"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما بين النور الجيلاني ومجلس الوزراء..!!
نشر في السودان اليوم يوم 25 - 03 - 2016


بسم الله الرحمن الرحيم
جوبا ما بين النور الجيلاني ومجلس الوزراء..!!
الأستاذ الفنان النور الجيلاني (متعه الله بالصحة والعافية) مثَّل إضافة فنية فريدة من نوعها، بإنتهاجه اسلوب فني مسرحي/شعبي في الأداء إذا جاز التعبير، وذلك في تشابه مع أداء الفنان خضر بشير والي درجة ما سيد خليفة، أي إحتل درجة وسط بين القامتين في الأداء والتطريب. وما يميز هذا الأسلوب الأخير، هو إزالة الحاجز الوهمي ما بين الفنان وجمهوره! أي خفض مكانة الفنان درجة، بالتزامن مع رفع الجمهور درجة أعلي؟ ليلتقيان عند نقطة وسط، تمثل منطقة الإندماج الفني في أقصي مداها! أي التفاعل علي السليقة (البساط أحمدي) ما بين الفنان وجمهوره، إذا جاز التعبير مرة أخري. في هذا الإتجاه يمكن إدراج الفنان المرحوم محمود عبدالعزيز أيضا، والذي أخرج الفنان من مكانة السمو والرفعة المُصطنعة، والتي يصنعها الإعلام من ناحية، والمعجبون من الناحية الأخري؟! وتاليا تصبح سجن او برج عاجي يُعتقل فيه الفنان بعيدا عن جمهوره! وبتعبير آخر، عاش الفنان محمود علي طبيعته، بكل مميزاته وعيوبه، ولم يفصل ما بين موهبة الفنان وعجز الإنسان! او يكمل هذا النقص بالعيش في حالة إنفصام وجودي (كسمة لغالبية الفنانين!) غالبا ما تسببه ضغوط الشهرة وحصار المعجبين، والأصح إرتفاع سقف توقعاتهم حول فنانهم المفضل؟ والخلاصة، إن الفنانين أعلاه إجتهدوا في إتجاه (شعبنة) الفن، والمقصود بالشعبنة ليس الإبتذال، حاشي لله وجوهر الفن! ولكنها تعني تحديدا وصل الفن مع الجمهور وإلتصاق الفنان بالقاعدة الجماهيرية، من دون معيقات وخطوط حمراء او قواعد صارمة يضعها بعض النقاد علي فن معين، او كهنة الوسط الفني علي مقاس بعض الفنانين! ليعظموا بها من شاءوا ويهمشوا بها من يتمرد عليهم او علي حدود وعيهم او ضوابطهم الشرطية الإبداعية/الإستبدادية، والتي تعبر عن مكانتهم وتحافظ علي وجودهم وتأثيرهم والخلاصة مصالحهم، أكثر من تعبيرها عن نبض الجمهور او موهبة الفنان او ترقية الذائقة الفنية كما يعلنون! وتاليا، من يستجب لتلك الشروط يرتفع لمكانة أعلي من قامة المعجبين؟ وذلك بتصويره وكأنه أتي بما لم تاتِ به الأوائل، في حين أنه لم يفعل أكثر من الإستجابة لصوت الموهبة ونداء الفطرة الفنية، وإن بذل في ذلك التضحيات الجسام. وعليه يُحمد للفنان النور الجيلاني وصحبه الكرام، أن قربوا المسافة بين المبدع والمتلقي، في علاقة أعتبرها صحية وقائمة علي التوازن والإحترام المتبادل، وليس علاقة مرضية طابعها الغرور والإستصغار، كتلك التي تربط بين كثير من الفنانين الكبار، ومعجبيهم المدمنين لوضعية التلقي السلبي!
