"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحزب الشيوعي والنقاء السياسي الزائف
نشر في الراكوبة يوم 03 - 02 - 2022

منذ خروجه من كتلة الاجماع الوطني وقوي الحرية والتغيير في نوفمبر 2020م ، نفض الحزب الشيوعي يده عن كل ما يحدث بالفترة الانتقالية منذ 17 يوليو 2019م مدعياً البراءة عن كل ما آلت اليه الفترة الانتقالية متنكراً عن أي دور له في ذلك ، بل ودشن حملة صريحة لإسقاط حكومة د. عبد الله حمدوك منذ 16 يونيو 2021م ، تحت دعاوى ان الحكومة الانتقالية تنكرت لأهداف الثورة ، وانها تقود البلاد الى الهاوية بسبب السياسات الاقتصادية التي تتبعها .
وقائع الاحداث منذ 11 ابريل 2019م وحتى 11 نوفمبر 2020م لا تعفي الحزب الشيوعي من مسئوليته الفعلية والاخلاقية فيما آلت اليه الفترة الانتقالية . فهو شريك اصيل لقوى الحرية والتغيير خلال هذه الفترة، له ما لها ، وعليه ما عليها ، مهما كان رايه او تحفظه عما كان يجري خلالها . وهذه الفترة التي امتدت زهاء 15 شهراً بعد تكوين اول حكومة ، تمثل الفترة التأسيسية للفترة الانتقالية، وشملت كل فترة الحكومة الاولي وجزء من فترة الحكومة الثانية . وعليه ليس هنالك ما يجعل الحزب الشيوعي في موضع القاضي المحايد ومالك الحكمة فيحاكم ويُخوِّن شركاءه السابقين كما يشتهى ، ويبرئ نفسه من أي مسئولية ، ثم يتمنَّع الآن عن الجلوس مع شركاءه السابقين الا وفق شروط . لم تكن صحيفة الحزب السياسية بهذا النقاء المدعي ولم تكن رؤاه هي الحكمة المنشودة ، لا خلال الفترة الانتقالية ولا حتى قبلها . فوقائع الاحداث خلال ما انقضى من الفترة الانتقالية تجعل الحزب علي نفس القدر من تحمل المسئولية ، بل ربما زاد عليهم بمساهمته في تشظى قوى الحرية والتغيير وانقسام تجمع المهنيين . وحتى لا يكون الحديث مرسلاً دون سند نعيد الوقائع الموثقة التالية التي تم ايرادها في مقال سابق [1] والتي توضح المشاركة الفعلية للحزب الشيوعي في اهم فترات الانتقال والتي لا تعفيه عما يحدث :
* رغم ان الحزب اصدر بياناً في 12 ابريل 2019م اكد فيه انما حدث هو انقلاب عسكري ، الا انه وافق من خلال عضويته في الحرية والتغيير عبر كتلة الاجماع الوطني ، التفاوض مع المجلس العسكري ، وكان عضو الحزب المهندس صديق يوسف احد اعضاء الوفد المفاوض عن كتلة قوى الاجماع الوطني ، في كل مراحل التفاوض . وهذا يعني ان الحزب يعترف بالمجلس العسكري وشرعيته ، والا لما وافق على التفاوض معه . اذا كانت رؤية الحزب واضحة ومبدئية ، كان يتوجب عليه وفق بيانه ان يرفض أي مفاوضات مع الانقلابيين ، والخروج من الحرية والتغيير منذ تلك اللحظة ومواصلة نضاله حتى تحقيق اهدافه كما يقول . ولكن ان يتأرجح لأكثر من سنتين بين المشاركة وعدم المشاركة او المشاركة الجزئية في مؤسسات السلطة الانتقالية ، ثم بعدها يقرر ان الحكومة تنكرت لأهداف الثورة ويجب اسقاطها ، فهذه كانت من المواقف التي ساهمت في اضعاف قوى الثورة لصالح اعداء الثورة .

