تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما ظلّ يحدث في اجتماعات حزب تتم في السر
نشر في الراكوبة يوم 20 - 06 - 2017

هذا فصل من رواية، قد نشرتُ هنا مقتطفا منه منذ بعض الوقت، وعلى ضوء بعض تلك المداخلات، أو منعا لسوء فهم آخر، فأدناه محض خيال، وإذا تشابه على مستوى الحدث والشخصيات، مع أحداث وشخصيات واقعية، فمن باب الصدفة البحتة:
******************
كان الرفاق مجتمعون هناك، في شقة الأعمى، قريبا من مسجد رابعة العدوية، الذي ارتفع منه منذ دقائق قليلة صوت أذان الظهر، وقد تناهى واضحا من بين فراغات الأذان من أسفل البناية شيء آخر، كالنداء الممطوط الحزين لبائع البطاطا. فكر حامد عثمان: "هذا البائع اللحوح من أصل يهودي ولا بد". وأراد أن يواصل في مخيلته نفسها استعراض بعض تصوراته تلك عن الدين. لو لا أنّه وقع بعينيه على أصابع قدم مها الخاتم اليمنى الملمومة عند مقدمة حذاء فضي. وكان مضى تاليا نحو الساعتان ونصف تقريبا، على بداية ذلك الاجتماع، عندما علا، بعد أن أخذ الإذن بالتحدث، صوت منتصر جيفارا، قائلا:
"هيّا لنناقش الآن جَنْد القادم، يا رفاق".
كانوا، بالضبط، خمسة رجال وامرأتان.
أو كانوا، إن شئتَ أنت الدقةَ، خمسة مبصرون، وهم حامد عثمان، ومنتصر جيفارا ذاك، ثم المدعو حسن ضلّ الفيل، وهو رجل قصير القامة، في أواخر العقد الثالث من عمره، عادة ما تجده غارقا في صمت عالمه الخاصّ، محاطا بكل ذلك القدر من الرصانة البادية، إلا إنّه ما أن يتناول كأسا واحدة من العرقي، حتى ينتابك شعور كما لو أنّه يدير مذياعا لا مرئيا من داخل فمه، وقد بدا على استعداد تامّ للحديث، عن كل شيء، قد يخطر حينها على باله هو بالذات أو بالك أنت، بدءا من التروتسكيّة "التي مُحِقْتْ جذورها على يد لينين والبلاشفة"، وانتهاء بأهمية أكل المخللات "في زمن المنفى والتِّرحال"، حسب قوله، عوضا عن خمسيني آخر يدعى سرا بالسيد أمير ابن الذوات، إذ كان يبدو على الدوام، كمن يعتش على مجد المرحوم والده، ذلك السفير السابق الأرجح إلى بلاد الشام أو تشاد، ثم كان هناك ولا بد مها الخاتم، فزوجة الأعمى، الذي ظلّ يصرّ، لسبب لا يعلمه ظني سوى المعز بن فاطمة، على التصرف، في كثير من المواقف، كمبصرٍ معافى، ولكن حتى بدور ذي طبيعة قيادية..
فتأمّل!
أما الشيطان الآخر، ابن الكلب اللئيم قرين الضلال منذ ألف عام، الذي أحدودب ظهره الأزرق ذاك يقينا من إدمان قراءة الكتب، صاحب الخمسة وخمسين رأسا إلا قليلا، و(إلا قليلا) هذه نجمت الأرجح عمّا باعه في المزاد من "تخمة معرفيّة قد لا تُصدق على وجه الاطلاق"؛ فقد كان حتما سيعجز تمام العجز، لو سُئل وقتها، في اختبار مباغت للذكاء، عن الكيفية، التي كان قد تعلّم بواسطتها هذا الأعمى اللعين إمكانيةَ التعرّف، عبر حاسة اللمس وحدها، على العملات الورقية، مثل مصرفي، ولما يمضي على عاهته تلك، سوى سنوات جدُّ قليلة، قياسا ولا بد على سنوات عمره، التي قد تشارف، إن صدقت توقعاتي هنا، على الستين.
