شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    "صمود" يدين اغتيال أسامة حسن ويصفه بجريمة سياسية مروعة    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكرم ليلى علوي بجائزة إيزيس للإنجاز    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سدّ النهضة فى إثيوبيا بين الحل السياسي والحزم العسكري
نشر في النيلين يوم 24 - 10 - 2019

تكلّم رئيس الوزراء فى إثيوبيا لأول مرة بلهجة ساخنة ضد مصر ، وأعلن من جانبه أن إثيوبيا لن تتنازل عن بناء سد النهضة ، وإنهاء المشروع كما هو مقرر ، ويعلن الجانب المصري الرسمي والشعبي من خلال القنوات الرسمية ( الخارجية ) نموذجا ، ومن الإعلام الرسمي للحكومة المصرية بأن نهر النيل خط أحمر ، وأنه جزء من الأمن القومي المصري ، فهذا الحرب الكلامية ما بين النظامين المصري والإثيوبي ، ما أسبابه ؟ وما هي تداعياته فى هذه المرحلة ؟ ولماذا خرج رئيس وزراء إثيوبيا من حنكته السياسية واستخدم ألفاظا غاية فى التهكم ؟ هل شعر خوفا من الجانب المصري ؟ وما الذى استجد فى الساحة المصرية فى زمن السيسي ؟ ولماذا غابت الحكومة المصرية عن القضية منذ عام 2011م ؟ ما فحوى التهديدات العسكرية الصادرة من الجانبين ؟ هل يملك طرف ما استخدام القوة فى تحقيق أهدافه ؟ ما هي الفرص التى تكون لطرف ما فى استخدام القوة العسكرية ؟ وما العقبات ؟
نحن نعرف ومن دون أدنى شك فى أن الجانب المصري أقوى عسكريا من الجانب الإثيوبي ، ولكن هذا لا يعنى أن القوة العسكرية تمنح دولة ما استخدامها فى كل الأوقات كما يحلو لها ، كما أن النصر لا يرتبط بشكل عضوي الحزم العسكري فى بعض القضايا ذات الحساسيات العالية فى العلاقات الدولية ، ولهذا نحاول قراءة الموضوع بأبعاده المختلفة لنعرف الثغرات الموجودة عند كل طرف ، والفرص التى يملكها كذلك كل طرف من طرفي الصراع .
إن موضوع سدّ النهضة مرتبط بقضايا داخلية وإقليمية وعالمية ، فهو ليس أمرا مرتبطا فقط بين مصر وإثيوبيا باعتبارهما من دول المنبع والمصب ، ومرتبط كذلك بقضايا تاريخية تحولت مع الزمن إلى أعراف قانونية ، كما أن التدخل الخارجي واضح فى الموضوع بحيث تحاول بعض الدول وضع مصر فى المأزق حتى لا تستطيع أن تقود المنطقة باعتبارها قوة محورية فى المنطقة ، وازدادت المشكلة تعقيدا حين أصبح الطرف السوداني أقرب إلى إثيوبيا لسببين ، الأول أن مصر تخلّت ومنذ زمن مبارك دورها الحيوي فى السودان ، ولهذا وجدنا الإخوة السودانيين بدأوا يتحررون من عباءة الأبوة المصرية ، والأمر الثانى يكمن فى السودان الحديث حيث يشعر الثوار بأن إثيوبيا الحديثة بقيادة آبى أحمد الذى لعب دورا مكثفا فى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السودانيين أقرب إلى السودان من مصر ، ولهذا لم يقبل الطرف السوداني منح قاعدة عسكرية لمصر فيها .
لقد تنازلت مصر عن دورها القيادي فى زمن مبارك لأجل توريث الحكم لجمال مبارك ، وتنازلت مصر هذا الدور القيادي فى زمن السيسي لأجل أن يقبل المجتمع الإقليمي والدولي حكومة السيسي الذى جاءت إلى الحكم فوق الدبابات ، وعبر الدماء ، ولهذا سكتت مصر عن سد النهضة طويلا ، لأنها كانت تريد من الإتحاد الأفريقي رفع التجميد عن العضوية المصرية فيه ، ولهذا فلا بد من البحث فى هذه المسألة بشيئ من العمق ، ونحاول أن نقرأ إمكانية الحزم العسكري ، وأولوية الحل السياسي فى هذه المعضلة .
