المريخ في اختبار صعب أمام أمام روستيرو عصرا    دعم إفريقي واسع للهلال السوداني..سيكافا والرواندي في المقدمة واتحادات موريتانيا والسنغال والكاميرون تلوح في الأفق    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    الصفا الأبيض يهز شباك الرفاق... وانطلاقة قوية في الدورة الثانية    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الفريق أول الركن ياسر عبدالرحمن حسن العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ذو السويقتيْن، رئيس القِبلتيْن، وسيناريوهات التغيير
نشر في السودان اليوم يوم 01 - 04 - 2015


[b]حسين أحمد حسين.
مدخل:
لقد ذكرنا فى مقال سابق "أرجاس الأخوانوية وأثرها على تشيؤ الفكر الإسلامى"، بأنَّ السِّمة الغالبة لتنظيم ما يُسمى "بالأخوان المسلمين" فى السودان (وفى أى مكان)، هو الموقف المنافق لكلِّ المذاهب الفكرية الإسلامية السائدة الآن (سنيّة و شيعية). ولذلك كنا نعى إبتداءاً بأنَّ القِران السُّنِّى – الشِّيعى فى السودان، لا يقع فى خانة الحوار المذهبى (خلا بعض الكتابات التوفيقية الركيكة)، بل إنَّه فى الحقيقةِ لا يعدو أن يكون سوى زواج مُتعة.
وهذه العلاقةُ المريضةُ، والمريدةُ على النِّفاق من كِلا الطرفين، سببها النظرة الإستعلائية والإنتهازية عند كليهما، وإحساس كلٍّ منهما بأنَّه بالإمكان أن يستخدم الآخر كحِصان طُروادة حتى يصل إلى مآربِهِ دون علم الآخر.
والأمر لا يحتاج إلى ذى حصافة ليتم تكييف ذلك القِران (فالجانبان على طرفى نقيض، وفوق ذلك يُعانيانِ من أزمة فكرية داخلية وحرج عقائدى مُرتبطيْنِ بتشويه نموذج الحكم الإسلامى من واقع تجاربهما)؛ ذلك الساعى لزعزعة العروش العربية السُّنِّية المحافظة بترخيص غربى. وبالتالى هذا الأمر يجعل نزوعهما نحو بعضهما البعض، خارج سياقات توحيد أهل القبلة المزعوم، ومن ثمَّ يصبح وثيق الصِّلة بِبُوليتيك المتعة الميكيافيلِّية المؤقتة.
حيثية:
هذا التغيُّر الدراماتيكى لقِبلة حكومة السودان من طهران إلى الرياض فى ظل الحرب على اليمن، يجب أن يُوضع فى أهم سياقاتِهِ لكى يُفهم على الوجه الأكمل؛ ومن أهم هذه السياقات هى الطريقة التى يتطور بها النظام الرأسمالى.
فمن واقع قراءة استقصائية لطريق التطور الرأسمالى وظاهرة الحروب، فقد تبيَّن لنا وجود مُودِل/متلازمة بين الحرب وطريق التطور الرأسمالى، بالقدر الذى يجعل كل حرب دارتْ/دائرة حولنا الآن، هى حرب رأسمالية بامتياز، تتمأسس على الحاجة الأزلية للإنسان فى البقاء (الآنى والإستراتيجى). ومن هذا الواقع ينشأ سرُّ مناداتى للحروب بالحروب الرأسمالية؛ وقانا اللهُ والإنسانيةَ جمعاءَ شرَّها وشرَّ أُتونِها (كلَّما أوقدوا ناراً للحربِ أطفأها الله).
ومتلازمة رأس المال/الحرب هى: تناقص الأرباح/الكساد – الحرب – تسوية إقتصادية جبرية – تناقص الأرباح/الكساد من ثان – ثم الحرب من جديد، وهكذا دواليك العلاقات الجدلية الرأسمالية المشؤومة. وهذه المُودِل (النموذج) لم يُستخلص من مفاهيم نظرية أداتية وترف أكاديمى بحت، ولكنه مسنود بالوقائع التاريخية.
فمن واقع تحليلنا المادى لحروب رأس المال، إتضح لنا: أنَّ الحرب العالمية الأولى سبقها تناقص أرباح حاد (O'Brien and Williams 2007)، أدى بدوره لتنافس الدول ألأوربية على المستعمرات واندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد أعقب تلك الحرب كما هو معلوم تسوية فراساى عام 1919م، وإنشاء عصبة الأمم. ثم أعقب تلك التسوية الكساد الكبير 1929م، والذى أدى بدوره إلى الحرب العالمية الثانية. أعقب الحرب العالمية الثانية تسوية بريتون وودس (Bretton - Woods) عام 1945.
