ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالفيديو.. سجاد بحري ينفجر غضباً في وجه زملائه ويكشف الحقائق: (مافي فنان محترم والغناي أكتر مني يلاقيني في مسرح)    رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: جرد الحساب في إحالة العميد طبيب طارق كجاب    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    ترتيبات بالشمالية لتنفيذ مشروع المبادرات المجتمعية المشتركة    ترتيبات لقيام مجمع تشخيصي متكامل لتوطين الخدمات الصحية بشرق الجزيرة    تقرير أمريكي يكشف استهداف مباشر لمستشفى الضعين في عيد الفطر    مقربون من محمد صلاح يرجحون وجهته القادمة.. إيطاليا أو أميركا؟    الزمالك يؤجل ملف تجديد عقد حسام عبد المجيد    موقف زيزو من الرحيل عن الأهلى فى الصيف المقبل    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    النفط يصعد والذهب يستقر مع تقييم احتمالات وقف الحرب    "ChatGPT" تتيح مقارنة المنتجات بدل الشراء المباشر    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    طارق الدسوقي: اشترطت الإطلاع على السيناريو للموافقة على دوري في علي كلاي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    4 وجهات محتملة لصلاح بعد قرار رحيله عن ليفربول    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حوار مع الأستاذ أحمد علي الإمام


مستشار شؤون التاصيل ورئيس مجمع الفقه الإسلامي
ربما يكون أمراً مستغرباً أن تجد في قصر الرئاسة في دولة من االدول جناحاً خاصة لشؤون التأصيل الإسلامي إلى جوار أجنحة أخرى تحفل بمستشاري الرئيس في الشؤون المتعددة... الداخلية والخارجية والإعلام وغيرها
ووجه الغرابة لدى البعض أننا لم نسمع بمستشار خاص لشؤون التأصيل يوجد في قصر الحكم ويمارس نشاطاً واسعاً في المهام المسندة إليه، لكن ذلك موجود في السودان، حيث يقوم البروفيسور أحمد علي الإمام رئيس مجمع الفقه الإسلامي بمهام مستشار الرئيس لشؤون التأصيل.. المهمة ربما تكون فريدة ً.
وقد دار حوارنا حول هذه المسألة.. التأصيل، وماذا يؤصلون تحديداً؟ وهل الأمر في حاجة لإنشاء مستشارية خاصة تابعة للرئيس للقيام بهذا الأمر؟ وهل تلك المستشارية جهة فوقية تمر منها قرارات الدولة قبل إقرارها؟ وما علاقتها بمجامع الفقه والفتوى الأخرى.. ثم تطرق حوارنا للعديد من القضايا الأخرى المتعلقة بالشأن السوداني وعلاقاته العربية والغربية.
سألته في البداية عن مغزي وجود استشارية للتأصيل ضمن جهاز الرئاسة السودانية خاصة أن ذلك الأمر يعد شيئاً جديداً في نظم الحكم ببلادنا؟
التأصيل هو أن نُرجِع ما ندَّ إلى أصله.. ولما قال لي بعضهم ممازحاً: "يا مولانا إنك تتدخَّل في الشؤون السياسية"، قلت له: "سبحان الله، وهل جِيء بنا إلى هذا المكان إلا لنشارككم في شؤون دنياكم".. فما جيء بي إلى قصر الرئاسة لتأصيل قضية الصلاة، والزكاة، وأركان الإسلام الخمسة، مع تعظيمنا لها.. ونحن نرى أن هذه الأركان الخمسة، وإن كانت هي الأساس الذي يُبنَى عليه البناء، إلا أن حديثاً نبوياً آخرَ يقول: إن سهام الإسلام ثمانية، وعدَّ مع الخمسة أركان الجهادَ في سبيل الله تعالى، والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر.. فعن حذيفة } عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام ثمانية أسهم؛ الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، وحج البيت سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له". (رواه البزار، وحسَّنه الألباني). ونحن في أمرنا هذا وتأصيلنا لقضايا عصرنا نقدِّم للدولة الخيارات الفقهية التي ترشِّد مسيرتها، ولا نرى جوازاً شرعياً إطلاقاً لأن نتحاكم إلى ما يُسمَّى بمحاكم جنائية دولية أو أمم متحدة، فالشرعية عندنا هي: مِنْ قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما استُمِد من ذلك.. ولا مانع لدينا من أن نوافق غيرنا في كلِّ ما لم يخالف أصل ديننا، لكننا نصرُّ على أن ديننا هو الأصل الذي ينبغي أن نرجع إليه دائماً، ونحن في استشارية التأصيل نقدِّم المشورة؛ فإذا طُلِبت منا فهذا خير، وإن بادرنا بها فذلك أيضاً خير.
