قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القسم السياسي في دولة الحكم الثنائي: صورة "الإمبرياليين"

The Sudan Political Service: A Portrait of the "Imperialists"
Robert O. Collins روبرت أوكلي كولينز
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
تقديم: هذه ترجمة وتلخيص لبعض ما جاء في مقال للبروفسيور روبرت كولينز عن القسم السياسي في دولة الحكم الثنائي والعاملين به والذي نشر في مجلة الشئون الأفريقية African Affairs في عددها الصادر في عام 1972م. وبروفسيور كولينز (1933 -) من كبار مؤرخي السودان، إذ كان قد كتب أول بحث له عن السودان في عام 1954م بعنوان "أمين باشا في الاستوائية" ثم حصل على درجة الماجستير من جامعة أكسفورد البريطانية، ودرجة الدكتوراه في عام 1959م من جامعة ييل الأمريكية بأطروحة عنوانها: "غزوات المهدية لجنوب السودان بين عامي 1883 و1989م". ونشر بروفسيور كولينز في خلال الخمسين عاما الماضية عددا كبيرا من الكتب والمقالات، وعمل أستاذا للتاريخ في جامعة كاليفورنيا (سانت باربرا)، ثم أستاذا زائرا في جامعات الخرطوم والجزيرة وجوبا وتل أبيب وبرجن وأكسفورد ودرام وبوسطن.
المترجم
****** ************* ********** ************
غربت شمس الامبراطورتين البريطانية والفرنسية في أفريقيا بإستقلال غالب أقطار تلك القارة. وعاد الموظفون والإداريون "الإمبرياليون" الذين حكموا تلك الأقطار إلى بلادهم، وحل محلهم ساسة وإداريون أفارقة سبق لهم التدريب على يد مستعمريهم بفضل سياسات أبوية كريمة. ورغم أن الإمبرياليين قد رحلوا إلا أن كثيرا من الدول المستقلة في أفريقيا هي في الواقع نتاج لنصف قرن أو تزيد من الإدارة البريطانية، وستستمر تلك الدول الإفريقية ولقرون قادمة في الاستفادة من المؤسسات والأدوات التي تركها البريطانيون خلفهم، ومن مجمل "الإرث الإمبريالي" الذي تركوه في أقطار القارة التي استعمروها.
وتستحيل دراسة الإمبريالية وتقويم تأثيرها وفهم علاقاتها الاجتماعية والسياسية ومواقفها والأمزجة (states of mind) التي صنعتها دون فهم الإمبرياليين أنفسهم. وقد أخترت هنا دراسة موظفي القسم السياسي في السودان إذ أن هؤلاء كانوا يمثلون صفوة رجال الإدارة البريطانية في أفريقيا والسودان، ويعدون "أعظم جوهرة في تاج الإدارة الإمبريالية" كما جاء في أحد التقارير الحكومية.
استعادت القوات البريطانية والمصرية بقيادة الجنرال كتشنر حكم السودان في 1898م، وبموجب اتفاق ثنائي بين بريطانيا ومصر عهد لحاكم عام للبلاد يعينه خديوي مصر (بتوصية من الحكومة البريطانية) بتولي زمام السلطتين العسكرية والمدنية في السودان. وكان هذا يعنى أنه كان لشاغل منصب الحاكم العام قدر كبير من السلطات غير المحدودة (وربما الاستبدادية) على البلاد منذ عام 1898م إلى 1953م (نظريا إلى 1956م) .
وتعاقب على حكم البلاد في غضون سنوات دولة الحكم الثنائي ثمانية حكام تم تعيين أولهم بقرار عسكري، ولم يكن يعاونه غير قلة من الموظفين الإداريين مثل ايدقير كارتر في مجال القانون وجيمس كيري في مجال التعليم. وفي البدء كان مدراء (حكام) المديريات جميعهم من الضباط البريطانيين العاملين في الجيش المصري. ومع مرور السنوات تم تعيين مدنيين عوضا عن هؤلاء. وكان يعمل تحت إمرتهم مفتشين بريطانيين (سموا لاحقا مفتشي مراكز). وكان من أحد أسباب استبدال المدراء العسكريين بآخرين مدنيين هو انتداب عدد كبير من كبار الضباط البريطانيين العاملين في الجيش المصري بالسودان للاشتراك في حرب البوير في جنوب أفريقيا، وأيضا بسبب الرغبة في تعيين مدنيين يبقون في وظائفهم لفترات طويلة نسبيا.