لا يوجد عندى شك فى أن المسألة عند المصريين حياة أو موت ، ولكنها كذلك عند الإثيوبيين مرتبط بالنهضة المرجوة ، فخططت الحكومة الإثيوبية أن ينتهي البناء كليا فى عام 2022م ، وحينها سيبدأ مشروع إنتاج الطاقة الكهربائية من المياه والذى سوف يحل مشكلة الكهرباء فى إثيوبيا حيث يعانى أكثر من 60٪؜ من المواطنين فى أثيوبيا بأنهم لا يمتلكون استخدام الكهرباء ، وتحاول إثيوبيا أن تخرج من الإقتصاد الزراعي البدائي لتحقق نهضة إقتصادية مبنية على تنويع المنتجات الإثيوبية ، ولهذا تعثرت كل المفاوضات بين الجانبين ، ذلك لأن الجانب الإثيوبي يرى بأن المشروع صار واقعا لا يمكن التفاوض فى حقه ، ولا يمكن الرجوع إلى الوراء ، وأن أي مفاوضات حول المشروع لا تغير منه شيئا ، وأن الأجندات الإثيوبية الوطنية غير قابلة للتفاوض والمساومة ، ولكن التقارير العلمية تتحدث عن مفاجآت تنتظر الجانب المصري حين يستكمل البناء ، وسوف تدخل مصر ما يسمي بزمن الفقر المائي ، أو العطش القاتل كما جرى لها فى زمن الخليفة الفاطمي ( المستنصر الفاطمي ) بين عامي 1064 – 1071م ، ووصلت مصر حينها إلى كارثة حقيقية جعلت الشعب يهحرون من بلادهم بسبب الفقر المائي ، والعطش القاتل ، ووصلت الأمور كما يصور المقريزي إلى أن أكل الناس الجيف والحيوانات ، بل وتجاوز الأمر إلى أن وصل إلى أكل الصبيان والنساء والفقراء والضعفاء .
موازين القوة بين مصر وإثيوبيا .
................................................
أعلن رئيس وزراء إثيوبيا بأن بلاده مستعدة لخوض المعارك لأجل الدفاع عن مصالحها الحيوية ( سد النهضة ) وأن من الإمكان فى حشد الملايين من أجل المواجهة ، وتحدث فى جلسة استجواب للبرلمان الإثيوبي بشكل واضح حيث قال : لا توحد قوة فى الأرض يمكن أن تمنع إثيوبيا من بناء السد ، وهذا رد للذين يتحدثون عن إمكانية استخدام القوة من الجانب المصري بعد أن دخلت المفاوضات فى النفق المسدود .
لا يوجد وجه مقارنة ما بين القوة العسكرية لمصر ، والقوة العسكرية لإثيوبيا ، فتشير بعض التقارير العسكرية التى صدرت من عدة قنوات كقناة الحرة الأمريكية ، وقناة ( CNN ) الأمريكية وغيرهما بأن الجيش الإثيوبي يحتل عالميا رقم ( 47 ) فى حين يصنف الجيش المصري ضمن أقوى ( 12 ) جيشا فى العالم ، وتعطى بعض الجهات أنه الجيش الذى يحتل رقم ( 10 ) عالميا ، والجيش المصري يعتبر الأول أفريقيا ، والجيش الإثيوبي يحتل الرقم الثالث فى القارة ، ولا يتجاوز عد قوات الجيش الإثيوبي ( 140 ) ألف شخص ، وليس لديها قوات احتياطية ، بينما يصل عدد القوات المصرية إلى ( 920 ) ألف جندي ، بينهم ( 440 ) ألف جندي فاعل ، و ( 480 ) ألف جندي احتياطي ، ويملك الجيش المصري ( 1092 ) طائرة حربية متنوعة ، بينها ( 211 ) طائرة مقاتلة ، و ( 341 ) طائرة هجومية وغيرها ، بينما لا يمتلك الجانب الإثيوبي إلا ( 82 ) طائرة حربية ، وهذا يمنح تفوقا عسكريا كبيرا فى الجو للجانب المصري ، ولدى الجيش المصري أكثر من ( 2160 ) دبابة و ( 5735 ) مدرعة ، و ( 1000 ) مدفع ذاتي الحركة ، وأكثر من ( 2189 ) مدفع ميداني ، وعندها كذلك راجمات صواريخ تصل إلى ( 1100 ) راجمة ، ويمتلك الجانب الإثيوبي أكثر من ( 800 ) دبابة ، و ( 800 ) مدرعة ، بالإضافة إلى ( 85 ) مدفع ذاتي الحركة ، وهذا أيضا يمنح التفوق العسكري على الأرض للجيش المصري ، أما القوة البحرية فتميل الكفة للجانب المصري بشكل كبير ، لأنه يملك أسطولا بحريا يضم قرابة ( 320 ) قطعة بحرية ، منها ( 2 ) حاملة الطائرات ، و ( 7 ) طرادات ، و ( 4 ) غواصات ) ، و ( 50 ) سفينة دورية ، وتعتبر الدولة الأثيوبية حبيسة لا سواحل لها ، فهي لا تمتلك حتى الآن قوات بحرية ، ومما يعزز أيضا التفوق العسكري لصالح مصر هو الميزانية المعدة للدفاع من الجانب المصري حيث يصل إلى ( 4.4 ) مليار دولار فى مقابل ( 340 ) مليون دولا أمريكي .