بالإضافة إلى طلب فتوى في أمرٍ ما في حدود اختصاصات الدوائر الست التي تحدثتم عنها، أو ما يُستجَد من أمور.. هل تُوجَد برامج محدَّدة وإستراتيجية موَّحدة للعمل؟
الإستراتيجية القومية الشاملة، فعلى مدى ربع قرن ونحن نؤصِّل لهذا التخطيط الاقتصادي أو التخطيط الشامل نفسه.. والنبي صلى الله عليه وسلم في أول عهده بالهجرة قال لأصحابه: "أحصوا لي مَنْ تلفَّظ بالإسلام"، فقالوا: فأحصينا له ألفاً ونيِّفاً.. وكان هذا في أول الهجرة وأول عهد الدولة الإسلامية، فنحن نقوم بالتخطيط لأن ديننا أمر بهذا، وننظر إلى المستقبل ونتخيَّر ما يناسبنا، ونعرِّض كل مسائلنا لما قال الله تعالى، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم ، وليس في ذلك مصادرة؛ لأن أصل الدين ذاته يقوم على الاختيار، قال تعالى: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى" يكونوا مؤمنين (99)(يونس).. فإذا كان هذا الحق لا يملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنحن من باب أولى لا نملك هذا الحق.. وقال تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين 118 إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم... (هود)، أي لحرية الاختيار، فالدنيا ليست دار حساب، ولْيختَرْ الناس ما شاؤوا عن بيِّنة؛ لأنهم سيُحاسَبون عليه يوم القيامة.
مجمع الفقه الإسلامي
وأنت على رأس مؤسسة رسمية في السودان.. ما الذي أعددته لكي تكون هذه المؤسسة متميزة؟
الحقيقة أن الدولة عندنا تطلب منا الفتوى، ولا تكتفي بأن نبادر بتقديمها لها.. ونحن لا نخاف إلا الله، ونقدِّم العلم والنصيحة لوجهه تعالى، ونعلم أن مَنْ ولاَّه الله أمر المسلمين يملك أن يأخذ من الخيارات الفقهية ما يناسبه، وما يراه هو ومستشاروه لصلاح دعوتهم ودولتهم وأمتهم.. ونحن، بحمد الله تعالى، نقول ما قاله مَنْ سبقنا من علمائنا:
يزهِّدني في الفقهِ أنِّي لا أرى يُسائِل عنه غيرُ صِنْفينِ في الورى
فزوجانِ راما رجعةً بعدَ بتَّةٍ وذِئبانِ راما جيفةً فتعسَّراْ
نحن ننظر إلى أمر الفقه ليسود مناحي حياتنا كافة، ولهذا فإن مجمع الفقه الإسلامي بالسودان يضمُّ في عضويته علماء الفقه والشريعة، وعلماء القانون الذين هم على صلة وثيقة بالفقه أيضاً، وعلماء الدراسات المالية والاقتصادية الذين يعرفون الحلال والحرام، بل إن القاسم المشترك بين كل أعضاء مجمع الفقه الإسلامي هي الصلة الوثيقة بالقرآن دراسةً وحفظاً.. ورغم أن المجمع يضمُّ الأعضاء كافة، إلا أننا موزَّعون على دوائر واختصاصات: فهناك دائرة الأصول والمناهج، ودائرة الشؤون العدلية المعنية بالنواحي الدستورية والقانونية، ودائرة الشؤون المالية والاقتصادية، ودائرة العلوم الطبيعية والتطبيقية، ودائرة فقه الأسرة، ودائرة الفتوى العامة، فحيثما فكر الناس وأرادوا أن يلتمسوا حلاً لمشكلاتهم وجدوا الفقه الإسلامي يجيب على مسائلهم.. والدولة أشركت أعضاء دائرة الشؤون العدلية في تأصيل القوانين، كما أن أهل العلم المختصين في هذا الجانب يقدمون فقههم في سائر المعاملات المالية والاقتصادية وغيرها.. ورغم أن بعض دوائر الفتوى عند غيرنا ربما حصل لها نوع من الضعف والضمور واستخدام السياسات المحلية والإقليمية لما يُراد منها، إلا أننا نحمد الله أننا في عافية.. ثم إن المجتمع الإسلامي بلغ من الوعي حدّاً يتجاوز كلَّ ما كان خارجاً عن الأصل من فتاوى رسمية قد تكون في خدمة دولة معينة، لكننا نعتقد أنه مهما كان وضع الدولة في نظامها وسياساتها، فإن أهل العلم في جملتهم لا يميلون ولا ينحازون مطلقاً إلى ذلك.