أراد اللورد كرومر كما ورد في كتاب للسير هارولد مايكمايكل (وهو أشهر موظفي القسم السياسي ومؤلف كتاب عنه) أن ينشئ كادرا إداريا من "الشباب النشط من ذوي الصحة التامة والقدرات العالية ... وليس من ذوي متوسطي المواهب ... بل من خيار من يتخرجون في أفضل مدارسنا وجامعتنا". وكان هؤلاء الشباب يمنحون مرتبات مجزية وعطلات سنوية كافية إذ أن "فترة تسعة شهور متواصلة هي غاية ما يمكن للأوربي احتماله في ذلك الطقس، فعند انقضاء تلك الفترة يضعف بدنه وتضمحل قواه الذهنية. وفوق هذا وذاك فبقاء الأوربي فترة أطول سيستهلكه في خضم الروتين اليومي، وسيضخم في ذهنه أهمية الظروف المحلية ومشاكلها الصغيرة، وهو سيستفيد بلا ريب من تغيير الطقس والمناظر والمجتمع في وضع تلك المشاكل في إطارها وقدرها الصحيحين". وحقا تفعل عطلات الصيف في بريطانيا وتجديد العلاقات الاجتماعية والثقافية هنالك فعل السحر في تقوية أذهان وأبدان المسئولين البريطانين المنهكين. وكانت تلك العطلة الطويلة إضافة إلى تحديد سن التقاعد بخمسين عاما فقط هما من أقوى الحوافز التي دفعت أفضل العناصر البشرية البريطانية للالتحاق بخدمة القسم السياسي لحكومة السودان، وهما ميزتان لم تكونا موجودتين في أفرع الخدمة الامبريالية الأخرى. فبعد سن الخمسين يمكن للواحد من هؤلاء الموظفين المتقاعدين أن يلتحق بوظيفة أخرى بينما يحصل في ذات الوقت على راتب تقاعدي مجزي طوال حياته.
أنشيء القسم السياسي في عام 1901م بستة من الشباب ممن تخرجوا في جامعات أكسفورد وكمبردج، وظل ينضم إليهم بعد ذلك وحتى عام 1930م ما بين 2 و 12 من الخريجين سنويا، بحسب توفر الوظائف والموارد المالية.
شرح السير هارولد مايكمايكل طريقة التعيين في القسم السياسي في كتابه سالف الذكر فقال إن عملية التعيين كانت شأنا بسيطا معقولا وغير رسمي، ولم يكن لها من قواعد ثابتة أو امتحانات تنافسية غير ما أوردناه من أقوال كرومر أعلاه (سبق لنا ترجمة ونشر مقال بريطاني عنوانه "كيف كان البريطانيون يختارون الأطباء للعمل في السودان". المترجم).
