الجزيرة تكثف التحضيرات للاستحقاقات القادمة في دوري الدامر    السودان..مصدر حكومي يرد على تفاهم مثير مع الميليشيا    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فكرة الحرب عند ابن خلدون..عبد الجبار حسين عثمان
نشر في الانتباهة يوم 09 - 06 - 2012

عَّرفنا في المقال السابق أن الحرب هي السياسة بوسائل أخرى للكاتب البروسي كارل فال كلافوتيز بمعنى آخر هو ما تحققه من نصر في أرض المعركة يقويك في التفاوض اذا كسبت الحرب جزئياً أو كلياً.
في هذا المقال نستعرض رأيًا آخر كتبه ابن خلدون في كتابه ذائع الصيت المُقدمة، الذي جعل لُبَّه وأساسه نظرية العصبية ليس في الحروب والمدافعة فحسب بل في كل المجالات: الاقتصاد، السياسة، المجتمع، المال، العلاقات، الملك، العلوم، البدو و التمدن، العسكر والحرب.
أهم ما جاء في كتاب المُقدمة وجود نظرية ثابته «البداوة والتوحش، النعيم والرياش، الأفول والتدهور، وتتفرع باقي الخيوط والتفاصيل عنها، يسجل ابن خلدون مركزية العصبية في عمران العرب والعجم والبربر، فماذا كان موقع الحرب والظفر في لائحة طبائع العمران.
المقدمة هو كتاب ألفه ابن خلدون سنة 1377م كمقدمة لمؤلفه الضخم الموسوم كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر. وقد اعتبرت المقدمة لاحقًا مؤلفًا منفصلاً ذا طابع موسوعي إذ يتناول فيه جميع ميادين المعرفة من الشريعة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والعمران والاجتماع والسياسة والطب. وقد تناول فيه أحوال البشر واختلافات طبائعهم والبيئة وأثرها في الإنسان. كما تناول بالدراسة تطور الأمم والشعوب ونشوء الدولة وأسباب انهيارها مركزًا في تفسير ذلك على مفهوم العصبية
تعريف الحرب؟
في تعريفه للحرب يقول ابن خلدون إن «الحرب أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل». وأن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ خلقها الله. وأن الأصل في الحرب إرادة انتقام بعض البشر من بعض، اذ يتعصب لكل منها أهل عصبيته، حتى إذا وقع الشنآن في إحدى الطائفتين تطلب الانتقام والأخرى تدافع، رغم توقف الحرب ووقوع التوافق.
إذن الحروب تقوم بسبب الانتقام في الأكثر:
- إما غيرة ومنافسة.
- إما عدوان،.
- إما غضب لله ولدينه؛ وهو المسمى في الشريعة الجهاد.
- إما غضب للملك وسعي في تمهيده؛ وهو حروب الدول مع الخارجين عليها والممانعين لطاعتها.
فهذه أربعة أصناف الأولان منها حروب بغي وفتنة، والصنفان الأخيران حروب جهاد وعدل
أما صفة الحروب الواقعة بين الخليقة منذ أول وجودهم على نوعين:
نوع بالزحف صفوفًا، ونوع بالكر والفر.
أنواع الحروب؟
الحرب بالكر والفر:
أما الذي بالكر والفر فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب. وهو قتال ليس فيه من الشدة ولا من من الهزيمة ما في قتال الزحف..
الحرب بالزحف صفوفًا:
قتال الزحف أوثق وأشد من قتال الكر والفكر. ذلك لأن قتال الزحف ترتب فيه الصفوف كما تسوّى القداح أو صفوف الصلاة، ويمشون بصفوفهم إلى العدو قدمًا، فلذلك تكون أثبت عند المصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو؛ لأنه كالحائط الممتد والقصر المشيد، لا يطمع في إزالته أحد.
السرعة والعدد في الحروب؟
بالنسبة لابن خلدون فالتثاقل في الحرب أولى من الخفوف، حتى يتبين حال تلك الحرب.
يناقش ابن خلدون مسألة العدد في الجيوش منتقدا كلام«الطرطوشي» في أن الغلب في الحروب يكون لصاحب العدد الأوفر كلام غير صحيح، لأنه مبني على الأسباب الظاهرة.