حرّاس القانون
هل يقتصر عمل استشارية التأصيل على تقديم المشورة والآراء الفقهية للرئاسة فقط، أم يشمل كلَّ أجهزة الدولة؟
لحسن الحظ، فإن أجهزة الدولة كافة تطلب المشورة بنفسها، وإن لم تطلب فنحن نبادر بأن نقدِّمها إليها.. والتأصيل ليس عملاً فردياً يقدِّم فيه الفتوى شخص واحد، بل هو عمل جماعي منظَّم.. وعلى سبيل المثال، فإن كلَّ أعضاء مجمع الفقه الإسلامي يجتمعون لتقديم آرائهم، وإذا كان ثمَّة مراجعة للقوانين فلعلمائنا فيها مشاركة، وإذا كان هنالك مراجعة للأداء الاقتصادي والمعاملات المالية فلعلمائنا وأهل الاختصاص شأن في هذا الأمر أيضاً، بل إن المؤسسات المالية عندنا بحكم القانون لابد أن يكون فيها علماء يراجعون أداءها أو شرعية معاملاتها المالية، وهؤلاء العلماء تحركهم ضمائرهم، فكونهم ينالون مكافأة على عملهم، فإن هذه المكافأة مهما كانت لن تحكم ضمائر الناس.. وتعجبني مقولة أحد المفسِّرين الحكماء: "إن القانون لا تحرسه نصوصه، ولا يحميه حرَّاسه، إنما تحرسه القلوب التقيَّة التي تستقر تقوى الله فيها وخشيته، فتحرس هي القانون وتحميه.. وما من قانون تحرسه القوة المادية والحراسة الظاهرية! ولن تستطيع الدولة أن تضع على رأس كل فرد حارساً يلاحقه لتنفيذ القانون وصيانته؛ ما لم تكن خشية الله في قلوب الناس، ومراقبتهم له في السر والعلن" ("في ظلال القرآن" سيد قطب الجزء الثالث ص1384).
هل يعني هذا أن هناك حرصاً من الجهات الإدارية جمعاء على تأصيل ما يصدر من قوانين وقرارات كي تكون متطابقة مع الشريعة الإسلامية؟
نحمد الله تعالى أن هذا الأمر ليس قاصراً على المؤسسات والجهات الإدارية فقط؛ بل إن المجتمع كله يطلب هذه المعاملات الشرعية وتأصيلها وفق أحكام الشريعة الإسلامية، والناس يحرصون على هذا من تلقاء أنفسهم.. والأمر لا يستغرق التطويل الذي عُرِفت به المؤسسات العامة من اجتماعات متكررة حتى اتخاذ القرارات، فنحن أصحاب قضية، وصاحب القضية يختلف عن صاحب الوظيفة.
تسجل صفحات التاريخ أدواراً مهمة للعلماء في شحذ هِمم الأمة الإسلامية للتصدّي لأعدائها، كما فعل "ابن تيمية" مع التتار مثلاً، فكيف ترى دور العلماء في بلادنا اليوم؟
مهما كان دور العلماء فهو دون ما ينتظره الناس، إلا أنهم يعملون بقدر ما يستطيعون من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا.. وأهل العلم المخلصون لا يهمهم مَنْ الذي يحكم؟ بقدر ما يهمهم بماذا يحكم؟..
