذا الدين.
إباحة الملاهي التي نص القرآن، وصحيح السنة، وإجماع الأمة على حرمتها، بل اعتبار البعض الاشتغال بها سبب من أسباب دخول الجنة. التشكيك في أنصبة المواريث. إنكار التعدد لتشيع الفاحشة في الذين آمنوا. الدعوة لمساواة المرأة بالرجل مع الفروق الخَلْقية والنفسية والشرعية بينهما، ومن ثمَّ التوقيع على اتفاقية سيداو من كثير من الدول التي تمنعت من قبل. يجاريهم في ذلك السذج والمغفلون، ويصبح ذلك شعاراً عاماً تبثه في المجتمع وسائل الإعلام المتفلت، المقروءة والمسموعة، والمرئية، فينتج عن ذلك فساد عقدي، وخلقي، لا يعلم مداه إلاَّ الله، والراسخون في العلم.
ثامناً: عندما تحتضن الدولة الصوفية، وتتبناها، وتنفق عليها وتحميها تجاريهم العامة في ذلك، وينتج عنه خطر عظيم، وفساد جسيم، نحو: الفساد العقدي المتمثل في كثرة الممارسات الشركية، نحو الاستغاثة بالأموات والاحياء الغائبين، والتعلق بالقبور والأضرحة. تفشي البدع والحوادث التي لا تقوم إلاَّ على أنقاض السنة. العمل على تأسيس وتأصيل هذه العقائد الكفرية، والممارسات الوثنية، والبدع الحقيقة. توليهم وزارات الإرشاد، والتوجيه والمناصب العالية. إنشاء إذاعات وفضائيات، ومجالس لنشر الفكر الصوفي وحمايته والدفاع عنه. شغل أجهزة الإعلام المسموعة، والمرئية بالسماع الصوفي، والرقص والتواجد. انخراط كثير من ضباط الجيش والشرطة في الطرق الصوفية. إغداق الأموال عليهم ومنحهم الأراضي الواسعة تزلفاً لهم. مشاركتهم في إحياء الحوليات، وافتتاح القباب ونحوها.
تاسعاً: عندما يسلك الحكام أسلوب التنازلات عن الثوابت والمسلَّمات، ويسلكون سبيل الترضيات، ويقلدون الكفار يسارع بعض المتزلفين من المنتسبين إلى العلم إلى تبرير ذلك وقياسه بأمر شرعي أو صلح نبوي، بتشبيه فاسد كقياس البعض اتفاقية نيفاشا المشؤومة الملعونة على صلح الحديبية، ذلكم الفتح العظيم، الذي أثمر فتح مكة ودخول كل العرب في الإسلام، هذا القياس الفاسد الذي ليس شبيه إلاَّ قياس الملائكة بالحدادين.
ولذلك رفعوا شعار الوسطية المزيفة التي فصلوها تفصيلاً على ما يريده الحكام ويأمروا به.
وقديماً قال المأمون كما روى ذلك طيفور عنه في تاريخ بغداد ص68، وضحى الإسلام لأحمد أمين ج3/326: (إن الإرجاء دين الملوك)، أي أن الإرجاء هو الدين الذي يرضاه الملوك من أتباعهم.
أيها المتزلف هل تعلم: أنك نافقت في فتواك، وأغضبت ربك ومولاك، وخنت من ائتمنك وولاك، وخذلت المؤمنين، ونصرت الكافرين؟!.
أيها المسلمون اعلموا أن عمالكم أعمالكم، وكيف ما تكونوا يولى عليكم، ورضي الله عن أمير المؤمنين عليّ عندما قال له البعض: لِمَ خُرج عليك ولم يخرج على أبي بكر وعمر؟، فقال راداً عليه: لأنَّ الرعية في عهدهم كانت من أمثالي، وفي عهدي كانت من أمثالك.
الإمام العادل عدله شامل، وخيره متعدي، وفضله عظيم، وثوابه جزيل، ولهذا روى عن الفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل أنهما قالا: لو كانت لنا دعوة مستجابة لادخرتها لإمام عادل؛ لأن بصلاحه تنصلح الأمة. ورضي الله عن عمرو بن العاص عندما قال لابنه: إمام عدل خير من مطر وبل، وأسد غشوم خير من إمام ظلوم، وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم.
لو لم يرد في فضله إلاَّ قوله صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلاَّ ظله: إمام عادل" الحديث (متفق عليه). وقوله: "إن المقسطين على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم وما ولْوا" (مسلم رقم [1827]). وقوله: "أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال" (مسلم [2865])، كفى.
فطوبى ومرحى للإمام العادل المقسط.
والويل، ثمَّ الويل، ثمَّ الويل لأئمة الجور الخائنين لدينهم، غير المحكمين له، الغاشين لرعاياهم، الظالمين لهم، فاليبشروا بقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثمَّ لا يجهد لهم وينصح لهم، إلاَّ لم يدخل معهم الجنة" (مسلم).
وقوله: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً، فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولى من أمر أمتي شيئاً فرَفِقَ بهم، فارفق به" (متفق عليه، مسلم رقم [1828]). اللهم ولِّ علينا خيارنا، ولا تول علينا شرارنا، اللهم اجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك، واتبع رضاك، اللهم لا تجعل للكافرين والمنافقين علينا وعلى المؤمنين سبيلاً.
وصلى الله وسلم على خير خلق الله أجمعين، ورسول رب العالمين، وعلى آله وصحبه، والتابعين.
والحمد لله رب العالمين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.