شاهد بالفيديو.. قيادي بالدعم السريع: (مرتزقة من جنوب السودان يسيطرون على مدينة "الفولة" ويطردون قواتنا وأفرادنا عردوا وتركوا نساءهم)    شاهد بالفيديو.. مليشيا الدعم السريع تهدي فنانة "سيارة" بعد أن اتهمت أفراد المليشيا بسرقة منزلها ومنازل المواطنين بالفاشر وساخرن: (العربية مشفشفة يا فنانة)    شاهد بالفيديو.. الناشط السياسي عثمان ذو النون يحكي عن محبة السودانيين بالسعودية له : (أهدوني حلاقة مجانا وعلى الله وساعة وعطور)    مفوضية العون الانساني بسنار تدشن كسوة الأيتام    غوتيريش يخاطب إسرائيل وأميركا: حان وقت إنهاء الحرب    ترامب: سندمر حقل بارس للغاز إذا قررت إيران مهاجمة قطر    للعام التاسع على التوالي.. الفنلنديون أكثر الشعوب سعادة    السيسي يفاجئ الإمارات بزيارة خاطفة.. ويوجه رسالة بشأن الضربات الإيرانية    إيران تضغط على "الفيفا" لنقل مباريات المونديال خارج أميركا    مشيتك تفضحك.. هكذا يعرف الآخرون إن كنت غاضباً أو حزيناً    غارة بطائرة مسيّرة تعبر الحدود من السودان وتوقع ضحايا في مدينة تشادية    والي شرق دارفور يتفقد الطلاب الواصلين للنيل الابيض لاداء امتحانات الشهادة الثانوية    من المستشفى.. منة عرفة تعلن تعرضها ل وعكة صحية شديدة    القوات المسلّحة السودانية تعلن استرداد محطة مهمة    تشاد تتوعد بالرد على الهجوم على بلدة الطينة    المريخ ينازل موهانقا وعينه على إعتلاء الصدارة    لجنة المنطقة الجنوبية تصدر برمجة الدورة الثانية لدوري الدرجة الثالثة الجنوبية بكوستي    عثمان ميرغني يكتب: السودان وتحدي توحيد السلاح    بالصورة والفيديو.. ناشطة سودانية تحكي قصة ارتباطها وزواجها من نجم السوشيال ميديا "برهومي": (الشاريك وعايزك بحارب عشانك وعمرو م يلعب بيك)    بعد تجريد منتخب بلاده من كأس أفريقيا..الاتحاد السنغالي يعلن أول قراراته    مقرّ خاتم الأنبياء العسكري يتوّعد بردّ قويّ    عثمان ميرغني يكتب: عودة لجنة التفكيك    تراجع معدّل التضخّم في السودان    ظهور لنجاة الصغيرة يفرح جمهورها.. والفنانة ترد    "رجعت الشغل تاني".. مطرب المهرجانات مسلم يعلن انتهاء أزمته    مشهد الولادة بمسلسل محمد إمام يثير غضباً.. والممثلة توضح    داركو نوفيتش : عودة قباني إضافة حقيقية للفريق    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    6 عادات يوصى بتجنبها في المساء لحماية القلب    عاجل.. اغتيال لاريجاني    دراسة : الأطعمة فائقة المعالجة تهدد كثافة العظام    ابتكار علاج لسرطان القناة الصفراوية من الحليب    ياسين أقطاي يكتب: كيف وقعت إيران في هذا الخطأ الإستراتيجي؟    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    لافروف قلق إزاء مستقبل نظام عدم انتشار الأسلحة النووية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    الترجي يهزم الأهلي في ذهاب ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    انقطاع طويل للكهرباء يضرب مُدناً وقُرى سودانية واسعة في رمضان    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    السودان.. مباحث مكافحة سرقة السيارات تطلق تحذيرًا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النخبة السودانية والوعي الشقي
نشر في الراكوبة يوم 05 - 05 - 2022

يعيش السودان اليوم ما يشبه أزمة في نخبه الوطنية، إذ لا يكاد هناك ما يمكن أن نطلق عليه مفهوم النخبة على نحوٍ يعكس الامتياز الموضوعي الذي يعيد تعريف هذه الطبقة بصورة تدل على الكفاءة المطلوبة لما يمكن أن تحدثه هذه الطبقة بوعيها القومي السوداني من تغيير.
يعود الأمر في جزء كبير منه إلى التخريب الذي مارسه نظام الإسلام السياسي في محو صورة النخبة الوطنية – على ما كان فيها من اهتزاز ونقص – لأن نظام الترابي البشير، إذ عوّم مفهوماً أيديولوجياً لجماعة الإخوان المسلمين بوصفها نخبة حاكمة، كان في الوقت ذاته يحاول باستمرار محو مفهوم النخبة السودانية بوصفها نخبة "متعلمنة"، ولا تعكس أي أصالة عن الهوية الإسلامية (كما يفترضها تأويلهم الأيديولوجي للإسلام بالطبع).