إن علماءنا اليوم يواجهون تحديات عصرهم بما يملكون، ويواجهون أخطاراً في البلدان كافة، ويوم تنضج المشكلة، وتنضج الأمة نفسها سيكون من ذلك ما شاء الله أن يكون من اتحاد الأمة
تنازع الفتوى
يُلاحظ في بعض الدول اختلاف الفتوى وتنازعها بين العلماء، مما يُوقِع الناس في حيرة، وأحياناً تصدر فتاوى "مُضحكة" من بعض المسؤولين، قد تُفقِد الثقة فيمن هم أهل للفتوى.. فما رأيكم في هذه الإشكالية؟
المجتمع المتديِّن لا يقبل هذا العبث.. وكأنك تشير إلى بعض ما أُثير مؤخراً من فتوى بعضهم بجواز الخلوة الشرعية بين رجل وامرأة إذا كان تمَّ "إرضاعها للرجل كبيراً".. نحن نعود للمسألة من ناحية فقهية، وننظر هل هي محكومة بالفقه نفسه، وباختيارات السلف الصالح ممن رفضوا هذا العمل ورأوه حالة خاصة؟ لأن الفهم الصحيح ينبغي أن يكون كذلك، فإنهم لم يقولوا: إن الرجل يأخذ ثدي شابة أو امرأة ويرضع بأسنانه.. لا.. الحادثة المعنية قديماً تعني أن حلباً من الثدي حدث في إناء، وأن ذلك الشخص شرب من هذا اللبن، لا أن عورة انكشفت، أو أنه بأسنانه مص ثدي امرأة.. إن الصحف تصوِّر لنا هذا، ولكنه ليس صحيحاً.. ونحن نحترم من يخالفنا في الرأي، قد يكون أخطأ، ومَنْ أخطأ يُرَدُّ بالعلم نفسه، ونحن أصلاً لا نخاف من أن يُفتينا أحد بشيء يخالف العقل، فلو أنه خالف لوجد من يردُّه عن الخطأ.
مرجعية أم تعددية؟
مرجعية الفتوى في السودان هل هي موحَّدة ومنظَّمة ومرتَّبة؛ بحيث يأخذ الناس فتاواهم من جهة واحدة، أم أن جهات عدة تشترك في هذا الأمر؟
في الزكاة مثلاً.. نُرجِع الأمر إلى حكم "ديوان الزكاة"، ولجنة الفتوى في الديوان عندهما القول الفصل في المسألة، لكن لا مانع من أن يستفتي الناس علماء آخرين.. وحتى لو قال فقيه "مالكي": إن الزكاة لا تكون في المال المستفاد، أو أن الزكاة لا تكون في الفاكهة والخضراوات.. إذا قال ذلك، وهو مصيب فيما يقول، فإن ما يجري العمل به في ديوان الزكاة ليس هو مذهب "الإمام مالك". وقد يذهب بعض الناس لطلب فتوى من أئمة مساجد أو علماء في مراكز دينية، لكن أغلبية الناس يعرفون المكان الصحيح فيتجهون إليه.. وعلى سبيل المثال، فإن أحكام الأسرة من الطلاق والرضاع والحضانة في حكم المحاكم الشرعية، ومعروف عنها أنها تأخذ بما كان سائداً منذ عهد الحكم العثماني بفقه "أبي حنيفة". وإلى جانب ذلك، هنالك نشرات ومنشورات خرجت بأن الطلاق لا يقع بالثلاثة في كلمة واحدة، بل يجب أن يكون طلقة فطلقة فطلقة.. قال تعالى: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان(البقرة:229) ولذلك، فإننا في مجمع الفقه الإسلامي، يحكم عندنا في دائرة شؤون الأسرة أهل الفقه والمعرفة بما عليه العمل في المحاكم الشرعية، بحيث يقدِّمون الفتوى للناس، لكن ذلك لا يمنع أن بعضنا، ممن يرى مذهب الجمهور أو مذهب مالك، قد يذهب إلى بعض الشيوخ ويفتونه بالتحريم مثلاً، وهم يقبلون هذا الأمر، لكن الذي لا يمانع من أن يأخذ بفتوى المحاكم الشرعية، يأتي إلى المجمع وإلى المحاكم نفسها.
هل أنت راضٍ عن حركة الفتوى والإفتاء وتوجيه الناس إلى أمور دينهم في السودان بصفة عامة من العلماء والدعاة؟
أُثِر عن الإمام مالك قوله: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم".. فالناس يأخذون الفتوى ممن يثقون في دينه، ونحن لا نملك إلا أن نقول للناس: أصبتم، فهم أحرار فيمن يثقون في دينه، فلنتركهم وما يعتقدون.. فإذا كان من يثقون فيه هو شيخهم الذي ربًّاهم وعلَّمهم فليأخذوا عنه، أو آخر يرون أن يأخذوا برأيه، فالأمر إليهم.. وأنا راضٍ من هذه الناحية ولا إشكال عندي؛ لأني أرى أن الاجتهاد حق مكفول لكل الناس، وقد يخطئ المفتي، لكنه لا يُكفَّر بخطئه.