ما لا شك فيه أبدا عندي أنّها لا بد أن تكون هي زوجته، تلك القصيرة الودود، التي تمتلك وحدها الوقت كله، في دهاليز المتاهة القدرية الخانقة المسماة "غرفة النوم"، على تبصيره، بمثل دقة الدقة هذه، بذلك الفرق، أو التمييز الحاسم، حتى ما بين الدولار الأمريكي الحقيقي وقرينه ذاك المزيّف. المثير حقا للدهشة والحيرة والاستغراب معا، حسبما ظلّتْ تخبرنا به الوقائع اليومية، لمدى سنوات متصلة، أن هذا الأعمى، وقد بذل كل ذلك الجهد الشاق، كي يتعرف في النهاية بحاسة اللمس المتاحة وحدها على العملة كمصرفي؛ لم يره أحد، ولو لمرة واحدة فقط، وهو يشتري بنفسه، من أسواق القاهرة الكثيرة، مجرد: "بصلاية"..
أو.. "شيئا من هذا القبيل".
كي يُمسك منتصر جيفارا متشبثا بتلابيب فرصته المتقدمة، وهو يطلق ذلك الاقتراح لفتح باب النقاش الخاصّ بجند القادم، كما يطلق رنين الجرس على مشارف نهاية يوم دراسي رتيب؛ كان لا بد له إذن من أخذ الإذن من رئيس الاجتماع، تماما كما ظلّ يفعل أولئك التلاميذ الصغار داخل الفصل الدراسي، أي برفع اليد. ولما كان الأعمى الطموح قد تمسك مبكرا جدا، برئاسة الاجتماع، بدا من الضروري مخاطبته، عند الرغبة مثلا في إثراء النقاش، برفع الصوت، لا اليد. أما المناداة بما قد أسماه منتصر جيفارا عبر مقترحه المتقدم بقوله (القادم)، فكانت تعني وصول قطار اجتماع الخلية، وثمة عاصفة رملية بدأت تنشط وراء النوافذ المغلقة بإحكام للتو، إلى مناقشة آخر الأجندة المطروحة، على مائدة النقاش، وهو الجَنْد الخاصّ باقتراح متابعة القضايا العالقة، التي لم يتوصل المجتمعون حولها إلى الفصل بعد، فضلا عن تحديد مكان وزمان عقد اجتماع الخلية القادم.
كان قبلها، قد ارتفع صوت الأعمى الرئيس نفسه، قائلا:
"تنظيمي. وعليكم تماما بالمختصر المفيد هنا، يا رفاق".
يُعنى هذا الجند أساسا بأشياء تنظيمية بحتة، كما قد يستشفّ، مثل "فتح باب المناقشة العامة"، سعيا لضخ دماء الحيوية في شرايين الحزب و"إنقاذه (بالتالي) من الجمود". لم يشعر حامد عثمان في أعماق نفسه بوقت ملائم، لاختبار حصيلة قراءته المزمنة تلك، بأكثر من هذا الوقت المخصص لمناقشة قضايا تجديد الحزب، وهو شعور ظلّ يعاوده كثيرا في الآونة الأخيرة، إلا إن هذا الأمر السجال في المقابل لم يرَ فيه الأعمى، في كل مرة، سوى بوادر انشقاق يجب وأدها في المهد، من دون أدنى تردد أو تأخير. وكان الأعمى في هذا على قدر العشم فيه، وفيا لقادة الحزب من الحرس القديم، لا يهدأ له بال، وهو يتصدر مثل تلك الحملات التي تنشأ أحيانا، إلا من بعد أن يكون قد تعقّب فلول المنشقين إلى آخر جحر يمكنهم الوصول إليه هربا في العالم، بينما يقوده الأرجح منتصر جيفارا، في الظلمة المطبقة والمقبضة الحالكة لعمائه ذاك. عندها، عندها فقط، يكون قد هدأ روع الأعمى، فيتنفس إذ ذاك عند أقرب اجتماع، قائلا بأريحية نبرة صوت المنتصر الظافر ذاك:
"لقد ذهب عن حزبنا هذا السيئون".
كان الأعمى بارعا تماما، في اسكات صوت المعارضين، بل لم تكن ترعبه أبدا قاذفات الثقافة من العيار الثقيل، التي ظلّ يرجمهم بها حامد عثمان، في أثناء محاولاته الخفيّة تلك، لكسبِ (ربما من باب لموسى في عصاته مآرب أخرى) ودَّ مها الخاتم، وقد كان لدى الأعمى اللعين موهبة استثنائية على الجدال وتحوير ما ليس له به علم، حتى من دون أن يرفّ له جفن، فمثلا المفكر الفرنسي الماركسي المجدد لويس ألتوسير، هذا الذي تريد إقناعنا باتباعه وترك منابع النظريّة الصافيّة، "يا رفيق مسالم"، كان في شبابه المبكر جدا (وأشك في أنّك قد لا تعلم هذا) يسرق سراويل البنات، من السكن الجامعي، ليلا. ثم بالبرودة، أو الصلابة، تلك المتوافرة حصرا لدى نصّاب، بل سمّه "مغالطا محترفا شديد المراس"، كان الأعمى يضيف تاليا: "فرنسا كلها تعرف هذا الموضوع، يا رفيق".
