السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    حاكم النيل الازرق يصدر قرارا بتعديل ساعات حظر التجوال واستعمال المواتر    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



زيارة جديدة للطبقة الوسطى ومقايضات السلطة في السودان
نشر في المشهد السوداني يوم 19 - 02 - 2019

ان الغزل الذي نسجته الطبقة الوسطي في السودان بدأت تنقضه بيدها وتخلع في اطار زلزلتها الراهنة يمينها عن عقد اجتماعي غير معلن استمر لأكثر من عقدين من الزمان أبرمته مع السلطة المركزية . وتقوم المقايضة التاريخية علي دعم الاستقرار السياسي مقابل رعاية مصالحها الاقتصادية الطبقية. والحصول علي الحرية الاجتماعية والمدنية مقابل الرضي بهامش ضئيل من الحرية السياسية.
مخطيء من يظن ان الاحتجاجات الراهنة هي حراك شبابي محض ، وان المعالجات والحلول يجب ان تصوب لمقابلة مطالب هذه الشريحة. لأن هذا الحراك الذي يرتكز علي عمق اجتماعي أنتجته الطبقة الوسطي التي خرجت من رحم النظام في تمظهراته المتعددة جراء تدابير الاقتصاد السياسي ، والتوسع في النظام التعليمي. لذا فإن اي تدابير تتخذ لعلاج الازمة الراهنة ولا تمس جوهر مبتغيات ومطالب الطبقة الوسطي يعتبر حرثا في البحر، هذا رغم ان الشباب يعتبر ذروة سنام هذه الطبقة والمعبر عن تطلعاتها كما كشف الحراك الأخير لكنها لا تمثل كل الظاهرة بكافة ابعادها الاجتماعية.
وفق هذا المنطق ربما يكون الشباب هم ابرز قطاعات الطبقة الوسطي ، مما جعل البعض ينسب هذه الاحتجاجات للشباب كفئة عمرية ما فتئت تعاني من قطيعة تاريخية مع الأجيال التي ظلت تتحكم في السلطة والثروة منذ الاستقلال. وهي ذات العدد الأغلب في شارع الاحتجاجات، وذات الصوت الابرز في صوغ الشعارات وقيادة الحراك، وهي ظاهرة تختلف عما اسماه منصور خالد الفجوات الجيلية في منتصف عقد السبعينات من القرن الماضي جراء افرازات الحرب في أوروبا مما جعل منظمة مثل اليونسكو تهتم بظاهرة الفجوات الجيلية. ولعل الطبقة الوسطي التي نعنيها في هذا المقال تختلف عما يسميه التحليل الماركسي البرجوازية الصغيرة التي ربما تقف حجر عثرة امام اكتمال مآلات الثورة الوطنية الديمقراطية .
هل كانت الشقة المعرفية واسعة بين هاري فيرهوفن وهو يصدر كتابه عن "المياه والحضارة والسلطة في السودان" عن دار كميبردج للنشر في يونيو 2017 وبين كتاب دبليو جي بريدج عن "سياسات الإسلامين والديمقراطية في السودان" عبر شخصية الشيخ حسن الترابي؟ وقد صدر الكتاب عن جامعة نيوكاسل في عام 2018.
اذ تناول فيرهوفن في تحليله أسس الاقتصاد السياسي في السودان الذي يرتكز علي امتلاك مصادر المياه وتوظيفها لأحداث النهضة الاقتصادية، وخلق طبقة وسطي ذات ارتباط عضوي بالتوجهات اليمينية لحكم الإسلاميين. لكن فيرهوفن اطل قبل أسبوعين، حيث ادار ظهره لجملة حيثيات الكتاب الذي أوسعه نقدا في حينه الدكتور اليكس دي وال، ، وبدا فيرهوفن كأنه ينتقد النظرية الواردة في كتابه وقال في تحليل اصدرته منظومة ( إيرين) الإخبارية عن الامم المتحدة ان موجة الاحتجاجات الراهنة لن تسقط النظام ، لكن ربما تسقطه الموجة القادمة.
