الهلال يطعن رسمياً لدى الاتحاد الأفريقي ويطالب بإلغاء الطرد "المجحف" ل "فلومو"    المقال الأخير ... السودان شجرة "البامبو"    الأهلي الكنوز يجدد الثقة في أبنائه.. الشبح والشافعي يعودان لقائمة الأحمر.    لجنة أمن ولاية الخرطوم: ضبط 100 متهم خلال 30 عملية أمنية واستقرار كبير في الموقف الجنائي    ارتفاع اسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    أبرزهم القوني..الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات على سبعة سودانيين بينهم قيادات بارزة في التمرد    شاهد بالفيديو.. لأول مرة منذ 3 سنوات.. اختفاء شبه تام للسودانيين من شوارع العاصمة المصرية القاهرة خصوصاً حي "فيصل"    عضو بمجلس النواب المصري يطالب حكومة بلاده بمنح السودانيين مهلة شهرين لتوفيق أوضاع إقامتهم: (هم ضيوف مصر فى هذه الفترة الصعبة والآلاف منهم عادوا إلى وطنهم يحملون كل معانى المحبة)    خلال انفجار "حارة قارون".. إصابة سودانيين بحروق في حي السيدة زينب بالقاهرة    المالية تعلن ضوابط وترتيبات إنفاذ موازنة العام 2026م    بالفيديو.. ظنوا أنها "مسيرة".. طائرة "درون" تصيب مواطنين سودانيين بالذعر والرعب شاهد لحظة هروب النساء والأطفال بأحد الأحياء خوفاً من سقوطها    الهلال يستقبل صن داونز غدا بكيجالي في دوري الأبطال    الصحفية أم وضاح ترد على الناشطة والكاتبة رشا عوض وتصفها ب"الست رشوة" غفيرة باب الإمام.. اقسم بمن رفع السماء بلا عمد سأصيبك بجلطة    شاهد بالصورة والفيديو.. مواطن جنوب سوداني يتغزل في الفنانة إيمان الشريف لحظة وصولها "جوبا": (يا حلوة يا جميلة) والمطربة تتجاوب بالضحكات    معارك عنيفة في إثيوبيا    وزير الطاقة يعلن التوجه نحو توطين الطاقة النظيفة وتعزيز الشراكات الدولية خلال أسبوع الطاقة الهندي 2026    والي الخرطوم يقف على أعمال تركيب محولات الكهرباء وتأهيل المحطات وشد الاسلاك    بنفيكا يذبح ريال مدريد    جوجل تطلق ألفا جينوم.. نموذج ذكاء اصطناعى موحد لفك شيفرة الجينوم البشرى    مصطفى شعبان يعود إلى الدراما الشعبية بعد الصعيدية فى مسلسل درش    مركز عمليات الطوارئ بالجزيرة يؤكد استقرار الأوضاع الصحية    هل تم الاستغناء عن مارك رافالو من قبل ديزنى؟.. اعرف التفاصيل    خسائر الميتافيرس تتفاقم.. "ميتا" أنفقت 19 مليار دولار في الواقع الافتراضي خلال عام واحد    اكتشاف علمي قد يُغني عن الرياضة.. بروتين يحمي العظام حتى دون حركة    النفط عند أعلى مستوى في 4 أشهر    ارتفاع تاريخي يدفع الذهب لتسجيل 5565 دولارًا للأونصة مع تصاعد الطلب على الملاذات الآمنة عالميًا    عثمان ميرغني يكتب: السودان… الهدنة الهشة لا تعني السلام!    