والفنان النور الجيلاني إذ يقدم هذا الأسلوب السهل الممتنع، أعتقد أنه يستجيب فقط لصوت المواطن العادي داخله، وليس لوهم الموهبة الفنية التي لا تجاري؟ من هذه الوجهة، نجد النور الجيلاني وبإحساس المواطن المستشعر لطبيعة وطنه و هموم مواطنيه، وليس بوصفه فنان وطني او يتبني خط سياسي معين (وهو خط نحترم من يتخذه ونجل تضحيات أصحابه، ولكنه خط أقرب للمزاج النخبوي او يستهدف قطاعات عالية التعليم والثقافة) قد تغني بأغنية جوبا، كقطعة عزيزة من الوطن، كان قدرها السياسي أن تكون بقعة للنيران، بعكس حقيقة بيئتها او طبيعة جغرافيتها، وهو ما حاول النور الجيلاني أن يعكسه في هذه الأغنية الجميلة. وأعتقد أن الكثيرين الذين لم يروا مدينة جوبا (للأسف أنا منهم) ومن خلال هذه الأغنية، لكم تمنوا زيارتها والإستمتاع بمباهجها، وسخاء الطبيعة في الإغداق عليها بالخضرة والجمال وغزارة التنوع البيئي والمجتمعي! وعليه تعدلت في أذهاننا ودواخلنا الكثير من التفاصيل المغلوطة عنها، وكأنها غابة لا تمنح غير الوحوش ولا تنتج سوي الشرور والأعداء المتربصين للفتك بالإنسان الشمالي؟! ونفس الشئ يمكن أن يقال عن أغنية ففيان، والتي عبرها تم رد الإعتبار لفتاة الجنوب، المشوهة في الوعي الذي تربينا عليه، والذي يضعها في أسفل القائمة الجمالية، إن لم يُطح بها من القائمة نهائيا! بعد أن تم وضع معايير للجمال، لا تتماشي البتة مع طبيعة وواقع وسِحنات مجتمعنا السوداني العريض؟ بمعني، أغنية النور الجيلاني شكلت صدمة لمعاييرنا الجمالية القاصرة، والأصح المُهاجرة لمضارب العروبة تعسفيا! قبل أن تفتح كوة جديدة في تشكيل وعينا ومزاجنا ورغباتنا، من خلال الإنفتاح علي أفق أكثر رحابة وإنسانية ومضامين جمالية. أي النور الجيلاني وبكل بساطة، ومن خلال إستخدام الأدوات الفنية، الأصدق تعبيرية والأعمق تأثيرية والأشد تطريبية، ساهم بقدر وافر في معالجة إشكالات الهوية (العرقية) وإمتدادتها السياسية والإجتماعية والثقافية..الخ! والتي شكلت بدورها أكبر عقبة في بناء هوية وطنية جامعة ومجتمع متدامج؟! وأعتقد أنه إذا ما أُتيحت الفرصة والمساحة الكافية لهذه الأغاني وأمثالها في الأجهزة الإعلامية القومية، ووفق خطط مدروسة وبرامج مترفقة ومتدرجة وتتقصَّد بناء هذه الهوية الجامعة، وتاليا ترميم العلاقة الملتبسة مع الإخوة في جنوبنا الحبيب! لما وصلنا لمرحلة الإنفصال، او وسمت هذه العلاقة التوترات المفتوحة علي الحروب العبثية ونتائجها العدمية؟! والمؤسف أن العكس هو ما حدث تماما، خصوصا مع وصول (العوين) الإسلامويين، وبصورة أخص مع إستلام جهاز التلفزيون القومي، وبكل حساسية هكذا منبر إعلامي جماهيري واسع التأثير والمدي، بواسطة دواعش الإدارة والإعلام من شاكلة الطيب مصطفي وإسحاق أحمد فضل الله؟؟ ليصبح الجهاز القومي، منصة لبث العنصرية والأحقاد ومضخة لنشر الفتن وتسعيير الحروب؟! ومن ثم يصعد الي مقدمة الفنانين أمثال قيقم وشنان، ومقدمة الأغاني الوطنية الأناشيد الجهادية، لمجموعات شبابية نبتت كالأعشاب الطفيلية! لتسمم بدن الحقل الفني، قبل أن تغبش وعي اليُفع من الشباب، وتسوقهم كالقطعان الضالة الي حتفهم، تحت تأثير خدعة الجهاد و تخدير سراب الحور العين! والأسوأ من ذلك، أن ينبري أئمة المساجد للدفاع عن الغزو الحكومي وتوسيع شقة الخلاف ورعاية الفتن؟ بدلا عن الصدع بالحق، او أقلاه تلطيف أجواء الصراع، بإستدعاء الأحاديث والآيات الحاضة علي الإتفاق والتمكين لثقافة التسامح والسلام؟ وإلا ماذا تركوا للعقيد يونس وفرع التوجيه (الحربي!) (وبالمناسبة أين العقيد يونس محمود والأئمة الحربيون من هرولة البشير الي السعودية التي كالوا لها من الشتائم أقذعها ومن السباب أوضعه! ولكن ماذا نقول غير، وللريالات في عبادتها شؤون؟).
