في مؤتمر «كل الأحزاب» المنعقد في جوبا، في الفترة من 26 إلى 30 سبتمير 2009، تعاهدت القوى السياسية المجتمعة والتي ضمت تحالف الأحزاب الديمقراطية إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان، على «إعلان جوبا» ذي الستة محاور، وفي المحور الرابع من ذلك الإعلان المكون من خمس فقرات ورد في الفقرة الثالثة من ذلك المحور ما يلي: «يكون تعديل القوانين (المقيدة للحريات) عبر تدابير سريعة وفي موعد (أقصاه 30 نوفمبر 2009). واعتبار ذلك (شرطاً) لمشاركة القوى المشاركة في المؤتمر في الانتخابات القادمة. وتحدثت الفقرة الرابعة عن: «رفض نتائج التعداد السكاني الخامس باعتباره لا يعبر عن الواقع، واعتماد النسب والمعادلة المتفق عليها في اتفاقية السلام الشامل». أما الفقرة الخامسة فتفصل الشروط اللازمة لإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة على النحو التالي: أ- مواءمة القوانين المقيدة للحريات مع الدستور في الموعد المحدد في البند (3) أعلاه- أي الفقرة التي تحدد 30 نوفمبر كأقصى موعد شرطاً للمشاركة في الانتخابات. ب- حل مشكلة دارفور. ج- ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب. د- الاتفاق على معالجة مقبولة لمشكلة التعداد السكاني. ه- قومية أجهزة الدولة خاصة الإعلامية، بوضعها قبل فترة كافية تحت إشراف المفوضية القومية للانتخابات لضمان عدالة الفُرص في ما بين الأحزاب. مرّ الشهران الأولان على الموعد الأقصى «المضروب»- 30 نوفمبر- ثم بدأنا نسمع عن اجتماع لزعماء أحزاب مؤتمر جوبا للتقرير بشأن الانتخابات- مقاطعة أو مشاركة- علماً بأن «الإعلان» لم يتحدث أصلاً عن اجتماع لأولئك الزعماء يقرر فيه (من جديد) موقف تلك الأحزاب من الانتخابات، بل جعل الشروط أعلاه ضرورية ولازمة للمشاركة في الانتخابات العامة، ما يعني عدم توافرها عدم المشاركة أو المقاطعة، دون حاجة لاجتماع آخر على مستوى الزعماء للتقرير في الأمر، وأهمها تعديل القوانين المقيدة للحريات وحل أزمة دارفور وقومية أجهزة الإعلام، باعتبار أن مسألة التعداد وترسيم الحدود قضيتان تتصلان بالعلاقة بين الشريكين- الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني- ويمكن معالجتهما من خلال اللجان السياسية المشكلة بينهما. ومنذ نهاية نوفمبر الموعد (المضروب) وحتى انقضاء العام جرى حراك كثير، مثلما جرت مياه «تحت السراديب» خلخلت البنى والقواعد التي تعاهدت عليها قوى «التحالف الديمقراطي» والحركة الشعبية، والقصة معروفة، انصب جهد الحركة الشعبية «مُضيفة مؤتمر جوبا» على إنجاز القوانين التي تراها ضرورية للاستفتاء في جنوب السودان وأبيي وقانوني المشورة الشعبية، وشاركت التحالف في المسيرتين الشهيرتين اللتين تم تفريقهما بواسطة الشرطة باعتبارها مسيرات غير مأذونة و «مخالفة لقانون الإجراءات الجنائية» القديم، وتم تمرير قانون الأمن والمخابرات بحسب رؤية المؤتمر الوطني، بما في ذلك البنود المتعلقة بالاعتقال والتفتيش والمصادرة والحصانات، وقاطع تلك الجلسة نواب التجمع- ممثلو التحالف الديمقراطي وأعضاء مؤتمر جوبا، بينما شاركت في تمريره «بالسلب» الحركة الشعبية التي حضر نوابها الجلسة، وهم يعلمون حقيقة «الأغلبية الميكانيكية» التي يملكها المؤتمر الوطني لإجازة القانون كما يشتهي. وأثناء ذلك كله- قبل وبعد الموعد (المقطوع)- بدأنا نسمع عن ترشيح هذا الحزب أو ذاك لأعضائه لمنصب الرئاسة أو الولاية أو للدوائر الجغرافية، مثلما لم نسمع عن أي لقاءات أو اجتماعات للتنسيق بين قوى «التحالف» أو «قوى الإجماع الوطني» على مثل هذه الترشيحات أو على أي أمر يتعلق بالانتخابات، بما في ذلك ما «تعاهدوا» عليه في «إعلان جوبا» المأسوف على «طفولته» إذ فارق الحياة قبل أن يصدع «بصرخة الميلاد». بالأمس (الأحد) دعينا- عبر الرسائل القصيرة- لمؤتمر صحافي في الواحدة ظهراً، فتوكلنا