وسأورد هنا الطريقة التي تم بها تعييني كمثال على طريقة التعيين. ففي بداية عام 1903م كنت طالبا في جامعة كمبردج ، وذات صباح تلقيت خطابا رسميا من الهند مكتوبا بلغة لا أفهمها، فنصحت بالذهاب إلى المستشرق المعروف بروفسيور اي براون. وما أن دخلت عليه حتى بادرني بالسؤال: "هل أتيت بخصوص الخدمة في إدارة مصر والسودان؟" فرددت بأني قدمت إليه لسبب آخر تماما. وشرح لي معاني الكلمات التي كنت أجهلها، واستطرد في الحديث عن الشرق بصورة عامة لساعة أو تزيد مما دعاني عند نهاية المقابلة للعودة لسؤاله عن الخدمة في إدارة مصر والسودان فأخبرني بأن كرومر كان قد طلب من بروفسورين في جامعتي كمبردج وأكسفورد البحث عن عدد محدود من النابهين من الطلاب للعمل في مصر والسودان، وليس هنالك من شروط للقبول سوى مثول الطالب لمقابلة مع لجنة الاختيار في لندن ، وأن يبقى الطالب بعد التخرج لعام إضافي في الجامعة لدراسة اللغة العربية. عبرت للبروفسور عن رغبتي في الالتحاق بخدمة دولة الحكم الثنائي فأعطاني استمارة قمت بتعبئتها أمامه. وبعد مرور وقت قصير تلقيت دعوة للمثول أمام لجنة الاختيار في لندن، وكان يرأسها آنذاك ونجت باشا، وتم اختياري وسئلت في ختام المقابلة إن كنت أفضل العمل في مصر أو السودان فاخترت السودان رغم أن اللجنة كانت قد أرتني (ربما على سبيل التحذير!) صورا للهبوب في ذلك البلد! وقضيت عاما إضافيا في الجامعة لتعلم العربية قمت بعده باقتراض مبلغ 25 جنيها ثم أبحرت للسودان في عام 1905م مع سبعة آخرين، كان ستة منهم من أكسفورد وواحد فقط من دبلن.
وكانت لجنة الاختيار تتكون في البدء من ضباط بريطانيين في الجيش، إلا أنه بعد الحرب العالمية الأولى تم تغيير اللجنة بأعضاء مدنيين من كبار موظفي الإدارة كانوا يزورون جامعتي كمبردج وأكسفورد بإنتظام لعمل اختيارات أولية لمن يرغب من الطلاب في العمل في السودان. ومن كان يتم اختياره من هؤلاء يطلب منه المثول أمام لجنة الاختيار النهائي في لندن. ومن بين نحو 400 رجل قبلتهم اللجنة للعمل في السودان بين عامي 1899 إلى 1956م كان 285 منهم (أي ما نسبته 75%) من خريجي أكسفورد وكمبردج. وكان هذا مثار عدم رضاء الجامعات البريطانية الأخرى والتي اتهمت لجنة الاختيار بالتحيز، إذ أن غالب أعضاء تلك اللجنة كانوا من خريجي أكسفورد وكمبردج.
وكان القسم السياسي بحكومة السودان هو القسم المفضل عند كثير من شباب خريجي الجامعات البريطانية (خاصة كمبردج وأكسفورد)، وكانت لجنة الاختيار (ربما بنوازع التحيز) توجه أكثر المتقدمين صحة بدنية وخصائص قيادية وثباتا في الشخصية وصبرا على الشدائد (وليس بالضرورة تألقا وتميزا فكريا وأكاديميا) للعمل في ذلك القسم، فقد كان غالب هؤلاء ممن حصلوا على البكالوريوس بدرجة الشرف من الدرجة الثانية أو الثالثة، ولم يكن بينهم إلا القليل جدا (نحو 7% فقط) ممن حصل على الدرجة الأولى. ولعل كان هذا مقصودا ليضمن أن تكون الجماعة المختارة للعمل في ذلك القسم من ذوي القدرات الاكاديمية المتشابهة والانجازات الفكرية المتقاربة، فذلك أدعى للانسجام والمطابقة، إذ لم تكن المبادرة والخلق والابداع مطلوبة من هؤلاء الموظفين.