كذلك، أو وهو ينطق بمثل هذا الهراء، لم تكن تصدر عن كيان الأعمى أدنى بادرة قد تشي بأنّه كان يمزح، أو حتى يختلق أشياء لم تحدث في الأصل، وكان يغلب على حامد عثمان في الأخير دائما شعور المحبط ذاك، وهو يرى الحسّ العام للاجتماع يركن شيئا فشيئا، نحو تبريرات الأعمى المبصرة، خاصّة إذا كان الاجتماع منعقدا وقتها في رحاب شقة الأعمى. أما الشخص الوحيد، الذي كان حامد عثمان يشعر بتعاطفه الصامت، مع أفكاره المخالفة لأفكار الأعمى، فمها الخاتم، التي ما تلبث أن تغادر مكانها داخل الاجتماع، لتتراءى عارية، على السرير، إلى جانبه، وكان يعنّ له إذ ذاك أن يلتفت مديرا عنقه للوراء ليرى قدمها المشرعة نحو السقف في وهج العتمة الخفيفة للغرفة، لو لا أن ظلّ صوت الأعمى اللعين يتناهى، وهو يقطع عليه حتى متعة ألعاب الخيال تلك، داعيا إلى مناقشة جند آخر من أجندة الاجتماع الحزبي التي لا تنتهي:
"سياسي، يا.. رفاق"؟!
هذا الجند، كان يُعنى أولا وقبل كل شيء بصياغة أو بلورة موقف عام يُعتمد من قبل عضوية الحزب، باتجاه ما ظلّ يطرحه راهن المشهد السياسي العام من قضايا، قد تستلزم إصدار بيان إدانة ما أو تضامن. من ذلك، يتذكر حامد عثمان، ندين بشدة العدوان الامبريالي الصهيوني "الغاشم"، على "غزا". أو "نعلن كامل تضامننا بالمطلق"، مع رمز المقاومة الثوريّ الباسل "الرفيق كاسترو جمعة"، في وجه الحملة الصليبية الشرسة، أو نشجب نوايا البنك الدولي الخفيّة، أو حتى التنديد بأثر رجعي والمد الثوري يتراجع حثيثا "على غير توقع" بميخائيل جورباتشوف كعميل "باع نفسه للشيطان"، وقد نجح أخيرا بالخديعة، في إزاحة ما عجز سابقا عن إزاحته السلاح النووي". إلا إن نجم أجندة أي اجتماع، يكون دائما ذلكم الجند المدعو:
(بلاغ)..
إذا وُجِدَ طبعا!
ويُعنى هذا الجند اللعين تقريبا بالإجابة على تساؤل يتمّ طرحه الأرجح لا من باب تشجيع العفة، بل تحسبا من مد التنظيمات السياسية المعادية بأدلة مادية ملموسة على ما تزعم به، عبر "خطابها الدعائي الجائر"، من "تورط (عضويتنا) في قضايا قد تمسّ الشرف، أو حتى رفيقته تلك المسماة "الأخلاق الفاضلة الحميدة"، في مقتل".
"والعياذ بالله".