* رغم ان الحزب قد وافق ضمن عضويته بقوي الحرية والتغيير عبر كتلة الاجماع الوطني مواصلة التفاوض مع المجلس العسكري بعد مجزرة اعتصام القيادة ، والوصول معه لاتفاق 5 يوليو 2019م ، والذي افضى الى الاتفاق السياسي في 17 يوليو 2019م ومن ثم الوثيقة الدستورية في 17 أغسطس 2019م ، وكان القيادي بالحزب المهندس صديق يوسف عضواً بالمفاوضات ، الا ان الحزب اصدر بياناً في 17 يوليو 2019م رافضاً الاتفاق السياسي مسمياً المجلس العسكري بالمجلس الانقلابي ، وقد نسي انه منحه الشرعية بمجرد الجلوس والتفاوض معه. وهذا تناقض لا يليق بحزب يدعى الحكمة ثم يرمي باللائمة على الاخرين .

* بينما يري القيادي بالحزب الشيوعي المهندس صديق يوسف في حوار معه بصحيفة الجريدة السودانية ان الاتفاق الذي تم بين قوي الحرية والتغيير والمجلس العسكري في 5 يوليو 2019م ، انتصاراً لقوي الحرية والتغيير واعتبر ان قوي الحرية والتغيير حققت 7 من 10 في هذ الاتفاق [2] ، والان يتنصل الحزب عن اية مسئولية له عن هذا الاتفاق ويضعها كلها على الحرية والتغيير ، ثم يؤسس على كل ذلك محاكمته لها ورفض الجلوس معها الا بشروط .

* بينما نفي القيادي بالحزب الشيوعي الدكتور صدقي كبلو في المؤتمر الصحفي للحزب الشيوعي بتاريخ 16 يونيو 2021م ان الحزب لا يشارك في السلطة الانتقالية ، قال القيادي الاخر بالحزب المهندس صديق يوسف في 20 ديسمبر 2019م : "الحزب الشيوعي ليس لديه أي عضو في مجلس الوزراء لكنه مشارك مع قوي الحرية والتغيير في وضع السياسات واللقاءات مع الوزراء ويقدم المقترحات في شتي القضايا ، ويساهم يومياً في كل الاعمال التي تتطلب راياً وتصورا ولقاء على المستويات كافة" [3]. وهذا يجعل من الحزب شريكاً فعلياً في الفترة منذ تكوين اول حكومة وحتي قبيل خروجه من الحرية والتغيير في 11 نوفمبر 2020م . وبالتالي فهو مسئول مثل قوي الحرية والتغيير تماماً في كل مخرجات الفترة الانتقالية حتى الان .

* ما يثبت ان الحزب الشيوعي كان شريكا اصيلاً في للحرية والتغيير الفترة الانتقالية وحريصاً على وحدة قوى الثورة هو موقفه من حزب الامة عندما جمد عضويته بالحرية والتغيير . ففي 3 مايو 2020م اصدر الحزب الشيوعي بياناً يطلب فيه من حزب الامة العدول عن موقفه من تجميد عضويته بتحالف الحرية والتغيير جاء فيه : " رغم أننا نقر حق قيادة حزب الامة في اتخاذ قراراتها من موقعها المستقل الذي تراه مناسبا ، لكننا نرى أنه بحكم موقعنا المشترك في تحالف قوى الحرية والتغيير خاصة في هذه المرحلة المفصلية في مسيرة الثورة ، وبعد انتصار ثورة ديسمبر في إزاحة قمة النظام وحزبه السياسي، وبداية السير في عملية تفكيك النظام واستعادة ممتلكات الشعب ومحاربة الفساد ، وما نتج من حوارات ثلاثية تم فيها تقييم مسيرة الثورة وأداء سلطتها والاتفاق على مصفوفة للإصلاح وتسريع انجاز المهام وطرح تلك المصفوفة للتنفيذ. نرى أنه من المهم في هذا الوقت الحرج وقوى الثورة المضادة من فلول النظام البائد خارج وداخل الدولة تتحفز لضرب مكتسبات الشعب وإعادة عجلة التاريخ للوراء ، وضع الهم الوطني العام فوق كل مصالح ومطامح أي فئة كانت … نحن في الحزب نحذر من مغبة انقسام قوى الثورة الذي يساعد أعداء الثورة من فلول النظام السابق، ويعرض مكاسب الثورة للخطر" [4]. وفي نوفمبر 2020م تغير موقف الحزب الي النقيض تماماً عما جاء في البيان اعلاه ، فانسحب من تحالف الحرية والتغيير بل ومن كتلة الاجماع الوطني، مقسِّماً لقوى الثورة ومعرضاً مكاسبها للخطر! وفي يونيو 2021م اعلن بكل وضوع العمل على اسقاط الحكومة جنباً الى جنب مع قوى الثورة المضادة من فلول النظام البائد! ولا ندري هل اختل معيار " الهم الوطني العام" لدي الحزب حتي يقع هو نفسه فيما حذر منه حزب الامة؟ والان يتقمص دور البريء عن كل ما حدث ويترفَّع حتى عن الجلوس مع شركاءه السابقين للاتفاق على رؤية موحدة في وقت اكثر ما تكون فيه قوى الثورة للوحدة.