لقد عرفنا بحجم التفوق العسكري لصالح الجانب المصري ، ولكن السؤال ، هل تملك مصر استخدام هذه القوة فى هذه المرحلة ؟ هل تستطيع أن تهزم الجانب الإثيوبي بالقوة ، وتجعلها تقبل المفاوضات التى قد تكون نافعة للجانب المصري ؟
لا يمكن للجيش المصري ، ولا للجانب المصري كحكومة استخدام القوة فى هذه المرحلة لأسباب كثيرة منها مشكلة ( الجغرافيا السياسية والعسكرية ) ، لقد أصدر معهد ستراتفورد الأمريكية فى صيف عام 2013م تقريرا تحدث فيه خيارات مصر العسكرية المحدودة لتدمير سد النهضة ، وتناول فى التقرير صعوبة إمكانية استخدام الطيران المصري لطول المسافة بين إثيوبيا ومصر ، وعدم امتلاك الجيش المصري لطائرات تزود بالوقود مما يجعل التحليق لفترات طويلة غير ممكنة ، ومع هذا فالجانب المصري ما زال يشعر بهذا التهديد الإستراتيجي ، ولهذا فهو يخطط فى المسقبل فى التغلب على هذا فى إيجاد طائرات تزود بالوقود جوّا ، أو بتوجيه ضربات من مواقع ثابتة من أقصى الجنوب فى مصر ، ومن العقبات الجغرافية السياسية الحكومة السودانية التى ابتعدت عن العباءة المصرية ، وتقترب بشكل ممنهج إلى الجانب الإثيوبي ، بل وتتحدث بعض الدوائر القريبة من القرار السوداني بأن السودانيين يخططون الإبتعاد من الخلافات العربية – العربية ، ومن الجامعة العربية ، كما أنهم يعملون فى الإقتراب أكثر إلى النادي الأفريقي ، وتعتبر الدولة الحبيسة فى بعض الأحيان نعمة سياسية ، ومزية استراتيجية ، ولهذا لا تشعر إثيوبيا تهديدا بحريا ، وخاصة أن لديها حدودا جغرافية مع دول لديها سواحل ، ولكن هذه الدول لا تقبل كذلك استخدام أراضيها ولا سواحلها فى حروب مفتوحة ضد إثيوبيا ، ولهذا نؤكد بأن الحزم العسكري ليس مفيدا للحل ، ولا ممكنا واقعيا ، ولا تملك جهة ما استخدامه ، لأن الظروف السياسية والجغرافية لا تسمح بذلك ، ومن هنا نستطيع أن نقول بأن التصريحات النارية التى صدرت من الجانبين ما هي إلا للاستهلاك المحلّي ، والإستغلال السياسي لحلحلة مشاكل داخلية أكثر منه ما هو حقيقي .