اما جي دبليو بريدج فبعد تحليل للمكانزمات الداخلية عبر مراحل تطور الكسب السياسي للشيخ الترابي تقول يصعب حكم السودان دون ان بكون الإسلاميين جزء من رقعة الشطرنج السياسي في اي مرحلة من مراحل تاريخ السودان الحديث. وهي ذات المقولة التي رددها الصحفي اللبناني فؤاد مطر من قبل ان الحزب الشيوعي لا يملك الأغلبية الميكانيكية لحكم السودان ، لكن في المقابل يستحيل
علي من يحكم السودان تجاوز الحزب الشيوعي لتأثيره العريض علي النخب والشارع السوداني.
وتمضي بريدج في مقال اخر وهي تقارب بين ثورتي 64 و85 و بين الاحتجاجات الراهنة ، اذ تزعم ان قادة الحكم مثل عبود ارتضي تسليم السلطة لثوار اكتوبر دون اراقة دماء، وان ضعف نميري السياسي جراء تطاول مرضه الباثولوجي وتضعضعه المعنوي قاد الي نجاح الانتفاضة في ابريل 1985. وتمضي بريدج لتقول ان الامر ربما يبدو مغايرا الان اكثر مما مضي اذ تتبدي سيطرة الرئيس البشير علي مقاليد الحكم بصورة اكثر قوة من نظيريه عبود والنميري. ولعل العامل الفارق في المقارنة بين ثورتي اكتوبر وأبريل والاحتجاجات الراهنة وهو وجود حركات تمرد لديها مصلحة حقيقية في تغيير النظام ، الامر الذي لم يكن موجودا من قبل. الا في المرحلة الاخيرة لنظام نميري اذ برزت الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق في جنوب السودان عام 1983 اي قبل عامين من انتفاضة ابريل .
وتقول بيردج في كتابها ان موقف الإسلاميين في الانحياز للجماهير كان حاسما لنجاح ثورتي اكتوبر وأبريل، لكن الان ضعف تأثيرهم علي الشارع في ظل الانقسام الداخلي الذي تعانيه الحركة الاسلامية.
ولعل العامل الحاسم حسب تحليل بريدج هو انحياز الجيش لثورتي اكتوبر وأبريل وهو العامل الغائب في الاحتجاجات الراهنة.
يقول اناكوا ديمينيا في مقال نشره في مجلة (النيوركر) واسعة الانتشار الاسبوع الماضي تحت عنوان "السوابق التاريخية للانتفاضة الحالية في السودان" ان وصف هذه الاحتجاجات بانها من اجل الخبز او انها استنساخ لثورات الربيع العربي يعتبر وصفا غير دقيقا البتة، بل لهذه الاحتجاجات جذور تاريخية في تراب السياسة السودانية" كما قال عبد الله علي ابراهيم لكاتب المقال.
ولعل الاختلاف الوحيد الذي أضافه اناكو ديمنيا في مقاله علي ما ذكرته بيردج هو ان نظامي عبود ونميري سقطا خلال اقل من أسبوعين من بداية الانتفاضة لكن الاحتجاجات الراهنة تدخل الآن أسبوعها التاسع ، وما يزال الكر والفر مشتعلا . ، لكن لإكمال المقارنة التاريخية لم يسقط النظام حتي الآن لأن عوامل التغيير السياسي لم تنضج بعد متجاوزا بذلك السوابق التاريخية الماضية.
اما مجدي الجزولي الذي استنطقه الكاتب وهو مثقف يساري مقيم في ألمانيا وزميل في معهد ( الأخدود الأفريقي العظيم) فهو لم يبعد النجعة عن تحليلنا السابق والموسوم ( الطبقة الوسطي ومقايضات السلطة في السودان)، وهو مقال استفز القريحة الاكاديمية للدكتور الكبير عطا البطحاني فكتب ردا احتفت به وسائط كثيرة اشفي غليلها الايدلوجي.
يقول الجزولي ان ضعف الاقتصاد ادي الي انتهاء عقد المصالحة او المساومة مع ما اسماه الطبقات العليا التي ظلت تستفيد من ريع الدولة الاقتصادي. لكننا نري ان العقد الاجتماعي غير المعلن مهرته الطبقة الوسطي بتوقيعات الرضي والقبول وتمنعها من الخروج علي النظام السياسي مقابل الحفاظ علي مصالحها الاقتصادية من سياسات وقوانين و رعاية صحية وتعليمية ومصالح طبقية متعددة، وشمل هذا العقد الاجتماعي ايضا القبول والرضي ايضا بضعف هامش الحرية السياسي مقابل التمتع بالحريات الاجتماعية لهذه الطبقة.
