رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: جرد الحساب في إحالة العميد طبيب طارق كجاب    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    النفط يصعد والذهب يستقر مع تقييم احتمالات وقف الحرب    "ChatGPT" تتيح مقارنة المنتجات بدل الشراء المباشر    ترتيبات بالشمالية لتنفيذ مشروع المبادرات المجتمعية المشتركة    ترتيبات لقيام مجمع تشخيصي متكامل لتوطين الخدمات الصحية بشرق الجزيرة    تقرير أمريكي يكشف استهداف مباشر لمستشفى الضعين في عيد الفطر    مقربون من محمد صلاح يرجحون وجهته القادمة.. إيطاليا أو أميركا؟    الزمالك يؤجل ملف تجديد عقد حسام عبد المجيد    موقف زيزو من الرحيل عن الأهلى فى الصيف المقبل    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    طارق الدسوقي: اشترطت الإطلاع على السيناريو للموافقة على دوري في علي كلاي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    4 وجهات محتملة لصلاح بعد قرار رحيله عن ليفربول    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل أخفق أبناء القرية في إدارة دولة المدينة؟ (3)
نشر في الراكوبة يوم 28 - 04 - 2013

هل أخفق أبناء القرية في إدارة دولة المدينة ..؟(3)
كان الوقت قبيل الفجر من يوم الخامس والعشرين من مايو 1969 . كنت مصطحباً أمى عطر الله ثراها بقدر ما عطرت حياتنا وحياة غيرنا بالدفء والحنان ، فى الطريق الى مطار الخرطوم حتى ندرك الطائرة المتجهة الى مطار مروى قبل إقلاعها . ما أجمل وقت الفجر في بلادى خاصة عندما يكون سحرا، بقايا الليل مكومة هنا وهناك ، لم يغشاها ضوء الفجر بعد، هكذا تظل تتدثر بسواد الليل . البيوت والأشجار والدواب على إمتداد المساحة بين حى السجانة والمطار، كلها تغط في نوم عميق ، عدا بعض كلاب ضالة أذعرها ضوء السيارة فنبحت . لقد هالنا أن وجدنا المطار محاطاً بآليات عسكرية عديدة وجنود وجلبة وضوضاء .الغريب في الأمر أنهم حتى تلك اللحظة لم يمنعوا الركاب ولا مرافقيهم من الإقتراب من باحة المطار ! إحتشد المسافرون وكذا مرافقوهم في صالة المغادرين حتى فاضت بالناس الذين إفترشوا الساحة الخارجية .لقد تأكد لنا جميعاً ، أن هذه المظاهرما هى إلا ملامح إنقلاب عسكري .كان بيننا بعض السياسيين ممن لديهم بعض المعلومات .البعض من العارفين أكدوا هوية الإنقلاب قبل الإعلان عنه !. ظللنا في المطار حتى لحظة إعلان البيان الأول .لقد أقفل المطار ولكن ظل الناس فى أماكنهم بين دهشة وحيرة ، وقد بدى البعض مرحباً ومسروراً بما حدث، إلا أننى كنت رافضاً لمبدأ الإنقلاب أياً كان القائمون به ، رغم أننى كنت إبن المرحلة الجامعية ! .ظل المسافرون في مكانهم ، يتداولون أسماء الإنقلابيين ( جعفر نميري-هاشم العطا-خالد حسن عباس - زين العابدين محمد احمد عبدالقادر- فاروق حمدنا الله –أبو القاسم محمد إبراهيم – مامون عوض أبوزيد –بابكر النور سوار الدهب ) هذا على سبيل المثال لاالحصر .بدأت التخمينات تتري، علي أساس أن هذه الأسماء كانت مجموعة أصدقاء ، البعض قال إنهم مجرد شلة، رغم ما بينهم من وشائج ما يسمى بتنظيم الضباط الأحرار .وصفهم البعض بالشيوعيين، ووصفهم آخرون بالقوميين العرب وقال ثالث ، انهم خليط من هذا وذاك. لقد كانت مصادفة غريبة ، أن اخرج من بيتى فى فجر ذلك اليوم والبلاد تنعم بالديمقراطية وكل الحريات العامة ، مع إخفاقات هنا وقصور هناك كان يمكن علاجه بالمزيد من ممارسة الديمقراطية وليس بالتعدي عليها وإغتصابها ، كما فعلت مايو وفعلت من بعدها الأنقاذ . أنا هنا لست بصدد إستعراض كل أخطاء هذا النظام الدموية حينا والمأساوية أحياناً أخرى. بل أننى شديد العجب من الذين يقاربون بين نظام الإنقاذ وبين نظام مايو ، ثم يقولون كانت مايو أفضل! كانت مايو أفضل في حجم ونوع الفساد فقط .