على الله وقصدنا مقر حزب الأمة في الموعد المحدد، وانتظرنا مع الصحافيين ومراسلي الفضائيات التلفزيونية أكثر من ثلاث ساعات، مرت كل ساعة منها وكأنها عام، والصحافيون يسرُّون نفسهم ويخففون من وقع مصاب الساعات الضائعة بالنكات والتعليقات على «كفاءة» السودانيين الاستثنائية في عدم الالتزام بالمواعيد. وجاءت لحظة بدأ فيها مصورو الفضائيات في تفكيك مايكرفوناتهم وكاميراتهم، بعد أن تناهى إليهم في نحو الثالثة والربع أن المؤتمر الصحافي لن يعقد وسيتم توزيع بيان بنتائج الاجتماع، ولكن لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى عادوا لنصب المايكرفونات والكاميرات من جديد، وبدا أن القرار قد تغير، فخرجت علينا السيدة مريم الصادق ولحق بها الأستاذ فاروق أبو عيسى ليعقدا «مؤتمراً صحافياً»، اقتصر على تقديم موجز من جانب أبو عيسى عما جرى في الاجتماع، وتلت السيدة مريم البيان الذي كانت لا تزال تكتب وتعدل فيه حتى بعد وصولها إلى المنصة. أهم ما أوضحه أبو عيسى، هو أن رؤساء الأحزاب المجتمعين، بحثوا الوضع الراهن، استناداً- يا للمفارقة- على إعلان جوبا ذي المحاور الستة وانقسموا بين مؤيد للمشاركة في الانتخابات- وهم الأغلبية- وبين رافض لتلك المشاركة، لأنه كما قال لا يُحب كلمة «المقاطعة» وهؤلاء أقلية، وأنه تم (الاتفاق) على أن يشارك من يرى المشاركة ويقاطع الذي يرى غير ذلك، وأن يعمل الجميع سوياً متعاونين من أجل الإصلاحات المطلوبة في إعلان جوبا. وأوضح البيان الذي تلته السيدة مريم من بعد أن قوى جوبا قررت تكوين «آلية عليا» لمتابعة تنفيذ خوض الانتخابات، والسعي لإجراء اتصالات بحركات دارفور المسلحة لتنسيق الموقف بشأن الانتخابات، واعتبر البيان خوض الانتخابات «فرصة تعبوية كبيرة» تحقق أكبر قدر من المشاركة بجانب المكاسب الوطنية، كما أنها تعد فرصة لتحديد حيثيات الطعن في نزاهتها وما يترتب على ذلك من تعبئة. كما اعتبرت القوى السياسية- وفقاً للبيان- أن خوضها للانتخابات يهدف «لرفع مستوى نزاهتها، والتأكيد على إلزام الذين قرروا مقاطعتها بالمشاركة مع الجميع في برامج التعبئة الشعبية». وعاد المجتمعون ليؤكدوا عبر البيان «إن المؤتمر الوطني لم ينفذ بنود اتفاقية السلام التي تختص بتهيئة البيئة السياسية والقانونية، ولم يعالج مشكلة دارفور والقوانين المقيدة للحريات المتعارضة مع الدستور ولم يوفر مناخ الوحدة الجاذبة.. وإن المفوضية القومية للانتخابات لم تتخذ موقفاً إيجابياً لا في المجال الإداري ولا الإعلامي فضلاً عن تجاوزها لنصوص قانون الانتخابات، ولم تتمكن من تأكيد استقلاليتها رغم الطعون والاعتراضات». هذا هو جوهر الإيجاز الذي قدمه أبو عيسى والبيان الصادر عن اجتماع رؤساء الأحزاب، الذي غاب عنه الحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل) برغم مشاركته المجزوءة في مؤتمر جوبا عبر نائب رئيسه علي محمود حسنين، كما أن الحركة الشعبية المشغولة باجتماعات مكتبها السياسي في جوبا لم تتفضل بإرسال من يمثلها في اجتماع «قوى جوبا» في أم درمان. أهم ما صدر عن اجتماع قادة القوى السياسية بدار حزب الأمة أمس هو التأكيد على أن شيئاً مما تعاهدوا عليه في جوبا لم يتحقق كما هو واضح من الفقرة أعلاه المأخوذة عن البيان، ومع ذلك فقد نسيوا تماماً، أو تناسوا عمداً، أن ما يحتجون عليه اليوم في البيان الجديد، قد كان شرطاً- وعهداً بينهم- في «إعلان جوبا» للمشاركة في الانتخابات يعني عدم توافره مقاطعة جماعية لها. لكن الأسوأ من ذلك كله أن قرار المشاركة يجيء بعد فوات الأوان وانقضاء وقت التسجيلات واقتراب إغلاق باب الترشيحات، بينما فعل منافسهم الأكبر «المؤتمر الوطني» كل ما هو مطلوب منه استعداداً للانتخابات. فماذا نقول عن سلوك هكذا قوى تتحدث عن «التغيير» ولا تفعل شيئاً، سلباً أو إيجاباً، لإنجاز ذلك التغيير الذي تتحدث عنه.