منذ أن بدأت تلك الرائحة في التسرب، كان الرفاق داخل الخليّة يلوزون عند مناقشة هذا البند خاصّة، بغطاء كثيف من الصمت، كما لو أنّهم يؤكدون على ما قد ظلوا يتناقلونه هناك في مجالسهم الخاصّة بصوت عال، أو ما ظلوا يسمعونه أحيانا عبر تلك الصلات ذات المشترك الاجتماعي الوثيق، من دون أن يمتلكوا قطُّ دليلَ إدانته المادي. وكان عادة ما يكون صمتا حرجا مطبقا مفخخا وعرضة كما قد بدا على الدوام للانفجار في أية لحظة. والله الرحمن الرحيم العدل غافر الذنب وقابل التوب وحده يعلم مدى ما قد درجت مها الخاتم على بذله من ضبط أعصاب في مثل تلك المواقف، ربما حتى توحي عبر هيئتها العامة الملتفة برداء من ثقة هشّة ولا بد، وفي سياق نفس الصمت الموحش القاتل كنزعِ ثياب حسناء جهرة في ميدان عام، أن ما حدث كان محض تقولات ونثار منتهكي أعراض، لا أكثر، لا أقلّ. كان أكثر ما ظلّ يشلّ أجهزة البقاء داخل مها الخاتم عن العمل، لحظة أن يحضر الرفيق حسن ضلّ الفيل إلى الاجتماع مخمورا، ولن يوقفه عندها، من أحد، عن رمي الحديث جزافا، (ربما) إلا عبر اختلاق خبر تعيينه للتو مذيعا، في القسم العربي، من هيئة الإذاعة البريطانيّة، أو نحوه. لو لا أنّه كان يتناهى ودائما متأخرا صوت الأعمى، مثل سفينة إنقاذ لنقل إنّ بها شيء من عطب، قائلا:
"مالي، يا رفاق"؟
أما هذا الجند، من أجندة اجتماع الخليّة الدوري المنتظم كل أسبوع، فكان ينحصر في جمع اشتراكات الأعضاء، إن صادف الاجتماع أول الشهر، أو مناقشة ما يسمى "المتأخرات"، وفحص أمر المتعسرين كل على حدة، وتقسيط اشتراكهم إذا لزم. ثم، أو.. أخيرا، يأتي ذلك الجند، الذي أشار إليه أعلاه منتصر جيفارا، وقد نفد صبره كبطيني عريق على ما بدا تحت ضغط ثقل الروائح اللذيذة، تلك المتهادية، في بعض أوقات الاجتماع، من داخل مطبخ الأعمى الغني، قائلا: "هيّا. لمناقشة جند القادم، يا رفاق".
لم ينتظر منتصر جيفارا، إلى أن تضيع فرصته بالحديث، وأن يقع بالتالي مجددا تحت رحمة الأعمى رئيس الاجتماع، وقد واصل متابعا حديثه ذاك، غير مبالِ بالمرة بعلامات الامتعاض الكثيف المحتقن، التي أخذت تظهر تباعا، كعلامات الجدري الأولى على وجه الأعمى، وقد بدا الأعمى عندها وتماما كما لو أنّه فجر في خصومة امتعاضه، نتيجة تسفيه جيفارا له بعدم أخذ الإذن ثانية، لما استدار بنصفه الأعلى باتجاه المتحدث، وهو يصب جام انفعالات وجهه الغاضب الكظيم على زهرية من الورد الصناعي ظنّها الأرجح منتصر جيفارا، الذي واصل حديثه، ماضيا في توضيح أفكاره، كما لو أن شيئا لم يحدث، مقترحا أن يتمّ وضعَ شقة حامد عثمان الجديدة، تلك "التي لم يدخلها أحد من الرفاق حتى الآن"، لتنضم "من باب زيادة الخير"، كما قال بما بدا الطيبة، إلى قائمة الشقتين الأخريين، اللتين كانتا تستضيفان اجتماعات الخلية، بالتناوب الأسبوعي المنتظم، لدواع أمنيّة تتعلق، وفق النغم الميلودي السائد، وسط الرفاق، بسلامة وأمن الحزب "المستهدفين".
أو كما قد سبقت الإشارة..
على وجهه ابتسامة جائع عريق حتى النخاع، للحبّ والعناق والجنس، (ناهيك عن وضعيته كباحث لا يمل عن لذة في خبابا طعام أو شراب، وفيما عيناه المطبوعتان أسى متقنا تحويان هيئة جيفارا بحنان رفاقي بدا بدوره آسرا وهو ينبض تفهما وتقديرا وصدقا، على الرغم من شعوره المتزايد ذاك، بثقل ضغط عيني الأعمى الميتتين المثبتتين باتجاهه، وقد نسي الأعمى على ما بدا تجاوزات جيفارا تلك التي لا تغتفر)، فكر حامد عثمان، قائلا في أمان سره: "ابن الحرام.. هذا اللعين الوغد الزنيم العتل الصفيق المرتزق المسمّى منتصر جيفارا.. لا يكاد يكفّ شرّه أبدا، عن خلق الله، وهو يصنع المشاكل هكذا، أو.. تماما، كما لو أنّه يتنفس".