اي قراءة عجلي لمؤشرات التنمية في السودان ، وكذلك مؤشرات العامل الديمغرافي تكشف بوضوح ليس فقط تململ هذه الطبقة فحسب ، بل معاناتها من انزياحات تاريخية كبري . اذ قضت سياسة سحب الدعم عن السلع والخدمات وكذلك ازدياد معدل التضخم وتآكل القيمة الشرائية للعملة السودانية وتجاوز مؤشر البطالة ليصل الي 45٪؜ وزيادة نسبة الفقر، وزيادة الجباية ادي كل ذلك الي انتهاء صلاحية التراضي التاريخي او بمعني اخر نهاية الأجل السياسي للعقد الاجتماعي المبرم بين السلطة المركزية و الطبقة الوسطي، وهو إبرام معنوي سياسي مستتر وغير معلن وليس بالطبع عقدا قانونيا مشهودا حتي يظل شريعة للمتعاقدين.
وجدت الطبقة الوسطي مع تزايد حالة التجريف الاقتصادي ان التنازلات التي قدمتها من اجل الاستقرار السياسي مقابل الحصول علي مصالحها الاقتصادية الطبقية اصبحت احلاما تذروها الرياح مع اطلالة كل يوم جديد. ولعل اكبر مؤشرات هذا الخلل هو ازدياد نسبة البطالة خاصة وسط المهنيين وتدهور أحوالهم المعيشية مع تدهور ريع الوظيفة العامة وامتيازاتها المهنية.
لذا تحدث الثورات الاجتماعية عندما تتدني مؤشرات مستوي المعيشة او معدلات الرفاه الاجتماعي عن السقف الذي بلغته في تطورها الطبيعي.
لقد ارتكب منظرو ثورة التعليم العالي خطأ جسيما اذ لم يربطوا مخرجات التعليم العالي مع توسيع سوق العمل لإستيعاب جحافل الخريجين. و ظل هؤلاء يباهون بجلبة جيوش الخريجين من الجامعات تحت شعار "إشاعة الوعي اولي من سوق العمل"، و عزوا انحسار وتجافي الولاء الطائفي في مناطق السودان التقليدية لبروز جيل جديد مسلح بالعلم والمعرفة و يعترف بتجيل الحرس القديم ولا يقبل يد القداسة. لكن سرعان ما انقلبت الطبقة الوسطي علي الايدي التي صنعتها في مرحلتها الاخيرة. وكانت الدولة تفخر بأنها تخرج سنويا خمس الف طبيب، ومع ضيق سوق العمل في الخليج وبدء العودة العكسية لآلاف المغتربين، وتقلص وظائف الخدمة العامة خاصة لإستيعاب الأطباء والمهندسين بدأت خميرة التململ الاجتماعي تتفاعل في الأفق ، مما جعل اولي النظر يدركون ان خميرة التململ الاجتماعي في مراحل تفاعلها الاخيرة وان ساعة الانفجار آتية لا ريب.
هذا التحليل هو نفسه ما انتهي اليه المختصون في دراسة سقوط نظام سوهارتو في اندونيسيا 1998 ،وهو اب التنمية في دولة اندونيسيا الحديثة بعد سوكارنو ، وهو من أوائل من كرسوا لنظرية اكتساب الشرعية السياسية عبر تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، حيث مهد النظام عبر التوسع في التعليم في كافة جزيرة جاوة الي نشوء طبقة وسطي هي التي قادت التغيير ضد سوهارتو نفسه. وكما قال هنتجتون في كتابه الشهير "النظم السياسية في مجتمعات متغيرة" الصادر في 1969 ان ما اسماه "الديكتاتورية الانتقالية " التي نجحت في بناء المؤسسات هي التي تمهد لقيام نظام ديمقراطي ولعل ابرز نموذج واقعي كان نظام سوهارتو في اندونيسيا.
