جهاز المخابرات العامة يدفع بجهود لجنة نقل الرفاة للمقابر    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    شاهد بالفيديو.. سيدة سودانية تشكو في بث مباشر: زوجي يخونني ويقيم علاقة غير شرعية مع زوجة إبن عمه التي حملت منه وهكذا جاءت ردة فعلي!!    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سعادة السيد وزير المالية المحترم ،،، الحكومة و زمرتها هم المستهلكون
نشر في الراكوبة يوم 28 - 12 - 2015

وجد حديث السيد وزير المالية الأستاذ بدر الدين محمود، عن اتجاه الحكومة التدرج في رفع الدعم عن المحروقات والقمح والكهرباء في العام المقبل مع زيادة الأجور والمرتبات ودعم الشرائح الضعيفة واصفا الشعب بأنه أصبح مجرد شعب مستهلك غير منتج، كثير من النقد و الامتعاض و السخرية و اعتبروه إساءة للشعب. و معظم من كتبوا أو علقوا قد أجمعوا علي أنه إذا تم التسليم بفرضية أن الشعب أصبح بالفعل شعبا مستهلكا فالحكومة و من لفَّ حولها من تجار المؤتمر الوطني هم من يتحمَّلون مسئولية ذلك بالدرجة الأولي نتيجة للفساد و الثراء الفاحش و الصرف البذخي غير المنتج علي الأمن و الحرب و السلع الإستهلاكية و الكمالية من قبل الزمرة الحاكمة و عصبتها و كذلك نتيجة لفشل الإنقاذ في إدارة الاقتصاد و تدمير القطاعات الإنتاجية و تحويل مناطق الإنتاج التقليدي إلي ساحات واسعة للحروب و القتل و السلب و النهب و تبديد موارد البلاد الطبيعية.
لا تكمن المصيبة الكبري في الإساءة للشعب فلطالما تلقي شعبنا الكريم شتي ضروب السب و اللعن و التحقير و الألفاظ النابية من أعلي قمة سلطة الإنقاذ إلي أدناها و سيأتي اليوم الذي يسترد فيه الشعب كرامته و يحاسب كل من أساء إليه خلال سنوات القهر و الظلام. لكنها (أي المصيبة الكبري) تكمن حقيقة في جهل صاحب الحديث الذي يكشف عنه الحديث نفسه فما بالك إن كان قائله هو وزير المالية و التخطيط الإقتصادي شخصيا الذي من المفترض أن يكون من أكثر الناس إلماما و فهما أولا: بعلم الإقتصاد و مصطلحاته بوجه عام، و ثانيا: بواقع الإقتصاد السوداني فهما عميقا نافيا للجهالة بوجه خاص. و لكن يبدو أن سعادة الوزير يفتقد الإثنان.
فمن ناحية الإلمام بمبادئ الإقتصاد و مصطلحاته فالاستهلاك لا يعتبر عيبا حتي يتم تعيير الناس به بل هو أحد مكونات الدخل القومي لأي بلد من البلدان و أحد أهم مؤشرات الرفاهية أما الجزء الآخر من الدخل القومي يتمثل في الادخار. فكلما زاد الاستهلاك كلما انخفض الإدخار و العكس صحيح كلما زاد الإدخار كلما إنخفض الإستهلاك. و الإستهلاك يعبِّر عن الإنفاق الحكومي أو الأسري الجاري علي السلع و الخدمات أما الادخار فهو الفرق بين الدخل الجاري المتاح و يمكن التصرف به والجزء المخصص من الدخل المتاح لشراء السلع و الخدمات. و قد يزيد الإستهلاك أو الإنفاق و يتجاوز الدخل المتاح للفرد أو الحكومة و لكن في هذه الحالة يكون الإقتصاد في حالة إدخار سلبي حيث يستمر في الإنفاق علي السلع و الخدمات بالبيع من المدخرات السابقة سواء كانت مدخرات سائلة كالودائع النقدية و السندات و أذون الخزانة أو الأسهم المدرجة في سوق الأوراق المالية و غيرها أو مدخرات عينية في شكل أراضي و عقارات و غيرها من الأصول الثابتة و هو ما يعبَّر عنه في فلكلور الشعب السوداني بمقولة (ناكل من سنامنا).