والحال أن إشكالية النخبة السودانية ومأزقها ظلا منذ الخمسينيات والستينيات في طي الكمون الذي كان يضمر تحته كثيراً من الأزمات غير المنظورة. لأن مفهوم النخبة السودانية ظل باستمرار خلال ذينك العقدين مرتبطاً بطبقة متعلمة ارتكز أغلبها في محور: دنقلاالخرطومكوستي بطريقة عكست تعريفاً أقرب إلى النخبة المناطقية منه إلى النخبة الوطنية/ القومية، وهو ما تبين بعد ذلك في الآثار الخطيرة التي خلّفها وعي ذلك المفهوم للنخبة.
لقد ظهرت الأزمات التي عكسها غياب المفهوم الموضوعي للنخبة في وقت مبكر، وعبر احتجاجات تطورت في ما بعد إلى مشكلات وحراك مسلح، عقب تمرد توريت بجنوب السودان عام 1955، وقد كان ذلك التمرد العسكري مؤشراً دالاً بذاته إلى خطورة الفهم الذي انطوى عليه مفهوم النخبة السودانية آنذاك لمعنى السودان، حيث يظهر ذلك تماماً في معاني نشيد مؤتمر الخريجين الذي كتبه خضر حمد (ومؤتمر الخريجين كان آنذاك هو خلاصة النخبة السودانية)، فقد جاءت في ذلك النشيد جملة تقول: "أمةٌ أصلها للعرب"، وبكل تأكيد ثمة عرق عربي في السودان، لكن السودان في جهاته الأربع لم يكُن عربياً بالمعنى العرقي للأصول، وإن كانت لغته العامة وثقافته المشتركة عربية.
الأمر الذي انعكس في تطور كثير من الأزمات آنذاك كان يمكن حلها لو تم استدراك الوضع، لكن بسبب التصور الذي حملته النخبة المناطقية آنذاك ظانةً أنه تصور قومي، تحولت تلك الأزمات المبكرة مع مرور الوقت إلى أزمات عميقة جداً، وتحولت الاحتجاجات معها إلى حمل السلاح من أجل نيل الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية المستحقة للجماعات السودانية، وكانت ذروة الأمر مع انقلاب نظام البشير عام 1989، فاشتعلت الحروب الأهلية في الجنوب ودارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة وشرق السودان نتيجة للتراكمات التي أهملت تلك الجماعات السودانية ومناطقها.
لقد كان التطور الجنيني لوعي النخبة بالهوية العامة لمعنى السودان في حاجة ماسة إلى هزة عنيفة تمثلت في التعاضد الذي عبّرت عنه الحركة الشعبية بشقَّيها العسكري والمدني، إذ كان الحراك العسكري للحركة الشعبية، كما عبّر جون قرنق أكثر من مرة، تعبيراً عن اليأس من أي إمكانية لتحول وعي النخبة السودانية إلى فهم جديد لمعنى السودان الحقيقي بأي طرق سلمية، بل حتى عندما أسقطت الانتفاضة الشعبية نظام الجنرال نميري عام 1985، واصل جون قرنق حمل السلاح ضد السلطة المركزية في الخرطوم ليقينه بأن تكلّس وعي النخبة الذي عجز عن فك ارتباطه بالهوية المناطقية بات أمراً لا يمكن الشفاء منه إلا باهتزازات عنف قانوني ضد السلطة، فيما راكم منصور خالد، سكرتير الحركة الشعبية (وهو أبرز مفكر سوداني من أبناء الشمال) دراسات وأفكار بناءة في نقد الهوية المركزية المناطقية التي جرى تعميمها كهوية قسرية للسودانيين كافة.
بطبيعة الحال، كان هناك أفراد يفكرون بالمعنى القومي لهوية النخبة والمطلب التمثيلي للسودانيين كافة في تركيبة الهوية السودانية لكنهم كانوا أفراداً معزولين، أو مفكرين من أمثال محمود محمد طه، أو نخباً حزبية لا يمكن أن تطور وعياً يخترق ذلك الاستعصاء.