إن الجانب المصري بدأ يتعنتر أكثر حين لاحظ اقتراب الشارع المصري الغاضب بالإنفحار ، لأن الحكومة المصرية بقيادة السيسي فشلت فى أكثر من مربع ، فقد منحت جزيرتي صنابير وتيران للسعودية ، وتنازلت عن مواقع فيها الغاز والبترول لصالح قبرص ، وفشلت فى سيناء حيث أصبحت بؤرة من بؤر الإرهاب كما تقول دوائر قريبة من القرار المصري ، ويخاف الشعب المصري مواجهة الفقر المادي ممثلة بالعطش القاتل الذى هو على الأبواب ، وخرجت السودان من العباءة المصرية ، فليست بعد اليوم حديقة خلفية للدولة المصرية ، وانكمش الدور المصري فى القرن الأفريقي ، ولهذا بدأ الجانب المصري استخدام العنترية العسكرية لصالح مشروعه الذى بدأ يتعرى أمام الشعب المصري ، ولا ننسى أن العقيدة العسكرية للجيش المصري اهتزت كثيرا أمام التحديات الكبيرة ، وقد تحوّل الجيش من الثكنات العسكرية إلى ممارسة التجارة ، وأصبح كبار الجنرالات إلى رجال أعمال يزاولون التجارة فى الشوارع ، ويمارسون لغة البسنس أكثر من اللغة الإستراتيجية فى الدفاع عن المصالح الحيوية .
ليس بعيدا عن هذه المهاترات كذلك الجانب الإثيوبي ، فهو أيضا يمارس هذه اللغة العنترية ، لأن الدكتور آبى أحمد شعر مؤخرا بأن البنية التحتية للنظام الإثيوبي داخليا اهتز كثيرا ، فكتابه الأخير ( التجمّع ) قد تم حرقه فى الميادين العامة ، وخاصة عند قوميته ( الأورومو ) ، ورفض كثير من السياسيين رؤيته السياسية الحالمة ما بعد الثورة ، بل وبدأ التصدّع الحقيقي والخطير ما بين الكتلة الصلبة ( القومية العميق ) ، وانتقد الأب الروحي جوهر الموجود فى شمال القارة الأمريكية للإنتفاضة الإثيوبية سياسات آبى أحمد ، وخرجت مظاهرات عدة فى مناطق عدة من الإقليم الأورومي ، وهناك صراعات حدودية بين الأقاليم ، وتستفيد كل ذلك الدولة العميقة ( التجراي ) ، وكذلك الدولة العميقة إداريا المتمثّلة فى الأمهرا .
ما الحل ؟
...............
الحل يبدو من الظاهر أنه صعب جدا ، ولكنه ليس مستحيلا ، فما زال الحل ممكنا ، ولكنه ليس عسكريا كما رأينا ، ولن يكون كذلك قضائيا كما تحب بعض الدوائر القريبة من القرار المصري ، ذلك لأن الجانب الإثيوبي لا يقبل هذا ، لأنه يعرف بأن القضاء ما زال لصالح المصريين ، ولهذا فلا يمكن اللجوء للقضاء الدولي ، ولكن يمكن الإستفادة للقانون الدولي ، ومع هذا فالجانب الإثيوبي ما زال يرفض تدويل القضية ، ولكن من الممكن جدا استخدام المبادئ الأساسية فى الحوارات السياسية لفكرة الحقوق التاريخية والمكتسبة لدول المنبع والمصب ومنها ، مبدأ ( عدم الإضرار ) ، ويستند هذا المبدأ على قاعدة قانونية فى القانون الروماني حيث تؤكد بالحرف ( استعمل ما هو مملوك لك دون الإضرار بالآخرين ) ، ويفيد هذا أكثر الحديث النبوي ( لا ضرر ولا ضرار ) ، ولهذا يؤكد القانون الدولي كما جسدت المادة ( 21 ) من إعلان استكهولم بشأن البيئة والتنمية لعام 1972م حيث نصت صراحة على ضرورة تأكد الدول من أن الأنشطة التى تقوم بها فى إقليمها أو تتم تحت سيطرتها لن تسبّب فى إلحاق أي ضرر للأقاليم التى تجاور حدود الإقليم للدولة التى تقوم بالنشاط أو المشروع ، وهذا يوضح بأن الإستفادة يجب أن تكون تكاملية ، وبروح الإستفادة المتبادلة ( أربح وتربح ) بعيدا عن العقلية التنافسية غير الشريفة ( أربح وتخسر ) .