و بعبارة أخري فإن الاستهلاك هو ذلك الجزء من الدخل الذي يتصرف به الإنسان لإعادة دورة إنتاج قوة عمله واستمرار الحياة والتكاثر و ديمومة دورة إعادة إنتاج الدخل، فإذا توقف الاستهلاك توقفت عمليات البيع والشراء والبناء وتوقف الإنتاج، أي أن الحياة الإقتصادية و الإجتماعية للبشر لا يمكن لها أن تستمر بدون الاستهلاك. و بالتالي فإن الإستهلاك هو أحد أهم مبادئ الإقتصاد و أهدافه الاسترتيجية ليس فقط في تحسين معدلاته بل أنماطه أيضا.
و إذا كان الطلب الكلي علي السلع و الخدمات في المجتمع يساوي الإستهلاك الكلي (الحكومي و الأسري) و الإستثمار الكلي (الحكومي و الأسري) فإن أي إنخفاض في الاستهلاك الأسري يؤدي حتما إلي إنخفاض الطلب على السلع والخدمات مما يؤدي لإنخفاض المعروض من تلك السلع و الخدمات الأمر الذي يدفع الاقتصاد للدخول في مرحلة الركود الاقتصادي و العكس صحيح كلما زاد الإستهلاك كلما أدي ذلك إلي زيادة الطلب الكلي و دفع الإقتصاد نحو الرواج.
صحيح أن زيادة معدلات الإستهلاك في الوقت الحالي قد لا تستطيع دفع عجلة الإنتاج و زيادة الصادرات و تخفيض فاتورة الاستيراد لأن المشاكل التي تعانيها القطاعات الإنتاجية مشاكل هيكلية مرتبطة مباشرة بسياسة الدولة و أسلوبها في إدارة الإقتصاد و ليس لها علاقة بالعرض و الطلب و آليات السوق فتدهور الإنتاج يعود بشكل أساسي لارتفاع تكلفة الإنتاج نتيجة للضرائب و الرسوم و الجبايات و الأتوات و عدم عدالة علاقات الإنتاج التي تحكمها قوانين جائرة غير منصفة للمنتج و علي رأسها قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005م الذي يمثل أحد أهم مشاكل الإنتاج في مشروع الجزيرة و بدون الغائه لن تقوم للمشروع قائمة إلا إذا تغير هذا النظام.
و بالتالي يا سعادة الوزير لا يجوز أن تُعيِّر الشعب باستهلاكه و معاناته اليومية من أجل اكتساب أسباب بقائه برغم ضيق الحال. و أعتقد أن دورك كوزير للمالية أن تعمل علي الإرتقاء بمستوي معيشة الناس و تحسين معدلات الإستهلاك الأسري و أنماطه. المقصود هنا بالطبع الاستهلاك الطبيعي (مع ثبات كافة العوامل الأخري علي ما هي عليه) الذي يتأثر بمحددات تغير الدخل و مستوي أسعار السلع و الخدمات و معدل سعر الفائدة و تشكيلة و وفرة السلع و الخدمات و كذلك تغير العادات و التقاليد. أما المحددات الأخري غير الطبيعية للإستهلاك المتمثلة في الفساد و استغلال المناصب و القمع و حماية النظام الديكتاتوري و الصرف البذخي و التباهي و التفاخر للبطانة الفاسدة التي تحيط به فسوف ياتي التطرق لها لاحقا في هذا المقال.