ربما كان من المقدر ان يكون هذه الانفجار ابكر في موعده ،مع تزايد عدد الخريجين ، وتناقص سوق العمل ، وازدياد نسبة البطالة ولكن حال دون ذلك انفتاح سوق الذهب في التعدين الأهلي الذي استوعب بضعة ملايين و امتص بطالة المدن من فئة الشباب ومن هم في طور الانتاج.
سبق وان اتهمنا المعارضة من قبل بأنها خائبة في استخدام أدوات القوة الناعمة ، لكن تكتيك هذه الاحتجاجات ابرز نجاعة ما في استخدام القوة الناعمة، خاصة توظيف قوة وسائل التواصل الاجتماعي ، وهي بلا ادني شك نتاج عملية تشبيك بعيدة المدي لخلق وانشاء منظمات للمجتمع المدني تولت تدريب الناشطين والشباب في عواصم دول الجوار تحت لافتات ومسميات مختلفة.
ويذكرني الهروع الي هذه المنظمات ما قاله المفكر الراحل الدكتور صادق جلال العظم ان منظمات المجتمع المدني هي خط الدفاع الاول لليساريين عقب هزيمة مشروعهم الايدلوجي بإنهيار الاتحاد السوفيتي. لعل الذي زاد الامر ضغثا علي إبالة في ظل المقايضة التاريخية للطبقة الوسطي مع السلطة هو التنازل عن السلطة السياسية مقابل الحصول علي الحريات الاجتماعية والمدنية، وبلا ادني شك لم تعر الحكومة هذا البند ادني قيمة في ظل هذه المقايضة التاريخية، اذ ظلت مهمومة بتقليص هامش الحريات المدنية والاجتماعية بسلسلة من القوانيين و السياسات والتدابير الإدارية والأمنية والتنظيمية ، و مما زاد الجرح علي الإهانة لمنسوبي الطبقة الوسطي هو سوء تطبيق القانون في المواد الجنائية المرتبطة بالزي والشبهات، وكان من ضحايا هذا التطبيق المتعسف كثير من رموز الطبقة الوسطي وشبابها ، لهذا وجد الناس ارتياحا بالغا للنقد الذي قدمه السيد رئيس الجمهورية للتطبيق الشائن للقانون ومخالفة مباديء الشريعة التي تقوم علي الستر لا التشهير.
اذا سلمنا جدلا ان حركة الاحتجاجات الراهنة حسب فرضية هذا المقال هي نقض لتعهدات الطبقة الوسطي التي قطعتها مع السلطة في اطار مقايضتها التاريخية وهي التنازل عن السلطة مقابل الحصول علي مصالحها الطبقية الاقتصادية والاجتماعية والتنازل عن الحقوق السياسية مقابل الحصول علي الحريات الاجتماعية والمدنية.
وجاء نقض العقد الاجتماعي نسبة لإزورار السلطة عن الوفاء بتعهداتها تجاه امتيازات الطبقة الوسطي ربما لظروف بعضها موضوعي منها فقدان 75٪؜ من عائدات النفط والعملة الحرة و50٪؜ من موارد الموازنة القومية، هذا اضافة للآثار السلبية للحصار الاقتصادي الامريكي. لكن حسب اعتقادي المتواضع ان سبب نقض هذا العقد الاجتماعي مع الطبقة الوسطي ليس فقط ضعف مردود الاقتصاد الوطني مما حال دون الوفاء بمطلوبات الطبقة الوسطي فحسب، بل ربما عدم ادراك العقل السياسي في السلطة المركزية لأبعاد هذا العقد في عمقه الاجتماعي، وتمظهراته السياسية، سيما وهو عقد مستتر تدركه العقول فقط ولا تسعه أوراق البيان وطرس المداد وشهادة العدول امام محكمة التاريخ.
الطبقة الوسطي من ناحية اخري تمثل الكتلة الحرجة لإحداث التغيير ، لكنها قد تختار انحيازات اخري حسب طبيعة تركيبتها ومصالحها المرحلية كما نفهمها. فهي بحكم التكوين والاهداف خوارة من ارتياد المخاطر والخسائر الكبري ولديها القدر علي المساومة للمحافظة علي مكتسباتها. وهي كذلك بحكم تركيبتها المهنية اقرب لسلطة الدولة المركزية لذا فهي هروبة من دعم مشروع انهيار الدولة او تصدع السلطة المركزية لأنها لا تخدم اهدافها ولا تنسجم مع أطروحاتها او مصالحها الطبقية الا اذا سدت في وجهها أبواب التغيير والمساومة.