علي العموم، إذا كان النور الجيلاني بأغنياته أعلاه، قد مثَّل حائط صد ضد تيار العداء مع الجنوب والإستعلاء علي الجنوبيين وبالأخص الجنوبيات؟ وكان الإسلامويون هم قادة هذا التيار، والأصح بؤرة نواقصنا الراكزة في عمق الثقافة وجوف التاريخ؟ فالصحيح أيضا، أن الحركة الشعبية جسَّدت مشروع التعافي الوطني، الذي يعي حقيقة الجروح المتعفنة، ويبادر بطرح الحلول الممكنة، علي ضوء مناهج الحداثة وممانعة الواقع وممكنات الظروف! وهو يُعلي من قيمة إنسان وقضايا الجنوب الي مصاف الندية مع إنسان وقضايا الشمال، والتي بطبعها مشتركة بين الطرفين! أي قضايا المواطنة الكاملة والتنمية المتوازنة والتعويض عن مظالم التاريخ! حتي يكتمل شفاء الجروح النفسية، كمقدمة لابد منها لإكتمال مخططات المشاريع المادية، فوق أنها تشكل صمام أمان لمتانتها وعمق تأثيرها وإمتداد عطاءها حاضرا ومستقبلا! ولا يعني هذا أن الحركة الشعبية مُنزَّهة عن التقصير والأخطاء، أو أنها أفلحت في إكمال مشروعها علي أكمل وجه! ولكن المعني هنا، قوة الطرح وجدته وتصويبه نحو الهدف بدقة، بدلا عن الدوران في حلقة مكرورة من الرطانة الطائفية والعقائد الماضوية والإيدولوجيات الخلاصية، او بعيدا عن التمسك بمنهج طرح الحلول عن بعد، أي الحلول التي تدور في فلك الهوامش (إجراءات الديقراطية بدلا عن مضمونها، وطريقة الوصول الي السلطة بدلا عن محتوي السلطة وصدقية تمثيلها وفاعلية وظيفتها!) خوفا من جرح خاطر المراكز(الثقافية والسياسية والمناطقية او السلطوية السائدة) المُسيطرة علي مر التاريخ، ولكنها للأسف لم تقدم من خلال هذه السيطرة إلا الفشل والعجز والصراعات السلطوية العبثية؟!
في الحقيقة، سبب كل ما ذكر أعلاه، هو القرار الحكومي الأخرق، بمعاملة الجنوبيين المقيمين داخل أراضي الشمال، بوصفهم أجانب لدي تلقيهم الخدمات!! بل وتهديد كل من لا يحمل جواز سفر او تأشيرة لمدة أسبوع بتطبيق القوانين الصارمة في حقه؟! وعليه:
أولا، من يستمع لهذه اللهجة، لا تعوزه ذرة عقل او إحساس، ليستشف منها روائح الإستعلاء المستبطن والكره المقيم، لهذه الشريحة من الجنوبيين المتبقية في الشمال! وهذا الإستخفاف او الإستحقار من الطرف الحكومي، ليس وليد اللحظة او مجرد حالة غضب طارئة مع حكومة الجنوب، بل ولا يعبر عن تراكم تاريخي تحيزي فقط! ولكن هذا الكره مصدره، أنه يشكل هوية يتميز بها الطرف الآخر! او أقلاه يمنح الطرف الإسلاموي/السلطوي قضية او حالة مغايرة تمكنه من التحلق حول كرهها، او نفي حقها في التواجد والحضور! ورغم أن غياب هذا الآخر يجرده من قضيته إذا ذهب بمنطقه الي نهايته؟ إلا أننا نجد أن العقل الإنفصامي والوجدان المزدوج للإسلامويين/السلطويين ليس قادر علي الجمع بين المتناقضات فقط، ولكنه يملك القدرة العنيدة علي التبرير الفطير ومغالطة البداهات! أي هو عقل/وجدان ذرائعي تشغله فقط جني المكاسب وإحتكار الإمتيازات غض النظر عن الوسائل، طالما لا يعتقد في الضوابط الحاكمة للسلوك، والعقائد الموجهة للمبادئ! وتاليا، من السهولة بمكان إستبدال قضية مكان قضية او محور محل محور، ولنا المثل الأعلي في نموذج إرتكاب كل الموبقات والإستمتاع بكل مباهج الحياة في الدنيا، وتوقع السيطرة علي الجنة حصريا في الآخرة! عكس الآخرين المختلفين الذين مصيرهم الإحتقار ومصادرة كل حقوقهم في الحياة الدنيا، ونصيبهم العذاب المقيم في الآخرة مهما كان شكل عطاءهم وإضافاتهم الخيرة! أما علي مستوي الواقع السياسي، فمثلا يتم النظر لواشنطن كمحور للشر والصين الأبعد عقائديا كمحور للخير والصداقة! وهما بدورهما قابلان للتجسُّد كشماعة لحمل النواقص والأخطاء والفشل في نموذج الحالة الأولي! وكمدخل لجني الفوائد الخاصة، وإن ترتب عليها إهلاك الحرث والنسل وتدمير فرص المستقبل، وذلك بعد بعث الحياة لفقه الضرورة لتسويغ العلاقة الظاهرة وتمرير الصفقات السرية، كما في الحالة الثانية! وعموما، أي مشروع مشروعيته النفي، يستحيل عليه التعايش وسط الإختلافات! ولا يصدف أن الأخيرة هي واقع المجتمعات والدول، قبل أن تكون مبرر لوجود السياسة او حاجة لوظيفة السلطة! أي مشروع النفي لا سبيل لشرعيته إلا توسل الإنقلابات وتطبيق نهج الإستبداد من أجل السيطرة والبقاء. علي ألا ينفي كل ذلك أنه، بقدر ما الجنوب مكروه وإنسانه محتقر، بقدر ما يكسب هذا الجنوب/الجنوبي هوية وقضية للإسلامويين/السلطويين الإستعلائيين، كما أسلفنا! وعليه وبعد ذهاب الجنوب، وتاليا ذهاب القضية المركزية التي يلتقي عندها الإسلامويون/السلطويون العاطلون عن تبني القضايا الجوهرية او مجرد إدراك طبيعة المشاريع الوطنية الحقيقية! لم يزد إنقسام وصراعات الإسلامويين/السلطويين فقط! ولكن كان لابد من إستدعاء العداء لدولة الجنوب الجديدة من جهة، والتضييق علي الجنوبيين المقيمين في الشمال من جهة ثانية! بمعني، الجنوبيون في الشمال وبغض النظر عن بقاءهم الذي يعني إقتناعهم ورغبتهم الطوعية في العيش بين ظهرانيه! أي إختيارهم الشمال وأهله كمكان إقامة ومدار تواصل إجتماعي! وعلي الرغم من أنهم لا ينافسون الشماليين في وظائفهم او فرص صعودهم! إلا أنهم سيظلون أداة في يد الحكومة، توظفها عند كل أزمة تتعرض لها مع دولة الجنوب بصفة خاصة، او مع الخارج بصفة عامة؟! ويؤكد ذلك إجتماع مجلس الوزراء وبصمه علي هذا القرار اللاعقلاني بالإجماع؟! مما يصح وصفه بأنه مجلس إنعدام الرجل الرشيد! مع التذكير إن بعض الجنوبيين عاش في الشمال قبل ميلاد كثير من مؤيدي هذا القرار العنصري الفضائحي!