أما من ناحية الفهم العميق لواقع الاقتصاد السوداني فعلي ما يبدو أن سعادة الوزير لا يعلم أن معدلات الاستهلاك أو الإنفاق الأسري علي السلع و الخدمات في بلادنا تعتبر من أقل المعدلات و أن معظم الأسر تخطت مرحلة الإدخار السلبي و باعت كل ما تملك من أجل مواصلة البقاء و لم يبقي لها من سناماتها ما يسد الرمق و دخلت مرحلة العيش تحت خط الفقر. فإذا كان الحد الأدني للأجور بعد مضاعفته من قبل سعادة المشير بتاريخ الأحد الموافق 30/12/2012م من 165 جنيه إلي 425 جنيه و هو ما يعادل حوالي 39 دولار بسعر 11 جنيه للدولار الواحد. أي أن الدخل اليومي للفرد يعادل 1.3 دولار يوميا علما بأن الأمم المتحدة قد حددت خط الفقر بدولارين في اليوم، أي أن الفرد الذي يحصل على راتب شهري مقداره 60 دولاراً هو عند خط الفقر بمعني أن الحد الأدني للأجور في بلادنا هو أدني من المستوي المتعارف عليه عالميا لخط الفقر. و هذا ما أكده أخر مسح للفقر قام به الجهاز المركزي للإحصاء عام 2009م في شمال السودان حيث أظهرت نتائجه أن 46,5% من السكان في شمال السودان تحت خط الفقر منهم 26.5% من سكان الحضر و 57.6% من سكان الريف. هذا فقط حتي عام 2009م أما إذا قام الجهاز المركزي للإحصاء بمسح الفقر الذي كان مقررا له عام 2014م ستكون نتائجه بلا شك كارثية و لا نتوقع أن تكون نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر أقل من 70%. و حسبما جاء في الجزيرة نت (موقع قناة الجزيرة) بتاريخ 16 يوليو 2014م فقد أعلنت الأمم المتحدة أن 50% من السودانيين يعيشون تحت خط الفقر، وهو ما يعادل 15 مليون سوداني، وتحتضن العاصمة الخرطوم أكثر من رُبع فقراء البلاد في ظل ظروف معيشية توصف بالصعبة جراء ارتفاع الأسعار وتراجع الدعم الحكومي والمساعدات و أن 70% من السودانيين يعانون من صعوبات في الحصول على حاجياتهم الأساسية مثل الماء والغذاء والتعليم والعلاج، و أن الخدمات الصحية لا تغطي سوى 40% من السودانيين، و أن دائرة الفقر اتسعت بشكل غير مسبوق بسبب تدهور الاقتصاد وارتفاع الأسعار مع انخفاض قيمة الجنيه السوداني، وقد بلغ عدد المحتاجين إلى مساعدات إنسانية عاجلة حوالي 7 مليون نسمة، و أن ما تحتاجه منظمات الإغاثة بالسودان يبلغ 982 مليون دولار لتوجه بصفة عاجلة إلى 6.9 مليون نسمة، أي خُمس إجمالي السكان.
كيف يكون الشعب مستهلكا يا سعادة الوزير مع هذه الأرقام الكارثية و هذا المستوي المتدني من الأجور و أسعار السلع و الخدمات في حالة زيادات متواصلة. ففي جولة قامت بها الشرق الأوسط في بعض الأسواق بتاريخ 11 أكتوبر 2015م وصل سعر عبوة الحليب المجفف سعة 2.5 كيلو 240 جنيها تمثل 56% من الحد الأدني للأجور، و أن سعر كيلو السكر 7.5 جنيه و كيلو دقيق الخبز 6 جنيه و تتراوح أسعار اللحوم من 40 إلي 70 جنيه للكيلو حسب النوع و المنطقة و سعر كيلو الطماطم يتراوح ما بين 30 إلي 50 جنيه و كيلوم البطاطس 12 جنيه أما سعر الليمون فحدث و لا حرج جنيه واحد صحيح بالتمام و الكمال لليمونة الواحدة.