وزير الداخلية السوداني يعلنها بشأن الرئيس السابق عمر البشير    تحذير مهم لبنك السودان المركزي    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    شاهد بالفيديو.. بعد تعرضه لأزمة صحية.. الصحفي الشهير بابكر سلك يوجه رسالة لشعب المريخ ويمازح "الهلالاب" من داخل المستشفى: (جاي أقفل ليكم جان كلود ونأخد كرت أحمر أنا وهو)    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    مفاجأة سارة.. فليك يعلن قائمة برشلونة لموقعة كوبنهاجن    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    وزير الطاقة : نتطلع إلى شراكة أعمق مع الهند لإعادة إعمار قطاع الطاقة بعد الحرب    جمارك كسلا تحبط محاولة تهريب ذخيرة عبر نهر عطبرة    إندريك يجهز قرارا صادما لريال مدريد    بالأرقام.. بنزيما ورونالدو الأكثر إهداراً للفرص في دوري روشن السعودي    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    إحباط تهريب أسلحة وذخائر في ولاية نهر النيل    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ذكري انتفاضة مارس/ ابريل..ما من قوة تستطيع أن تقمع الشعب


ما من قوة تستطيع أن تقمع الشعب
. إن تمكن شعب السودان من الإطاحة بنظامين دكتاتوريين معاديين للشعب والوطن أصبح مأثرة نضالية
. إن النضال المرير الذي خاضته قوى المعارضة طيلة 16 عاماً أنهك السلطة المايوية وأدى إلى انهيارها النهائي
تؤكد التجارب في السودان وفي العالم ، أنه ما من قوة تستطيع ان تقمع الشعب إلى ما لا نهاية . كما أكدت أن مقاومة الجماهير وقدراتها تتراكم ، وتتراكم أيضاً خبراتها، وقد تلجأ القوة الحاكمة إلى أساليب التضليل والخداع أو إلى القهر والبطش ، ولكن برهن التاريخ بوقائع كثيرة أنه تأتي أوقات ترفض فيها الجماهير العيش بالطريقة القديمة وتعجز فيها القوى الحاكمة عن الاستمرار في الحكم بالأساليب والوسائل القديمة . وهذا ما يسمى في الأدب السياسي بالأزمة الثورية. وعندها إذا توفر للجماهير التنظيم والوحدة واختارت الوسائل المناسبة وكانت على رأسها قيادة مدركة ، فأن الثورة ستنفجر.
. الأزمة الثورية :
غني عن القول أنه ما كل ثورة تتفجر لابد أن تنتصر حتما. لكن خوض الثورات بنجاح إلى الانتصار له قواعد وفنون لابد من حذقها ، ليس من بينها الهواية أو التردد أو عدم الاستعداد . فما أكثر الثورات والانتفاضات التي فشلت رغم عدالة قضيتها وشجاعة جماهيرها وقياداتها. ومن الممكن دراسة كل حالة والتوصل إلى أسباب النجاح والفشل .
غير أنه من المهم التأكيد على أن القوة التي يتمتع بها نظام ما مهما بلغت لا تمنع مقاومته ومنازلته ومعارضته ، مرة ومرتين وأكثر وأخيرا هزيمته، وقد كان نظام عبود مسلحاً وكان الجيش نفسه بمثابة حزبه السياسي ، وكان محمياً بترسانة من القوانين المقيدة للحريات وكانت الأحزاب محظورة والنقابات مقيدة ومع ذلك جاءت ثورة أكتوبر . وكان نظام مايو محمياً أيضاً بالجيش والشرطة وأجهزة بوليسية وله حزب سياسي ، ومنح الدستور نظام نميري سلطات استثنائية واسعة مدنية ودينية ، فكان الرئيس القائد والأمام المجاهد . لكن الشعب صارعه ولاحقه بصرخة لن ترتاح ياسفاح ! حتى صرعه. ولم يكن ذلك بمعركة وحيدة ، ولم تأت الانتفاضة ضد النظام المايوي من عدم : فقد كانت هناك 19 يوليو 1971 وشعبان 1973 وسبتمبر 1975 ويوليو 1976 وإضرابات عمال السكة الحديد والطلاب والمظاهرات والتمردات في الجنوب وانتفاضة دار فور وغيرها. رغم لجوء السفاح إلى التطهير الدوري لأجهزة الدولة من الشيوعيين والديمقراطيين وتعديل الدستور لمنح نفسه أوسع الصلاحيات ورغم التعذيب وقوانين الشريعة واستخدام سلاح الإعدام .