ثانيا، من يسمع التهديد بقطع الخدمات، يتخيل أن التهديد صادر من أحد الدول الغربية او أقلاه أحد دول الخليج المجاورة، واللتان تضطلعان بواجبات تقديم الخدمات، للمواطنين في الأولي كإستحقاق تعاقدي، وللرعايا في الثانية كمنحة من مال ريعي نظير ترك السلطة وأمور السياسة! وليس في شبه دولة يقودها أشباه سياسيين، لم ينجحوا في شئ بقدر نجاحهم في تجريد المواطنين ليس من الخدمات الأساسية فقط، ولكن من كل حقوقهم السياسية والإنسانية! وهو ما يبيح وصف حكومتنا في الداخل ب(حكومة الأقرع النزهي!). بمعني، تدني مستوي الخدمات او هامشيتها إن وجدت، هو في الحقيقة ما يخص كل السودانيين، أما الجنوبيون علي وجه الخصوص، سواء قبل الإنفصال او بعده، فهم لم يكونوا يوما وجهة لأي نوع من الخدمات، سواء من خلال المناطق التي يتخذونها مساكن (كنابي!) او من خلال تكيُّفهم مع حالة العدم فيما يلي طبيعة علاقاتهم بالخدمات؟! وعليه يصبح تذكرهم الآن ومن خلال الإدعاء او التهديد بقطع الخدمات! هو نوع من الإدانة المضاعفة التي توجه لحكومة الخرطوم وليس للجنوبيين بحال من الأحوال! بمعني، أن تحرمهم من الخدمات مسبقا كغرباء لا يفيض ماعون الخدمات المقدمة لمواطني الشمال حتي تتفضل بها عليهم! والأسوأ أن تجاهر بمنع الخدمات الممنوعة أصلا، بحكم الواقع المعاش آنيا وتاريخيا! علي الرغم من المجهودات الخرافية والعرق النازف الذي يبذله الجنوبيون من أجل المحافظة علي البقاء فقط. إلا إذا اعتبرت الحكومة أن النفس الطالع نازل هو خدمة تقدمها للجنوبيين، وعندها فقط يصبح حرمانهم منها، محل جدية وأعتبار!
وثالثا، إذا كانت الحكومة محترمة حقا، ناهيك من أن تكون شرعية، رغم الرباط الوثيق بينهما! لا يمكن لها إستغلال مواطنين بسطاء، لا يملكون غير عرض خدماتهم أمام أسواق العمل البسيطة، والمهن الهامش هامشية! ولا يكلفون الحكومة مشقة تقديم أي نوع من الخدمات او تحميلها أي عبء من الإلتزامات؟! في خلافات سياسية مع دولة جنوب السودان، الغارقة بدورها في مصاعب لا حد لها، ولا تملك ترف الدفاع عن رعاياها في دولة الشمال! فوق أن الجنوبيين في دولة الشمال، فضلوا البقاء في دولة الشمال علي دولة الجنوب الوليدة، كما ذكرنا سابقا! ولكن أن يزداد الضغط بحجة معاملتهم كرعايا أجانب، بل ومطالبتهم بالتزود بالوثائق التي تثبت ذلك، وإلا تعرضوا لما لا يحمد عقباه؟ فهذا يشبه إضافة الإهانة للجرح والمذلة علي الحرمان! فمن أين لشخص لا يملك قوت ساعته، أن تتاح له الظروف لإمتلاك تلك النوعية من الوثائق، التي طابعها التعقيد والصرف المالي، وقبل ذلك الإلمام بكل تفاصيل إجراءات ومستحقات تلك النوعية من الوثائق! خصوصا لدي دولة بوليسية طابعها التشدد، نسبة لطبيعتها الأمنية و مجافاتها للروح الخدمية او هواجس ترقية الأداء! وبكلمة واحدة، كل مواطن في عرفها متآمر حتي يثبت ولاءه؟! وعليه، فمثل هذه النوعية من القرارات التي تكلف الفرد فوق طاقته وتحمله إصر أخطاء المسؤولين، لا أظنها تصدر إلا عن موتورين فقدوا كل أسباب القيم موجبات التحضر، ناهيك من أن يمكَّنوا من رقاب الآخرين المستضعفين داخل الوطن! ولكن أن تطرب مثل هذه القرارات المجافية لحس العدالة وروح الإنسانية، مجلس الوزراء ليمنحها مباركته! فهذا ليس ما يثير الحزن والحيرة والأسي فقط! ولكنه يثير المخاوف علي باقي المواطنين وبقايا الوطن، الذين تتحكم في مصائرهم هذه النوعية من المجالس السلطانية، التي ترقص طربا علي إيقاع الجماجم ونوافير الدماء، وتصم آذانها عمدا عن أنات الضحايا وحرقة المظلومين؟!