و إذا سلمنا جدلا بصحة نظرية توماس روبرت مالتوس بأن الفقراء أنفسهم هم المذنبون و هم السبب الرئيسي فيما يعانون و يعيشون من جوع و فقر بل هم أيضا سببا فيما يعيشه المجتمع من أزمات اقتصادية و عليهم تخفيض معدلات الإنجاب من أجل تحسين أوضاعهم الإقتصادية، (و هو باختصار مضمون المشروع الحضاري و مضمون حديث السيد الوزير و قد سبقه عليه من قبل أحد نواب البرلمان المضروب و كذلك الطفل المعجزة مصطفي عثمان اسماعيل و من قبلهم جميعا سعادة المشير نفسه)، فإن إحصاءات البنك الدولي تشير إلي أن معدل النمو السكاني في السودان قد إنخفض إنخفاضا مريعا من 4.25% عام 1995م إلي 2% عام 2010م و أن معدل الخصوبة أيضا قد إنخفض بنفس الدرجة من 6.2 مولود للمرأة الواحدة إلي 4.49 مولود خلال نفس الفترة. و ذلك برغم مجهودات الإنقاذ البائسة لزيادة النسل عن طريق حفلات الأعراس الجماعية و التشجيع علي تعدد الزواجات الذي لم تجني منه بلادنا غير زيادة معدلات الطلاق و التفكك الأسري. فقد زادت حالات الطلاق من1107 حالة عام 1989م إلي 57,870 حالة عام 2008م وفقا لإحصاءات السلطة القضائية في السودان حسبما جاء في جريدة الإنتباهة بتاريخ 26/03/2013 بقلم فتحية موسي السيد).
الصحيح هو أن الذي تحول إلي مستهلك و غير منتج هو الحكومة و مؤسساتها و الزمرة الفاسدة التي تحيط بها و هو ما لا يقوي علي قوله سعادة الوزير. فعلي الرغم من أنه كلما انخفض الدخل انخفض الاستهلاك و بالتالي من الطبيعي أن تعيد الأسرة أو الحكومة إعادة تكييف أوضاعها مع انخفاض الدخل و ترشيد الاستهلاك و ترتيب أولوياتها إلا أنه علي ما يبدو أن الحكومة و زمرتها يؤمنون بنظرية ملتون فريدمان عرّاب مدرسة النقد أو مدرسة شيكاغو التي تقضي بأن الاستهلاك العائلي يتحدد بالدخل المتوقع الحصول عليه خلال فترة طويلة في السمتقبل أو الدخل الدائم، فالفرد ينفق حسب دخله الدائم أو المستمر فإذا انخفض دخله فلن يخفض استهلاكه ويضطر للاستدانة. فبرغم واقع الإقتصاد المتردئ و اتساع دائرة الفقر فإن الحكومة لم تغير من حجم و نمط استهلاكها فهو لا يزال يتركز علي الأمن و الحرب و الصرف البذخي علي أجهزة الدولة المترهلة لحماية سلطتها الديكتاتورية و كسب تأييد المريدين و الحاشية. فخصم جالون بنزين واحد من كل دستوري يوفر 21.6 مليار جنيه سنويا لخزينة الدولة كما جاء في الراكوبة بتاريخ اليوم 28 ديسمبر 2015م بعنوان (وهل ستصمد هذه الموازنة لحمل كل هذه الاثقال؟ - بقلم دكتورة سعاد إبراهيم عيسي). علما بأن الإنفاق الحكومي علي الأمن و الحرب و أجهزة الدولة يتم تمويله من عرق الشعب و نضاله اليومي من أجل كسب الرزق، في شكل ضرائب، أو في شكل استدانة و قروض من الجهاز المصرفي و من الخارج، أو من خلال التوسع في إصدار صكوك الاستثمار و شهادات شهامة و أخواتها، و كله يتحمله الشعب في نهاية المطاف. أما حاشية السلطان من تجار المؤتمر الوطني و أزيالهم و من لف حولهم فهم أيضا لن يغيروا حجم و نمط استهلاكهم و صرفهم علي الجاه و النعيم و الترف و التباهي و التفاخر و يمولون ذلك من خلال مخصصات الدولة و من خلال سرقة المال العام و من البنوك التي تفتح لهم أبوابها علي مصراعيها دون ضوابط أو قيود و بشروط ميسرة و بدون ضمانات أو (ضمانه إيمانه) كما يقولون. المسألة باختصار يا سعادة الوزير أن الشعب هو الذي ينتج و يكدح و الحكومة و زمرتها هما اللذان يحصدون ثمرات عرقه و يستهلكونها في شراء آلة القمع و البطش التي يجلد الشعب بها لتبقيهم في قصورهم العاجية و في التمتع بما طاب و لذ من الطعام و النساء و المزارع و القصور و السيارات الفارهة و السفر و السياحة في أوروبا و آسيا و غيرها من أرض الله الواسعة.