لذا فان التحليل يتجه الي ان حركة الاحتجاجات التي تقودها الطبقة الوسطي في السودان عبر ابرز وأنشط قطاعاتها ( الشباب)، تحاول تغير شروط هذا العقد وذلك بالحصول علي الحرية السياسية بعد ان خابت رجاءاتها في في تأمين مصالحها الاقتصادية والاجتماعية، وذلك لأن التنازل عن الحرية السياسية و الرضي بهامش محسوب ، تم مقابل تحصيل المصالح الاقتصادية و تدفق في الحرية الاجتماعية و المدنية.
لذا فإن ارتداد الطبقة الوسطي عن هذه المساومة التاريخية وسعيها للحصول علي الحرية السياسية عبر دعم وقيادة الاحتجاجات الراهنة ، هي العاصم بالنسبة لها من قواصم السياسية او فقدان مصالحها الحيوية مرة اخري. لكن حسب ظني ان هذه الطبقة في ظل سعيها الحثيث للحصول علي الحرية السياسية لا تحبذ إسقاط الدولة او السلطة المركزية لان ذلك يتناقض مع مصالحها الحيوية ولكنها تسعي لتغيير قوانيبن ووجوه اللعبة وادخال لاعبين جدد للساحة السياسية علي حساب خيل السلطة ورجلها التي حرمتهم من امتيازاتهم التاريخية ومصالحهم الطبقية .
ومن الواضح اذا صح خيط هذا التحليل ان الطبقة الوسطي تجد نفسها علي النقيض تماما مع تحالفات الهامش الذي يستهدف في الاساس إسقاط الدولة وسلطتها المركزية واعادة هيكلة السياسة السودانية بإدخال طبقات الهامش علي حساب امتيازات الطبقة الوسطي.
لذا نجد في المشهد السياسي الموار بالتغيير ، أمشاجا لتحالفات متعددة تسابق بعضها البعض علي احداث التغيير وفقا لأهداف كل جهة علي حدة، فمثلا بعض الكيانات السياسية ذات الطابع الايدلوجي استغلت زلزال الطبقة الوسطي وفوران الشباب وفقا للتحولات الاجتماعية العميقة وكدت السعي لاسقاط النظام تحت شعار (تسقط بس) دون معرفة من البديل او كما قال هيكل بعد اكتوبر 1964 في السودان ( ثم ماذا بعد؟)،
لكن قناعتي ان الطبقة الوسطي بحكم مصالحها الطبقية زاهدة في إسقاط الدولة المركزية مقابل بديل من الهامش لم تتضح ملامحه بعد ، لأن حركات الهامش بكل بساطة تستمد شرعيتها ليس من تاريخها النضالي بل من قوة السلاح ، وهي بحكم انحيازاتها الأيدلوجية ترياق مضاد لكتل الافندية الثائرة في الخرطوم خوفا من اعادة انتاج ذات المنظومة السلطوية التاريخية التي ترتكز علي ارث نخب الوسط النيلي. .
لكن يبقي مأزق السلطة هو كيفية تعاملها مع اجندة التغيير التي تتبناها الطبقة الوسطي بعد ان غيرت قواعد اللعبة ، وخلعت يد الطاعة عن السلطة المركزية بعد ان تنكبت طريق المساومة التاريخية. وفي ظني المتواضع ان تطلعات الطبقة الوسطي في الوضع الراهن لن ترضي بديلا عن حريتها السياسية لتأمين مصالحها بعد ان فشلت تجربتها السابقة ، وهي استخدام هامش الحربة النسبية الممنوح وفق المساومة المذكورة مقابل مصالحها الاقتصادية وامتيازاتها التاريخية.