إن النضال المرير الذي خاضته قوى المعارضة طيلة 16 عاماً أنهك السلطة المايوية وأدى إلى انهيارها النهائي . لكن عدم توحد المعارضة منح نميري لوقت طويل فرصة استغلال الانقسام وضرب كل جماعة منفردة وكانت ( الجبهة الوطنية) قد أنجزت عملها الموحد الأخير في يوليو 1976. لكن في يناير التالي كانت محادثات المصالحة الوطنية قد بدأت بين نميري والصادق المهدي لتنتهي بتمزيق الجبهة وانضمام الأخوان للنظام ومقاطعة الشريف الهندي وموقف مضطرب لحزب الأمة . وحققت المصالحة للسلطة المايوية مخرجاً من أزمتها السياسية والاقتصادية استمر سنوات .
لكن ديكتاتورية نميري ما كان بوسعها في أي حال تحقيق نظام مستقر . فلم تستطع الصبر على اتفاقية أديس ابابا وسعت إلى فرض هيمنة شاملة على الجنوب عبر تدخل فظ في الموازنات القبلية والسياسية ، وفي الشمال تدهور الإنتاج وتجاوزت الديون الخارجية عشرين بليون دولار مع انتشار فساد واسع شاركت فيه كل الطغمة المايوية والرأسمالية الطفيلية المستشرية. وانكشفت فضيحة نقل الفلاشا إلى إسرائيل.
وشهد العامان الأخيران من عمر النظام تسارعاً في مقاومته : ففي الجنوب ظهرت حركة / جيش تحرير شعب السودان ، وفي الشمال لقيت قوانين سبتمبر مقاومة عامة متصاعدة . وتأسس التجمع النقابي، وبدأت المحادثات بين أحزاب المعارضة تعالج بصورة أكثر جدية قضايا العمل المشترك لإسقاط النظام .
وكان إعدام الأستاذ محمود محمد طه قاصمة الظهر لدكتاتورية نميري.
. بدء الانتفاضة :
تفجرت المظاهرات في أطراف العاصمة في الأسبوع الأخير من مارس 1985، وسرعان ما انتشرت (تستحق “تكتيكات" الانتفاضة دراسة متخصصة ، فقد كان لانتشار المظاهرات في أحياء العاصمة والمدن الأخرى دوره في إنهاك قوات الشرطة و" قوات مكافحة الشغب". وفي أحياء امدرمان ذات الخبرة في فن التظاهر ، لجأ المتظاهرون إلى الانتقال من شارع أبور وف الرئيس إلى الأزقة المتفرعة عنه حيث تصعب ملاحقتهم بالعربات وتتفرق قوات الشرطة في مجموعات صغيرة يسهل التعامل معها ، وكان المواطنون في الأحياء ، وخاصة النساء يوفرون الماء والطعام وأحياناً المأوى لحماية المتظاهرون ). وشارك طلاب الجامعات في المظاهرات ، وأنفضح موقف السلطة بالموكب الهزيل الذي سيرته قيادات الاتحاد الاشتراكي ، وفي اليوم التالي خرج موكب النقابات الحاشد الذي شاركت فيها جماهير غفيرة من المواطنين والمواطنات . وتنادت قيادات التحرك الجماهيري ( التجمع النقابي والتجمع الوطني( الحزبي)). إلى تنظيم عصيان مدني وإضراب سياسي يبدأ يوم السبت 6 أبريل . ولكن كبار ضباط القوات المسلحة استبقوا ذلك التاريخ وأعلنوا تكوين المجلس العسكري الانتقالي والانحياز للانتفاضة فجر السادس من أبريل نفسه .( استبق كبار الضباط أيضاً تحرك الضباط لصغار . الذين كانوا يميلون إلى دعم الانتفاضة . ولكن – كما أشارت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في دورتها في أيريل 1985 – فأن صغار الضباط يسود بينهم مفهوم أن الدعم الوحيد الذي يمكن أن يقدموه للشعب هو القيام بانقلاب عسكري بينما هناك خيارات أخرى .