هذه هي الأخبار السيئة أما الأخبار الأكثر سوءا و لا يعلمها سعادة الوزير أن الحالة الإقتصادية التي تعيشها بلادنا اليوم تحت حكم الإنقاذ هي حالة التضخم الركودي أو ما يصطلح عليه بال (Stagflation) و هو أصعب الحالات الإقتصادية و أكثرها تعقيدا و التي لا تحدث إلا في البلدان الأكثر فسادا و أكثر تخلفا و فقرا. فإذا كان التضخم هو عبارة عن كمية كبيرة من النقود تتسابق علي كمية محدودة من السلع و الخدمات مما يدفع بأسعارها للارتفاع فهو أيضا يعرَّف بأنه كمية كبيرة من الوظائف الشاغرة يتسابق عليه عدد محدود جدا من الباحثين عن وظائف. بمعني أن العلاقة بين التضخم و البطالة علاقة عكسية فكلما زاد التضخم كلما انخفض معدل البطالة و العكس صحيح. ألا أن حالة الاقتصاد في بلادنا عكس ذلك حيث أصبحت العلاقة بين التضخم و البطالة علاقة طردية فبينما تزيد معدلات التضخم لتصل إلي 24.3% يزيد أيضا معدل البطالة ليصل إلي 18.8% علما بأن نسبة البطالة المسموح بها و تعتبر مقبولة عالميا هي 2%. بمعني أن ارتفاع الأسعار أو التضخم ليس نتيجة لارتفاع الطلب فمعدل البطالة مرتفع و مستوي الأجور متدني جدا و معدلات الفقر متزايدة و بالتالي فإن الطلب علي السلع و الخدمات منخفض.
هذا الوضع الصعب يضع سعادة الوزير في جحر ضب يصعب الخروج منه. فإذا قام بالعمل علي زيادة معدلات الإستهلاك فلن يؤدي ذلك إلي زيادة الإنتاج (لأن مشاكل الإنتاج كما أسلفنا لا علاقة لها بآلية العرض و الطلب في الوقت الحالي) بل سيؤدي إلي زيادة قيمة فاتورة الإستيراد من الخارج و هو ما سيؤدي إلي مزيد من الإرتفاع في الأسعار و في نفس الوقت مزيد من الإنخفاض في قيمة العملة المحلية. أما إذا قام بالعمل علي تخفيض معدلات الإستهلاك الأسري بتخفيض الأجور أو زيادة الضرائب أو زيادة معدل الفائدة لتشجيع الإدخار فإن كل ذلك ينعكس علي المنتجين و علي المستوردين و ستظل الأسعار كما هي في حال إرتفاع دائم.
أما إذا حاول الحديث عن تخفيض الإنفاق الحكومي علي الأمن و الحرب و الصرف البذخي فسيجد نفسه ملفوظا خارج الوزارة من حيث يدري و لا يدري. فما هو فاعل يا تري؟
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.