ومنذ بريتون وودس، فإنَّ النظام الرأسمالى قد مرَّ بعدة مراحل من الكساد (آخرها كساد 2006 المستفحل منذ عام 2008، والذى ظل مستمراً إلى يومِ النَّاس هذا)، أدَّتْ إلى الحروب بالوكالة (الحرب الكورية، حرب فياتنام، الحرب العراقية الإيرانية)، والحروب الداخلية/الحروب بين الناس/الحروب الذكية كما يًسميها البعض (كما فى: السودان، الصومال، أفغانستان، حروب الربيع العربى). وهكذا يعمل نظام التطور الرأسمالى فى إطار حلقتِهِ المُفرغة: الكساد - الحرب - التسوية - الكساد - الحرب من جديد.
إذاً، فالحرب متلازمة من متلازمات طريق التطور الرأسمالى. إلاَّ أنَّ الغرب بذكائه وتآمرِهِ قد أخرج الحرب ذات الوجه القبيح خارج المركز (صدَّرها للأطراف/الهامش) وجعلها فى المركز منحصرة فى التنافس الإقتصادى. والحرب فى متلازمة "الحرب - التنافس الإقتصادى"، عادةً ما تُخيِّم بالمناطق الغنية بالموارد (كالخليج وإيران ومناطق الماس والذهب ومصادر الطاقة فى أفريقيا وغيرها). فالغربيون فى المركز يتنافسون على تطوير بلدانهم، ونحن فى الأطراف نتنافس على القِتلةِ المتطورة.
والحرب المقصودة هذه المرة (والمتماهية فى المذهبية لتجرَّ معها عدد كبيرمن الدول؛ مصر وغيرها) هى حرب دول التعاون الخليجى مجتمعة ضد إيران. هذه هى الحرب الوحيدة التى من الممكن أن تخرج النظام الرأسمالى من حالة الكساد الإقتصادى المُطْبِقة الآن.
والمحصلة بمقتضى هذه المتلازمة هو ألاَّ فكاك من الحرب، والعاقل من الحكام (if any)، هو من يتجاوزها بالدلوف إلى التسوية ليُجنِّب شعبه ويلات الحرب. ويا تُرى ماذا فعل السيد رئيس حكومة السودان خلال ربع قرنٍ من الزمان، ليُجنِّبَ شعبَهُ ويلاتِ الحروب التى تارةً ينسبها لنفسه وتارةً ينسبها للشيطان بحسب مقتضى الحال.
القِبلة الأولى ووقائع التغيير:
حينما يَمَّمَ البشيرُ شطرَ إيران الصفوية نهاية ثمانيات القرن المنصرم، كان يعلم علم اليقين أنَّه يُجازف بمعتقده، ولكن تثبيت الدولة (ويا للعلمانية) أهم فى نظر الإخوانوية من تثبيت الدين (الذى حولوه إلى هتافاتٍ وشعاراتٍ وأيديولوجيا خادمة للدولة، يُطبقونه على الغرماء ولا يُطبقونه على أنفسهم)؛ وعليك أن تتأمل مركب المسخ الإخوانوى/الدغمسة أو كما قال.
هذا الواقع جعل من السودان قِبْلةً لكل الحاقدين على دول الخليج (لا سيما السُّنِّية الوهابية) من الأخوانويين والصفويين وجميع الإرهابيين الأمميين. وكلُّهم على تناقضهم يستميتون الآن للحِفاظ على نظام السودان؛ يا طالما وفَّرَ الأرضَ والمالَ والتجربة (آوى ونصر).
ويترادف مع هذا الأمر رغبة أمريكية/غربية فى القضاء على العروش العربية العضودة، العليلة الليبرالية، الغير مواكبة لعوالم ما بعد الحداثة بحروبٍ ذكية ومن أرصدتها لدى بنوكه. كما لا يخفى على أحد رغبة إيران فى تطويق الخليج العربى بمنحنى/هلال شيعى (يمتد من إيران، العراق، سوريا، غزة، لبنان، مصر، السودان، اليمن) يُسهِّل أمرَ القضاء على المذهب السُّنِّى الوهابى، وتمكين ولاية آل البيت بحسب زعمهم. (ويجب أن يعلم الجميع بأنَّ هذا التطويق الشِّيعى لجزيرة العرب هو فى الأصل تطويق يهودى؛ فمُعظم شيعة اليوم ينحدرون من اليهودى عبد اللهِ بن سبأ).