استقبلت جماهير العاصمة إعلان القوات المسلحة كنصر لها وخرجت إلى الشوارع احتفاء بإسقاط النظام المايوي . ولكن بينما كانت أقسام كبيرة منها تدعو لاستمرار الانتفاضة وتنفيذ الإضراب السياسي والعصيان المدني( وبينها المجموعات التي حاصرت مباني جهاز الأمن وانتزعت قرار حله). وهي تهتف " لن تحكمنا بقايا مايو " صدر نداء بأسم التجمع النقابي بإيقاف الإضراب . ومهما كانت الشكوك في مصدر ذلك النداء فقد توقف الإضراب بالفعل . . إن حصار جهاز الأمن يوم السبت يرجح أن الانتفاضة كان بمقدورها الاستمرار . لكن ما تكشف من خلافات في نفس اليوم يؤكد من الناحية الأخرى أنها عانت من ضعف كامن في قيادتها . لقد أدى وقف الإضراب قبل تكوين السلطة الانتقالية إلى إضعاف خطير في مواقع التجمع الوطني وإلى دعم " من السماء للمجلس العسكري الانتقالي سهل له مهمة اختطاف السلطة .
لقد نجحت الانتفاضة بالفعل في إسقاط النظام المايوي وحل جهاز الأمن القومي والقضاء على رموز النظام من اتحاد اشتراكي ومنظمات مزيفة . واستعادت الانتفاضة الديمقراطية وفتحت الباب أمام حرية النشاط السياسي.
مع ذلك عانت الانتفاضة من مواطن ضعف . فعلى الأرض لم يتمكن التجمع الوطني من الإنفاق على ميثاق إلا في ساعة متأخرة من صباح يوم 6 ابريل . وعندما بدأت المحادثات مع المجلس العسكري الانتقالي كان ممثلو التجمع ما يزالون مختلفين على برنامج الفترة الانتقالية ومدتها وصلاحيات السلطة الانتقالية ، ناهيك عن علاقتها مع المجلس العسكري الانتقالي الذي لم يحسب له حساب من قبل.
وقد تمخض الموقف على الأرض عن سلطتين ، أحداهما المجلس العسكري الذي انبثق كممثل لسلطة مضروبة ومهزومة ، والتجمع الوطني( النقابي والحزبي) الذي قاد الانتفاضة. في البداية كان التجمع في مركز معنوي اقوى لكن الخلافات بين ممثليه فتحت ثغرة واسعة لكي ما يتقدم العسكر ليصبحوا أصحاب السلطة السيادية والتشريعية ، تاركين ممثلي التجمع لكي ما يقبلوا دون مقاومة أن يتعاركوا على مناصب تنفيذية منزوعة السلطات .وقد لعب ممثلا حزب الأمة والاتحاد الديمقراطي دوراً سلبياً ملحوظاً بموقفهما العدائي ضد الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية ، مما أتاح – حتى في حيز اختيار رئيس الوزراء والوزراء– للإخوان وحلفائهم احتلال عدد هام من الواقع دون أي استحقاق ، في حين كانوا معزولين تماماً وكان سهلاً توجيه ضربة قاسية لهم.
وكان لكل ذلك أثره :
أولاً: في تقصير فترة الانتقال إلى سنة واحدة – وقد تقرر في المفاوضات قبل 6 أبريل ان تكون طويلة نسبياً – ثلاث سنوات على الأقل.