لم يمر وقت آخر يذكر، عندما أزاح حامد عثمان تلك النظرة الرفاقية الحانية، ووضع محلها قناع براءةَ الحملان ذاك، ثم أجال بصره، بتأنٍّ وأسى بدا صادقا كسابقه، بينما يقول: "تعلمون جيدا، يا رفاق، لكم أحب أي عمل يتسم بالتضحية، أو فلنقل "التجرد أو الفداء"، قد يأمر به حزبنا الثوري العظيم، هذا الماجد العصيّ على الهزيمة، أما تقديم المساعدة ها هنا، فعمل، أقلّ لوضاعته أن يذكر، بمثابة الشرف الرفيع لشخصي الضعيف، أولا ومن قبل كل شيء، لو لا أن مساعد رئيس مباحث أمن الدولة المصري، ذلك البدوي الجلف القادم من نواحي بلبيس في محافظة الشرقية، يقطن للأسف الشديد بل لسوء الحظّ والطالع طبعا في بناية مقابلة لبنايتي، مباشرة". بناية لا تكاد دوريات الجنود تتوقف، وهي تعبر أمامها، من حين لحين، ولا يدري المرء حقا، في مثل تلك الأوضاع، أي عسكري أو رجل أمن آخر قد يكون هناك، متنكرا في ثياب مدنية ولا بد"؟ أخذ حامد عثمان، يتطلع بحركة رأس نصف دائريّة، متفحصا وجوه رفاق الحزب الواجمة، التي غاض عن مُحيّاها الفرح، وحلّ محله في الحال فزع أخرس لا نهائي. وكاد حامد عثمان في الأثناء أن يفقد السيطرة على أعصابه، وينفجر بغتة بالضحك، لو لا أن مر الأمر الذي لامس للتو أعمق مخاوف الثوريين أخيرا بسلام. والنتيجة: لم يفكر أحد بعدها في إمكانية أن يعقد مثل اجتماع الخلية اللعين ذاك قريبا من "بيت الأفعى".
هكذا، مبكرا، أو حتى كبائعِ ألبانٍ مغشوشة من نواحي الصّالحة، بدأ حامد عثمان في تأمين مكاسبه تلك، بانيا من حوله حائطا منيعا، لا يتسلل عبره نفر، من بين أولئك المنفيين، وقد ساقته الحيرة وضعف الخيال وخوار القوة، عادة في منتصف الليالي، بمعدة خاوية ورأس ناقلة للأحزان الصغيرة البائسة، بل الفادحة فداحة مثل تلك الشائعة، التي تفيد، بتحول الرفيق لورد الله الفقير، والعياذ بالله، إلى "شاذ". كذلك لم يكن حامد عثمان وقتها في وضع قد يتقبل فيه أخفّ إعاقة. كان بحاجة ماسة كمحدث نعمة للعزلة والصفاء لترميم ما أحدثه الفقر وقهر المنفى وسوء الفهم والحرمان طويلا بداخله. والفلسفة كذلك لم تكن تنقصه. "يا شكر الأقرع". خاطبني مرة. وقال: "هنالك حواس في كياني غير النظر لا تزال ظامئة جائعة تتطلع ضامرة خائرة للرواء والشبع. أما ذلك المتحفز، بأنيابه القاطعة، ونظراته الحمراء المتأهبة، وأظافره الحادة المسنونة، فلم يكن سوى حنيني المجنون ذاك، إلى مجرد.. قطع حديثه بغتة، وقد بدا كما لو أنّه يتلمس وجود أشياء مترسبة هناك في قاع نفسه.. وأكمل: "لمس امرأة". كان حامد عثمان يسير لحظتها وباختصار في اتجاهه ذاك المرسوم والمخطط له طويلا بدقة، ناسجا الشراك، في عزلة الطابق العاشر، وفي هدوء مكتبه الفخم ذاك، لمها الخاتم. أنثى جرَّبت شراك الخديعة، ولم تفق من آثار توابعها بعد، فما حدث لها لم يكن مجرد كبوة يعقبها نهوض، كان شرخا في جدار الروح لا سبيل إلى ترميمه، أو رأبه بالمرة، إلا بمعجزة. ولم يكن أمام حامد عثمان ثمة من سبيل متاحة أخرى للوصول لنقل مباشرة "إلى ساقي مها الخاتم"، والحال تلك من دمار خلّفه الماضي على روحها، سوى القيام بتمثيل دور الضحية. أما الصّلات بين المُصابِة والمُصابة فوشيجة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.