إذ يبقى المحدد الأقوى الصحيح والمعتبر في الغلب كما يرى ابن خلدون هو ما يتعلق بالعصبية؛ «أن يكون في أحد الجانبين عصبية واحدة جامعة لكلهم، وفي الجانب الآخر عصائب متعددة؛ لأن العصائب إذا كانت متعددة يقع بينها من التخاذل ما يقع في الوحدان المتفرقين الفاقدين للعصبية. إذ تنزل كل عصابة منهم منزلة الواحد، ويكون الجانب الذي عصابته متعددة لا يقاوم الجانب الذي عصبيته واحدة لأجل ذلك فتفهمه».
الحظ في الحرب؟
يرى ابن خلدون أن لا وثوق في الحرب في الظفر وإن حصلت أسبابه في العدة والعديد. وإنما الظفر في الحرب والغلب فيها من قبيل البخت والاتفاق.
وأسباب الغلب منها: أمور ظاهرة وأمور خفية:
الأمور الظاهرة؛ الجيوش، ووفورها وكمال أسلحتها واستبعادها وكثرة الشجعان، وترتيب المصاف، ومنه صدق القتال وما جرى مجرى ذلك.
أمور خفية؛ إما من خدع البشر وحيلهم في الإرجاف والتشانيع التي يقع بها التخذيل وفي التقدم إلى الأماكن المرتفعة ليكون الحرب من أعلى فيتوهم المنخفض لذلك، وفي الكمون في الغياض ومطمئن الأرض والتواري بالكذب عن العدو حتى يتداولهم العسكر دفعة، وقد تورطوا، فيلتفتون إلى النجاة، وأمثال ذلك. وإما أن تكون تلك الأسباب الخفية أمورا سماوية لا قدرة للبشر على اكتسابها تلقي في القلوب، فيستولي الرهب عليهم لأجلها فتختل مراكزهم فتقع الهزيمة.
وحسب ابن خلدون، فإن أكثر ما تقع الهزائم عن هذه الأسباب الخفية لكثرة ما يعتمل لكل واحد من الفريقين فيها حرصا على الغلب، فلابد من وقوع التأثير في ذلك لأحدهما ضرورة، ولذلك قال »ص«: «الحرب خدعة». فقد تبين, يقول ابن خلدون » أن وقوع الغلب في الحروب غالبا أسباب خفية غير ظاهرة، ووقوع الأشياء عن الأسباب الخفية هو معنى البخت كما تقرر في موضعه«. وأن هذه »الأسباب الخفية أمور سماوية خارجة عن إرادة البشر«.
الحرب والعصبية؟
قيمة العصبية عند ابن خلدون تأتي انطلاقا من أنه بها تكون المدافعة والمقاومة والحماية والمطالبة، وأن من فقدها عجز عن جميع ذلك كله. إنها عصب الحياة المانع للمذلة للقبيل المغارم والضرائب والإهانة والضيم والذل من طرف الغير. فالقوة والملك مرتبط بالتوحش والقفر نتعرف على ذلك من خلال عناوين مثل «في أنه إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع«. و«الملك منتقل من عصبية إلى أخرى». ما معناه أن اتساع الملك مرتبط بمدى التوحش وقوة العصبية وتماسكها.
فالعصبية تعني التغلب فأصناف التغلب مرتبطة بالعصبية . وأصناف التغلبات أيضا تدخل في إطار الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم.
الحرب بين البداوة والتمدن؟
فيما يتعلق بالبدو وأهل البادية عند ابن خلدون هم الأصل والبدء لكل دولة قوية مهابة الجانب ومستمرة الصولة والوجود... كما أن «أجيال البدو والحضر طبيعية لابد منها». وأن «جيل العرب في الخلقة طبيعي». و«البادية أصل العمران». والبدو أهل عصبية
إن عنصر البادية والبداوة، ينعكس على المستوى الحربي والأداء العسكري؛ فهم أي البدو «أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر». وطرق العيش البدوية تؤدي إلى الشجاعة والتمرس على الحرب والنجدة والقيام بأمور الحياة بينما أهل الحضر استكانوا إلى أسوارهم وحامياتهم ولا يتحركون، قد ألقوا السلاح وتنزلوا منزلة النساء والولدان. ف«البدو لتفردهم عن المجتمع، وتوحشهم في الضواحي، وبعدهم عن الحامية، وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم، لا يكيلونها إلى سواهم، ولا يثقون فيها بغيرهم. فهم دائما يحملون السلاح ويلتفتون من كل جانب في الطرق، ويتجافون عن الهجوع إلا فرارًا في المجالس وعلى الرحال وفوق الأقتاب. ويتوجسون للنبآت والهيعات، ويتفردون في القفر والبيداء، مدلين ببأسهم، واثقين ببأسهم، واثقين بأنفسهم، قد صار لهم البأس خلقا والشجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داع أو استنفرهم صارخ. وأهل الحضر مهما خالطوهم في البادية أو صاحبوهم في السفر عيال عليهم لا يملكون معهم شيئا من أمر أنفسهم.