كما أن الغرب فى العموم اصبح زاهداً فى دعم أى نوع من حركات التغيير لا تستطيع تمويلَ نفسِها بنفسِها بعد نهاية الحرب الباردة، أى بعد إستكمال تمدد النظام الرأسمالى وسيادته على كلِّ الكوكب؛ فهذا أمرٌ لا يمكن تبريره لدافع الضرائب فى الداخل الغربى الآن.
هذه الوقائع سهَّلتْ للبشير عمل مليشيات من الرباطة والجنجويد والقاعدة وألوية شيعية وغيرها، وأغرته لتسريح معظم قواته المسلحة. وهذه المجموعات فى الغالب الأعم تقودها وحدات صفوية أو أخوانوصفوية، وتحميها الطائرات الإيرانية والقطرية وربما التركية إذا احتدم الوطيس.
وبالطبع هذه الأوضاع لها تجلياتها على الواقع السودانى المتعلق بالمعارضة؛ فأُرذل التغيير، والدولة السودانية فى حلقات تدهورها، تخرج الآن من طورها الفاشل (حروب فى كل جزء من السودان) إلى طور الفشل المزمن، والحالة الثورية يعوزها التنظيم مع تقاعس الإنتلجنسيا الملحوظ عن القيام بأداء دورها على الوجه الأكمل، بالرغم من أنَّ كلَّ كوامن الشعب حبلى بالتغيير.
والمحصلة هى عدم فاعلية الجهد المفضى إلى التغيير، وحالة العجز عن ابتداع بديل، الأمر الذى يؤدى إلى تكريس حالة من اليأس والتكلُّس السياسى.
القِبلة الثانية وفضاء التغيير:
لا شكَّ فى أنَّ هناك بعض الإرتياح الذى بدأت مظاهرُهُ على جميع السودانيين، الموالين للحكومة والمعارضين، بتولِّى السودان القبلة الجديدة، قبلة معسكر الرياض؛ على ما ينطوى عليه ذلك من هشاشة المبدأ، وضعف الأخلاق، ورِقَّة الدين، وتفاهة الشخصية. فسواد هذا الشعب لم يعرف التشيُّع قبل 1989م، وحتى علمانيُّوه فهم "علمانيُّون على سُنَّةِ اللهِ ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم" كما يقول المرحوم الفيلسوف عبد الوهاب المسيرى، والزج بالسودانيين فى أحضان الصفوية وِزرٌ تتحمل أثقالَهُ الأخوانوية وحدها.
أمَّا إذا كان هذا التحول داخل مقتضيات التُقية، فذلك يعنى أنَّ ذا السويقتين، ليس سودانياً فقط، ولكنَّهُ إخوانوى، وُلِدَ فى حوش بانَّقا، وتترعرعَ فى صراصِر، وتكفرنَ فى كافورى؛ واللهُ وحده المستعان.
وعلى أىِّ حال، إذا كان هذا التحول تُقيةً أو غيرَ ذلك، فالناس قد ملَّتْ النظام؛ وحتى بِطانتُهُ قد ملَّتْه. فها هو د. عبد الحى يوسف (على سبيل النذر لا الحصر) يتمنى لو لم يترشح البشير، ود. عصام أحمد البشير يَسْلِقُ النظامَ بمطاعناتٍ حِدادٍ فى برنامج مُقاربات بقناة الشروق؛ وحتى السيدة الأولى (مشترك) قد ملَّتْه.
أقول ما أقول، والتحول للقبلة الجديدة، لم يكن مبنياً على مراجعات فكرية أو عقدية أو تصحيحٍ فى الأخلاق (فالأخوانوية ليس لها أخلاق، فانظر كم قتلتْ فى مصر لكى تحكم، وكم قتلتْ فى السودان لتبقى فى الحكم)؛ وإنَّما هو فى الغالب الأعم يستند على المعلومات الإستخباراتية، فى أنَّ النظام على وشك السقوط. ولربما أطالت هذه الخطوة من عمره قليلاً، بإبعاد شبح التغيير والملاحقة الدولية؛ فالرئيس لا يثق إلاَّ فى موزييك أجهزته الأمنية.
فإذا زجَّ رأسُ - المالِ الخليجَ وحلفاءَه فى حربٍ ضد إيران ليخرج من هذا الكساد الذى طال أمده، فإنَّ ذلك سيؤثر على مجريات التغيير من عدة وجوه:
1- ليس من المحتمل أنْ تتحول المعارضة بين عشية وضحاها 180 درجة لتبحث عن الدعم عند إيران. وفى الأصل لن تقبل المعارضة دعماً من إيران وهى المكتوية بنيرانها، اللَّهُمَّ إلاَّ إذا بلغتِ الأنفُسُ الحُلقوم (فالنَّاسُ قد وصلوا إسرائيل من قبل) وجاءت المبادرة من إيران نفسها نكايةً فى الخليج والبشير معاً؛ غير أنَّ ذلك بثمنه.