ثانياً: في اختلال توازن القوى في مؤسسات الانتفاضة – بين المجلس العسكري والحكومة ، وداخل الحكومة نفسها ، وقد قاد هذا إلى عزل القوى الديمقراطية والشيوعيين وقوى الانتفاضة عموماً عن المشاركة في صياغة الدستور وقانون الانتخابات وتقسيم الدوائر الانتخابية والقواعد التي تحكم انتخابات الخريجين . كما أن ذلك الاختلال وإضعاف مواقع القوى الديمقراطية أدي إلى استمرار الحرب الأهلية في الجنوب على ذات النهج المايوي، بينما كان إسقاط النظام المايوي قد أتاح فرصة لا تقدر بثمن للتوصل إلى حل لصالح الديمقراطية والوحدة والتقدم .
وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى موقف الحركة الشعبية التي دعت العمال والطلاب إلى استمرار الانتفاضة ووصف ما تمخض عنها بأنه مايو 2 . لكن الانتفاضة لم تجئ استجابة لنداء من الخارج أو من خارج صفوفها . غير أن الظروف كانت في كل الأحوال قد تغيرت ونشأت معطيات جديدة في الساحة . وقد سعى الحزب الشيوعي والتجمع النقابي والحزبي لإقناع الحركة بالانضمام لقوى الانتفاضة في المناخ السياسي الجديد . مهما كان رأيها فيه ، وبدون أن تلقى سلاحها. وكان ذلك أمراً ممكناً ، ولكنها رفضت .
ويمكن القول أن الخريطة السياسية في أعقاب سقوط النظام المايوي تمثلت في :
- التجمع الوطني لإنقاذ الوطن( بشقيه النقابي والحزبي ) ببرنامج ديمقراطي عام ، ولكن بتكوين هش واختلافات ليست هينة.
- تمرد مسلح في الجنوب بقيادة الحركة الشعبية ، إضافة إلى الكيانات السياسية الجنوبية القديمة ورغم تعاطف واسع بين القوى الديمقراطية في الشمال مع الحركة إلا أنه لم يتأسس عمل مشترك فعال.
- مجلس عسكري انتقالي يمثل كبار الضباط( يمين).
- الجبهة القومية الإسلامية بقدرات مالية كبيرة ومواقع مؤثرة في أجهزة الدولة .
* وكان طبيعياً مع كل هذا ( وفوق بقايا النظام المايوي ) أن تندلع الصراعات القديمة وصراعات أخرى جديدة.
أهم القضايا التي دار حولها الصراع كانت :
- تصفية آثار مايو. وعلى رأسها قوانين سبتمبر ومؤسسات تركها النظام وراءه.
-تصحيح مسار الاقتصاد ورفع الضائقة المعيشية .
- وقف الحرب الأهلية في الجنوب وحل المشاكل التي قادت إليها.
* ويمكن تلخيص توازن القوى في فترة ما بعد الانتفاضة على النحو التالي :
- تعاطف جماهيري واسع مع أهداف الانتفاضة ، تجلي في مواصلة الضغط حتى حل جهاز الأمن .والبهجة العارمة بسقوط نميري ، وإسقاط الترابي في " دائرة الانتفاضة " ورفض أقسام واسعة من جماهير حزب الأمة وقياداته الوسيطة للتحالف مع الجبهة الإسلامية .
- خرجت القوى الديمقراطية مثخنة ومنهكة من الضربات التي وجهها النظام المايوي لها جراء مقاومتها المتصلة( الحزب الشيوعي – النقابات – الضباط الوطنيون – القوى الديمقراطية في جهاز الدولة الخ ).
- تمخضت نتائج الانتخابات عن جمعية تأسيسية تطغى عليها شعارات التأسلم وعلى رأسها إبقاء قوانين سبتمبر والتوجه نحو دستور إسلامي وسن التشريعات معادية للديمقراطية والتقدم.
- ساد مناخ هزيمة عام في المنطقة العربية ودور الجوار.
- وفر استمرار الحرب الأهلية صيحة “إنقاذ القوات المسلحة والوطن " لقوى اليمين عامة ، وراية لانقلاب 30 يونيو فيما بعد.