ادعاءات كاذبة
هناك ادعاءات عن انتشار الرقِّ والاستعباد وانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان في السودان، ونُشِر هذا على صفحات واسعة في الإعلام الغربي، وجاءت المنظمة التي تدَّعي هذا إلى السودان، وتأكدت من عدم صحته.. فما تعليقكم على هذه المسألة؟
إذا كانت المنظمة المعنية بهذا الشأن جاءت وتأكدت أن هذا الادعاء غير صحيح، فإن هذا يُعَدُّ من أظهر الأدلة المادية على كذب ما يدَّعيه غيرنا.. إن سلفنا في الأمر هو "قراقوش".. و"قراقوش" هو العقاب الطائر باللغة التركية، وكان وزيراً للقائد المظفَّر صلاح الدين الأيوبي، لكن لأنه لم يبذل عطاءً وافراً لمن جاؤوا مادحين ينتظرون نوال دولة صلاح الدين، فقال لهم: "والله، إن هذه الأموال مجموعة لتحرير القدس وصدِّ الصليبيين"، فأشاعوا عنه ما ليس فيه.. ونحن نعتقد أن غيرنا يشنِّع ويفتري الكذب علينا.
هل تأتي بعثات كنسية إلى السودان للاطمئنان مثلاً؟ وما مدى تأثيرها؟
كل المبعوثين عندما يجيئون يجدون أنفسهم أمام حقائق مغايرة لما يعتقدونه، وربما عاد بعضهم إلى بلده فيقول غير ما قال لنا، وهو حينئذ مُجبَر ليحافظ على وضعه، أو لأن غيره أجبره على أن يقول ذلك. وقد جاءنا البابا السابق "يوحنا بولس الثاني" نفسه، واستقبلناه وعرضنا عليه أمرنا، وشكونا ما نراه في الغرب اليوم من ازدواجية المعايير.. وتجرَّأنا بقوة المؤمن فقلنا له: "والله إننا لا نستحيي مما نعتقده، ونعرض عليك أن تؤمن مثلنا بمثل ما نؤمن به".
وماذا كان ردُّه؟
لم يقل شيئاً في هذا الشأن بنفسه، لكنه استجاب لسائر ما قلناه.
هل ترى أن الكنيسة في الغرب مسيَّرة بالسياسة والمخططات الغربية ضد السودان؟
هي ليست "مسيَّرة" بل "مسيِّرة"، فالكنيسة هي التي تسيِّر حكوماتها، وحكوماتها رضيت بأن تأخذ هذا التأييد منها لتتقوى به، ثم تقدِّم لهذه الكنائس بعض التأييد في إثارة المشكلة هنا في السودان، لكننا مستعدون لمقابلة أصحاب المشكلة أنفسهم.. مرحباً بهم إذا زارونا، ومرحباً بهم إذا سمحوا لنا أن نصلهم، ونبيِّن لهم وجه الحقيقة.. نحن لا نستحيي من شيء، لأن عندنا الحق الواضح.. قال تعالى: الجمص× (1) كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى" للمؤمنين (2)(الأعراف) ونحن نؤمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.. حتى البابا حينما عرضنا عليه الإسلام، ما اشترطنا أن يستجيب لدعوتنا.
بنو من نحن؟!
يرى كثيرون أن السودان لا يجيد تقديم نفسه للعالم، ولا يدافع عن قضيته بالقدر الكافي، ولم نسمع عن جولات لعلماء يطوفون بلاد العالم الإسلامي لتوضيح الأمور وإظهار الحقائق.. فما رأيكم؟
كيف لنا أن نقوم بإمكاناتنا الحالية بمثل هذه الجولات؟.. وأنَّى لنا أن نؤدي دورنا وغيرنا يملك من وسائل الإعلام والتشويش والتضليل ما لا نملك نحن؟.. ومع ذلك، فإنها نصيحة نقبلها، وسندرس آليات وطرق تفعيلها والعمل بها.. ونأمل أن تكونوا أنتم، خير عون لنا، وأنتم كذلك والحمد لله، ما قصَّرتم فيما مضى، ولن تقصروا فيما يستقبل.. وأهم ما يجب أن نعتقده أن الإسلام أكبر مما نختلف عليه من صغائر أمورنا، فنحن في مواجهة مع عدونا تنال أصولنا ولا تنال قضايانا الداخلية الصغيرة التي نختلف عليها، إنهم يضربون في الأساس نفسه، ولذا يجب علينا أن نتحد.. وكما كان أستاذنا الشيخ "محمد الغزالي"، رحمه الله، يقول: "هم بنو إسرائيل"، "فبنو من نحن؟!".
المصدر: مدونات مكتوب


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.