خروج الحزب نفسه من قوي الحرية والتغيير كان احد الاسباب التي اضعفت قوي الثورة لصالح القوي المعادية للثورة . اضافة لذلك الانقسام الذي حدث بتجمع المهنيين والذي كان للمنهجية التي يتبعها الحزب الشيوعي في اختراق الكيانات المهنية والمدنية ، دور فيه. فهذا الانقسام ربما كان اثره في اضعاف قوى الثورة اكبر حتى من خروج الحزب الشيوعي نفسه من قوي الحرية والتغيير ، ذلك للرمزية التي كان يمثلها تجمع المهنيين ضمن قوى الثورة . وعليه من وجهة نظر كاتب المقال ، فالحزب يتحمل جانب من مسئولية ضعف وتمزق قوي الثورة لصالح القوى المضادة للثورة.
هذا هو الحزب الشيوعي يدعي الفضيلة وهو غارق في الخطايا . فافضل الادوار التي ظل يلعبها الحزب الشيوعي منذ اول محك سياسي تعرضت له الاحزاب السودانية ابان اتفاقية الحكم الذاتي 1953م وحتى الان ، هو ادعاءه النقاء السياسي الزائف وامتلاك الحقيقة وهو ملوث من قمة راسه الى اخمص قدميه بادران السياسية السودانية منذ ذلك الحين وحتي الان . فيما يلي بعض الامثلة الي توضح ذلك، اوردها الكاتب في نفس المقال السابق [1] ، نعيدها هنا بشيء من التصرف :

* في العام 1953م اتخذ الحزب الشيوعي موقفا سلبياً من اتفاقية الحكم الذاتي يشبه ، ثم لاحقاً انتقد موقفه واعترف بالخطأ للحفاظ على نقاءه السياسي المدعى . فقد جاء في ادبيات الحزب [5]: "… ورغم أن الحزب الشيوعي كان الوحيد الذي نظر لاتفاقية فبراير 1953م نظرة ناقدة وكشف عيوبها مثل : السلطات المطلقة للحاكم العام ، وتأجيل الاستقلال لمدة ثلاث سنوات ، ولكنه انتقد موقفه الخاطئ منها من زاوية أنه لم ينظر لجوانبها الايجابية باعتبارها كانت نتاج لنضال الشعب السوداني ، وأن المستعمرين تحت ضغط الحركة الجماهيرية تراجعوا". هذا الموقف الغريب الرافض لاتفاقية الحكم الذاتي ، كان هو اول محك حقيقي يختبر منهجية الحزب في اتخاذ مواقفه تجاه القضايا الوطنية الكبرى ، وكانت النتيجة مخيبة . وأظهرت هذه الحادثة عاهة الحزب التي ولد بها ولازمته حتي الان، وهى التنظير في كل مسألة وفقاً لأولويات ثوابته الايدولوجية الحزبية وليس وفقاً لأولويات المصلحة الوطنية .
* موقفه التبريري والبراغماتي تجاه انقلاب 25 مايو 1969م . ففي بيانه الصادر بعد انقلاب مايو 1969م بساعات اقر قادة الحزب ان "ما جري صباح اليوم انقلاب عسكري وليس عملاً شعبياً مسلحاً قامت به قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية عن طريق قسمها المسلح" [5] ، ولكنه يجمِّل مشاركته فيه بمبررات تنطوي على خداع للنفس وجماهير الحزب مدعياً: "دعم وحماية هذه السلطة (سلطة مايو الجديدة) ضد خطر الثورة المضادة" [6] ، وهكذا يشارك الحزب الشيوعي في دعم وحماية انقلاب مايو بحجة قطع الطريق على قوى "الثورة المضادة" ليظل في حالة وهم النقاء السياسي الذي يدعيه ، وحتى لا يُتهم بانه يقر مبدأ الانقلابات العسكرية كوسيلة للوصول الى السلطة.