رابعا، الجنوبيون سواء في الشمال او الجنوب، لن ينصفهم مجرد التعاطف مع مظلمتهم، ولا حتي التصدي لجور السلطوية الطغووية الظالمة بطبعها في حقهم وحق غيرهم! ولكن قبل ذلك، ينصفهم رد الإعتبار لإنسانيتهم المغتصبة ووطنيتهم المهدرة ومواطنيتهم المنكرة، إضافة الي إخراجهم من جحيم الفقر ودوائر الجهل ومتاهة المرض، وكذلك قبولهم كآخرين مطلقي الحق في آخريتهم! وبكلمة مختصرة، إخراجهم من ضيق الإستبداد وجور مصادرة الحقوق، الي وسع الثقافة الديمقراطية وضمانات الحقوق الدستورية. ومؤكد كل ذلك لن يتم دون مواجهة تاريخ طويل مثقل بالتهميش والمظالم، وعلي أن يعقب الإعتراف بذلك، تقديم إعتذار صريح عن كل تلك التجاوزات، التي إقترفها جيل الأجداد وورَّثوها للآباء الذين لم يتأخروا في تمليكها للأبناء! ولكن كل ذلك لن يجدي، دون إحاطته بإطار دستوري او تعاقدي جديد، يقطع مع تلك الثقافات والسياسات التي كرست للمظالم والأخطاء، واورثتنا كل هذا الخبال المسمي سياسة وسلطة ووطن..الخ منذ الإستقلال! بمعني، النقص ليس في إرتكاب الأخطاء فقط، ولكن العيب في عدم الإعتراف بها ومن ثم مواجهتها! أما العيب كل العيب فهو في الإصرار علي إرتكابها وكأن شيئا لم يكن! ولكن الأسوأ من ذلك، توقع أن تنتج الأخطاء حلول صحيحة ولو بوسائل مغايرة! او أن تملك القدرة علي تصحيح نفسها ذاتيا! فالأخطاء لا تنتج إلا الأخطاء، وهذا في حال لم تجلب كوارث، بعد أن تهدر الأنفس والثمرات والزمن. أما الأسوأ من كل هذا السوء، إعتقاد الخاطئين أنهم معصمون عن الخطأ، وأن يصدقهم في ذلك بعض المريدين.
أما عن حكاية تهديد دولة جنوب السودان، بالإبتعاد عن دعم المجموعات التي تسعي لنسف الإستقرار في دولة شمال السودان! وكذلك نصح دولة جنوب السودان ببناء علاقات راسخة مع جارتها في الشمال، وإنعكاس ذلك علي الأوضاع الإقتصادية والمعيشية لدولة جنوب السودان! والحفاظ علي التطور الذي طرأ مؤخرا من خلال مبادرة فتح الحدود، وإعادة النظر في أسعار نقل البترول؟! فلغة كهذه لا تستبطن دور الأخ الأكبر والناصح والأقوي والقادر علي إلحاق الأذي بعدوه الأصغر فحسب! وإنما تتلبس دور الدولة العظمي، ولكن من دون إمكاناتها وأدواتها وإستطرادا مسؤولياتها! وهذا التورم (العظمي) او وهم العظمة، هو إنعكاس لحالة الضعف والخوار وليس دلالة علي القوة والمقدرة؟ إلا إذا إفترضنا أن القوة هي قوة الحلقوم وكثرة الضجيج والعنتريات الهوائية، التي لم ولن تقتل ذبابة يوما ما! وكل ذلك قبل أن تشكل بيِّنة فشل، علي إدارة دولة كالسودان بكل مكوناتها وتنوعها وثراءها، وتاليا تفهم مطالب هذه المكونات والمحافظة علي سلامة نسيج هذا التنوع والثراء، من خلال التوافق علي حلول لكل المعضلات! بحيث إن لم يكسب الجميع آنيا، فأقلاه بذل كل الضمانات التي تؤكد ألا يخسر أحد مستقبليا!