موقع الحرب من علم العمران؟
يقول ابن خلدون ان البداوة والخشونة والعصبية طبيعية فالجندية صناعة واصطناع وعلم. يوضح لنا ذلك من خلال اقتباساته؛ فنقلا عن المسعودي:«لا عز للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة ونقلا عن أنو شروان »الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة...»، واقتباسًا من الكتاب المنسوب لأرسطو في السياسة: «العالم بستان سياجه الدولة، الدولة سلطان تحيا به السنة، السنة سياسة يسوسها الملك، الملك نظام يعضده الجند، الجند أعوان يكفلهم المال، المال رزق تجمعه الرعية، الرعية عبيد يكفلهم العدل، العدل مألوف وبه قوام العالم، العالم بستان... «مسألة الدائرية في حكمية ابن خلدون» الملك، الرجال، المال، الخراج، الرعية، العدل.
علاقة الطبيعة بقوة البشر أو ضعفهم؟
في تناوله لمسائل المناخ وأمور الخصب والجوع يشير إلى علاقة ذلك بطباع البشر؛ فالفاقدون للحبوب والأدم من أهل القفار أحسن حالا في أجسامهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين في العيش: فألوانهم أصفى؛ وأبدانهم أنقى؛ وأشكالهم أتم وأحسن؛ وأخلاقهم أبعد عن الانحراف، وأذهانهم أثقب في المعارف والإدراكات حيث تغطي الرطوبات على الأذهان والأفكار لذلك فالمتقشفين في عيشهم تجدهم أحسن حالا في عقولهم وجسومهم.
ويوجد هذا الفرق حتى على مستوى القيام بأمور الدين «اعلم أن أثر هذا الخصب في البدن وأحواله يظهر حتى في حال الدين والعبادة؛ فنجد المتقشفين من أهل البادية أو الحاضرة ممن يأخذ نفسه والتجافي عن الملاذ أحسن دينا وإقبالا على العبادة من أهل الترف والخصب». فكيف لايكون الأمر كذلك في الحروب والنجدة والشجاعة، حيث أهل البادية أنقى وأقوى في أبدانهم من غيرهم جسما وعقلا.
الجيش المحلي وجيش الموالي والمصطنعين؟
انطلاقا من تركيز ابن خلدون على العصبية كنظرية مركزية في مقدمته فإن أمر الحديث عن جيش «المرتزقة» أو «القوات المساعدة الأجنبية» غير وارد أساسا لأنه يعتبر عيبا ليس بعده عيب للقبيل وللعصبية البدوية المتوحشة التي لا تحتاج لمن يدافع عنها كما يفعل أهل الحضر والمدن الكسالى الواضعين رقابهم في أيادي سلاطينهم وحكامهم المتدارين المختبئين وراء أسوارهم كالنساء والولدان...
يشرح لنا ابن خلدون كيف تنتقل الدولة في أطوارها من الاعتماد على عصبيتها في البداية إلى الاعتماد على الموالي والمصطنعين فيما بعد كالتالي؛ في الطور الأول من الدولة، الملك يستند إلى عصابته يقارع بهم ويقلدهم أعمال مملكته ووزارة دولته، وجباية أمواله وشركاؤه في الأمر، ومساهموه في سائر مهماته. وفي الطور الثاني حيث الاستبداد والانفراد بالمجد، صار بعض من أتباعه من عصبيته من أعدائه واحتاج لما في انفراده وتعنته بالحكم إلى من يستظهر بهم على هذه الفئة المنتقدة الرافضة لحكمه بأناس جدد من الموالي والمصطنعين. ؛ ويمثل لذلك بدولة بني أمية أو دولة بني العباس.
الحرب بين مأزق العصبية والوازع الديني؟
بين العصبية كنظرية والوازع الديني لدى ابن خلدون يوجد مأزق حاول مؤرخنا من خلال علم العمران تجاوزه وتوضيح ملابساته وفصل المقال فيما بين العصبية والدين من توافق أو اتصال.
إنه مأزق »الشرع والدين« الذي وقف في وجه نظرية »العصبية« لدى ابن خلدون.