هناك أيضا مبدأ آخر فى هذا الميدان ، ومهم جدا عند الإستخدام للمياه الدولية ( الأنهار ) نموذجا ، فهو مبدأ ( الإستخدام العادل والمعقول ) ، ويقصد به كما يقول الدكتور مفيد شهاب الأستاذ فى القانون الدولي الحصول على أقصى المنافع الممكنة لجميع الدول المشتركة فى الأنهار الدولية ، مع الآخذ بعين الإعتبار أن هذا لا يعنى بأي حال من الأحوال التساوي الحسابي لأنصبة الدول المشتركة فى النهر الدولي ، وهذا مما أشارت إليها قواعد هلسنكي فى عام 1966م ، واتفاقيات دولية كاتفاقية الأمم المتحدة فى عام 1997م ، وهناك مبدأ آخر قد ترفضه إثيوبيا ، ولكنه لصالح مصر وهو ( مبدأ الطبيعة العينية لاتفاقيات الأنهار الدولية ) ، فقد صرّحت لجنة القانون الدولي عند صياغة اتفاقية عام 1997م اعتبار معاهدات الأنهار الدولية من طائفة المعاهدات العينية الدولية التى لا تتأثر بالتغييرات التى تحدث فى شكل الدولة أو نظامها .
إن الحل يكمن فى بناء أنظمة سياسية غير شخصانية ، تقدم المصالح الإستراتيجية على المصالح الشخصية والآنية ، ويكمن كذلك فى بناء مجتمع واع سياسيا فى داخل دول المنبع والمصب معا ، وليس من الحكمة استخدام السياسة الغوغائية فى الحلول للقضايا المعقدة ، ونؤكد مرة أخرى أن الحزم العسكري ليس حلا سهلا ، ولكنه يمكن عند البعض من الخبراء العسكريين ، ولهذا يقول الخبير العسكري اللواء مختار قنديل أن مصر قادرة على ضرب إثيوبيا عسكريا ، وأنه الخيار الوحيد أمام مصر ، ولكن هذا سيتطلب التنسيق مع السودان ، ومع وجاهة هذا الرأي عند بعض الخبراء العسكريين فى مصر إلا أن الواقع ليس لصالح هذا الرأي .
إن المشكلة ليست فى إثيوبيا ، ولكن المشكلة فى النظام المصري الذى بناه السيسي مؤخرا ، فالوضع فى مصر كارثي بكل ما تعنى الكلمة من معنى ، فلا وجود لإرادة سياسية واضحة ، ولا وجود لمجتمع مدني ضاغط على الحكومة المصرية ، ولا وجود لعلاقات خارجية صحية للحكومة المصرية ، فقد تقزّم دورها إقليميا ، وتنازلت كثيرا عن أدوارها لصالح دول صغيرة فى المحيط العربي ، وتركت لأفريقيا للدور الإسرائيلي الواضح المدعوم كل ما هو غير عربي ، فالحل يكون سياسيا من الدرجة الأولى ، وقانونيا من الدرجة الثانية ، واستخدما للمبادئ الثابتة فى القانون الدولي ثالثا كمبدأ التعاون والتفاهم المشترك ، والعمل فى التنمية والتكامل ، وعدم الإضرار بالغير ، واستخدام المياه بشكل عادل ومنطقي ومعقول بين الأطراف ، فكل ذلك يتطلب إلى إيجاد مناخ صحي فى داخل الدول المنبع والمصب ، وهذا الآن ليس موجودا فى الساحة بشكل صحي ومعقول .
المراجع :
أولا : مصر وتحدياتها الإستراتيجية : سد النهضة نموذجا . المعهد المصري للدراسات بقلم مصطفى إبراهيم فى 19 نوفمبر 2017م
ثانيا : سد النهضة ، هل هو نقمة على مصر ؟ مقال تحليلي من موقع ( فيوتشر ديركشنر ) الأسترالي ، وكتبه عبد ربه الرفاعي فى 3 يونيو 2019 م
ثالثا : مقارنة بين قدرات الجيش المصري ونظيره الإثيوبي ، مقال فى الشرق الأوسط تم نشره فى 22أكتوبر 2019 م .
رابعا : قائمة أقوى ( 10 ) جيوش ، تم نشره فى موقع ( الحرة ) فى 27 مارس 2019 م .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.