والأدهي وأمر أن الحكومة في الخرطوم لم تكتفِ بهذا العجز وتتستر عليه، ولكنها تسعي للتصعيد والوعيد لدولة الجنوب بحجة دعم المناوئين لحكومة الخرطوم! وكذلك تمُّن (كالأطفال) علي دولة الجنوب، بالخدمات التي قدمتها لها، وكأن دولة الجنوب هي المستفيد الوحيد من معالجات كتلك؟ بل الصحيح أنها معالجات فطيرة، فوق أنها إبنة مشاكل مفتعلة من الجانب الشمالي القاصر! بل هي ترقي للحصار (بغرض إفشال التجربة) وجريمة التجويع المتعمد، لدولة وإنسان الجنوب في فترة من الفترات! إضافة الي أن خط الأنابيب الذي ترفعه الحكومة (المفلسة ريعيا!) ككرت ضغط! فغير إرتداد سياسة إنتحارية كهذه علي نحر الحكومة! فهو في المبتدأ أنشئ من أموال نفط الجنوب، ومن دون إستشارتهم (لحاجة في نفس الكيزان ظهرت لاحقا) او حتي إطلاعهم علي عقودات وتكلفة الإنشاء! (تم التعامل مع معلومات وتفاصيل موضوع البترول بصفة عامة، كالأسرار الأمنية التي يعلمها ويوظفها أهل الثقة فقط!). كما أن المنطق قبل الإتفاقيات يقول، بخضوع خط ناقل كهذا، إما للشرائع والسوابق الحاكمة لهذه النوعية من الخطوط! او لتبدلات أسعار البترول، أي كسلعة يغلب علي سعرها التذبذب في الأسواق ( أي كنسبة مئوية تشرف عليها جهة محايدة). بل إذا كانت حكومة الخرطوم ناضجة بحق وحقيقة، فمثل هذه المشاريع الإستراتيجية والحدود البينية، التي تخدم الدولة من جهة، وأطراف عديدة من المواطنين وغيرهم في كلا البلدين من جهة مقابلة! يجب أن تبعد نهائيا من تأثيرات أي خلافات عابرة او حتي غير عابرة بين البلدين! ويكفي إذا كان لا مناصة من التصعيد؟ الرد الدبلوماسي او سحب السفراء كنوع من حدة اللهجة، او إعلان الإحتجاج لدي الجهات الدولية. وذلك لأن قرارات صبيانية (غير مدروسة من كافة الجوانب ومعرفة كلفة إتخاذها!) كدارج قرارات الحكومة! تصيب عديد الأطراف وتلحق أضرار لا حد لها بالمواطنين البسطاء، بل وتصيب كثير من الإتفاقيات التجارية وسلامة العلاقات المستقبلية في مقتل، قبل أن تعرض مصداقية وهيبة الدولة لأضرار جسيمة؟! وكمثال بسيط لآثار هذه القرارات، أتذكر تقرير بث من علي قناة الجزيرة، بعد إعادة العلاقات الحدودية كقرار حكيم، بعد طول مماطلة لا لزوم لها! تعرض ذاك التقرير لإنعكاس ذلك القرار علي العمالة المحلية في الجانبين، وكم البهجة التي إرتسمت علي الوجوه التي كدرتها العطالة وأنهك أصحابها وقف الحال! فما بالك بإزالة كل هذه الأجواء بجرة قلم يرتع صحابه في النعيم المجاني! وبعيدا عن الجزيرة وتقريرها المميز، وعلي المستوي الشخصي ومن خلال السؤال والإستماع، علمت أن الحركة التجارية إتخذت مجراها بين الجانبين. ومؤكد في علاقة تجارية كهذه الإستفادة الأكبر لتجار الشمال، سواء من ناحية الخبرة او من ناحية الإمكانات المادية. فعند قفل الحدود هكذا ضربة لازب، ما مصير أصحابها وصفقاتهم وإلتزاماتهم وقد يكون بعضها تجاه البنوك ومقيد بفترة زمني محددة! فهل مثل هذه الهموم والمصالح لها دور او تأثير في عملية صنع القرار الحكومي؟ أم ما يتعدي مصالح الحكام في الخرطوم، او ما لا يمس حياة الترف في القصور السلطانية، لا يشكل لهم أدني إعتبار، وهذا في حال طاف علي خاطرهم أصلا؟! علي العموم، كل المشاهد والشواهد ومنذ وصول حكومة الإنقاذ كالحظ العاثر، تدل علي تحكم الوعي السلطوي في المجموعة المتحكمة في البلاد! وهو ما ينعكس علي شكل الهموم التي تشغل بال الحكام، والدوافع التي تقف خلف إصدار القرارات، وخلاصتها زيادة إمتيازات السلطة وترف المتسلطين، بالقدر الذي تنعكس علي تدني مستوي مسؤولية السلطة ونوعية الخدمات التي تقدمها، وتاليا رفع منسوب البؤس والشقاء الذي يلف حياة بقية المواطنين! والحال كذلك، يصبح صمت هكذا حكومة عن التصريحات، وكفَّها عن إصدار القرارات، لهو أكبر خدمة تقدمها لصالح المواطنين والمواطنات؟!