الإضراب السياسي العام والعصيان المدني .. أداة مجربة للثورة والانتفاض :
ورد في ( ص124) من كتاب المؤتمر الرابع للحزب “الماركسية وقضايا الثورة السودانية" عن ثورة أكتوبر التالي :....." فالعناصر الساذجة سياسياً، أو العناصر اليمينية التي تحاول التقليل من الثورة والحيلولة دون تحوّل تجاربها إلى رصيد للحركة الشعبية ( الجماهيرية)، تعرض للثورة وكأنها بدأت بين أحداث جامعة الخرطوم ، وهذا مسلك خاطئ “.
فالثورة لا تأتي بالصدفة أو بالطلب ، ولا تقود كل مظاهرة أو إضراب للثورة أو الانتفاضة . جوهر الأمر ان التراكم النضالي ضد القهر والاستبداد والسياسات المعادية للشعب والوطن ، يجعل في نهاية المطاف خيار الثورة والانتفاض أمراً حتمياً لا مناص عنه ولا مرد له .
وفي الواقع ظلت القوى المعادية لتطور الثورة الديمقراطية والتغيير الاجتماعي في السودان. تسعى لطمس تجربة الإضراب السياسي العام والعصيان المدني كأداة مجربة للثورة والانتفاض، والحيلولة دون ترسخها في ضمير ووجدان ووعي الشعب ، بين تجاربه النضالية التي يتزود بها للإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية والشمولية ، وجرى الحديث للوصول إلى هذا الهدف عن أن انتصار الشعب في ثورة 21 أكتوبر64 ، كان مجرد صدفة نادرة لا تتكرر وفلته من فلتات الزمان.
ورغم أن انتصار الشعب تكرر في الواقع العملي بذات سلاح الإضراب السياسي العام والعصيان المدني في انتفاضة مارس/ أبريل 1985، إلا أن اسطوانة الصدفة في إنتاج الثورة والانتفاضة لا يزال يتردد صداها . ويتم دعم وتأكيد مثل هذا الزعم بترسانة كاملة من الافتراضات والأباطيل المسيئة للشعب وتاريخه النضالي البطولي ودماء شهدائه الأبرار على شاكلة أن ثورة أكتوبر كانت خطأ كبيراً لأنها أطاحت بنظام وطني أهتم بالتنمية !. وأن عودة السفاح نميري أبان الانتفاضة كانت كفيلة بالقضاء عليها ، وأن الانتفاضة نفسها كانت مجرد انقلاب قصر قام به كبار جنرالات السفاح !.
وهكذا يتحدث أعداء الثورة والانتفاضة عن كل شيْ ويتحاشون الحديث في بيت القصيد ومربط الفرس. أنهم يسقطون من اعتبارهم الطبيعة الدكتاتورية المعادية للديمقراطية والشعب والوطن في سياسات هذين النظامين وعدائهما المتأصل للشعب والتقدم وفسادهما وإفسادهما والتراكم النضالي والنهوض الثوري لحركة جماهير الشعب وقواه السياسية والنقابية ضدهما وضد جرائمهما الذي قاد في نهاية الأمر للثورة وللانتفاض بسلاح الإضراب السياسي العام والعصيان المدني، وأودى بالنظامين إلى موارد الهلاك .
إن تمكن شعب السودان من الإطاحة بنظامين دكتاتوريين معاديين للشعب والوطن في أكتوبر 1964 ثم في مارس/ أبريل 1985، أي بعد أقل من 21 سنه، بالنضال السياسي الجماهيري والإضراب السياسي العام والعصيان المدني، أصبح مأثرة نضالية لشعب السودان. ذلك أن تجربة اسبانيا والبرتغال في الإطاحة بفرانكو وسلازار دشن لهما في البداية التمرد العسكري واسع النطاق خلال سبعينات القرن الماضي .
الميدان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.