كما أنَّ الدول الخليجية ستكون منشغلةً بنفسها فى ظل الحرب الدائرة الآن، وربما لا تلتفت لدعم المعارضة ضد الأخوانوية السودانية (المتنصل عنها تقيةً ونفاقاً). ولربما كانت لدول الخليج صفقة لترغيب البشير بغض الطرف عن المعارضة السودانية ولو لبعض الوقت (وقت إختبار مصداقية البشيرالمثقوبة).
وهنا نخشى على التغيير من مسألة الدخول فى حالة البيات، إذا دخلت السعودية وحلفاؤها فى حرب عقائدية مع إيران؛ إذ وقتها سيكون على كل مسلم تلبية النداء، لا سيما المعارضة.
2- ليس من المتوقع أن ينبتَ فى السودان حزبٌ عقائدىٌ كحزبِ - الله، وبالتالى يُناحر الحكومة بتوليها شطر الرياض بدلاً عن طهران. فالتشيُّع الذى نشأ فى السودان منذ عام 1989م هو تشيُّع مصلحى وربما إكراهى، وبالتالى فهو ذو طبيعة مؤقتة. وهذا الوضع ربما عمَّقَ وضعية البيات المذكورة بعاليه.
3- من غير المنظور أن تتلقى المعارضة دعماً خليجياً يساهم فى كسر شوكة النظام، وذلك لأنَّ دول الخليج ربما تخشى من علمانية المدنيين السودانيين التى يكرسها النظام السودانى فى أذهانهم، والذى بدأ يُسوَّقُ نفسه كبديل ممتد للعلمانيين بنفىِّ صلته بما يُسمى بالأخوان المسلمين ولو من قبيل التُقية كما جاء آنفاً.
ومن الناحية الأُخرى لا يوجد بديل عسكرى فى المؤسسة العسكرية السودانية تثق فيه دول الخليج، خاصةً وأنَّ النظام الحاكم فى السودان قد أفرغ المؤسسة العسكرية من كل العناصر التى يمكن الإعتماد عليها. وإنْ سلمنا جدلاً بوجودهم، فإنَّهم عادةً ما يميلون للتحالف مع الشرائح المهيمنة إقتصادياً فى المجتمع، لا سيما وأنَّ الفقراء والمتحالفين معهم من المتعلمين السودانيين قد أشبوعوا المؤسسة العسكرية قدحاً وتجريحاً على مدى ستةِ عقودٍ مضتْ.
فلا غروَ إذاً، أن تكون المؤسسة العسكرية عديمة النَّخوة بإتجاه قضايا الجماهير فى ظل نظام الإنقاذ (خلا شهداء رمضان الإجلاَّء)، وقد ذكرنا من قبل، بأنَّ كلَّ الإنقلابات العسكرية فى السودان قد تمَّتْ بإيعاذ من الشريحة ذات الهيمنة.
4- عِلاقة السودان بالدولة الصينية تعقِّد التغيير، ويزداد ذلك التعقيد سوءاً بمؤآزرة روسيا للصين فى كل القضايا الدولية والإقليمية المتعلقة بالسودان، خاصةً بعد توقيعها لعدد من الإتفاقيات الإقتصادية مع حكومة السودان فى مجال التعدين واستخراج البترول. فالصين وروسيا تقفان بصلابة فى حماية الأنظمة التى تحتضن إستثمارتهما؛ لِمَ لا وهما لاعبان رأسماليان جديدان، ومتعطِّشانِ للربح وكسبِ أسواقٍ جديدة.
5- مع إنشغال أرتال من الجنود الأخوانويين وطائرات النظام فى الحرب على الحوثيين فى إطار التحالفات الجديدة، وتوقف الدعم الإيرانى للحكومة (ونرجو أن يتوقف الدعم القطرى والتركى أيضاً)، فإنَّ ذلك قد يرفع الضغط المفروض على المعارضة المسلحة وعلى أهلنا فى مناطق العمليات، وبالتالى يُساهم ذلك فى إعادة التموضع المفضى إلى الإنقضاض على النظام.
مخرج:
من حيثيات الوقائع والإستقراء بعاليه نجد أنَّه قد بات من المؤكد ألاَّ سبيل لإسقاط النظام إلآَّ بطريقة واحدة: ثورة شعبية طوفانية غير مُجتزءة، ومسنودة بعمل عسكرى.