فلماذا تؤثر نظرية الشرع والدين في فكر ابن خلدون مقابل مركزية العصبية والقبيلة التي جاء الإسلام أصلا لمحوها لصالح إنسان مسلم بغض النظر عن لونه وعرقه وعصبيته؟
لقد اكتشفنا أن العصبية كما يراها ابن خلدون مجرد «درجة» صغيرة لكن مهمة في سلم أو طريق الحضارة والعمران. إذ «إذا استقرت الدولة وتنهدت قد تستغني عن العصبية».
فما العلاقة إذن بين العصبية والشرع؟
يقول ابن خلدون كجواب عن هذا السؤال أن العصبية مذمومة بحكم الشرع. وأن لجام العصبية هو الدين والخلافة. وأن الصبغة الدينية هي التي تمحو ذلك عنهم«عنف العصبية ووحشيتها»، وتجعل الوازع لهم من أنفسهم وتمكن من اجتماعهم تحت سقف الملك والاجتماع.
ولتبيان دور الدين وأهميته في حياة العرب يقول ابن خلدون «حتى أن العرب لم يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة». وأن «عمران العرب تم بالدين». حيث منذئذٍ عظم ملكهم وقوي سلطانهم...
ولا يفرق في أمر امتعاضه بين دول العروبة ودول الأعاجم بسبب ترك الدين، والدليل على ذلك يقول ابن خلدون متحدثنا عن دول الإسلام «حتى أن أجيالا منهم نبذوا الدين، فنسوا السياسة، ورجعوا إلى قفرهم، وجهلوا شأن عصبيتهم مع أهل الدولة ببعدهم عن الانقياد وإعطاء النصفة؟ فتوحشوا كما كانوا، لم يبق لهم اسم الملك إلا أنهم من جنس الخلفاء ومن جيلهم. ولما ذهب أمر الخلافة وانمحى رسمها انقطع الأمر جملة من أيديهم، وغلب عليهم العجم دونهم، وأقاموا في بادية قفارهم، لا يعرفون الملك ولا سياسته... لكن بعد عهدهم بالسياسة لما نسوا الدين فرجعوا إلى أصلهم من البداوة.
إذن فالوازع الديني لما ساد لدى العرب في نفوسهم رتب وهدأ نوازعهم المتوحشة المتضاربة وهذب انقيادهم ورتب اجتماعهم، وذلك بما يتضمنه الدين من الروح المذهبة للغلظة والأنفة ووازع التحاسد والتنافس. إنه تهذيب للتوحش في نفوس العرب. فالدين يهذب النفس ويقلل ميلها للشر. إذ »الشر أقرب الخلال إليه إذا أهمل في مرعى عوائده ولم يهذبه الاقتداء بالدين».
وحتى حين يتعارض الدين مع أمور العصبية يغلب ابن خلدون الدين على العصبية ويضع له الحظوة والسبق والأحقية. فالأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس لأن الوازع فيها أجنبي. بينما الأحكام الشرعية غير مفسدة لأن الوازع فيها ذاتي وبالنسبة ل«مسألة النظام» في المجتمع. فابن خلدون يتحدث عن ضرورة وجود «وازع» حاكم: تارة يكون مستندًا إلى شرع منزل من عند الله، يوجب انقيادهم إليه إيمانهم بالثواب والعقاب عليه. وتارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم. والأولى يحصل نفعها في الدنيا والآخرة لعلم الشارع بالمصالح في العاقبة، ولمراعاته نجاة العباد في الآخرة. والثانية إنما يحصل نفعها في الدنيا فقط.
من هنا نرى كيف أجاب ابن خلدون عن إشكالية العلاقة بين العصبية والدين وما يمكن أن يقع بينهما من تشنجات. فتحدث لنا عن التحام الدعوة الدينية بالعصبية ودورهما في نشوء الدولة؛ فبينما كانت العصبية هي البذرة أو الجذوة المشتعلة والتي على كل دولة أن تتوفر عليها في بداياتها، كان الدين هو اللبوس الأخلاقي والسامي لهذا الوجود المتوتر والثائر. وبينما عبرت العصبية عن جانب السيف والقوة والمنعة عبر الدين عن احتضان وحماية تلك المنطلقات العنيفة وأنسنتها وشرعنتها فيكون بذلك سمو الهدف ورفعة الوازع معبرا معقولا وربانيا عن كل ماينتجه الدول والأمم من حروب وتوسعات وتملكات...