وكان يميز من أتوا للعمل في السودان من خريجي الجامعات (عدا أنهم كانوا ممن حصلوا على البكالوريوس بدرجة الشرف من الدرجة الثانية أو الثالثة) أنهم كانوا ذوي قدرات رياضية عالية. ومن هنا جاءت المقولة الساخرة الشهيرة بأن السودان بلد سكانه سود ويحكمه زرق (أي رياضيون) The Sudan is a country of blacks ruled by blues. وكان إصرار لجنة الاختيار على أن يكون من سيعمل في مجال الإدارة في السودان من ذوي القدرات الرياضية مبينا على فرضية أن الرجل الرياضي رجل قوي البنية ويستطيع تحمل المشاق العديدة التي تصاحب عمل مساعد المفتش، والذي يقضي غالب وقته على ظهر جواد أو جمل أو على قدميه متنقلا في رحلات شاقة وفي جو حار ومغبر إلى مختلف المدن والقرى التي تقع تحت إدارته الممتدة. فهذه الوظيفة لا تناسب الرجل الضعيف بدينا، ومن لا يحتمل أدواء وأنواء الحمى والعدوى، ولا يطيق العمل لساعات طويلة متواصلة في ظروف بدائية تنعدم فيها وسائل الحياة المريحة الحديثة. وبالاضافة لذلك فالرجل الرياضي، خاصة من يمارس الألعاب الجماعية يكون عادة أكثر استعداد لنقل روح التنظيم و"اللعب النظيف" والمسئولية الجماعية والعمل كفريق واحد لمعاونيه في الادارة.
وهكذا فيمكن القول بأن معايير الاختيار للخدمة في القسم السياسي كانت تشمل الشخصية والطابع الأخلاقي والسلامة والصحة الجسدية، أكثر من الكسب الفكري والانجاز الثقافي. وإلى قبيل سنوات الحرب العالمية الثانية كان التعيين في خدمة حكومة السودان يمتاز على منافسيه الآخرين (مثل الخدمة المدنية في الهند وفي بريطانيا نفسها) بأنه لم يكن يتطلب الجلوس لامتحانات تنافسية، وبأنه كان يعهد للمتعينين الجدد بمسئوليات مهمة دون كبير تدخل من رؤسائهم، مما يجعل تلك الوظيفة مثيرة تضع أمام شاغلها الكثير من المطالب والتحديات. وربما كانت تلك الاستقلالية لمساعد المفتش من باب الضرورة، إذ أن وسائل المواصلات كانت متخلفة أو منعدمة، وكانت المسافات بين المراكز متباعدة جدا. وكان مفتش المركز (ومساعده) في السودان متحررا من قيود العمل المكتبي الورقي والمكاتبات الرسمية بعكس ما كان سائدا في الهند وبريطانيا.
وعلى الرغم من أن القسم السياسي كان قسما مدنيا يعمل فيه خريجو خيرة الجامعات البريطانية، إلا أن قلة من ضباط الجيش البريطانيين ظلوا يعملون فيه حتى عندما حل ذلك القسم نهائيا في 1956م. وكان القسم يحتاج بالفعل للعسكريين خاصة في مناطق السودان الجنوبية حيث كانت هنالك قبائل متمردة يصعب التعامل معها بغير القوة العسكرية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. وكون هؤلاء الضباط السابقون مجموعة متماسكة ومتعاضدة عرفت باسم مستنقعات البارونات Bog Barons ، في إشارة لدورهم في قمع تمرد القبائل المحاربة التي تعيش في مناطق المستنقعات.
وفي ثلاثينيات القرن الماضي غيرت لجنة القبول للعمل في القسم السياسي من شرطها القاضي بضرورة أن يقضي خريج الجامعة عاما إضافيا فيها لتعلم اللغة العربية، واستعاضت عن ذلك باشتراط أن يقضي الخريج ثلاثة شهور في دراسة العربية في معهد الدراسات الشرقية في لندن، ويبعث بعد ذلك لفترة تدريبية في الخرطوم تستغرق عددا من الشهور قبل أن ينقل لمركز إداري في إحدى المديريات. وبعد مرور عامين كان يجب على مساعد المفتش أن يجتاز إمتحانا في اللغة العربية والقانون قبل أن يحصل على زيادة في راتبه الشهري.