وفى هذا الإطار علينا أن نتنبَّه إلى عدم الإنجراف وراء أى إنقلاب عسكرى فى الوقت الراهن مها كان. فالتجربة تُعلمنا إنَّ المؤسسة العسكرية تتبع الشريحة ذات الهيمنة فى المجتمع (كل الإنقلابات العسكرية فى السودان، وانحيازات القوات المسلحة تتبع موضع الهيمنة فى المجتمع)، والشريحة المهيمنة الآن هى شريحة رأس المال المالى/الجبهة الإسلامية القومية. وإذا استمرَّ وضع الهيمنة على ما هو عليه، فإنَّ أىِّ إنقلاب/إنحياز عسكرى لفعل التغيير، لن يكون خارج تنظيمات الجبهة الإسلامية القومية.
وتغيير موضع الهيمنة (وهو فعل إقتصادى، سياسى، إجتماعى؛ فى العموم ثقافى) هو بالأساس شأن من شئون الإنتلجنسيا السودانية؛ المتقاعسة لربع قرن عن أداء دورها بشكل فاعل. وقبل تغيير موضع الهيمنة هذا يجب ألاَّ نسأل عن تغيير يصب فى مصلحة سواد الشعب السودانى.
وحين يتغيَّر موضع الهيمنة، سنجد حتى العسكريين المحسوبين على النظام (خاصة الكوادر الوسيطة والدنيا) وغيرهم، فى حالة إنحياز لمصلحة التغيير/لمصلحة موضع الهيمنة الجديد، وذلك للطبيعة المتأرجحة لشريحة البورجوازية الصغيرة التى تميل دائماً للتحالف مع الشرائح المهيمنة.
فنرجو من الإنتلجنسيا السودانية أن تغيِّر من موقفها السالب تجاه المؤسسة العسكرية وإلقاء اللائمة عليها فيما يتعلق بمشاكل السودان. إذ أنَّ موقف المؤسسة العسكرية يُحدده موضع الهيمنة، وتحديد موضع الهيمنة مسئولية الإنتلجنسيا بالأساس؛ فلننظر على من نُلقى باللائمة.
عليه، فبعد توحيد المعارضة بشقيها المدنى والعسكرى (نداء السودان مثالاً)، فلابد من تحويل مقولة الرهان على الجماهير من فعل غيبى إلى فعل محسوس. وذلك بالأستفادة من الذين تلقَوْا تدريباً عسكرياً فى معسكرات الدفاع الشعبى وغيرها، ومن المتقاعدين من قوات الجيش والشرطة (الكوادر الحية والشابة)، والأستفادة من المعارضة المسلحة، وتسليح من يستطيع حمل السلاح؛ لتكون كل هذه العناصر ظهيراً للفعل المدنى الطوفانى، مع توفير السلاح اللازم لهم: إما من الدول الصديقة التى لها مصلحة فى تغيير النُّظم الأخوانوية (وهو الرهان الأضعف فى الحالة السودانية، خاصةً بعد تولى النظام قبلة الرياض)، أو من تحويلات السودانيين العاملين بالخارج/بنك المغتربين السودانيين فى لندن أو نيويورك (وهو الرهان الأهم).
وعلينا أن نوظِّف هذه التحويلات (التى يُكرِّس النظام كل جهوده الآن للإستفادة منها) لدعم الثورة بدلاً من دعم النظام الذى استفاد منها فى السابق (مع استقطاع 50 - 53% من خدمات التعليم والصحة) لإستخراج البترول والمعادن النفيسة، وحرمنا من عائداتها (250 مليار دولار) التى وزعها حصراً على كوادر ما يُسمى بالأخوان المسلمين.
لابد من السيطرة على شركات الإتصالات، وتوظيفها لصالح التغيير بدلاً من أن تتجسس عليه؛ فإن لَّم نستطع، فلابد من تحييدها؛ فإن لَّم نستطع، فلابد من عطبها مؤقَّتاً (وذلك أضعف الطوفان)، والإستفادة من وسائط أُخرى أكثر تأميناً.
هذا فى تقديرى المتواضع هو السيناريو الذى يُفضى إلى التغيير: فعل مدنى طوفانى وتقنى مسنود بفعل عسكرى، دون أن تُطلق طلقة واحدة، إلاَّ حين يجرؤ النظام بالإعتداء على ثورتنا؛ ووقتها لكلِّ حادثةٍ حديث.
حسين أحمد حسين،
باحث إقتصادى مُقيم بالمملكة المتحدة.[/B]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.