وكم كان مؤسفاً أن نرى بعد توقيع اتفاقية نيفاشا مع نظام البشير عام 2005 (على ما في تلك الاتفاقية من عوار) يقظة غريبة لوعي مناطقي في المركز، بدا واضحاً أنه بالفعل حالة عيانية لتطابق الفهم الذي يطرح نفسه وعياً قومياً للنخبة فيما هو في صميمه وعي مناطقي، حين استقطب نظام البشير أفراداً، طالما توهمنا فيهم رموزاً تحمل وعياً قومياً، وحشدهم لمواجهة المد الجنوبي الذي سيأتي مع وصول جون قرنق إلى الخرطوم! وكان من أولئك الأفراد شخصيات مثل: حسن ساتي – خالد المبارك – محمد إبراهيم الشوش – وآخرين!
لهذا يمكن القول إن ما انعكس وعياً ضعيفاً بل وحتى ساذجاً بجذور مشكلات الأطراف الإقليمية السودانية حتى لدى نخب أحزاب المركز (التي تدعي أنها أحزاب مركزية لكل السودانيين)، لا يزال قائماً ومثيراً للشفقة حتى اليوم بعد ثورة ديسمبر 2018، الأمر الذي يمكننا أن نفهم من خلاله مدى عمق المأزق الذي تنطوي عليه أفكار النخب، والنخب الحزبية السودانية اليوم.
فاليوم، ونتيجة لعجز النخب السودانية في الاضطلاع بمهمة الوعي القومي لكي تكون قادرة على فهم مشكلات الأقاليم ومن ثم وضع الحلول لها، نرى المشكلات تزداد تفاقماً في دارفور، فيما تهدأ وتستيقظ في شرق السودان. لكن لكون أن التحدي الذي يمثل اليوم أمام النخبة السودانية الفاشلة (كما نعتها منصور خالد ذات يوم في كتاب بعنوان "النخبة السودانية وإدمان الفشل) أكثر تعقيداً من ذي قبل بعد 30 عاماً من تخريب نظام الإسلام السياسي على يد البشير – الترابي، ستظل هذه النخب أكثر عجزاً مع مرحلة ما بعد انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول). لأنه بعد فشل وضياع تجربة الوحدة السودانية على أسس جديدة من خلال اتفاقية نيفاشا 2005، وبعد الإجهاز على المرحلة الانتقالية الواعدة، على الرغم من أخطائها الجسيمة برئاسة حكومة حمدوك، سيكون السودان ذاته على مفترق طرق.
اتفاقية سلام جوبا
على الرغم من اللغط الذي يثيره كثيرون حول اتفاق سلام جوبا الذي جرى في المرحلة الانتقالية السابقة خلال رئاسة حكومة حمدوك، إلا أن اتفاقية جوبا في جوهرها تعبّر عن نظام جيد لتعزيز سلطة الشعب السوداني بمكوناته كافة في أنصبة عادلة للسلطة والثروة.
فما يثيره البعض من انتقاد لاتفاق جوبا ينمّ عن شعور بأن هذه الاتفاقية ستسحب بساط الامتياز التاريخي الظالم من تحت كثيرين في مواقع ووظائف السلطة العمومية بردّها لصالح كل السودانيين. فاتفاقية جوبا حال تطبيقها بنزاهة ستنطوي على استحقاق لعدالة تاريخية لصالح كل المكونات السودانية.
وهناك من يعارض اتفاقية جوبا، في بعض مساراتها كمسار الشرق، بطريقة عنصرية لا تعكس وعياً مواطنياً، ولا تعرف أسلوباً للعمل السياسي، كما يفعل ما يسمّى
ب"المجلس الأعلى لنظارات البجا" في شرق السودان، لا سيما عبر خطابات أمينه السياسي التي تنطوي على وعي شقيّ في فهم السياسة، وتأويل عنصري لفهم الحقوق بطريقة قائمة على الإقصاء، وأسلوب ينطوي على الكراهية، ولن يؤدي إلا إلى حروب أهلية في شرق السودان لا سمح الله.
لعله من الأهمية بمكان اليوم، فيما تستأنف الثورة السودانية حراكها القوي من أجل استعادة الديمقراطية، أن تكون هناك إعادة نظر نقدية في مفهوم النخبة، الذي ظل يفهمه كثيرون على مدى نصف قرن بطريقة مركزية مناطقية مدعاة على أنها وعي قومي!
إن أكبر فشل للنخبة السودانية اليوم هو عجزها المقيم عن القيام بأي حلول للمشكلات الوجودية المزمنة التي يعيشها السودان اليوم، وهي في الحقيقة مشكلات من صنع يدي تلك النخبة ذاتها عبر ذلك الوعي الشقيّ، إذ ظنت تلك النخبة المركزية باستمرار: أن فهمها للوعي المناطقي المركزي هو ذاته الوعي القومي الذي يحتاجه السودان للخروج من النفق المظلم فضلّت وأضلّت!
اندبندنت عربية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.