* عندما فشل الحزب في السيطرة علي انقلاب مايو 1969م وتوجيهه وفق اهدافه، توترت العلاقة بينه وسلطة مايو وعندها "رأى عبد الخالق محجوب الأمين العام للحزب ضرورة النضال الحزبي لتطبيق الشيوعية واعلان حكم شيوعي في السودان وسانده ثلاثة من مجلس قيادة الثورة وهم من الشيوعيين" [7] ، فكان انقلاب 1971م . والحزب الشيوعي الذي يُخّون بعض منسوبيه قوى الحرية والتغيير ، هل قدم اعترافاً موضوعياً عن دوره في انقلابي 1969م و1971م وتداعياتها خاصة تلك المرتبطة بكارثة بيت الضيافة ، بعيداً عن دور البراءة والنقاء الذي ظل يتقمصه؟
* ظل الحزب منذ 11 ابريل 2019م وحتى 11 نوفمبر 2020م ، يلعب لعبته المفضلة والتحرك في المنطقة الرمادية وتوزيع الادوار بين واجهته الحزبية وواجهته كعضو بتحالف الحرية والتغيير عبر كتلة الاجماع الوطني. حيث يقوم بدور المعارض والشريك في الحكم في نفس اللحظة. فبينما يشارك في المفاوضات كعضو بالحرية والتغيير ممثلاً للإجماع الوطني مع المجلس العسكري والتوافق معه في كل ما افضي الي الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية ، ولاحقاً المشاركة في الحكم فعلياً كحاضنة سياسية للحكومة من خلال عضويته بالحرية والتغيير حتى11 نوفمبر 2020م ، نجد المكتب السياسي للحزب يقوم بدور المعارض واصدار البيانات . وبعد ان فشل في توجيه مسار الثورة وفق لما يشتهي قرر الانسلاخ عن الحاضنة السياسية للحكومة والعمل على اسقاطها بالوسائل السلمية كما صرح قادته في 16 يونيو 2021م. والان بعد انقلاب 25 اكتوبر ، يظهر الحزب في دور الحكيم الذي كان محقاً في مواقفه تجاه الحكومة الانتقالية ويجب الآن ان ينصاع الجميع لرؤيته ، وهو في الحقيقة كان مشاركاً اصيلاً فيها منذ التأسيس وحتى 11 نوفمبر 2020م ، ويتحمل المسئولية كالأخرين تماماً في كل مخرجات الحكومة الانتقالية نجاحاً او فشلاً. فرفض الحزب للوثيقة الدستورية في 17 يوليو 2019م كما يقول ، كان يحتم عليه الخروج عن الحرية والتغيير منذ ذلك التاريخ ، اما وقد ظل ضمن التحالف كحاضنة للحكومة ومشاركاً فيها بالراي والمشورة ، فهو اذاً مشارك اصيل ومن غير الاخلاقي التنصل عن هذه المسئولية وتقمص دور البريء والتحاف نقاءً سياسياً زائفاً عندما تتعثر مسيرة الثورة .
* يتحدث الحزب الشيوعي كثيرا عن الديمقراطية ووقوفه ضد الانقلابات العسكرية والانظمة الديكتاتورية ، ولكنه الحزب الوحيد من الاحزاب ذات الثقل السياسي في السودان الذي شارك في جميع الانظمة الانقلابية ابتداءً من نظام الديكتاتور عبود (1958م – 1964م) [8] ، مرورا بنظام الديكتاتور نميري (1969م – 1985م) [3] ، وانتهاءً بالنظام الإسلاموي المستبد (1989م – 2019م) [9] . برر مشاركته في نظام عبود قائلاً : "أننا نعلم الطبيعة الرجعية للمجلس المركزي ومن أجل هذا علينا أن نفضحه من الداخل وأن نسخره ما أمكن كمنبر للدفاع عن الديمقراطية ولمخاطبة الجماهير التي حرم حزبنا من الوصول إليها نتيجة مصادرة الحقوق الديمقراطية واستنهاضها من أجل حقوقها ومن أجل الإطاحة بالنظام الراهن وقيام حكومة وطنية ديمقراطية" ثم لاحقاً اصدر بيانا اخر كشف فيه خطأ قراره هذا [10] . اما مشاركته في نظام مايو بيِّنة ولا تحتاج لمزيد من التوضيح وموثقة [6]و[7]. اما الكارثة فكانت مشاركته في النظام الاسلاموي وبرر ذلك قائلاً: "قررنا دخول المجلس الوطني والمجالس الولائية لأنه يمكننا إسماع صوتنا للجماهير والتعبير عن مصالحها" [9]. فليس هنالك من ادران السياسية اسوا من ذلك. فليتواضع الحزب الشيوعي وليبتعد عن ادعاء امتلاكه الحكمة والنقاء فهو ملوث بشوائب الديكتاتوريات التي ظل يُجمِّل برلماناتها خلال الستين سنة الماضية.