آخر الكلام
التهنئة الخالصة للأستاذ وليد الحسين بمناسبة تحرره من قيود الإعتقال التعسفي، وتمتد التهنئة لأسرة تحرير الراكوبة الأعزاء وقراءها الكرام، بهذه المناسبة السعيدة، التي أثلجت صدر كل من عذبته تفاصيل هذه القضية المؤلمة او أرقته قضايا الحريات بصفة عامة. إضافة الي أن فرحة خروج وليد هي في الحقيقة فرحتان! فمن ناحية هو رهين المحبسين الغربة والإعتقال، أما الناحية الأخري وهي الأسوأ، أن تناول قضية وليد كانت مسألة في غاية الحساسية! وتاليا، قد تترتب علي المساعي الخيِّرة والرغبات الصادقة نتائج عكسية! وذلك لصعوبة الحركة والتعامل مع دولة مساحة الحريات داخلها أضيق من خرم الإبرة! وفي الوقت الذي تتمتع فيه بنفوذ إقليمي، نجدها كذلك تتميز بقوة إستخباراتها وصعوبة الخروج من معتقلاتها! وهذا غير تربص الأجهزة الأمنية في الداخل، وتقاعس دول الخارج فيما يلي مسألة حقوق الإنسان، عند مفاضلتها او مقايضتها او تعارضها مع مصالح تلك الدول؟! وكما أن الإعتقال شر لا يطلبه أحد او يحرص عليه عاقل او يقبله ديمقراطي غيور علي مبدأ الحرية، إلا أن مرارة تجربته ونبل القضية التي قادت إليه، لهي من التجارب الثرة التي تقلد صاحبها وسام الوطنية من الدرجة الرفيعة، بعد أن تمنحه القدرة العالية علي المراس، وتشحِّذ فيه الحس النضالي، وتمتِّن فيه صلابة المواجهة وعناد المقاومة، ضد الدول الرجعية وأنظمة الطغاة ورعاة الإستبداد! ونتمني في الختام أن يكون إعتقال وليد هو خاتمة ثقافة الإعتقال والحجر علي الراي وفرض الوصاية علي الشعوب، في الوقت الذي يكون فيه بداية لفتح أبواب السجون السياسية وتحطيم كل مؤسسات الإعتقال كمباني ومعاني وأنظمة ووجود! وكذلك نتمني أن تكون حرية وليد فرصة لرأب الصدع بين كل الذين إختلفوا في طريقة التعامل مع مسألة إعتقال وليد! لسبب بسيط، وهو أن إعتقال وليد أصبح قضية عامة، ولذا يصعب الإتفاق بين الجميع، علي والوسائل والأساليب المتبعة في طريقة التعامل معها، رغم أن الغاية واحدة. وأخيرا شكر وليد وأنت تخلص الوطنية من التشتت والحزبية من التشرذم والسياسة من الإبتذال والمواطنة من الإنسحاق، لتلتقي عندك كل المشارب والهواجس والأمنيات البتول! شكرا وليد وأنت توظف مواهبك وقدراتك ووقتك ومالك وصحتك وحريتك وعلاقاتك..الخ من أجل التأسيس لمنابر الديمقراطية والتبشير بعالم جديد ووطن واعد. ودمتم في رعاية الله.
عبدالله مكاوي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.