وكان أكثر ما يميز أولئك الرجال هو مستوى الأخلاق الشخصية الرفيعة عندهم، ولا ريب أن مرد ذلك هو بالطبع ما شبوا عليه منذ الصغر مع عائلاتهم، وما تلقوه من تعليم في المدارس والجامعات، وإيمانهم العميق بالمسيحية واخلاصهم الشديد لكنيستهم الانجليكانية، والتي كان ينتمي لها معظمهم. غير أنه من الواجب أيضا القول بأن سائر الأجواء السائدة في بيئة العمل آنذاك كانت تشجع الموظفين على الالتزام بسلوك أخلاقي عال وصارم. وكان أكثر من حض على مثل ذلك السلوك هو السير وينجت باشا، أو بالأحرى عقيلته السيدة وينجت، والتي لم تك تطيق أي نوع من الانحراف عن الأخلاقيات والسلوك الفيكتوري القويم (هكذا! المترجم). ويمكن رد تقاليد العمل الإداري وأخلاقياته وسلوكياته البالغة الصرامة والالتزام إلى ما أَرْسَاه السير وينجت في غضون سنوات عمله في السودان والتي امتدت لسبعة عشر عاما كاملة. صحيح أن بعض المفتشين ومساعدي المفتشين في مناطق السودان النائية كانوا قد اتخذوا لهم عشيقات (وفي أحيان قليلة زوجات) من الفتيات الأفريقيات المحليات، إلا أن مثل تلك الممارسات كانت – عندما تكتشف - تعنى عند الإدارة العليا في الخرطوم النبذ الاجتماعي الفوري، وربما الفصل من الخدمة. وفي سنوات الحكم الثنائي الأولى كان حتى الزواج "المحترم" أمرا غير متاح للإداري البريطاني إلا بعد مرور سنوات طويلة على خدمته بالبلاد. ومع مرور السنوات وتحسن خدمات الصحة والسكن خففت الإدارة من قيودها على زواج منسوبيها، غير أنه ظل أمرا غير محبذ.
كان كل موظفي القسم السياسي من البريطانيين ينحدرون من عائلات غنية أو متوسطة الحال، ومن أصول ريفية وتقاليد قديمة تمجد من قيمة العمل وأداء الواجب، وتعلي من شأن تحمل المسئولية، وتعشق الرياضية، وتحترم كذلك أقدار الناس ومكانتهم الاجتماعية، وتعطف على الطبقات الأدنى في المجتمعات الريفية (بل وتتحمس لألعابهم المحلية مثل "كركيت القرى"!).
وعلى الرغم من البون الشاسع بين المستوى الثقافي بين الإداريين البريطانيين والأهالي السودانيين فقد كانت العلاقة بينهما هي علاقة محكومة بسياسات أبوية كريمة benevolent paternalism طرفها الأول السيادة والحكم (من جانب المستعمر. المترجم) وطرفها الثاني الاحترام والقبول (من جهة السودانيين بالطبع. المترجم). وحدث أن أرسل ذات مرة السكرتير الإداري في الخرطوم برقية إلى أحد مفتشي المراكز تشرح له أمثل الطرق للتعامل مع الأهالي في مدينة ما، فأستشاط المفتش غضبا ورد ببرقية محتجة للسكرتير الإداري تفيد بأنه ليس هنالك من ضرورة لنصح وتذكير جنتلمان إنجليزي مثله بواجباته!
لا ريب أن دوافع غالب الموظفين البريطانيين عند أداء واجباتهم في السودان كانت مبنية على المفهوم الريفي ل "أداء الواجب على أكمل وجه"، وعن إيمان حقيقي بضرورة القيام ب "عبء الرجل الأبيض" المشهور عن شاعر الإمبراطورية كبيلنيج صاحب الحماسة التبشيرية المتعلمنة secularized missionary zeal .
وفي عام 1956م تم حل القسم السياسي نهائيا . ولكن وعلى الرغم من أنه كان ريفي الطابع ولا يخلو من ضيق أفق أحيانا إلا أن توحده واتساقه وسياسته المتحفظة قد نجح بلا ريب في خلق دولة موحدة ومتماسكة وقابلة للحياة بعد أن كانت تتكون من أجزاء متباينة وجماعات متنافرة من السكان. وبهذا فقد كان ذلك القسم السياسي يمثل "قوسا صلبا" حفظ وحدة السودان وجعل منه دولة بحق.


.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.