حسب رؤية الكاتب وما أورده اعلاه فليس هنالك أي افضلية للحزب الشيوعي تعطيه الحق في فرض شروطه على الاخرين ، وفرض وجهة نظر محددة عليهم ، فكل من آمن بشعارات واهداف ثورة ديسمبر المجيدة هو شريك فيها ، وكل قوي الثورة شريكة بنفس القدر، وليس هنالك "فيتو" لاحد ، ولا يمكن ان تحسم الخلافات والخروج برؤية موحدة الا بالتواضع والجلوس معاً وإعمال ادوات الديمقراطية. فالفترة الانتقالية ليست فترة للحكم وانما لتأسيس مؤسسات الحكم ، ولذا تتطلب التوافق على المشتركات بين مكونات قوى الثورة المختلفة والنأي عن المختلفات ، واعمال الادوات الديمقراطية لحسم الخلافات . وليس من حق أي حزب او كتلة سياسية فرض ايدولوجيتها على الاخرين والا اصبحت فترة صراع علي السلطة لن يفض الى تحقيق اهداف الثورة . فليس من صالح الثورة ان يقوم أي طرف من قوى الثورة بمحاكمة او تخوين الاخرين لأي سبب كان ، طالما الجميع متفق على اهداف الثورة ، فأي خلاف هو تقوية لأعداء الثورة ، فالثورة المضادة تقوى وتتغذى على خلافات قوى الثورة. والان الثورة المضادة في اضعف حالاتها وما يعطيها هذا الثبات الظاهري هو اختلاف قوى الثورة وتفرقها . عليه نامل من الحزب الشيوعي التواضع والجلوس مع قوى الحرية والتغيير وقوى الثورة الأخرى دون وضع شروط مسبقة ، لاتفاق الجميع خلف لجان المقاومة حول هدف موحد .
المراجع :
[1] "الحزب الشيوعي وخالة التوهان السياسي"، سمير محمد علي حمد، 19 يونيو 2021م ، سودانايل. [2] "صديق يوسف : الاتفاق مع المجلس العسكري ناقص ولكن ..."، حوار: محمد الفاتح همة، الجريدة.
https://www.sudanpost.info/%D8%B5%D8%AF%D9%8A%D9%82-%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A-%D9%86%D8%A7/
[3] "صديق يوسف: رئيس الوزراء السوداني ليس شيوعياً"، اسماعيل محمد علي، 20 ديسمبر 2019م، اندبيندت عربية. [4] https://ajwad.news/6044 [5] https://www.facebook.com/431931800554103/posts/708116499602297/ [6] "الوثيقة الملعونة: ما جرى صباح اليوم (25 مايو 1969) انقلاب عسكري"، بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم ، صحيفة سودانايل الالكترونية. [7] د. حسان ريكان خلف و د. عبد الستار جعيجر عبد، "الحزب الشيوعي السوداني ونشاطه في السودان حتي عام 1971م"، مجلة مداد الاداب، العدد 15، ص 307. [8] "عبد الله عبيد والمجلس المركزي (1963): بيسحروك يا ولد"، د. عبد الله علي ابراهيم، 10 نوفمبر 2015م ، الراكوبة. [9] https://sudaneseonline.com/board/80/msg/1127654306.html [10] https://www.facebook.com/permalink.php?id=431931800554103&story_fbid=478805582533391
3 فبراير 2022م
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.