ولعل العامل المشترك الذي يمكن ان تبني عليه شراكات جديدة هو الحرص علي بقاء واستقرار الدولة وسلطتها المركزية ولكن بإصلاحات جذرية شاملة ، وان تدخل الطبقة الوسطي ضمن نسيج السلطة وليس مجرد ضامن لها كما كان في السابق، بما يعني ان تكون سياسات الدولة وميزانيتها موجهة لخدمة الاهداف السياسبة و الاجتماعية والاقتصادية التي تعبر عنها الطبقة الوسطي ، بما في ذلك الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تقود الي تحول ديمقراطي ينال رضي كل الأطراف دون إستحداث اي قانون للعزل السياسي . اذا نجحت هذه المقايضة الجديدة التي ستتم علي أساس إنجاز تغيرات جذرية في الحكم والسياسة ، يمكن للسودان ان يكتب فصلا جديدا في تاريخه السياسي الحديث ، و ذلك لأن الحراك السياسي والاجتماعي الذي ستحدثه الطبقة الوسطي باعتبارها الفاعل الامضي اثرا و الأعمق تأثيرا ، والكتلة الاكثر تماسكا ستكون هي من يصنع الملك king maker لكنها اذا تحولت لتكون الملك نفسه ستخسر بلاشك أفق مساومتها التاريخية كمعادل موضوعي لانحرافات السلطة في السودان. وبالطبع اذا فشلت هذه المقايضة فان دونها الطوفان الذي يغرق الجميع.
ويقيني الثابت انه ليس من مصلحة الطبقة الوسطي استعادة الديمقراطية الشكلانية الصورية الأبوية المنزع التي حكمت السودان من قبل لأنها تحمل أسباب فشلها بين أحشائها ، ولكن بناء ديمقراطية ليبرالية حقيقية تخرج السودان من الأفق التاريخي المظلم. ولعل مقولة الاستاذ عبدالعزيز الصاوي تصلح للتداول انه لا ديمقراطية دون استنارة ، ولا ديمقراطية دون ديمقراطيين.
كشفت مجلة ( السياسة الخارجية) عدد يوليو 2018 ولحقتها مجلة ( الاطلنطي) The Atlantic عدد اكتوبر 2018 عن تراجع مخيف في مؤشرات الديمقراطية في العالم. وكشفت دورية السياسية الخارجية في عنوان عددها الرئيس Is Democracy Dying عن تراجع مريع في الأفق الديمقراطي الليبرالي جراء موجات الشعبوية و تراجع الدول الكبري عن التزاماتها التاريخية، بل سعيها الحثيث للسيطرة علي مقاليد السلطة واضعاف مكانيزمات المراجعة والإصلاح الداخلي. اصبحت التحولات الديمقراطية مأزومة بالواقع العالمي جراء الرأسمالية المتوحشة، و العولمة التي أذابت الهويات، وازدادت فيه الفجوة بين الطبقات والأمم والشعوب و اختلت فيه موازين العدالة اذا ازداد الأغنياء غني والفقراء فقرا.
عندما خرج بنجامين فرانكلين من المؤتمر الدستوري الامريكي عام 1787 سألته سيدة: ماذا أنجزتم لنا في الدستور . انظاما ملكيا ام جمهوريا؟ فرد عليها قائلا: "نظاما جمهوريا اذا استطعتم المحافظة عليه". ولم تبعد هذه المقولة النجعة عن ما قاله الزعيم الأزهري " جلبنا لكم الاستقلال مثل صحن الصيني لا فيهو شق لا فيهو طق"، لكن الأديب الراحل معاوية نور الذي توفي قبل ان يحتفل بالاستقلال الذي ناضل من اجله قال" اخشي ان يأتي الاستقلال فارغا من كل معني".
الخوف ان ينتج الحراك السياسي الراهن فوضي سياسية واجتماعية اذا واصلت هز شجرة السلطة المركزية ، وإسقاطها ، وهو سيناريو ربما يكون مستبعدا حتي الآن حسب المعطيات الراهنة لعدم نضوج اسبابه المنطقية، و لإنعدام تماسك الكتلة الحرجة التي تقود التغيير. في المقابل قد تنجح السلطة في احتواء هذه الاحتجاجات و تلتف عليها لتصنع اصلاحا سطحيا وتحولا سياسيا شكلانية وتغييرا فارغا من اي معني ، حسب تعبير معاوية نور ، و لا يخاطب جذور الازمة السودانية. حينها تستبين رواهش الغضب حشفا وسوء كيلا، لذا لابد من مساومة تاريخية جديدة مع الطبقة الوسطي وفق شروطها.
الاحداث


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.