لكن الصحيح أيضاً إن الدماء التى سالت في فترة الحقبة المايوية لاتقل عنها كثيرا في فترة الإنقاذ .لو توقفنا قليلا عند بعض المحطات الرئيسة و ليس كلها ، لأنه لا مساحة هذا المقال ولا مساحة أى كتاب مهما كان حجمه ، سوف تسمح بإجراء مثل هذه المقاربة! قلت في مقالى السابق ، أن مايو بدأت عهدها بضرب الجزيرة أبا حتى سوت بها الأرض ، بما فى ذلك سكانها ودوابها وزرعها وضرعها .الشىء الطبيعى والبطولى أن يعارض السيد الهادى وغيره النظام الشمولى الجديد ، الذي أنقض على الشرعية وصادر إرادة أهل السودان الحرة . إذن متى كان يمكن للإمام الهادي وأتباعه ان يواجهوا النظام ،إن لم يواجهوه في هذه المرحلة بالذات !هل كان مطلوباً من الإمام الهادي أن ينتظر 23 عاماً وينيف ، كما فعل التجمع الوطنى الديمقراطى ، الذي رفع شعارات ناريات في وجه سلطة الإنقاذ من أمثال " سلم تسلم " و " إقتلاعها من الجذور " ! أين هم رافعو هذه الشعارات اليوم !يتربعون على نفس سدة سلطة الإنقاذ ، ويأكلون من ذات المال الحرام.لم تعرف الحياة السياسية فى السودان عبر تاريخها على مدي نصف قرن أحداث جسام ودموية مثل ما حدث في الجزيرة أبا ،ومذبحة بيت الضيافة ، إعدام المناضل الجسور المفكر عبد الخالق محجوب ورفاقه من الشهداء الشفيع أحمد الشيخ –هاشم العطا – جوزف قرنق –بابكر النور وغيرهم لايسع المجال هنا لذكرهم . ثم جاءت مايو في آخر عهدها لترتكب جريمة العصر بإعدامها للمفكر الجليل محمود محمد طة ،الذي كان يناهز الخامسة والسبعين من عمره. أذكر كنت حينها طالباً في باريس ،وقد شاهدت وإشتركت في التظاهرات التى خرجت تندد بهذه الجريمة البشعة، وكيف أفرد التلفزيون الفرنسى مساحات واسعات للحديث والنقاش عن فكر و أراءالشهيد محمود محمد طه . أذكر أن السوق الأوربية المشتركة آنذاك والتى لم تتحول الى مايسمى بالإتحاد الأوربى الحالى ، كانت قد إتخذت قراراً جريئاً وفريداً ، بحرمان كل من إشترك من القضاة في السودان ، في محاكمة الأستاذ محمود محمد طه وقد عرفوها " بالمحاكمة الجريمة" من دخول دول السوق الأوربية المشتركة .لا أدري إن كان ثالوث القضاة ، الذين وصفهم الكاتب الجليل الدكتور منصور خالد وصفاً ساخراً ( رجلان وإمراة ). لاشك أن القراء الكرام يعرفون من هما الرجلان وماهى المرأة ! أما علي مستوى تدمير البنية التحتية للخدمة العامة السودانية فحدث ولا حرج. إن مبدأ تسييس الخدمة العامة التى جاءت به مايو ، ظللنا ندفع ثمنه حتى اليوم . إن الغاء السلم التعليمى القديم في منتصف السبعينات،بواسطة الراحل دكتور محى الدين صابر ، ضرب النظام التعليمى السودانى، فى مقتل ، لاسيما على مستوى اللغتين العربية والإنجليزية .أكثر ما كان يعطى للسودانيين تفردا خاصاً بهم دون سواهم خارج حدود الوطن، بجانب سماحة أخلاقهم وتواضعهم وأدبهم الجم ، كان مستوي تعليمهم الرصين والمؤسس على النظام التعليمى البريطانى .الشىء بالشىء يذكر ، كنت برفقة صديق نعبر الطريق بين مدينة تورنتو والعاصمة أتاوا في كندا وهى طريق تقطعه السيارة في خمس ساعات .كانت الوقت خريفاً والأشجار أكتست حللاً والوان خلابة ، كانت المرة الأولى التى نري فيها عملية تبادل الفصول تتم أمام ناظرينا !بعد حين تسقط كل هذه الأوراق الجميلة وتتعري الأشجار دون حياء ، في إنتظار الشتاء القارس .فجأة وجدنا أنفسنا بين حقول قمح تتمدد بلا نهاية في منظر شديد الروعة ، قلت لصديقى اليست هذه هى براري كندا وهذا قمحها الذى علمتنا له جغرافية المرحلة الوسطى ،مثلما وقفنا من قبل على حقول البرتقال في مزارع سانفرانسسكو الأمريكية !هذا النظام التعليمى المجديد تلغيه مايو بجرة قلم ! لنا عودة .
جعفر عبد المطلب
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.