لكن ابن خلدون يعود لاقناعنا بضرورة العصبية إلى جانب الأنبياء والصالحين والحكام ومنشئي الدول قائلا «اعلم أن الملك غاية طبيعية للعصبية». وهو بذلك مسألة وجودية وليست اختيارًا.
ويجيبنا ابن خلدون عن هذا الأمر بعناوين واضحة لا غبار عليها مثل «الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها« و«الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم». و«الدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين إما نبوة أو دعوة حق». «وهكذا حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم إلى الله بالعشائر والعصائب، وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء؛ لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة، والله حكيم عليهم». يشاركه في نفس المنحى تقريبا مكيافيلي في أن «النبي الأعزل دائما مغلوب». ومن تم التأكد من مدى ضرورة العصبية في العصور الوسطى في زمني ابن خلدون ومكيافيلي بعده.
يؤكد ابن خلدون أن الشرائع والديانات وكل أمر يحمل عليه الجمهور فلابد فيه من العصبية، إذ المطالبة لا تتم إلا بها كما قدمناه؛ فالعصبية ضرورية للملة وبوجودها تم أمر الله منها. ويستشهد ابن خلدون من الشرع والدين نفسه على صدقية وعقلانية كلامه يقول؛ وفي الصحيح: «ما بعث الله نبيًا إلا في منعة من قومه». ثم وجدنا الشارع ذم العصبية وندب إلى اطراحها وتركها قال: «إن الله أذهب عنكم عصبية الجاهلية وفخرها بالآباء، أنتم بنو آدم وآدم من تراب». نستفيد من هذا أن العصبية مجرد مرحلة مؤقتة ينتقل بعدها إلى الخلافة والحضارة «حتى الملك فهو منبوذ» لما يجلبه من استمتاع بالترف، وإسراف في غير قصد وتنكب عن صراط الله. وحض بالمقابل على الألفة بالدين. حيث إذا استقرت الدولة وتنهدت قد تستغني عن العصبية.
الجند والمال؟
في كل الأدبيات السلطانية وكتب نصائح الملوك؛ تجد ارتباط الجند بالمال والجباية في شبه اتفاق بين كل مؤرخي ونصاح السلاطين...
نفس الأمر نجده لدى ابن خلدون؛ ففي مرحلة الترف تقل الجباية وتكثر العوائد، ويكثر بكثرتها أرزاق الجند وعطاؤهم، فيستحدث صاحب الدولة أنواعا من الجباية يضربها على البيعات، ويفرض لها قدرًا معلومًا على الأثمان في الأسواق، وعلى أعيان السلع في أموال المدينة. وهو مضطر لذلك لما دعاه إليه ترف الناس من كثرة العطاء مع زيادة الجيوش الحامية.
يكشف ابن خلدون«في كيفية طروق الخلل للدولة»، أهمية الجند والعسكر في المؤسسة العسكرية عموما وعلاقتها بالنظرية المركزية لدى ابن خلدون أي »العصبية«؛ يقول ابن خلدون: «اعلم أن مبنى الملك على أساسين لا بد منهما. فالأول الشوكة والعصبية وهو المعبر عنه بالجند، والثاني المال الذي هو قوام أولئك الجند، وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال»
العدل؟
لما سمع الملك نصيحة الموبذان مصاغة على لسان «البوم». أرجع أمور الدولة إلى نصاب العدل وأقطع مادة الفساد والظلم، فتستقيم حال الرعية، ويقوى الضعيف، وتعمر الأرض وأخصبت البلاد وكثرت الأموال عند جباة الخراج وقويت الجنود وقطعت مواد الأعداء وشحنت الثغور، وأقبل الملك على مباشرة أموره بنفسه، فحسنت أيامه وانتظم ملكه. نفهم من هذه الحكاية أنه بالعدل، يكثر الخير وبه تقوى الجباية، وبالجباية يقوى الجند، وبالجند تحمى الثغور وتقوى الدولة. فكل الأدبيات السلطانية أقرت أن «العدل أساس الملك».
الخلاصة:
- الحرب بالزحف هي المبدأ الاول في القتال مع الثبات وعدم الفرار في وجه العدو الا متحرفا الي فئة او متحيزا الي قوات صديقه
- العصبيه والشوكة هي اساس السلطان والحكم المهذبة بالدين.
- العدل اساس الملك.
اذا لم تراع أساسيات المبادئ الثلاث أعلاه فهذا يكون أول طروق الخلل للدولة، فافهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.